سدود القوة وسياسات النهضة: مشروع “الدولة التنموية” في إثيوبيا

كتاب “السدود، القوة، وسياسات النهضة في إثيوبيا” (Dams, Power, and the Politics of Ethiopia’s Renaissance) لمؤلفه توم لافيرز (بالاشتراك مع نخبة من الباحثين) يمثل واحداً من أهم الدراسات السياسية والاقتصادية التي صدرت مؤخراً لتفكيك شيفرة الصعود الإثيوبي المعاصر، وهو عمل لا يكتفي برصد الجوانب التقنية للسدود، بل يغوص في أحشاء “الدولة التنموية” وتحولاتها الجيوسياسية
نبوءة زيناوي التي تحولت إلى واقع من خرسانة
في الثاني من أبريل عام 1996، أطلق رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي تصريحاً بدا في ذلك الوقت أقرب إلى الطموح الحالم منه إلى المخطط الواقعي؛ قال حينها: “إثيوبيا تبدأ الآن في المشي، لكنها يوماً ما ستركض.. بعد خمسة عشر أو عشرين عاماً من الآن، قد تفكر في فعل ما تفعله تركيا في نهر الفرات [عبر بناء سدود أحادية الجانب].. نحن نبني اقتصادنا ونعزز النمو لكي نتمكن يوماً ما من الاستغناء عن التمويل الدولي للمشاريع الكبرى”.
بعد خمسة عشر عاماً بالتمام والكمال، وفي الثاني من أبريل 2011، كان زيناوي يضع حجر الأساس لما سيعرف بـ “سد النهضة الإثيوبي الكبير” (GERD). لم يكن هذا السد مجرد مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية بقدرة 5,150 ميغاوات، بل كان تجسيداً مادياً لرحلة “الركض” التي وعد بها زيناوي، وإعلاناً صريحاً عن ميلاد قوة إقليمية تسعى لكسر القيود الجيوسياسية والتاريخية التي كبلتها لقرون.
في كتابه الصادر حديثاً عن دار نشر جامعة أكسفورد (2024)، ، يقدم الباحث توم لافيرز بالتعاون مع فريق من الباحثين المتخصصين، تشريحاً دقيقاً لـ “طفرة السدود” الإثيوبية. يجادل الكتاب بأن سد النهضة ليس مجرد “فكرة طرأت فجأة” استجابةً لظروف الربيع العربي في مصر كما ذهب البعض، بل هو ذروة عملية طويلة الأمد تضرب بجذورها في طموحات إمبراطورية قديمة، وتتمحور حول استراتيجية “الدولة التنموية” التي تبنتها جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) والائتلاف الحاكم (EPRDF) منذ وصولهم إلى السلطة عام 1991.
الدولة التنموية كاستراتيجية للبقاء السياسي
يذهب لافيرز إلى أبعد من التفسيرات الهندسية أو الاقتصادية البسيطة؛ فهو يرى أن بناء السدود في إثيوبيا كان “مشروعاً سياسياً” بامتياز، نابعاً من إحساس عميق بالهشاشة والضعف السياسي. لقد حكمت الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (EPRDF) في سياق من عدم الاستقرار؛ فهي تمثل قيادة من أقلية عرقية لم تكن تتمتع بدعم شعبي واسع خارج إقليم تيغراي. ومن هنا، كان التحول الاقتصادي السريع هو “تذكرة المرور” الوحيدة لتثبيت أركان النظام وضمان بقائه.
لقد صاغ ملس زيناوي رؤية ترى في النمو الاقتصادي وتوفير سبل العيش الزراعية والتوظيف الصناعي وسيلة لربط الجماهير بالنظام القائم وتحقيق الاستقرار السياسي. في هذا السياق، لم تكن السدود مجرد منشآت لتوليد الكهرباء، بل كانت الركيزة الأساسية لهذا المشروع؛ فهي توفر الطاقة الرخيصة للصناعات الناشئة، وتعمل كأداة للخدمات الجماعية، وتمثل مصدراً حيوياً للعملة الصعبة من خلال تصدير الكهرباء للدول المجاورة.
تحدي المركز والهامش: السدود كأداة لبناء الدولة
يوضح الكتاب كيف أن السدود في إثيوبيا ارتبطت بمشروع “بناء الدولة” وتكريس سيطرتها على الأراضي التي ضمتها الإمبراطورية في نهاية القرن التاسع عشر. فبينما يتم تبرير هذه المشاريع بلغة “التحديث” و”التنمية الوطنية”، يشير لافيرز إلى مفارقة صارخة: الفوائد تصب في “المركز” (المدن والمناطق الصناعية)، بينما تقع الأعباء والتبعات البيئية والاجتماعية على كاهل المجموعات السكانية المهمشة سياسياً في “الأطراف” أو الهوامش.
هذا التوتر بين الطموح الوطني العريض والواقع المحلي المعقد هو الخيط الناظم الذي يربط بين عهد الإمبراطور هيلا سلاسي، الذي كان أول من حلم بتدجين النيل الأزرق، وبين نظام “الدرق” الماركسي، وصولاً إلى الحقبة المعاصرة. إلا أن ما يميز العهد الأخير هو “القدرة على التنفيذ”؛ فبينما عجزت الأنظمة السابقة بسبب الانقسامات الداخلية والضعف المالي ومحدودية الأهمية الاستراتيجية لإثيوبيا لدى القوى العظمى، استطاع نظام الجبهة (EPRDF) استغلال التحولات في الاقتصاد السياسي العالمي لبناء “طفرة السدود”.
الاقتصاد السياسي لـ “النهضة الخضراء”
من النقاط المثيرة للاهتمام التي يطرحها الكتاب هي الطريقة التي سوّق بها النظام الإثيوبي لمشاريع السدود تحت لافتة “الاقتصاد الأخضر”. فمن خلال التركيز على الطاقة الكهرومائية، استطاعت إثيوبيا أن تقدم نفسها كقائدة في مفاوضات المناخ العالمية، وكدولة تسعى لتجاوز المسار الكربوني التقليدي الذي سلكته الدول الصناعية الكبرى. هذا التموضع الاستراتيجي لم يخدم البيئة فحسب، بل كان أداة دبلوماسية بارعة لجذب التمويل وتخفيف الضغوط الدولية، رغم أن الدافع الحقيقي كان دائماً هو السيادة الوطنية والاستقلال الطاقي.
لكن هذا “الركض” نحو التنمية لم يخلُ من عثرات كبرى؛ يحلل لافيرز كيف أن الهوس بالسرعة وحجم المشاريع أدى إلى “تجاوز القدرات التقنية والمالية” للدولة. فبينما كانت القيادة السياسية تضغط من أجل سدود أكبر وأكثر تعقيداً، كان هناك فجوة متزايدة بين الطموح السياسي والخبرة الفنية المتاحة، مما أدى إلى تأخيرات هائلة، وتجاوز في التكاليف، وتراكم للديون التي باتت تهدد اليوم استدامة النموذج التنموي الإثيوبي برمته.
هندسة التحايل.. كيف مُوّلت “النهضة” بعيداً عن أعين واشنطن؟
لطالما كان التمويل هو “الكعب الأخيل” في طموحات دول حوض النيل لبناء سدود كبرى. لعقود طويلة، فرض البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية “فيتو” غير معلن على تمويل أي مشاريع مائية على النيل الأزرق ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل مع دول المصب، وتحديداً مصر. هنا، يكشف توم لافيرز في كتابه عن واحدة من أكثر المناورات المالية والسياسية ذكاءً في تاريخ أفريقيا الحديث، وهي استراتيجية “التمويل الذاتي والبدائل الآسيوية”.
1. تحالف الضرورة: “ساليني” وإثيوبيا
يشرح الكتاب كيف وجدت إثيوبيا في شركة “ساليني إمبريجيلو” (Salini Impregilo) الإيطالية شريكاً مثالياً. لم تكن العلاقة مجرد عقد مقاولات، بل كانت “زواجاً استراتيجياً” سمح لإثيوبيا بالالتفاف على قواعد المشتريات الدولية الصارمة. فبدلاً من طرح مناقصات عالمية تستغرق سنوات وتتطلب موافقات جهات مانحة دولية، اعتمدت أديس أبابا على “الإسناد المباشر” لشركة ساليني.
هذا النموذج، الذي يصفه لافيرز بـ “نموذج الشراكة التفضيلية”، وفر للنظام الإثيوبي ميزتين: السرعة الفائقة في بدء التنفيذ لفرض “أمر واقع” على الأرض، والمرونة في التعامل مع الصعوبات الفنية دون تدخل من “خبراء” البنك الدولي الذين يميلون للحذر السياسي. لقد كانت ساليني مستعدة للمخاطرة مقابل عقود مليارية، مما جعلها بمثابة “الذراع الهندسية” للسيادة الإثيوبية.
2. التنين الصيني: المحرك الذي لا يظهر في “الخرسانة”
هناك سوء فهم شائع يصححه الكتاب بدقة؛ فالصين لم تمول بناء “جسم” سد النهضة مباشرة، خوفاً من الصدام الدبلوماسي مع مصر. لكن لافيرز يكشف أن الدور الصيني كان حاسماً في “الأحشاء التقنية” للمشروع. فبينما موّلت إثيوبيا بناء السد (الأسمنت والعمالة) من خلال حملات تبرع وطنية واقتطاعات من رواتب الموظفين (ما وصفه الكتاب بـ “تعبئة قومية قسرية أحياناً”)، كانت البنوك الصينية تضخ مليارات الدولارات لتمويل التوربينات، والمحطات الكهربائية، وخطوط نقل الطاقة العملاقة.
هذا “التقسيم الذكي للعمل المالي” سمح لإثيوبيا بأن تقول للعالم إن “السد يُبنى بأموال إثيوبية خالصة”، بينما كانت التكنولوجيا والشبكة الكهربائية التي ستجعل السد ذا قيمة اقتصادية تعتمد كلياً على الائتمان الصيني. يحلل الكتاب هذه النقطة كدليل على قدرة الدولة التنموية في إثيوبيا على المناورة بين القوى العظمى وتحويل الاعتماد الاقتصادي إلى أداة لتعزيز السيادة الوطنية.
الفصل الثالث: من “المبادرة” إلى “الاتفاق الإطاري”.. الانقلاب على التقاليد الجيوسياسية
ينتقل لافيرز في فصول الكتاب الوسطى إلى تحليل “الدبلوماسية المائية” الإثيوبية، وكيف انتقلت من دور “الضحية التاريخية” لاتفاقيات الاستعمار إلى دور “اللاعب المهيمن” الذي يعيد صياغة القوانين.
1. موت “مبادرة حوض النيل” (NBI)
لسنوات، انخرطت إثيوبيا في “مبادرة حوض النيل” التي أُطلقت عام 1999، والتي كانت تهدف إلى الوصول لتعاون تقني وتنموي بين جميع دول الحوض. لكن الكتاب يطرح رؤية نقدية لهذه الفترة؛ حيث يرى أن إثيوبيا استخدمت المبادرة كـ “ستار دخاني” لكسب الوقت وبناء قدراتها الداخلية، بينما كانت تعد العدة للانسحاب من مبدأ “الإجماع” الذي كانت تصر عليه مصر والسودان.
اللحظة الفارقة كانت التوقيع على “اتفاقية عنتيبي” (CFA) في عام 2010. هنا يحلل الكتاب كيف نجحت إثيوبيا في قيادة دول المنابع (أوغندا، كينيا، رواندا، تنزانيا) لتشكيل كتلة تصويتية ترفض “الحقوق التاريخية” لمصر وتستبدلها بمبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول”. لقد كان هذا “تمرداً قانونياً” قاده ملس زيناوي ببراعة، محولاً الصراع من نزاع ثنائي بين القاهرة وأديس أبابا إلى صراع بين “مجموعة دول المنابع” و”دول المصب”.
2. سد النهضة كـ “حقيقة مادية” لا تقبل الجدل
يؤكد الكتاب أن استراتيجية إثيوبيا اعتمدت على مفهوم “الهيمنة المادية”. فبينما كانت المفاوضات السياسية تراوح مكانها في الفنادق والقاعات المغلقة، كانت آلات الحفر في “بني شنقول-قمز” تعمل على مدار الساعة. يجادل لافيرز بأن القيادة الإثيوبية أدركت مبكراً أن العالم لا يعترف إلا بالحقائق على الأرض؛ فبمجرد أن يرتفع جدار السد إلى مستوى معين، تصبح خيارات “المنع” أو “التدمير” باهظة التكلفة سياسياً وعسكرياً، ويتحول النقاش من “هل يُبنى السد؟” إلى “كيف سيتم ملؤه؟”.
الفصل الرابع: المجمع الصناعي العسكري (METEC).. الطموح الذي كاد يقتل السد
من أكثر الأجزاء إثارة في كتاب توم لافيرز هو تسليط الضوء على “شركة المعادن والهندسة” (METEC)، وهي تكتل اقتصادي تديره المؤسسة العسكرية الإثيوبية. يروي الكتاب كيف أراد ملس زيناوي تحويل سد النهضة إلى مدرسة لـ “التصنيع الوطني”، فأوكل للمجمع العسكري مسؤولية الأعمال الكهروميكانيكية في السد.
لكن النتيجة كانت كارثية. يوثق الكتاب حالات الفساد الهائل، وسوء الإدارة، والتأخيرات التي كبدت المشروع سنوات من التوقف. هذه النقطة بالذات تكشف عن “الوجه المظلم” للدولة التنموية؛ حيث تتقاطع المصالح العرقية والسياسية مع المشاريع القومية، مما يؤدي إلى نخر في كفاءة الدولة. كان فشل “ميتيك” هو الشرارة التي أدت لاحقاً إلى تحولات سياسية كبرى داخل النظام الإثيوبي، وصولاً إلى صعود آبي أحمد الذي اضطر “لتطهير” المشروع من جنرالات التيغراي لإنقاذ السد من الانهيار الإداري.
من “إرث زيناوي” إلى “رمزية آبي أحمد”.. السد في مهب التحولات السياسية
لم يكن سد النهضة مجرد مشروع هندسي، بل كان “عقيدة سياسية” صاغها ملس زيناوي لربط القوميات الإثيوبية المختلفة بمشروع مركزي. لكن، وكما يوضح توم لافيرز، فإن رحيل زيناوي في 2012 ترك المشروع في حالة من “اليتم السياسي” والتعثر الإداري. ومع صعود آبي أحمد إلى السلطة في عام 2018، واجه السد تحدياً وجودياً: هل يظل مشروعاً مرتبطاً بإرث “جبهة تحرير شعب تيغراي” المكروهة شعبياً، أم يتم تحويله إلى رمز وطني جامع؟
يحلل الكتاب ببراعة كيف قام آبي أحمد بـ “تأميم” رمزية السد. فبدلاً من اعتباره إنجازاً للحزب القديم، أعاد تقديمه كحلم إثيوبي يتجاوز الانقسامات العرقية. كانت خطوته الأولى هي “تطهير” المشروع من مجمع (METEC) العسكري، وهي خطوة كانت ضربة مزدوجة: تقليص نفوذ جنرالات التيغراي، وإصلاح المسار الفني للسد الذي كان يعاني من عيوب إنشائية خطيرة في التوربينات. يجادل لافيرز بأن آبي أحمد استخدم السد كـ “مادة لاصقة” للهوية الوطنية في وقت كانت فيه البلاد تنزلق نحو حرب أهلية طاحنة، محولاً عملية ملء الخزان إلى احتفالات قومية تهدف للتغطية على التصدعات السياسية الداخلية.
الفصل السادس: ثمن “النهضة”.. الوجه الآخر للسدود في الهوامش
بينما تتركز التغطيات الصحفية العالمية على الصراع بين القاهرة وأديس أبابا، يوجه لافيرز عدسته نحو “الضحايا الصامتين” داخل إثيوبيا. يخصص الكتاب حيزاً هاماً لتحليل الأثر الاجتماعي على إقليم “بني شنقول-قمز”، حيث يقع السد. هنا، تتجلى قسوة “الدولة التنموية” في أبهى صورها؛ حيث تم تهجير آلاف السكان من قبائل “القمز” و”البرتا” من أراضيهم التاريخية لإفساح المجال لخزان السد الذي سيمتد على مساحة 1,875 كيلومتراً مربعاً.
يشير الكتاب إلى أن خطاب “التحديث” الذي تتبناه الدولة يصور هؤلاء السكان كعقبات أمام التقدم، ويتم التعامل مع أساليب حياتهم التقليدية القائمة على الزراعة البسيطة والصيد كنمط “متخلف” يجب استبداله بـ “التوطين القسري”. يرى لافيرز أن هذا التهميش للمجتمعات المحلية في مناطق السدود ليس مجرد عرض جانبي، بل هو جزء من هيكلية بناء الدولة الإثيوبية التي تنقل الموارد من الأطراف الجغرافية لتغذية النمو في المركز المدني والصناعي. هذا “الاستعمار الداخلي”، كما قد يسميه البعض، يخلق بؤر توتر أمني وعرقي تهدد استقرار السد نفسه على المدى البعيد.
الفصل السابع: “بطارية أفريقيا”.. هل تتحقق نبوءة الرخاء؟
في قلب الرؤية الاقتصادية التي يحللها الكتاب، تبرز فكرة تحويل إثيوبيا إلى “بطارية لأفريقيا الشرقية”. لا تستهدف إثيوبيا الاكتفاء الذاتي من الكهرباء فحسب، بل تطمح لتصبح المصدر الرئيسي للطاقة لكل من السودان وكينيا وجيبوتي، وحتى تنزانيا وجنوب أفريقيا مستقبلاً عبر “الربط القاري”.
لكن توم لافيرز يضع هذه الطموحات تحت مجهر النقد الاقتصادي، مبرزاً عدة تحديات:
-
فخ الديون: بناء هذه الشبكة العملاقة كلف مليارات الدولارات من القروض الأجنبية، ومع تأخر السد في توليد أرباح فعلية، وجدت إثيوبيا نفسها في أزمة سيولة خانقة.
-
التحول نحو “النموذج المعياري”: يشرح الكتاب كيف بدأت إثيوبيا، تحت ضغط المؤسسات الدولية، في التخلي عن احتكار الدولة لقطاع الطاقة (الذي ميز عهد زيناوي) والتحول نحو الخصخصة وجذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعي الرياح والشمس لتكملة نقص الطاقة المائية في مواسم الجفاف.
-
جيوسياسة التصدير: يطرح الكتاب تساؤلاً جوهرياً: هل سيقبل الجيران الاعتماد الكلي على إثيوبيا في عصب حياتهم الاقتصادي (الكهرباء)؟ يرى لافيرز أن “قوة الربط” هي سلاح ذو حدين؛ فهي تمنح إثيوبيا نفوذاً سياسياً، لكنها تجعل استقرارها الاقتصادي رهيناً بالعلاقات الدبلوماسية المتقلبة مع دول الجوار.
الفصل الثامن: السدود والبيئة.. رهان على المجهول
ينقد الكتاب أيضاً التقييمات البيئية التي أجرتها الحكومة الإثيوبية، واصفاً إياها بأنها كانت “شكلية” وتابعة للقرار السياسي. فبينما يروج الخطاب الرسمي لسد النهضة كفعل “أخضر” يحمي من الفيضانات وينظم تدفق المياه، يحذر الباحثون المشاركون في الكتاب من تغيرات جذرية في النظام الأيكولوجي للنيل الأزرق، وتأثيرات غير مدروسة على ترسب الطمي، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل التربة في مناطق المصب وتقليل العمر الافتراضي للسدود السودانية نفسها إذا لم يتم التنسيق بشكل وثيق.
“الهيمنة المائية” في الميزان.. كسر الستاتيكو المصري
ينتقل توم لافيرز في هذا القسم من الكتاب إلى تحليل الصراع من منظور “نظرية الهيمنة المائية” (Hydro-Hegemony). يجادل الكتاب بأن سد النهضة لم يكن مجرد مشروع لتوليد الطاقة، بل كان “فعل تمرد جيوسياسي” صريح ضد النظام الذي أرسته اتفاقيات 1929 و1955.
يوضح لافيرز كيف نجحت إثيوبيا في تحويل ميزان القوى من خلال استغلال لحظات “السيولة السياسية” في المنطقة. فبينما كانت مصر منشغلة بتحولاتها الداخلية المعقدة بعد عام 2011، كانت أديس أبابا تعمل على بناء تحالفات مع دول المنبع الأخرى، محولةً النزاع من صراع على “حصص المياه” إلى صراع على “السيادة والعدالة التاريخية”. الكتاب يشير بذكاء إلى أن إثيوبيا استطاعت تسويق السد في أفريقيا كأداة “للتحرر من الإرث الاستعماري”، مما جعل معارضة مصر للسد تبدو في أعين البعض وكأنها محاولة للحفاظ على امتيازات استعمارية قديمة، وهو ما عزل الموقف المصري دبلوماسياً في أروقة الاتحاد الأفريقي لفترة من الزمن.
الفصل العاشر: التنين في الحوض.. الصين كعامل تغيير استراتيجي
هنا يتقاطع الكتاب مع التحولات الكبرى في النظام الدولي. يخصص لافيرز فصلاً مهماً لتحليل الدور الصيني، ليس كمتعاقد تجاري فحسب، بل كـ “مُمكّن استراتيجي” لنموذج الدولة التنموية في إثيوبيا.
يرى الكتاب أن الصعود الصيني وفر لإثيوبيا البديل الذي كانت تحتاجه لكسر احتكار الغرب للتمويل. الصين لم تفرض شروطاً تتعلق بـ “الإصلاح السياسي” أو “التوافق مع دول الجوار” كما فعل البنك الدولي. بدلاً من ذلك، قدمت بكين “حزمة النهضة”: قروض ميسرة للبنية التحتية، توربينات عالية التقنية، وخبرات هندسية في بناء السدود العملاقة. يحلل لافيرز هذا الدور ضمن سياق أوسع يتعلق برغبة الصين في خلق “نماذج نجاح” لشركائها في أفريقيا، مما يجعل من سد النهضة مشروعاً يختبر قدرة القوى الناشئة على إعادة تشغيل الجغرافيا السياسية في الأقاليم الحيوية بعيداً عن الهيمنة الغربية التقليدية.
الفصل الحادي عشر: سيناريوهات “اليوم التالي”.. هل هو صراع صفري؟
يضع الكتاب ثلاثة سيناريوهات مستقبلية للعلاقة الثلاثية (إثيوبيا، مصر، السودان):
-
سيناريو “التعاون القسري”: وهو أن تدرك دول المصب أن السد أصبح حقيقة واقعة لا يمكن إزالتها، فتتجه نحو اتفاقيات فنية تضمن الحد الأدنى من تدفق المياه في سنوات الجفاف مقابل مزايا اقتصادية وتجارية في قطاع الطاقة.
-
سيناريو “الاستنزاف الدائم”: وهو بقاء الحالة الراهنة؛ أي تشغيل السد دون اتفاق قانوني ملزم، مما يعني بقاء المنطقة في حالة من التوتر السياسي الدائم الذي قد ينفجر عند أول دورة جفاف ممتد، مع استخدام السد كـ “ورقة ضغط” سياسية في كل ملفات المنطقة.
-
سيناريو “التكامل الإقليمي الواسع”: وهو السيناريو الأكثر تفاؤلاً (والأقل احتمالاً وفقاً لمعطيات الكتاب الحالية)، حيث يتحول السد إلى نواة لسوق مشتركة للطاقة والغذاء في شرق أفريقيا، مما يجعل المصالح المتبادلة أكبر من مخاطر نقص المياه.
الفصل الثاني عشر: نقد المنهجية.. قراءة في “صندوق الأدوات”
في ختام الكتاب، يقدم توم لافيرز مراجعة ذاتية لمنهجيته. لقد اعتمد الكتاب على مئات المقابلات مع مسؤولين وخبراء ومهندسين، بعضها أُجري في ظروف أمنية وسياسية بالغة الحساسية.
تكمن قوة الكتاب في قدرته على الربط بين “الاقتصاد السياسي الداخلي” (صراعات النخبة في أديس أبابا) وبين “العلاقات الدولية”. إلا أن المراجعة النقدية قد تشير إلى أن الكتاب، رغم موضوعيته العالية، قد ركز بشكل مكثف على وجهة النظر “المؤسساتية” للدولة الإثيوبية، وربما كان يحتاج إلى مساحة أكبر لتحليل “ديناميكيات القلق” في القاهرة والسودان بشكل أكثر عمقاً لفهم الجانب الآخر من المعادلة الأمنية المائية.
الخاتمة: السد كمرآة لتحولات القوة
يخلص كتاب “السدود، القوة، وسياسات النهضة في إثيوبيا” إلى أن سد النهضة ليس نهاية المطاف، بل هو البداية لعصر جديد من الجيوسياسة المائية في أفريقيا. إنه يمثل “الخرسانة” التي تترجم طموح دولة ناشئة في أن تصبح “مركزاً” إقليمياً، ولكنه في الوقت نفسه يختبر حدود قدرة الدولة الوطنية على إدارة التنوع الداخلي والضغوط الخارجية.
يرى توم لافيرز أن نجاح أو فشل مشروع السد لن يقاس فقط بكمية الكيلووات التي سيولدها، بل بقدرة إثيوبيا على تحويل هذه القوة المادية إلى “استقرار سياسي” و”شرعية دولية”. فبدون تسوية عادلة مع الجيران، وبدون عدالة اجتماعية مع المجتمعات المحلية المهجرة، قد يتحول السد من “رمز للنهضة” إلى “عبء استراتيجي” يثقل كاهل الأجيال القادمة.




