جمرة الاستعداد في رماد السلم الخادع

تاريخ القوى العظمى ليس سوى صراع ممتد بين “صيادي الفئران” الذين يقتنصون النصر بالمرونة والإنجاز، و”المنظمين” الذين يغرقون الجيوش في بحور البيروقراطية واللوائح العقيمة. في كتابه الصادر حديثاً عن دار نشر جامعة أكسفورد لعام 2025 تحت عنوان “الحافة الأمريكية: رابطة التكنولوجيا العسكرية ومصادر هيمنة القوى العظمى”، يضع الباحث والباحث الاستراتيجي سيث جونز يده على الجرح النازف في جسد الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة. يقدم جونز، من موقعه كمدير لبرنامج الأمن الدولي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، مرافعة تحليلية رفيعة المستوى، تمزج بين التاريخ العسكري المشوق والرؤية الجيوسياسية الثاقبة، ليصوغ تحذيراً مدوياً لصالعي القرار في واشنطن والعواصم الغربية. مفاد هذا التحذير أن الولايات المتحدة تعيش اليوم في بيئة حرب حقيقية، لكنها تواجهها بعقلية وقاعدة صناعية دفاعية غارقة في أوهام السلم المستدام.
ينطلق المؤلف من فكرة جوهرية صاغها المؤرخ الشهير بول كينيدي في كلاسيكيته “صعود وسقوط القوى العظمى”، وهي أن الحروب الطويلة بين الدول الكبرى تحسمها في نهاية المطاف القواعد الإنتاجية الأكثر ازدهاراً، أو بتعبير القادة الإسبان القدامى: “النصر لمن يملك السنت الأخير”. ومن هذا المنطلق، يطوف بنا جونز في رحلة تاريخية ممتدة عبر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، مستعرضاً صعود وهبوط وتطور القواعد الصناعية العسكرية للقوى الكبرى، من ألمانيا القيصرية واليابان الإمبراطورية، مروراً بالاتحاد السوفيتي، وصولاً إلى التنين الصيني الصاعد بقوة. غير أن التركيز الأكبر يظل منصباً على أمريكا، التي يرى الكاتب أنها تقف الآن في موقع شديد الخطورة؛ حيث نجحت الصين في وضع قاعدتها الصناعية على أهبة الاستعداد لحالة الحرب، بينما لا تزال واشنطن تكبل عبقريتها الإنتاجية بسلاسل الرقابة الصارمة، وإجراءات التعاقد الطويلة، والنفور من المخاطرة.
العبقرية الصناعية كدرع للديمقراطية: دروس من الحرب العالمية الثانية
تبدأ الرحلة الصحفية الممتعة التي ينسجها جونز من ليلة ثامنة وعشرين من مايو لعام 1940، عندما كان ويليام كنودسن، رئيس شركة جنرال موتورز والعبقري الصناعي الفذ، يجلس خلف مكتبه يتأمل أرقام إنتاج السيارات، بينما كانت الصحف تنقل أنباءً مرعبة عن انهيار الجيش البلجيكي واجتياح القوات النازية لغرب أوروبا. في تلك اللحظة الحرجة، رن هاتف كنودسن ليكون المتحدث على الطرف الآخر هو الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي دعاه فوراً إلى واشنطن لتولي مهمة إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية لأمريكا. لم يكن الهدف مجرد تجميع الأسلحة، بل استدعاء “العبقرية الصناعية الأمريكية” التي لا تبارى في حل معضلات الإنتاج الضخم.
يوضح جونز أن أمريكا لم تكن دائماً تلك القوة العظمى المستعدة؛ فبعد الحرب العالمية الأولى، قامت واشنطن بتفكيك قاعدتها الصناعية العسكرية بالكامل، ودخلت في طور من العزلة الحمائية والتقشف الدفاعي. ومع بداية عام 1940، كانت المصانع الأمريكية عاجزة، ومخزوناتها من المواد الاستراتيجية كالمطاط والنحاس والألومنيوم شبه منعدمة، لدرجة أن ثلثي مصانع الصلب الأمريكية كانت معطلة بسبب الكساد الكبير، في وقت كانت فيه المصانع الألمانية والسوفيتية واليابانية تعمل بطاقتها القصوى. كانت القوانين واللوائح تكبل الشركات، وتفرض قيوداً صارمة على الأرباح وتدقيقاً مسبقاً يمتد لسنوات، وهي البيئة التي يصفها المؤلف بـ”سيطرة المنظمين”.
لكن روزفلت أدرك سريعا أن مواجهة خطر الفاشية والنازية تتطلب الانتقال الفوري إلى بيئة الحرب. أسس مجلس الإنتاج الحربي، ومنحه صلاحيات واسعة لقطع الروتين الحكومي، وتجاوز قوانين مكافحة الاحتكار، وضخ الأموال الحافزة للقطاع الخاص عبر عقود تضمن الربحية مقابل السرعة والكمية. تحول المشهد الاستراتيجي في غضون أشهر؛ حيث قاد كنودسن ورجال أعمال بارزون مثل بناء السفن هنري كايزر هجوماً إنتاجياً مضاداً. تحولت مصانع السيارات إلى ورش عملاقة لصناعة محركات الطائرات والدبابات؛ فصنعت شركة فورد من المعدات العسكرية ما يفوق إنتاج الاقتصاد الإيطالي بأكمله في عهد موسوليني.
يستشهد الكاتب بملحمة تطوير وإنتاج القاذفة الاستراتيجية الثقيلة “بي-29 سوبرفورترس” (B-29 Superfortress) كنموذج صارخ للتعاون الخلاق بين الحكومة والقطاع الخاص. كانت هذه الطائرة تمثل قفزة هندسية غير مسبوقة: كابينة مضغوطة للطيران فوق قمة إيفرست، ونظام تحكم آلي بالنيران يعتمد على حواسب تناظرية مبكرة، وأجنحة ذات تصميم ديناميكي مبتكر. وعلى الرغم من المخاطر الهائلة والعيوب الفنية التي أدت في إحدى المرات إلى تحطم نموذج تجريبي ومقتل كبار طياري الاختبار، فإن وزارة الحرب واصلت الضغط بدافع الضرورة القصوى. تضافرت جهود شركات بوينغ، وبيل، وجنرال موتورز، وجنرال إلكتريك لإنتاج هذه القاذفة مباشرة من لوحات الرسم إلى خطوط التجميع دون انتظار الاختبارات الطويلة. وكانت النتيجة هي “مغسلة الإنتاج” التي أغرقت الأعداء، حيث دمرت هذه الطائرات القاعدة الصناعية اليابانية وأنهت الحرب في المحيط الهادئ، لتثبت مقولة روزفلت الخالدة: “يجب أن نكون ترسانة الديمقراطية العظمى”.
السير على حبل المشدود: أرجوحة السلم والحرب في القرن العشرين
لا يكتفي سيث جونز برصد أمجاد الماضي، بل يتتبع بأسلوب سردي متدفق المآزق التاريخية التي وقع فيها صانعو السياسة الأمريكية عندما أخطأوا في قراءة المشهد الدولي. فمع استسلام اليابان وانتهاء الحرب العالمية الثانية، سارعت إدارة الرئيس هاري ترومان إلى تفكيك مجلس الإنتاج الحربي وخفض الميزانية الدفاعية بسبعة أضعاف، مدفوعة بآمال واهية في سلام مستدام. يعلق جونز على هذا التوجه واصفاً إياه بالخطأ الاستراتيجي وقصير النظر؛ إذ كان الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين يتحرك بنشاط لتوسيع نفوذه وبناء ترسانته العسكرية. ولم تستفق واشنطن من غفلتها إلا بصدمة اندلاع الحرب الكورية في عام 1950، والتي أجبرت ترومان على مضاعفة الإنفاق الدفاعي على عجل والعودة إلى عقلية الحرب.
تكررت هذه الأرجوحة الخطرة طوال سنوات الحرب الباردة. ويرى المؤلف أن إدارات كينيدي وجونسون ونيكسون قصرت في الاستثمار في التكنولوجيات الدفاعية الأساسية خلال حرب فيتنام وما بعدها، مما أضعف قدرة الردع الأمريكية ومنح السوفييت تفوقاً عديداً في الأسلحة التقليدية في أوروبا. تجلى هذا الفشل البيروقراطي بشكل صارخ حتى في ذروة العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق؛ حيث عجزت وزارة الدفاع عن تزويد القوات المقاتلة بالمعدات الحديثة بسرعة. وينقل الكتاب بمرارة عن وزير الدفاع الأسبق روبرت غيتس شكواه المستمرة من “عقلية السلم اللعينة” التي تسيطر على البنتاغون وتمنعه من الاستجابة السريعة لمتطلبات الميدان.
في المقابل، يبرز الكتاب ومضات النجاح الاستثنائية التي حققتها مجموعات صغيرة تمكنت من الإفلات من قبضة “المنظمين”. لعل أبرزها هو قسم المشاريع المتقدمة في شركة لوكهيد، المعروف باسم “سكانك وركس” (Skunk Works)، تحت قيادة العبقري كلي فورتشن “كيلي” جونز. تميزت هذه المجموعة بنظام عمل صارم يعتمد على البساطة، والسرعة، والسرية، وتقليل اللوائح الحكومية إلى الحد الأدنى. نجح كيلي جونز وفريقه، عبر تعاون وثيق ومباشر مع وكالة المخابرات المركزية والبنتاغون، في إنتاج طائرات التجسس الأسطورية مثل (U-2) و(SR-71 Blackbird)، وصولاً إلى المقاتلة الخفية “إف-117 نايتهوك”. هذا النمط من الإدارة الرشيقة هو ما منح أمريكا “التعويض الثاني” في ثمانينيات القرن الماضي، وتوج بانتصار ساحق وخاطف في عملية “عاصفة الصحراء” عام 1991 بفضل الأسلحة الموجهة بدقة والتقنيات الخفية.
غير أن الفرحة بهذا الانتصار وبانهيار الاتحاد السوفيتي قادت واشنطن إلى فخ جديد يسميه جونز “العشاء الأخير” عام 1993. في ذلك العام، اجتمع قادة البنتاغون مع رؤساء شركات الدفاع وحثوهم على الاندماج وتقليص القدرات الإنتاجية نظراً لغياب الخصوم الدوليين. تلا ذلك تحول الترسانة الأمريكية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر نحو مكافحة الإرهاب وحرب الطائرات بدون طيار. وبينما كانت واشنطن مستغرقاً في ملاحقة التنظيمات المسلحة، كان هناك خصم آخر يراقب بذكاء، ويدرس أسلوب الحرب الأمريكي، ويبني بهدوء وتخطيط محكم ترسانة القرن الحادي والعشرين: إنه الرئيس الصيني شي جين بينغ.
المفارقة الصادمة: عقلية الحرب الصينية مقابل روتين السلم الأمريكي
ينتقل سيث جونز في الفصول المتأخرة من كتابه إلى تقديم مقارنة إحصائية وجيوسياسية مرعبة بين واقع القاعدة الصناعية الدفاعية في كل من الولايات المتحدة والصين اليوم. يطرح المؤلف الحقيقة العارية: الصين اليوم تعيش في بيئة استعداد للحرب (Wartime Footing)، بهدف رئيسي هو ردع الولايات المتحدة، وإذا فشل الردع، خوض حرب كبرى والانتصار فيها. وفي المقابل، لا تزال القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية تعمل بعقلية السلم (Peacetime Footing)؛ فهي تفتقر إلى الطاقة الإنتاجية، والمرونة، والقدرة على الاستجابة السريعة لحالات الطوارئ الميدانية، مما أفقد الجيش الأمريكي ميزة “التفوق الكاسح”.
لإثبات هذا الطرح، يورد الكتاب أرقاماً مذهلة عن القوة البحرية والجوية الصينية. أصبحت القوة البحرية لجيش التحرير الشعبي الصيني هي الأكبر عدداً في العالم بترسانة تضم أكثر من 370 سفينة حربية وغواصة. وتقف وراء هذا الصعود شركة بناء السفن الحكومية الصينية (China State Shipbuilding)، التي منحت بكين قدرة إنتاجية في مجال بناء السفن التجارية والعسكرية تزيد بمقدار 230 مرة عن القدرة الأمريكية. بل إن حوضاً واحداً لبناء السفن في الصين يمتلك طاقة إنتاجية تتجاوز طاقة جميع أحواض بناء السفن الأمريكية مجتمعة. وعلى الصعيد الجوي، يمتلك جيش التحرير الشعبي أكثر من 3150 طائرة، بما في ذلك مقاتلات الجيل الخامس وقاذفات استراتيجية، تقودها شركات حكومية عملاقة مثل مؤسسة صناعة الطيران الصينية (AVIC). وعلاوة على ذلك، تشير تقديرات الحكومة الأمريكية إلى أن الصين تستحوذ على الأنظمة الصاروخية والأسلحة المتطورة بمعدل يفوق أمريكا بخمس إلى ست مرات، بالتزامن مع توسيع ترسانتها النووية لتصل إلى 1000 رأس حربي بحلول عام 2030.
ومع ذلك، لا يغفل جونز، كباحث استراتيجي منصف، نقاط الضعف البنيوية في هذا النموذج الصيني المركزي المتصلب. يرى الكاتب أن الفساد المستشري يمثل عقبة كأداء داخل جيش التحرير الشعبي وقاعدته الصناعية. كما أن النموذج القائم على التوجيه من أعلى إلى أسفل يقتل روح الابتكار والمبادرة، وهو السبب الذي يجعل بكين تعتمد بشكل كلي على استراتيجية التجسس الإلكتروني وسرقة الملكية الفكرية من الشركات الغربية، أو ما وصفه مسؤول رفيع في وزارة العدل الأمريكية بـ”اسرق، انسخ، ثم استبدل”. يضاف إلى ذلك أن الجندي والمواطن الصيني في هذا القطاع ملزم بأن يكون “أحمر” (موالياً أيديولوجياً) و”خبيراً” (كفؤاً مهنياً) في آن واحد، وعند التعارض، تكون السلامة في الولاء الأعمى وليس في اتخاذ المبادرة وتحدي القيود. وأخيراً، يظل الكفاءة القتالية الفعلية للجيش الصيني محل تساؤل؛ إذ لم يخض حرباً كبرى منذ صراعه مع فيتنام عام 1979، وهي الحرب التي كان أداؤه فيها سيئاً للغاية.
رأس المال المغامر والخصخصة: السلاح السري لحافة التفوق الجديدة
هنا تبرز الميزة النسبيّة الكبرى للولايات المتحدة والغرب، وهي الميزة التي تكمن في القطاع الخاص الحيوي والعبقرية الإنتاجية الحرة، شريطة أن تحسن الحكومة الاستفادة منها وتتحول من بيئة “المنظمين” إلى بيئة “صيادي الفئران”. يشير جونز إلى تحول تكتوني شهده قطاع الدفاع الغربي في أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تمثل في دخول رأس المال المغامر (Venture Capital) وصناديق الملكية الخاصة بقوة إلى هذا المجال، بقيادة مستثمرين ورجال أعمال بارزين مثل بيتر ثيل ومارك أندريسين. فبعد أن كان التمويل الدفاعي في عهد الحرب الباردة يأتي حصراً من وزارة الدفاع عبر وكالات مثل “داربا” (DARPA)، قفزت استثمارات رأس المال المغامر في الشركات الناشئة للتكنولوجيا الدفاعية من 1.9 مليار دولار في عام 2013 إلى رقم فلكي بلغ 31 مليار دولار في عام 2024.
لقد أثبتت الحرب الروسية على أوكرانيا، والتصعيد المستمر في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، والتوترات المتفجرة في الشرق الأوسط، أن التكنولوجيا التجارية والأنظمة ذاتية القيادة باتت عصب الحروب الحديثة. وهنا يستعرض الكتاب الدور الريادي الذي لعبه إيلون ماسك، ومارك جونكوسا، وغوين شوتويل في شركة “سبيس إكس” وشبكة “ستارلينك” للأقمار الصناعية في تقديم حلول فضائية ثورية غيّرت موازين القوى في الميدان الأوكراني. كما يبرز دور شركات برمجيات عملاقة مثل “بالانتير” (Palantir)، بقيادة أليكس كارب، في تحليل البيانات الاستخباراتية والعسكرية بالتعاون مع ذراع الاستثمار التابع لوكالة المخابرات المركزية (In-Q-Tel)، فضلاً عن المساهمات الهائلة لشركات مثل “مايكروسوفت” وجوجل وأمازون في مجالات الأمن السيبراني والحوسبة السحابية والدفاع الرقمي. وينضم إلى هذا المشهد جيل جديد من الشركات الناشئة الطموحة مثل “أندوريل” (Anduril) لمؤسسها بالمر لوكي، والتي تطور منصات ذاتية القيادة متطورة وشبكات استشعار مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
يرى جونز أن هذه المنظومة الحرة القائمة على الابتكار من أسفل إلى أعلى تمنح أمريكا تفوقاً جوهرياً على النموذج الصيني المركزي؛ فالشركات التقنية الحرة قادرة على إنتاج خليط مبتكر يجمع بين الأنظمة الباهظة المتطورة (كالغواصات والمقاتلات الخفية والصواريخ بعيدة المدى) والأنظمة غير المأهولة الرخيصة (كالطائرات والمسيرات البحرية الانتحارية)، مدعومة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية لإرباك شبكات العدو وكسر خططه الهجومية.
شرايين الزجاج والنفط الجديد
بينما تضج أروقة البنتاغون بالحديث عن صراع القوة البحرية والجوية، ينفذ سيث جونز في ثنايا أطروحته إلى عمق البنية التحتية غير المرئية التي تُدير عصب العالم المعاصر، ليتناول البعد الجيوتكنولوجي الحاسم في معركة الهيمنة بين واشنطن وبكين. فالصراع لم يعد محصوراً في عدد السفن الحاملة للصواريخ، بل يمتد إلى قاع المحيطات، حيث ترقد شبكات كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تنقل ما يربو على ثمانية وتسعين بالمئة من البيانات والاتصالات الدولية. يوضح المؤلف كيف تحولت هذه الأنابيب الزجاجية الدقيقة إلى ساحة حرب باردة جديدة؛ فبينما تسعى بكين عبر شركاتها الوطنية إلى مد شبكاتها الخاصة لربط آسيا بأفريقيا وأوروبا ضمن رؤية “طريق الحرير الرقمي”، تخوض واشنطن معركة شرسة لحظر هذه المشاريع، مستخدمة نفوذها الاستراتيجي لمنع الشركات الصينية من إنزال كابلاتها في نقاط حيوية، والضغط لضمان أن تظل حركة البيانات العالمية مارة عبر مسارات تسيطر عليها حلفاء الغرب، إدراكاً منها بأن من يتحكم في مجاري المعلومات يمتلك القدرة المطلقة على التنصت، أو قطع شريان الحياة الرقمي عن خصومه في لحظة الصفر.
ولا يقل المشهد فوق الأرض ضراوة؛ إذ يتتبع الكتاب الجغرافيا السياسية المعقدة لسلاسل توريد أشباه الموصلات، واصفاً إياها بأنها “النفط الجديد” الذي يغذي ماكينة الحرب والذكاء الاصطناعي. وهنا يبرز مفهوم “الدفاع المتقدم عبر التحالفات التكنولوجية”، حيث يرى جونز أن أمريكا لا يمكنها خوض هذه المعركة بمفردها. إن الحافة الأمريكية تعتمد بشكل مطلق على تأمين احتكار الآلات الأكثر تعقيداً في العالم، مثل أنظمة الليزر فوق البنفسجي الشديد (EUV) التي تنتجها شركة “آي إس إم إل” (ASML) الهولندية، والتي تعد المورد الوحيد للتقنية اللازمة لطباعة الرقائق الإلكترونية الأكثر تقدماً. يستعرض المؤلف كيف نسقت الإدارة الأمريكية مع حكومة لاهاي لفرض قيود تصدير صارمة تمنع وصول هذه الآلات إلى المصانع الصينية، في محاولة لخنق قدرات بكين على تطوير خوارزميات عسكرية متطورة أو صواريخ فرط صوتية ذاتية التوجيه، مما يجعل تايوان وشركة “تي إس إم سي” (TSMC) قلب العاصفة الجيوسياسية ومحور الردع المشترك.
وفي سياق متصل، يفرد جونز مساحة تحليلية هامة لدراسة “معضلة الاعتماد المتبادل”، متسائلاً عن الكيفية التي يمكن بها لقوتين عظميين أن تخوضا حرباً باردة بينما تتشابك اقتصاداتهما بشكل غير مسبوق في التاريخ البشري. على عكس الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، الذي كان معزولاً اقتصادياً، فإن سلاسل التوريد الأمريكية لا تزال مرتهنة للمصانع الصينية في قطاعات حساسة، بدءاً من المضادات الحيوية والمكونات الدوائية الأساسية، وصولاً إلى العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية اللازمة لصناعة بطاريات المركبات العسكرية والمغناطيسات عالية الكثافة المستخدمة في الطائرات المقاتلة. يصف الكاتب هذه الوضعية بأنها “توازن الرعب التجاري”، حيث تحاول واشنطن جاهدة عبر سياسات “إعادة التوطين” و”تأمين الحلفاء” نقل هذه الخطوط الإنتاجية إلى دول صديقة أو إعادتها إلى الداخل الأمريكي، وهو مسار طويل ومكلف يصطدم ببطء البيروقراطية الغربية ومقاومة الأسواق الحرة التي تبحث دائماً عن التكلفة الأقل.
يلج الكتاب إلى المعركة الأخلاقية والنفسية التي تدور خلف الستار، متمثلة في صراع الأنظمة والقيم. يجادل جونز بأن جوهر التنافس لا يكمن فقط في كفاءة المصانع، بل في نموذج الحكم الذي يقدمه كل طرف للعالم. فبينما تروج بكين لنموذج “الرأسمالية السلطوية” والكفاءة المركزية القادرة على حسم المشاريع العملاقة دون معارضة سياسية أو قيود قانونية، يرى الكاتب أن نقاط الضعف القاتلة في هذا النظام تكمن في غياب النقد الذاتي، والخوف من اتخاذ القرار لدى القيادات الوسيطة خوفاً من بطش الحزب، وهو ما قد يؤدي إلى كوارث استراتيجية في بيئة الحرب السريعة والمتغيرة. وعلى الجانب الآخر، فإن النظام الديمقراطي الأمريكي، رغم عيوبه الظاهرة وبيروقراطيته العقيمة في أوقات السلم، يمتلك مرونة ذاتية كامنة تنبع من حرية التعبير، وقدرة المجتمع المدني والقطاع الخاص على تصحيح المسار والابتكار المفاجئ عند شعورهم بالخطر الوجودي، وهي الروح التي يراهن عليها سيث جونز لإعادة إحياء “ترسانة الديمقراطية” وتأمين التفوق الغربي في القرن الجديد.
نبض المختبرات العميقة: جبهة الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمومية، والذكاء البشري المسترد
في ما وراء الفولاذ الذي تُبنى منه السفن والسيليكون الذي تُنحت منه الرقائق، يتطرق سيث جونز إلى الجبهة الأكثر غموضاً وحسماً في صراع القوى العظمى، وهي الجبهة التي لا تُقاس بالكميات بل بالقدرة على التفكير والتنبؤ قبل الخصم بكسر من الثانية. إنها جبهة الذكاء الاصطناعي الفائق والحوسبة الكمومية، حيث يصف المؤلف هذا التنافس بأنه “سباق نحو المجهول المطلق”. في هذه الساحة، لا تسعى واشنطن أو بكين فقط إلى تحسين دقة الصواريخ، بل إلى بناء عقول سيبرانية قادرة على إدارة مسارح حرب كاملة وممتدة بآلاف المسيرات في وقت واحد، وتحليل مليارات البيانات الاستخباراتية في توقيت حقيقي، وصياغة خيارات استراتيجية للقادة العسكريين تفوق القدرة الذهنية البشرية. يبرز الكتاب معضلة “السيادة على الخوارزميات”؛ فمن يمتلك التفوق في النماذج اللغوية الكبيرة والتعلم العميق، يمتلك القدرة على شن حرب معلوماتية ونفسية صامتة، قادرة على تفتيت الجبهات الداخلية للخصوم وتوجيه الرأي العام العالمي دون إطلاق رصاصة واحدة.
ويمتد هذا السباق المحموم إلى ثورة الحوسبة الكمومية (Quantum Computing)، والتي يراها جونز بمثابة “السلاح النووي الرقمي” القادم. إن النجاح في بناء حاسوب كمومي مستقر وذي كفاءة عالية يعني ببساطة نهاية التشفير والأمن السيبراني كما نعرفه اليوم؛ إذ سيكون بمقدور هذه الآلات الفائقة كسر أعتى الشفرات العسكرية والدبلوماسية التي تحمي أسرار الدول الغربية في دقائق معدودة، مما يعني تعرية استراتيجية كاملة للخصم. وهنا ينبه الكاتب إلى أن الصين تضخ ميزانيات حكومية فلكية، غير خاضعة لرقابة السوق، في مختبرات هيفي الوطنية لأبحاث الكم، رغبة منها في قفز المراحل وتحقيق “طفرة نوعية” تنهي بها التفوق البرمجي الأمريكي التقليدي. وفي المقابل، تعتمد أمريكا على حيوية وابتكارات شركات التكنولوجيا الكبرى والعلماء في الجامعات العريقة، الذين يحاولون الحفاظ على الفجوة التكنولوجية من خلال ابتكار أنظمة تشفير مقاومة للهجمات الكمومية قبل أن تنجح بكين في تحقيق هذا الاختراق البنيوي.
غير أن هذا التنافس التكنولوجي الفائق يعود في نهاية المطاف، كما يوضح جونز، إلى المورد الأثمن والأكثر ندرة على وجه الأرض: “العقول البشرية والذكاء الإنساني”. يحلل الكتاب ببراعة حرب استقطاب المواهب العالمية، معتبراً أن التفوق التاريخي لأمريكا لم يكن نابعاً من جغرافيتها فحسب، بل من قدرتها الفريدة على تحويل نفسها إلى مغناطيس يجذب ألمع العقول والعلماء والمبرمجين من كل حدب وصوب، بما في ذلك الصين وروسيا وأوروبا. يحذر المؤلف من أن النزعات الحمائية والقيود الصارمة على الهجرة والتأشيرات الأكاديمية داخل الولايات المتحدة قد تشكل “انتحاراً استراتيجياً بطيئاً”، حيث تؤدي هذه الإجراءات إلى طرد النوابغ وتجفيف منابع الابتكار في المختبرات الأمريكية. وفي الوقت ذاته، تحاول بكين عبر برامج ممنهجة استعادة علمائها المغتربين وإغراء المواهب الدولية للعمل في منشآتها. وبناءً على ذلك، يخلص جونز إلى أن الترسانة الحقيقية للديمقراطية في القرن الحادي والعشرين ليست ترسانة مصانع فحسب، بل هي “ترسانة عقول حرة”؛ وأن كسب معركة المستقبل يتطلب من واشنطن إدراك أن حماية حدودها لا تعني أبداً إغلاق نوافذها أمام العبقرية الإنسانية العابرة للقارات.
النداء الأخير: إعادة بناء ترسانة الديمقراطية قبل فوات الأوان
يختتم سيث جونز كتابه بنبرة تحذيرية حادة، تذكرنا بسنوات العزلة والرفض التي عاشها وينستون تشرشل في ثلاثينيات القرن الماضي؛ عندما كان يقف وحيداً في مجلس العموم البريطاني يحذر من تسليح ألمانيا النازية السريع المستمر، بينما كانت الأحزاب السياسية تسخر منه وتفضل سياسة التهدئة والتنظيم البيروقراطي، وهي الغفلة التي كادت أن تكون قاتلة لبريطانيا العظمى.
إن بيئة الحرب الحالية التي يمر بها العالم تتطلب، وفقاً لجونز، ثورة عاجلة وشاملة في آليات عمل البنتاغون والكونجرس. لا يمكن الاستمرار في صياغة عقود دفاعية تستغرق سنوات، ولا يمكن القبول بلوائح روتينية عقيمة تخشى المخاطرة وتطرد المبتكرين والشركات الناشئة من سوق الدفاع. على الحكومة الأمريكية أن تتحرك بسرعة لتبني التكنولوجيات التجارية، وتأمين سلاسل الإمداد الحيوية داخلياً كالألومنيوم والبكسيت، وتوسيع المخزونات الاستراتيجية، وتسهيل عقود الشراء والاستحواذ لتوفير ما يحتاجه الجيش فوراً لمنع الحروب أو كسبها.
The American Edge: The Military Tech Nexus and the Sources of Great Power Dominance
Seth Jones




