هل حقاً صنعت الأديان حروب البشرية؟

في عصر تتشابك فيه الصراعات السياسية مع الهويات الثقافية، وتتصدر فيه مشاهد العنف شاشات التلفزة واجهات الصحف، يبرز كتاب “حقول الدم: الدين وتاريخ العنف” للباحثة المرموقة كارين آرمسترونغ كوثيقة تاريخية وفكرية بالغة الأهمية. هذا السفر الضخم، الذي نقله إلى العربية ببراعة المترجم أسامة غاوجي وصدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، لا يكتفي بسرد الأحداث التاريخية، بل يغوص في أعماق البنية النفسية والسياسية والاجتماعية التي شكلت الحضارة الإنسانية. يأخذنا الكتاب في رحلة ملحمية تمتد من عصور الصيد وجمع الثمار، مروراً بمهد الحضارات الزراعية، وصولاً إلى عصر العولمة وما يُعرف بالحرب على الإرهاب، محاولاً الإجابة عن سؤال مركزي وشائك: ما هي الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين الدين والعنف وتأسيس الدولة؟.
تتأسس السردية العلمانية الحديثة على مسلمة تكاد تبدو بديهية في الوعي الجمعي المعاصر، وهي ضرورة الفصل الحاسم بين الدين والدولة، انطلاقاً من افتراض جوهري يربط بين الدين والتعصب الأعمى المؤدي حتماً إلى العنف. هذه المقولة التي تتردد كـالتعاويذ في وسائل الإعلام، وعلى ألسنة السياسيين، وحتى بين الأكاديميين وسائقي سيارات الأجرة، تدعي أن الدين كان المسبب الرئيس لجميع الحروب الكبرى في التاريخ الإنساني. غير أن آرمسترونغ تضع هذه “البديهية” تحت مجهر المساءلة النقدية الصارمة، مشيرة إلى أن هذا الادعاء يتجاهل حقائق تاريخية واضحة، كالحربين العالميتين اللتين لم تندلعا لأسباب دينية على الإطلاق. بل إن المؤرخين العسكريين يجمعون على أن الحروب تنشب نتيجة تقاطعات معقدة لعوامل اقتصادية واجتماعية ومادية، وعلى رأسها التنافس الشرس على الموارد الشحيحة.
إن المجتمع الحديث، بحسب التحليل الذي تتبناه آرمسترونغ بالاستناد إلى رؤية المفكر رينيه جيرار، قد خلق لنفسه “كبش فداء” متمثلاً في الأديان، ليحملها وزر جميع خطاياه وعنفه الكامن. تستدعي المؤلفة صورة رئيس الكهنة في إسرائيل القديمة الذي كان يطلق تيساً في البرية محملاً بخطايا المجتمع، لتقارن بين هذا الطقس القديم وبين ما تفعله العلمانية المعاصرة حين تنزع عن نفسها مسؤولية العنف المؤسسي والسياسي لتلصقه بالدين. وفي هذا السياق، يقدم المترجم أسامة غاوجي في كلمته الافتتاحية إضاءة نقدية هامة، مشيراً إلى أن العلمانية جعلت من الدين كبش فداء لخطايا الدولة الحديثة، متجاهلة أن الأيديولوجيات العلمانية، وعلى رأسها القومية، لم تكن أقل عنفاً أو دموية، بل مارست عنفاً مضاعفاً وممنهجاً، وتوجت ذلك بمشروع استعماري فكك الثقافات الأخرى وفرض نموذج الدولة القومية كخيار أوحد.
من الإشكاليات الكبرى التي يطرحها الكتاب هي التطور المفهومي لكلمة “الدين” ذاتها. توضح آرمسترونغ أن المفهوم الغربي الحديث للدين، والذي يحصره في مساحة التجربة الروحية الشخصية والاعتقادات الخاصة، هو ابتكار حديث نسبياً يعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتحديداً مع صعود المسيحية البروتستانتية وتأسيس الدولة القومية في أوروبا. قبل هذه المرحلة، لم يكن الدين منفصلاً عن السياسة أو الاقتصاد أو أي من شؤون الحياة اليومية. في اللغات القديمة، كالعربية التي تستخدم كلمة “دين” للدلالة على أسلوب حياة شامل، أو السنسكريتية التي تستخدم مفردة “دارما” للتعبير عن مفاهيم القانون والعدالة والنظام الاجتماعي، لا نجد مقابلاً دقيقاً للمفهوم العلماني الحديث عن الدين. لقد كان الدين في المجتمعات ما قبل الحديثة يتخلل كل نشاط إنساني، من الزراعة والبناء إلى شرب الخمر وخوض الحروب، ولم يكن بوسع القدماء تخيل خط فاصل بين ما هو ديني وما هو سياسي.
لفهم الجذور العميقة للعنف، تعود بنا آرمسترونغ إلى علم التشريح العصبي، مبينة أن الإنسان يمتلك ثلاثة عقول متراكبة. العقل الأول هو “عقل الزواحف” القديم، والذي يركز حصراً على البقاء والمنافسة الشرسة وحماية المنطقة، وهو منبع الدوافع الأنانية المتمركزة حول الذات. العقل الثاني هو “الجهاز الطرفي” الذي تطور مع الثدييات، والذي منح الكائنات القدرة على رعاية الصغار، والتعلق، وبناء التحالفات، وتكوين مشاعر التعاطف. أما العقل الثالث فهو “القشرة المخية الحديثة” التي ظهرت مع إنسان العصر الحجري، والتي منحتنا القدرة على التفكير العقلاني، والوعي بالذات، واستشعار المأساة الكامنة في الوجود الإنساني. هذا التكوين البيولوجي المعقد يجعل الإنسان ساحة صراع دائم بين غريزة القتل والبقاء من جهة، ومشاعر الرحمة والتعاطف من جهة أخرى.
وتتجلى هذه الازدواجية بوضوح في لوحات الكهوف القديمة في “لاسكو” بفرنسا، حيث كان صيادو العصر الحجري يعبرون عن ألمهم وتعاطفهم مع الحيوانات التي كانوا مضطرين لقتلها من أجل النجاة. لقد كان الفن والدين في بداياتهما محاولة طقوسية للتخفيف من وطأة هذا التناقض الجوهري: الحاجة إلى تدمير حياة كائنات أخرى من أجل استمرار الحياة الإنسانية. ومن هنا، ارتبط الصيد بطقوس تطهيرية معقدة، تعبيراً عن الاحترام العميق للضحية.
لكن التحول الدراماتيكي في مسيرة العنف البشري لم يأت من الصيد، بل من الزراعة. مع اكتشاف الزراعة في بلاد الشام قرابة عام 9000 قبل الميلاد، وتحديداً في مستوطنات مثل أريحا التي أحاطت نفسها بأسوار دفاعية ضخمة، ظهر ما تسميه آرمسترونغ “العنف البنيوي”. أدى إنتاج الفائض الزراعي إلى نمو ديموغرافي هائل، ولكنه خلق في الوقت ذاته مجتمعات هرمية قاسية. ولأول مرة في التاريخ، ظهرت طبقة أرستقراطية صغيرة لا تتجاوز نسبتها اثنين بالمائة من السكان، تستولي بالقوة المنظمة على ثمار كدح الأغلبية الساحقة من الفلاحين. هذا النظام الاستغلالي، الذي جسدته حضارة سومر في بلاد الرافدين بوضوح من خلال ملحمة جلجامش، كان يعتمد على القوة العسكرية للإخضاع والحماية، مما جعل الحرب ضرورة اقتصادية وسياسية لا غنى عنها لأي دولة زراعية.
لقد كان بناء الحضارة مشروطاً بهذا العنف البنيوي، حيث وفر استغلال الفلاحين وقت الفراغ والثروة اللازمين لتطوير الفنون والعلوم والقوانين. وفي هذا السياق، لم يكن الدين منفصلاً عن هذا الهيكل السياسي المظلم، بل تم توظيف الأساطير، مثل أسطورة الدولة الكونية في سومر، لتبرير هذا التفاوت الطبقي وإضفاء شرعية سماوية على أوامر النخبة الحاكمة، متخيلين أن تنظيمهم الاجتماعي القاسي يعكس إرادة الآلهة في السماء. ومع ذلك، تؤكد آرمسترونغ أن الدين ذاته كان يمثل في أحيان كثيرة صوتاً احتجاجياً متألماً، كما نرى في تضرعات شعب أوروك ضد استبداد ملكهم جلجامش، محاولاً كبح جماح عنف الدولة والبحث عن بديل إنساني وسط قسوة الضرورات الحضارية.
مع تعمق الإمبراطوريات الزراعية في ترسيخ آليات سيطرتها، ودخول البشرية في عصر الحديد الذي وفّر أسلحة فتاكة ورخيصة أتاحت بناء جيوش جرارة، شهد العالم ما يُعرف بـ “العصر المحوري” (الممتد تقريباً بين 900 و200 قبل الميلاد). في هذا السياق المشبع بالدماء والتوسع الإمبريالي، تتتبع كارين آرمسترونغ ظهور التقاليد الروحية والفلسفية الكبرى في العالم، ليس كمحرضات على العنف، بل كردود فعل عميقة وحزينة على فظائع الدولة العسكرية الناشئة. إن العصر المحوري، الذي شهد ولادة البوذية والهندوسية والكونفوشيوسية والداوية وفلسفة اليونان والتوحيد الشرق أوسطي، كان في جوهره محاولة إنسانية كبرى لكبح جماح العنف والمباشر الذي مارسته الأنظمة السياسية من أجل احتكار القوة والموارد.
بالانتقال إلى شبه القارة الهندية، تستعرض المؤلفة كيف تبلور مفهوم “الأهيمسا” (اللا عنف) كرفض قاطع للعنف المتأصل في طقوس التضحية الفيدية وفي الحروب التوسعية للممالك الناشئة. لقد كانت البوذية والجاينية حركات تمرد روحي ضد وحشية الدولة الزراعية، حيث اختار الرهبان الانسحاب من دورة الإنتاج والاستهلاك التي تتطلب قمع الفلاحين وسفك الدماء. غير أن آرمسترونغ تضعنا أمام واحدة من أعمق المفارقات التاريخية من خلال استحضار سيرة الإمبراطور الهندي “أشوكا” الذي حكم الإمبراطورية الماورية. فبعد مذبحة مروعة في حرب “كالينجا” أودت بحياة مئات الآلاف، اعتنق أشوكا البوذية وأعلن توبته عن الحرب. لكنه اصطدم بالواقع السياسي المرير؛ إذ أدرك أن إدارة إمبراطورية شاسعة تتطلب بالضرورة الحفاظ على جيش قوي، وجني الضرائب بالقوة، واستخدام العقوبات القاسية لردع التمرد. لقد أثبتت تجربة أشوكا أن الحاكم، مهما بلغ سموه الروحي، لا يملك ترف التخلي عن “العنف البنيوي” إذا ما أراد للدولة أن تستمر، فالدولة بطبيعتها كيان قسري لا يمكن تفكيك آليات عنفه دون التسبب في فوضى عارمة.
وتكتسب هذه الجدلية أبعاداً أكثر قسوة ووضوحاً عند دراسة التجربة الصينية خلال ما يُعرف بـ “حقبة الممالك المتحاربة” (475 – 221 ق.م). في تلك المرحلة، تحولت الحروب في الصين من مجرد مناوشات طقوسية تقودها النخبة الأرستقراطية، إلى حروب إبادة شاملة تشارك فيها جيوش ضخمة من الفلاحين المجندين قسراً. أفرزت هذه الصدمة الحضارية مدارس فكرية متنوعة حاولت ترميم النظام الدولي المنهار. فبينما سعى كونفوشيوس إلى إحياء الطقوس القديمة (لي) ونشر قيم الإنسانية (رين) لتهذيب سلوك الحكام، واختار الداويون الانسحاب التام من الفعل السياسي القسري، برزت “المدرسة القانونية” كتيار براغماتي صارم لا يرى في الأخلاق أي قيمة سياسية. أسس فلاسفة القانونية، أمثال شانغ يانغ وهان فيزي، نظرية في الحكم تقوم حصرياً على تعظيم القوة المادية للدولة من خلال قطاعين لا ثالث لهما: الزراعة والحرب. شكلت هذه المدرسة الأساس الأيديولوجي الذي مكن دولة “تشين” من توحيد الصين بالحديد والنار، لتثبت مجدداً أن تماسك النظام السياسي وتأسيس الإمبراطوريات لم يقم يوماً على المواعظ الدينية، بل على احتكار وحشي لأدوات القوة والعنف المادي، وهو ما يتقاطع بشدة مع أدبيات الواقعية في تفسير ديناميكيات القوة عبر التاريخ.
وعلى الضفة الأخرى من العالم القديم، وفي منطقة الشرق الأوسط، تقدم آرمسترونغ تحليلاً استثنائياً للتجربة الإسرائيلية القديمة. خلافاً للإمبراطوريات العظمى في الهند والصين، كانت إسرائيل مملكة هامشية صغيرة عالقة بين القوى العظمى في مصر وبلاد الرافدين. هنا، لم يتخذ الدين شكل فلسفة دولة، بل تبلور كـ “نقد جذري” لعنف الدولة الزراعية. برز الأنبياء، مثل عاموس وإشعياء، كأصوات معارضة سياسية واجتماعية تندد بطبقة النخبة التي تحتكر الثروة وتسحق الفلاحين الفقراء. لقد أسس التراث النبوي للاهوت يربط بين العبادة والعدالة الاجتماعية، معتبراً أن إقامة الطقوس في الهيكل لا قيمة لها إذا ترافت مع استغلال الأرامل والأيتام والفقراء. كان هذا التحول المحوري بمثابة نزع للشرعية الإلهية عن العنف الذي تمارسه الدولة، وتحميل النخبة الحاكمة مسؤولية التفاوت الطبقي.
من خلال هذه القراءة البانورامية للعصر المحوري في الهند والصين والشرق الأوسط، تبرهن آرمسترونغ أن الأديان والفلسفات الكبرى لم تكن مهندسة لعنف الدولة، بل كانت في أغلب الأحيان محاولات يائسة للتخفيف من غلوائه أو انتقاد أسسه الاستغلالية. غير أن هذا التوتر بين المثالية الروحية وضرورات القوة السياسية سيأخذ منحنى جديداً وأكثر تعقيداً مع صعود الأديان التوحيدية الكبرى وتحولها لاحقاً إلى أيديولوجيات إمبراطورية توسعية. وهو التطور الذي سيعيد صياغة المشهد الجيوسياسي للعالم القديم.
مع بزوغ فجر الحقبة الإمبراطورية للأديان التوحيدية، تدخل سردية آرمسترونغ منعطفاً حاسماً يكشف عن آليات الترويض المتبادل بين اللاهوت والسلطة السياسية. ولعل التحول الدراماتيكي للمسيحية يقدم النموذج الأبرز لهذه الدينامية المعقدة. لقد بدأت المسيحية كحركة طوباوية مسالمة على هوامش الإمبراطورية الرومانية، حيث جسد المسيح وأتباعه الأوائل رفضاً جذرياً للعنف الروماني. ولقرون ثلاثة، تمسك المسيحيون بمبدأ اللاعنف، مفضلين الاستشهاد على الانخراط في الجيوش الإمبراطورية. غير أن هذا النقاء الروحي اصطدم بحتميات البقاء السياسي حين اعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية في القرن الرابع الميلادي. في تلك اللحظة الفارقة، تحولت الكنيسة من ضحية لعنف الدولة إلى شريك في إدارته، واكتشفت أن إدارة كيان جيوسياسي مترامي الأطراف يتطلب جيوشاً وضرائب وقوة قسرية لا تتوافق مع البدايات المسالمة المبكرة.
هذا التناقض الصارخ بين المثالية الإنجيلية وضرورات الدولة دفع مفكرين كباراً، وفي طليعتهم القديس أوغسطين، إلى صياغة نظرية “الحرب العادلة”. لم تكن هذه النظرية تأسيساً للاهوت العنف، بل كانت محاولة براغماتية للتوفيق بين الأخلاق الدينية ومقتضيات الأمن القومي للإمبراطورية التي كانت تترنح تحت ضربات القبائل الجرمانية. وهكذا، تم تطويع الدين لخدمة نظام الدولة، وأصبح الصليب يتقدم الجيوش، ليس تعبيراً عن جوهر الدين، بل استجابة لضرورات احتكار القوة في عالم تحكمه الفوضى وتنازع البقاء.
وعندما ننتقل إلى ظاهرة “الحروب الصليبية”، التي تُطرح مراراً كالدليل الدامغ على دموية الأديان، تقدم آرمسترونغ تفكيكاً مادياً وسياسياً لهذه الحقبة. فالحملات الصليبية لم تكن مجرد نوبة من التعصب الديني المحض، بل كانت استجابة لأزمات ديموغرافية واقتصادية واجتماعية طاحنة عصفت بأوروبا في القرن الحادي عشر. لقد وظفت البابوية الخطاب الديني لتصدير العنف الداخلي الذي مارسه الفرسان الإقطاعيون خارج القارة، ولتعزيز السلطة السياسية للكنيسة في مواجهة الملوك العلمانيين. كانت الدوافع الكامنة وراء تلك الحملات تتعلق بالسيطرة على الأراضي وطرق التجارة والموارد، حيث شكل الدين الغطاء الأيديولوجي المثالي لتعبئة الجماهير وتبرير صراعات الهيمنة وتوازن القوى.
وفي السياق ذاته، تقارب المؤلفة تجربة الإسلام المبكر في شبه الجزيرة العربية، وهي منطقة اتسمت تاريخياً ببنية قبلية مجزأة وحالة من الصراع المستعصي وغياب السلطة المركزية. تُظهر القراءة التاريخية أن المشروع النبوي كان في جوهره محاولة لبناء دولة وبنية سياسية موحدة تتجاوز العصبيات القبلية، وتؤسس لمنظومة أمنية واجتماعية مستقرة. ورغم أن مصطلح “الجهاد” برز كأداة للدفاع عن هذا الكيان الناشئ في محيط شديد العداء، إلا أن تحول الإسلام لاحقاً إلى إمبراطوريات شاسعة، كالأموية والعباسية، أعاد إنتاج منطق “العنف البنيوي” الذي يحكم كافة الإمبراطوريات الزراعية الكبرى. لقد وجدت الخلافة الإسلامية نفسها مضطرة لتبني الهياكل البيروقراطية والعسكرية للإمبراطوريات السابقة لها، لتأمين الموارد والسيطرة على مساحات جغرافية تمتد عبر قارات متعددة.
إن ما تكشفه هذه المرحلة من التاريخ البشري هو أن الأديان، بمجرد أن تتبناها المؤسسة السياسية، تتحول إلى أدوات لتعزيز التماسك الاجتماعي وتبرير سياسات القوة. فالدولة، أياً كان غطاؤها الأيديولوجي، تعمل وفق محددات تدفعها نحو التوسع أو الدفاع الاستراتيجي لحماية مصالحها الحيوية. ولكن، كيف سيتغير هذا المشهد مع أفول الإمبراطوريات الدينية وبداية صعود الدولة القومية الحديثة في أوروبا؟ وكيف تحولت العلمانية ذاتها إلى أيديولوجيا شمولية لا تقل عنفاً عما سبقها؟
مع طي صفحة الإمبراطوريات الدينية الكلاسيكية، نلج في هذه المرحلة من قراءة “حقول الدم” إلى اللحظة التاريخية الفارقة التي شكلت عالمنا المعاصر: صعود الدولة القومية ومخاض ولادة العلمانية. تتوقف كارين آرمسترونغ طويلاً عند ما عُرف تاريخياً بـ “حروب الدين” في أوروبا، وتحديداً حرب الثلاثين عاماً، لتفكك واحدة من أكثر السرديات رسوخاً في الفكر السياسي الحديث. ففي حين يُروج لهذه الحروب باعتبارها ذروة التعصب اللاهوتي الذي استدعى تدخل العلمانية لإنقاذ البشرية، تكشف القراءة الفاحصة لديناميكيات القوة أن هذه الصراعات كانت في جوهرها صراعاً ضارياً على السيادة والموارد، ومحاولة عنيفة لكسر الهيمنة الإمبراطورية لآل هابسبورغ. لم يكن الدين في تلك المعارك سوى أداة تعبئة في صراع جيوسياسي محض، حيث قاتل الكاثوليك والبروتستانت جنباً إلى جنب عندما اقتضت المصلحة السياسية ذلك، مما يؤكد أن المحددات البنيوية والمصالح المادية كانت هي المحرك الحقيقي للفاعلين في النظام الدولي الناشئ، وليس الاختلافات العقدية.
هذا المخاض العنيف تمخض عن “صلح وستفاليا” عام 1648، والذي دشن رسمياً نظام الدولة القومية الحديثة القائم على مبدأ السيادة المطلقة. وهنا، تقدم آرمسترونغ تحليلاً يتقاطع بشدة مع أدبيات الواقعية البنيوية، حيث أدى إقصاء الدين عن الفضاء العام ومصادرة أملاك الكنيسة إلى احتكار الدولة الحديثة لمصادر الثروة وأدوات العنف الشرعي بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الإمبراطوريات الزراعية السابقة. لقد انتقل تقديس الفرد من الإله إلى “الأمة”، وتحولت القومية إلى دين علماني جديد يتطلب تضحيات دموية تفوق بأضعاف ما طلبته الأديان التقليدية. لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في شكل الحكم، بل كان حركة قاسية في مسار ديالكتيك تاريخي، حيث استبدلت الدولة الحديثة المطلق الديني بمطلق سياسي، فارضة تجانساً ثقافياً ولغوياً قسرياً لسحق أي هويات فرعية قد تهدد تماسكها وبنيانها المركزي.
تأخذنا المؤلفة إلى حقبة الثورة الفرنسية لتشريح كيف مارست العلمانية في نسختها اليعقوبية عنفاً ممنهجاً ضد معارضيها، متذرعة بحماية قيم العقل والتنوير. لقد أثبتت “عصور الإرهاب” التي تلت الثورة أن الأيديولوجيات العلمانية قادرة على إنتاج تطرف دموي يفوق التطرف الديني، وأن آلة الدولة عندما تتحرر من أي كوابح أخلاقية أو غيبية، وتستند فقط إلى عقلانية أداتية بحتة، فإنها قادرة على ارتكاب مجازر غير مسبوقة باسم التقدم. هذا العنف البنيوي المتأصل في تكوين الدولة القومية لم يقتصر على الداخل الأوروبي، بل تمدد خارجياً عبر التوسع الاستعماري الشرس، حيث تم تسخير التطور التكنولوجي والصناعي لنهب ثروات الشعوب الأخرى وفرض التبعية عليها، مبررين ذلك كله بشعار “الرسالة الحضارية” العلمانية.
إن ما تؤكده آرمسترونغ في هذا المفصل التحليلي هو أن العنف ليس احتكاراً للاهوت، بل هو أداة متأصلة في آليات الحفاظ على السلطة، وتأمين الموارد، وإدارة توازن القوى. ولكن، مع دخول العالم عصر التصنيع الكثيف وظهور الأيديولوجيات الشمولية في القرن العشرين، كيف ستتطور آلة القتل البشري لتصل إلى مستويات الإبادة الجماعية المروعة؟ وكيف سيتبلور شكل العنف في ظل التنافس الاستراتيجي بين القوى العظمى والانقسامات الأيديولوجية الحديثة؟
مع ولوج البشرية عتبة القرن العشرين، تصل أطروحة آرمسترونغ إلى أكثر فصولها دموية وقتامة، حيث تتجلى العواقب الكارثية لانفصال آلة الدولة عن أي كابح أخلاقي أو متسامٍ، واعتمادها الحصري على العقلانية الأداتية والتصنيع الكثيف. في هذه الحقبة، لم يعد العنف مجرد أداة لإخضاع الفلاحين أو توسيع الرقعة الزراعية، بل تحول إلى صناعة بيروقراطية مُمأسسة تُدار بكفاءة هندسية باردة. وتبرز الحربان العالميتان كأوضح تجلٍ للطبيعة العلمانية البحتة للصراعات الحديثة، حيث اندلعت هذه المواجهات الطاحنة نتيجة ديناميكيات التنافس الاستراتيجي، واختلال ميزان القوى، والسعي الحثيث لتعظيم القوة وبسط الهيمنة على الموارد الحيوية في ظل فوضوية النظام الدولي، بعيداً كل البعد عن أي محفزات لاهوتية أو صراعات دينية.
في هذا السياق، تفكك المؤلفة صعود الأيديولوجيات الشمولية، كالنازية والفاشية والستالينية، معتبرة إياها ديانات علمانية بامتياز. لقد استبدلت هذه الأنظمة الإله الغيبي بمطلقات أرضية كامنة، سواء كانت “العرق الصافي” أو “الطبقة العاملة” أو “الدولة القومية”، وفرضت على أتباعها طقوساً من الولاء المطلق والتضحية القصوى تفوق ما طالبت به أكثر الحركات الدينية تعصباً في التاريخ. إن الهولوكوست ومعسكرات الغولاغ لم تكن ارتداداً إلى عصور التخلف الديني، بل كانت، ويا للمفارقة، ذروة منتجات الحداثة العلمانية؛ إذ تم توظيف العلم والتكنولوجيا والإدارة البيروقراطية الحديثة لهندسة عمليات إبادة جماعية منهجية، بغية تحقيق التجانس المطلق وسحق أي تباين يعيق تطور مسار التاريخ وفق الرؤية الأيديولوجية الحاكمة.
لقد أثبتت هذه الأيديولوجيات أن تحرير السياسة من قيود الدين لم يؤدِ بالضرورة إلى إرساء السلام الكانطي المنشود، بل أفضى إلى إطلاق العنان لعنف غير مسبوق. ومع انهيار هذه المشاريع الشمولية بنهاية الحرب العالمية الثانية، لم يتوقف محرك العنف، بل اتخذ شكلاً جديداً يتلاءم مع الطبيعة القطبية الثنائية للنظام الدولي الجديد. خلال حقبة الحرب الباردة، تحولت المواجهة المباشرة بين القوى العظمى إلى صراع جيوسياسي معقد ومحكوم بتوازن الرعب النووي، مما دفع بآلة العنف لتتخذ طابعاً بالوكالة، وتنتقل ساحات تصفية الحسابات وإعادة رسم الخرائط إلى مسارح الأطراف في العالم النامي.
في تلك الساحات الهامشية، تداخلت وحشية التدخلات الإمبريالية الحديثة مع قسوة الأنظمة الاستبدادية المحلية التي تبنت نماذج تحديث علمانية قسرية ومستوردة، مدعومة من القوى الكبرى. هذا التحديث الفوقي العنيف، الذي هدف إلى إعادة صياغة المجتمعات وتفكيك بناها التقليدية لتتواءم مع متطلبات السوق العالمي أو المنظومة الاشتراكية، أحدث شروخاً غائرة في البنية الاجتماعية والنفسية لتلك الشعوب. وفي خضم هذا التمزق البنيوي والانسداد السياسي، ومع فشل مشاريع الدولة القومية في الأطراف في تحقيق التنمية والعدالة واستدامة السيادة، بدأت تتشكل بذور رد فعل عكسي وعنيف.
مع تفاقم أزمات الدولة الوطنية في العالم النامي، وفي ظل فشل مشاريع التحديث القسري التي فرضتها النخب العلمانية المدعومة من القوى الكبرى، تضعنا كارين آرمسترونغ أمام التحليل الأهم لظاهرة “الأصولية” المعاصرة. خلافاً للرؤية الاستشراقية التبسيطية التي تعتبر الأصولية ارتداداً لعصور الظلام أو انبعاثاً للاهوت عنيف متأصل في النصوص المقدسة، تؤكد المؤلفة أن الأصولية هي ظاهرة حداثية بامتياز. إنها وليدة الشعور العميق بالتهميش والاغتراب، ورد فعل عنيف على الإقصاء السياسي والثقافي الذي مارسته العلمانية المسلحة في نسختها السلطوية. عندما قامت الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط بتأميم الفضاء العام وسحق المعارضة السياسية والنقابية، لم يتبقَ للجماهير المحبطة سوى “المسجد” كساحة وحيدة للتعبئة والتعبير عن مظالمهم، مما أدى إلى تسييس الدين وصياغته في قوالب أيديولوجية حديثة لمقاومة طغيان الدولة.
وفي هذا السياق المعقد، تتناول آرمسترونغ ظاهرة “الإرهاب العالمي” والعمليات الانتحارية التي طبعت العقود الأخيرة. وتستند في تفكيكها لهذه الظاهرة إلى دراسات علمية واستراتيجية رصينة لتثبت أن الغالبية الساحقة من الهجمات الانتحارية لا تنبع من دوافع دينية محضة، بل ترتبط عضوياً بأهداف سياسية وجيواستراتيجية واضحة، على رأسها مقاومة التدخل الأجنبي وطرد القوات العسكرية من الأراضي التي يعتبرها المنفذون أوطانهم. إن التنظيمات المسلحة الحديثة لا تستمد تكتيكاتها من الفقه التقليدي الذي يحرّم قتل المدنيين، بل تستنسخ أدوات الحرب غير المتماثلة وحرب العصابات لمواجهة تفوق عسكري تقني ساحق. لقد أصبح الدين هنا مجرد غطاء تعبوي يضفي طابعاً مقدساً على صراع سياسي دنيوي حول الأرض والسيادة وتوزيع الثروات في نظام دولي غير متكافئ.
ومن هنا، توجه المؤلفة نقداً لاذعاً لما يُسمى بـ “الحرب على الإرهاب”، مؤكدة أن الرد العسكري العنيف وتدمير دول بأكملها بناءً على فرضية أن “الدين هو المشكلة”، لم يؤدِ إلا إلى تغذية دوامة العنف وتفريخ أجيال جديدة من المتطرفين. إن التجاهل المتعمد للمظالم السياسية والاقتصادية التاريخية، والتركيز الحصري على النصوص الدينية باعتبارها المحرك الأوحد للعنف، يمثل حالة من العمى الاستراتيجي الذي يعفي القوى الكبرى من مسؤوليتها عن السياسات التوسعية، ودعم الاستبداد، والتدخلات العسكرية الكارثية التي فككت البنى التحتية والمجتمعية في مناطق شاسعة من العالم.




