صراع السودان ومستقبل التعافي

جردة حساب فوق ركام الخرطوم
في منتصف أبريل من عام 2023، لم تكن الخرطوم مجرد عاصمة تستعد لاستقبال أيام ربيعية رتيبة، بل كانت مسرحاً لاحتقان سياسي وعسكري صامت لم يلبث أن انفجر في وجه الجميع كلغم موقوت. اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لتتحول في غضون أشهر قليلة من صراع جنرالات على السلطة إلى زلزال واجتماعي واقتصادي أتى على الأخضر واليابس. لقد وضعت هذه الحرب حداً لآمال الانتقال الديمقراطي الهش الذي أعقب الإطاحة بالنظام السابق في عام 2019، وأدخلت البلاد في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والاقتصادية في تاريخها الحديث.
واليوم، ونحن في عام 2026، ومع دخول الصراع عامه الثالث، لم تعد الأرقام مجرد إحصاءات جافة، بل هي شهادة حية على مأساة وطن بأكمله يواجه خطر التحلل. وتشير التقديرات الأممية والدولية إلى نزوح ما يقرب من اثني عشر مليون شخص، أي ما يعادل ربع سكان السودان بالكامل، فرّ منهم أكثر من أربعة ملايين لاجئ إلى دول الجوار مثل مصر، وتشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا. وتتجاوز تقديرات الوفيات الناتجة عن أعمال العنف والقتال المباشر حاجز الأربعة وأربعين ألف قتيل، مع إشارات مرعبة إلى أن العدد الإجمالي للضحايا قد يتخطى مئة وخمسين ألف قتيل إذا ما أُخذت في الحسبان الوفيات الناجمة عن الجوع الفتاك، وسوء التغذية، وانهيار المنظومة الصحية، وتفشي الأوبئة في معسكرات النزوح.
وسط هذا الأفق القاتم، يأتي كتاب “الحرب والمرونة: التأثيرات متعددة الأوجه للصراع في السودان ومسارات التعافي”، الصادر حديثاً عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية تحت تحرير الثلاثي الأكاديمي خالد صديق، وأوليفر كـ. كيروي، وبول دوروش. لا يقدم هذا الكتاب مجرد سرد إنشائي أو توثيقي للأحداث، بل يمثل مشرط جراح يغوص عميقاً في جسد الاقتصاد السياسي السوداني المنهك. ومستنداً إلى مسوح ميدانية شاقة غطت أكثر من عشرين ألف مستجيب في ثماني عشرة ولاية سودانية، وصور الأقمار الصناعية لبعثات النيتروجين وأضواء الليل، يضعنا الكتاب أمام تشخيص علمي دقيق لآليات الحرب واقتصادياتها ومرونة المجتمع في مواجهتها، مع رسم خريطة طريق متكاملة للمستقبل. ونقدم في هذه المراجعة الصحفية الشاملة والمعمّقة قراءة تفصيلية في فصول هذا الكتاب الذي يقع في صلب النقاش الدائر حول مصير السودان، مستعرضين طروحاته عبر دفعات متتالية تفكك البنية الفكرية والبيانات الاقتصادية والسياسية التي تضمنها هذا المؤلف الاستثنائي.
جذور الكارثة واقتصاد الحرب السياسي
يبدأ الكتاب بتأطير الأزمة ضمن سياقها التاريخي والهيكلي، حيث يتولى الخبير والمحلل سليمان بالدو تفكيك الجذور المحلية والدولية للحرب. يجادل بالدو بأن الصراع الحالي ليس وليد لحظة عابرة في أبريل 2023، بل هو نتيجة عقود من التنمية غير المتكافئة، وتهميش الأطراف لصالح مركز مهيمن، وعسكرة الاقتصاد الوطني. لقد ورث السودان منذ استقلاله عام 1956 بنية سياسية واقتصادية إقصائية ركزت فيها النخب الحاكمة المتتالية الاستثمارات والخدمات في الخرطوم ومناطق النيل، بينما تركت مناطق شاسعة في دارفور وكردوفان والشرق تواجه الفقر والتهميش والنزاعات المحلية. هذا النمط الإقصائي أنتج دورات متتالية من التمرد والقمع، كان أبرزها الحرب الأهلية الطويلة التي أفضت في النهاية إلى انفصال جنوب السودان عام 2011، وهو الحدث الذي لم يكن مجرد واقع سياسي بل كان ضربة قاصمة للاقتصاد السوداني الذي فقد معه ما يقرب من خمسة وسبعين بالمئة من عائداته النفطية وستين بالمئة من عائدات النقد الأجنبي، مما فجر أزمة مالية هيكلية دفعت النخب العسكرية والأمنية إلى البحث عن مصادر بديلة للثراء والسيطرة.
هنا يتقاطع تحليل بالدو مع الأطروحة الشجاعة التي يقدمها الباحثون دانييل ريسنيك، وهالة أبوشامة، وأوليفر كـ. كيروي، وخالد صديق، ومصعب أحمد حول فشل الدولة والاستحواذ النخبوي على النظام الزراعي الغذائي في السودان. يكشف هذا التحليل كيف تحول النظام الزراعي والغذائي في السودان، الذي يُفترض أنه سلة غذاء البلاد، إلى ساحة للاستحواذ النخبوي والصراع المصالحي بين المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع. ومن خلال إجراء أكثر من خمسين مقابلة معمقة مع خبراء ومطلعين، يرسم المؤلفون لوحة دقيقة للتسوية السياسية واقتصاديات النهب التي سادت في العقد الأخير. ويظهر التحليل أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع بنيا إمبراطوريات اقتصادية متوازية ومتعارضة، لكنها كانت متكاملة في الوقت ذاته في بعض الأحيان. حيث يوضح الباحثون أن إمبراطورية الجيش تركزت أساساً في شركات التصنيع الحربي والشركات الحكومية التي تهيمن على قطاعات الطحن، واستيراد القمح، والاتصالات، والخدمات المصرفية، في حين تمددت إمبراطورية قوات الدعم السريع في مناطق الهامش لتستحوذ بشكل شبه كامل على مناجم الذهب ومسارات تجارة الماشية الكبرى المتجهة للتصدير.
يكشف الفصل عن ظاهرة أسماها المؤلفون بالعلاقة التآزرية الغريبة في قطاع الماشية قبل الحرب. فبينما كانت قوات الدعم السريع تسيطر على مناطق إنتاج وتجميع الماشية في غرب السودان مثل دارفور وكردوفان، كانت تقوم ببيع هذه القطعان لشركات تابعة أو مرتبطة بالجيش في الخرطوم وبورتسودان، والتي تتولى بدورها تصديرها عبر الموانئ البحرية. كان هذا التحالف غير المقدس يدر مئات الملايين من الدولارات على قادة المعسكرين، بينما يُحرم الخزانة العامة للدولة من الضرائب والعائدات الحقيقية. لكن هذا الانسجام النفعي انهار تماماً مع رغبة كل طرف في ابتلاع الآخر وبسط السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة والاقتصاد. وبمجرد اندلاع الحرب، تحول هذا التكامل التجاري إلى أداة لقطع خطوط الإمداد وتدمير الأنشطة التجارية بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش وتلك التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، مما تسبب في شلل تام لشبكات الإنتاج والتسويق.
الأثر الاقتصادي الكلّي وعيون الأقمار الصناعية
في القسم الثاني من الكتاب، ينتقل الباحثون إلى قياس الآثار الاقتصادية والاجتماعية المباشرة للحرب باستخدام أدوات علمية حديثة وغير تقليدية. وفي ظل الفوضى الأمنية وصعوبة جمع البيانات الميدانية التقليدية من مناطق الاشتباكات الساخنة، يبرز الفصل الخاص بمراقبة الأنشطة الاقتصادية عبر الاستفادة من تقنيات الأقمار الصناعية والاستشعار عن بُعد، حيث استخدم الباحثون بيانات تركيز غاز ثاني أكسيد النيتروجين المنبعث من عوادم المصانع والسيارات ومحطات الطاقة، إلى جانب بيانات كثافة أضواء الليل لمقارنة النشاط الاقتصادي والحيوي قبل الحرب وبعدها مباشرة. وجاءت النتائج لتعطي دليلاً بصرياً وكمياً مروعاً على حجم الخراب، فقد سجلت مدن العاصمة الثلاث، الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، انخفاضاً دراماتيكياً وشبه كامل في انبعاثات الغاز وكثافة أضواء الليل، مما يعكس توقفاً شبه تام للأنشطة الصناعية والتجارية وحركة النقل وإغلاقاً للمنشآت الحيوية ومحطات الكهرباء نتيجة القصف المباشر والنهب والنزوح الجماعي للسكان. وفي المقابل، رصدت الأقمار الصناعية زيادة طفيفة في الانبعاثات في مدن أخرى مثل كسلا في شرق السودان والدمازين، وهو ما يفسره الكتاب بهروب مئات الآلاف من النازحين والشركات الصغيرة والمؤسسات الخدمية إلى هذه المناطق الآمنة نسبياً، مما خلق ضغطاً مفاجئاً ونشاطاً استهلاكياً طارئاً هناك.
ويرتبط بهذا التدهور أزمة الحبوب وفشل الأسواق التي يناقشها الباحثون من خلال تتبع قطاع إنتاج الحبوب والأسواق والسياسات، حيث تعد الحبوب مثل الذرة الرفيعة “الفتريتة” والدخن والقمح الركيزة الأساسية للأمن الغذائي للسودانيين. يوضح الفصل أن إنتاج القمح والذرة الرفيعة تعرض لضربة مزدوجة، فمن جهة تسببت المعارك في تعطيل المدخلات الزراعية كالسماد والبذور المحسنة والوقود وارتفاع تكاليف الري والعمالة، ومن جهة أخرى أدت الحرب إلى انهيار قنوات التسويق وتشتت الأسواق. ومن خلال تحليل اقتصادي قياسي لأسعار التجزئة في أسواق مختلفة بين عامي 2019 و2024، يكشف الباحثون عن ضعف شديد في ترابط الأسواق وتكاملها، فبينما يرتفع سعر القمح بشكل جنوني في المناطق المحاصرة أو البعيدة عن الموانئ ومراكز الإنتاج، قد تتوفر كميات بأسعار أقل في مناطق الإنتاج الآمنة ولكن يتعذر نقلها بسبب الحواجز الأمنية والنهب المسلح على الطرق وارتفاع رسوم العبور التي تفرضها الأطراف المتحاربة. وتشير محاكاة النموذج الرياضي الواردة في الفصل إلى أنه لو سُمح لشبكات التجارة الإقليمية بالعمل دون عوائق، لكان استهلاك القمح في غرب السودان أعلى بنسبة ستة عشر بالمئة مما هو عليه الآن.
ويتصل بهذا التحليل دراسة ديناميكيات التجارة الناجمة عن الصراع عبر تحليل الجاذبية للصادرات الزراعية السودانية، والتي تطرح مفارقة تجارية مثيرة للاهتمام. فمن ناحية، شهدت صادرات المنتجات الزراعية التي تتركز زراعتها وإنتاجها في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية مثل السمسم والفول السوداني والقطن والزيوت النباتية ارتفاعاً ملموساً، ويعود ذلك إلى أن الجيش يسيطر على ميناء بورتسودان كممر بحري وحيد نشط للبلاد والمناطق المحيطة به، مما سهل استمرار تدفق صادرات هذه المناطق لتمويل مجهوده الحربي واقتصاده. وفي المقابل، تراجعت الصادرات بشكل حاد للمنتجات التي تنتج أساساً في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع أو مساراتها مثل الماشية الحية واللحوم والذرة الرفيعة، حيث أدى إغلاق الطرق وصعوبة الوصول إلى الموانئ الشرقية إلى شل حركة تجارة الماشية، مما حرم المجتمعات الرعوية في الغرب والوسط من العائدات الاقتصادية الحيوية ودفع بأسعار اللحوم محلياً للانهيار هناك في حين تفتقر إليها أسواق التصدير والمدن الكبرى.
الأثر الاقتصادي العام وخطوط الفقر
يصل التحليل الاقتصاديعند دراسة تأثير الصراع على مستوى الاقتصاد الكلي ومسارات التعافي. فباستخدام نموذج التوازن العام الديناميكي القابل للحساب والمعتمد على مصفوفة المحاسبة الاجتماعية للسودان، يقدم الباحثون تقديراً كمياً واقعياً لحجم الضرر الاقتصادي. وتشير المحاكاة الرياضية إلى أن الاقتصاد السوداني واجه انكماشاً تدميرياً غير مسبوق، حيث تظهر البيانات الكلية لعام 2024 انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب عشرين بالمئة، مع توقعات بانخفاض إضافي قدره ثمانية فاصلة ثلاثة بالمئة في حال استمرار القتال بذات الوتيرة. هذا الانكماش ترافقه معدلات تضخم فلكية تجاوزت مئتين واثنين وأربعين بالمئة، وانهيار مروع في قيمة الجنيه السوداني بأكثر من مئتين بالمئة، مما أدى إلى تآكل كامل للقدرة الشرائية للأسر وفقدان الملايين لأعمالهم مع تجاوز معدلات البطالة حاجز الثمانية وخمسين بالمئة بين السكان النشطين اقتصادياً.
النتائج الاجتماعية لهذه الأرقام الكلية تبدو مرعبة للغاية، فالنموذج يتوقع قفزة هائلة في أعداد الفقراء وناقصي التغذية، حيث يظهر السيناريو الأساسي للحرب تزايداً حاداً في مستويات الفقر المدقع وانضمام ملايين الأسر الحضرية والريفية إلى دائرة العوز. وتعاني الأسر الحضرية بشكل خاص من انقطاع الرواتب الحكومية وانهيار القطاع الخاص الرسمي، بينما تعاني الأسر الريفية من فقدان الأسواق وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية. ويتصل ذلك مباشرة ببحث أنماط استهلاك الأغذية والتنوع الغذائي وسط الصراع وتدهور الأمن الغذائي في السودان. يوثق الكتاب تدهوراً حاداً في سلة الغذاء السودانية وتراجع جودة ونوعية الأغذية المستهلكة بشكل مخيف، فبعد أن كان السودانيون يعتمدون على وجبات متنوعة تشمل الخضروات واللحوم والألبان والنشويات، باتت الأغلبية العظمى من الأسر تقتصر على تناول وجبة واحدة أو وجبتين من النشويات البسيطة مثل العصيدة أو الكسرة المصنوعة من الذرة الرفيعة الخالية من المغذيات الصغرى.
وفي هذا الإطار، يكشف تحليل الأمن الغذائي بالاستعانة بمقياس تجربة انعدام الأمن الغذائي ونموذج “راش” الرياضي أن نسبة الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي الحاد والشرس ارتفعت لتشمل ولايات كانت تعتبر تاريخياً مراكز استقرار وإنتاج. وإلى جانب ولايات الخرطوم ودارفور الكبرى وكردوفان التي تسجل أعلى مستويات المعاناة، يكمن التطور المقلق في انتقال التدهور إلى ولايات زراعية كبرى مثل الجزيرة وسنار. ويترافق هذا التدهور مع مستويات مرعبة من سوء التغذية الحاد الشديد والعام بين الأطفال دون سن الخامسة عند قياس محيط منتصف العضد، مما يضع مئات الآلاف من الأطفال على حافة الموت جوعاً، بالإضافة إلى انتشار النحافة الشديدة بين الأمهات الحوامل والمرضعات اللواتي يعشن في مراكز النزوح والمناطق المحاصرة.
رأس المال البشري المهدد وآليات التكيف المنهكة
تحت وطأة هذا الانهيار الاقتصادي والغذائي الشامل، تبرز قضية بالغة الخطورة تتعلق بمستقبل رأس المال البشري في ظل الصراع الحالي وتأثيراته على الصحة والتعليم في السودان. يصف المؤلفون الوضع التعليمي بأنه كارثة وجودية صامتة، فإن خروج أكثر من سبعة عشر مليون طفل من المدارس وتوقف الجامعات ومؤسسات التعليم العالي بالكامل في مناطق النزاع لا يعني فقط خسارة سنوات دراسية، بل يمثل تدميراً ممنهجاً لرأس المال البشري المستقبلي للبلاد. وتتحول المدارس والجامعات إما إلى ثكنات عسكرية للمتقاتلين أو إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين والمهجرين. ويحلل الباحثون تداعيات هذا الانقطاع الطويل مشيرين إلى تزايد مخاطر عمالة الأطفال، وزواج القاصرات، وتجنيد اليافعين في صفوف الميليشيات المسلحة كوسيلة للبقاء الاقتصادي للأسر المعدمة. وفي الجانب الصحي، خرجت أكثر من ثمانين بالمئة من المستشفيات والمراكز الطبية في مناطق القتال عن الخدمة بسبب القصف المباشر، ونقص الإمدادات الطبية والأدوية المنقذة للحياة، وهجرة الكوادر الطبية المؤهلة خارج البلاد. يعيد هذا التدهور السودان عقوداً إلى الوراء، حيث رصد الكتاب ارتفاعاً حاداً في وفيات الأمهات أثناء الولادة، ووفيات الرضع، وعودة أمراض وبائية كان قد تم القضاء عليها أو محاصرتها مثل الكوليرا وحمى الضنك والملاريا الشرسة، وتساهم البنية التحتية للمياه والصرف الصحي المدمرة بشكل مباشر في تحويل مراكز النزوح إلى بؤر للأوبئة الفتاكة.
ومع هذا الانهيار الشامل، يحاول الباحثون فهم كيفية بقاء المجتمع السوداني حياً وسط هذا الجحيم من خلال استكشاف الصدمات والتكيف واستراتيجيات سبل العيش المنزلية في زمن الحرب. يكشف هذا الفصل عن حقيقة مذهلة تفيد بأنه لولا شبكات الأمان الاجتماعي غير الرسمية وتضامن المجتمع السوداني لكانت الكارثة الإنسانية أكبر بأضعاف مضاعفة. وتتنوع هذه الاستراتيجيات الشعبية لتشمل قيم التضامن الاجتماعي المتمثلة في تقاسم الغذاء والمسكن بين الأسر المستضيفة والنازحين، وتسييل الأصول والمدخرات وبيع الذهب والمواشي والاعتماد على الأعمال الهامشية الشاقة لتأمين لقمة العيش. كما تبرز التحويلات المالية الخارجية التي يرسلها المغتربون السودانيون عبر تطبيقات مصرفية رقمية كشريان حياة حقيقي لا بديل عنه لملايين الأسر التي انقطع دخلها تماماً. ولكن، يحذر المؤلفون من أن هذه الاستراتيجيات هي استراتيجيات تآكلية تستهلك الأصول والمدخرات المستقبلية للأسر وتتركها في نهاية المطاف بدون أي غطاء لحمايتها من الصدمات القادمة، مما يعني أن مرونة المجتمع لها سقف يوشك على الانهيار إذا لم يتم التدخل الفوري.
المساعدات الرقمية ومسارات الخروج من النفق
يتصدى الكتاب لقضية لوجستية حرجة للغاية تتعلق بكيفية تقديم المساعدات وسط صراع نشط وانعدام للأمن من خلال التحويلات الرقمية لتقديم المساعدات الاجتماعية والإنسانية في السودان. ففي ظل الحصار الجغرافي، واستهداف شاحنات الإغاثة الإنسانية التقليدية، ونهب مخازن المنظمات الدولية، يطرح الباحثون فكرة رائدة بالاعتماد على التحويلات النقدية الرقمية عبر تتبع تجربة استخدام التطبيقات المصرفية على الهواتف المحمولة، وعلى رأسها تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم وتطبيقات أخرى، كأداة لتوصيل الدعم المالي المباشر للأسر المحاصرة في مناطق القتال أو النازحة. ويجد الباحثون أن هذه الآلية الرقمية تكتسب قبولاً وتطلعاً واسعاً لكونها توفر أماناً شخصياً للمستفيدين بعيداً عن مخاطر حمل النقد الورقي عند نقاط التفتيش، وتقلل من تكلفة المعاملات بإيصال المساعدات مباشرة دون وسطاء، فضلاً عن دورها الحاسم في تنشيط الأسواق المحلية المتبقية وتوفير السيولة للتجار الصغار ليواصلوا أعمالهم. لكن هذه الآلية تواجه تحديات تقنية وهيكلية جسيمة، مثل الانقطاع المتكرر والكامل لشبكات الاتصالات والإنترنت من قبل الأطراف المتحاربة كأداة حرب، والافتقار إلى نقاط سحب النقود في الأرياف، وفرض بعض الوكلاء لرسوم عمولة مرتفعة ومستغلة لصرف المبالغ. يوصي المؤلفون بضرورة دعم البنية التحتية للاتصالات الفضائية وحماية نزاهة واستقلالية النظام المصرفي الرقمي كأولوية إنسانية قصوى.
وللخروج من هذا النفق المظلم، يقدم الاقتصادي السوداني البارز إبراهيم البدوي رؤية استراتيجية واعدة تقترح صياغة إستراتيجية سودانية لتحقيق النمو التحولي القائم على الزراعة بعد الصراع. يجادل البدوي بأن مفتاح استقرار السودان المستقبلي لا يكمن في ريع النفط أو الذهب، بل في إعادة هيكلة الاقتصاد حول الزراعة التحولية الحديثة. ويقارن البدوي بين مساري النمو في السودان وإثيوبيا عبر العقود الماضية، مظهراً كيف تمكنت إثيوبيا من رفع إنتاجيتها وتطوير قطاعها الزراعي عبر سياسات استثمارية مستقرة رغم التحديات، بينما تراجع السودان بسبب إهمال القطاع المطري والري المروي التقليدي والاعتماد على الاستيراد والحلول قصيرة المدى. ويقترح البدوي إنشاء ممرات تنمية زراعية وصناعية متكاملة تربط مناطق الإنتاج في الولايات بالأسواق وموانئ التصدير، مع تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في مجالات التصنيع الغذائي واللوجستيات. ولكي تنجح هذه الرؤية، يرى البدوي أهمية وجود غطاء أمني واستقرار سياسي تدعمه بعثة سلام إقليمية أو دولية هجينة ومفوضة لحماية خطوط الإمداد والمجتمعات الريفية من تغول الجماعات المسلحة واقتصاديات النهب.
روشتة إنقاذ سودانية للمستقبل
في نهاية المطاف، يجمل المحررون الأفكار تحت عنوان عريض يتطلع نحو سودان مزدهر وآمن يحدد الطريق إلى الأمام. يخلص الكتاب إلى أن السودان يمر بلحظة فارقة، فإما الذهاب نحو الانهيار التام للدولة وتحللها إلى إمارات حرب إقطاعية، أو البدء الفوري والمنسق في عملية إنقاذ وتعافي تبدأ حتى قبل الصمت التام للمدافع. وتتبلور هذه الرؤية في خمس ركائز أساسية تبدأ أولاً بضرورة استعادة الأمن وتأمين مسارات التجارة الداخلية لتسهيل حركة البضائع ودمج الأسواق المجزأة. وثانياً، يقترح المحررون تبني حزمة مساعدات متكاملة تدمج التحويلات النقدية الرقمية للأسر مع دعم رأس المال للشركات الصغيرة وتوفير مدخلات الإنتاج للمزارعين في آن واحد لتعظيم الأثر الاقتصادي. وثالثاً، يتطلب التعافي إصلاحات حوكمة جذرية تفكك الإمبراطوريات التجارية العسكرية والنهبية وتخضع القطاعات الاقتصادية لولاية وزارة المالية الرسمية. ورابعاً، يجب التدخل العاجل لإنقاذ رأس المال البشري المتمثل في صحة الأطفال وعودتهم السريعة للتعليم لتلافي ضياع جيل كامل. وخامساً وأخيراً، يحتاج السودان لتنسيق إقليمي ودولي لوقف تدفقات السلاح وحشد الموارد لتمويل خطط الاستقرار الإنساني والنهوض بالقطاع الزراعي.
“War and Resilience: The Multifaceted Impacts of Sudan’s Conflict and Pathways to Recovery




