نهاية الوهم الليبرالي وعودة الجيوبوليتيك

قوة في طور التحول: تشريح النظام الدولي الجديد وموقع أوروبا في صراع الأقطاب قراءة تحليلية في كتاب هيرفريد مونكلر “Macht im Umbruch”
يشهد النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين تحولات هيكلية عميقة تعيد تشكيل توازنات القوى العالمية، وتدفع بالبشرية نحو حقبة جديدة تتسم بالسيولة والاضطراب. في هذا السياق المعقد، يبرز كتاب “قوة في طور التحول: دور ألمانيا في أوروبا وتحديات القرن الحادي والعشرين” (Macht im Umbruch: Deutschlands Rolle in Europa und die Herausforderungen des 21. Jahrhunderts) للمفكر وعالم السياسة الألماني البارز هيرفريد مونكلر، الصادر عن دار نشر روولت برلين Rowohlt Berlin Verlag
يمثل هذا العمل تشريحاً دقيقاً لحالة التخبط التي تعيشها القوى التقليدية في مواجهة صعود قوى جديدة، ومحاولة جادة لفهم مكانة أوروبا، وألمانيا على وجه التحديد، في هذا المشهد العالمي سريع التغير.
ينطلق مونكلر في مقدمته من نقد لاذع للتوقعات المثالية التي سادت بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث تفككت السردية التي بشرت بانتصار الليبرالية الديمقراطية ونهاية التاريخ. لقد ساد اعتقاد راسخ بأن العولمة الاقتصادية والاعتماد المتبادل سيحولان الأعداء السياسيين والأيديولوجيين إلى مجرد منافسين اقتصاديين يلتزمون بقواعد سوق عالمية موحدة. غير أن الواقع الراهن، كما يوضحه الكتاب، يثبت بشكل قاطع أن المثالية الليبرالية والنظام الدولي القائم على القواعد كانا مجرد وهم عابر، وأننا دخلنا مرحلة جديدة تتسيد فيها الصراعات الجيوسياسية الخالصة. إن السلام الكانطي، الذي استندت إليه أوروبا في بناء استراتيجيتها لعقود، قد تبدد تماماً ليحل محله صراع مكشوف على النفوذ والموارد والسيادة.
خماسية القوى العالمية: التنافس الأمريكي الصيني وإعادة هيكلة النظام الدولي
يتعمق الكتاب في تحليل البنية الجديدة للنظام الدولي، مقدماً إطاراً نظرياً يعتمد على تفاعل خمس قوى كبرى رئيسية: الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، روسيا، الهند، والاتحاد الأوروبي. هذا الانتقال من الأحادية القطبية الأمريكية إلى التعددية القطبية المعقدة يخلق ديناميكيات احتكاك مستمرة. وفي قلب هذا التحول الاستراتيجي، يبرز الصعود الصيني كعامل حاسم يعيد تعريف موازين القوى العالمية. فالصين لم تعد تكتفي بالنمو الاقتصادي، بل تسعى حثيثاً لترسيخ دورها كقطب جيوسياسي مهيمن قادر على تحدي الهيمنة الأمريكية في مختلف الساحات الاستراتيجية، بدءاً من التكنولوجيا وسلاسل التوريد العالمية، وصولاً إلى تأمين الموارد الحيوية والمعادن النادرة.
إن التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين يشكل المحور الذي تدور حوله صراعات القرن الحادي والعشرين. يشير مونكلر إلى أن هذا التنافس يجبر القوى الأخرى، بما فيها أوروبا، على إعادة تقييم تحالفاتها الاستراتيجية. فالولايات المتحدة، لا سيما في ظل التحولات السياسية الداخلية وتوجهات الإدارات المتعاقبة المتسمة بالانعزالية، بدأت تتراجع عن التزاماتها التقليدية كضامن للأمن الأوروبي، لتركز جهودها على احتواء التمدد الصيني. هذا الانسحاب الأمريكي التدريجي من الضفة المقابلة للمحيط الأطلسي يترك أوروبا في حالة من الانكشاف الاستراتيجي غير المسبوق.
أوروبا بين عجلات القوى الكبرى: خطر التحول إلى ممسحة للأقدام
يقدم مونكلر تحليلاً تشاؤمياً ولكنه واقعي لحالة الاتحاد الأوروبي في ظل هذا المخاض العالمي. يصف المؤلف بوضوح الخطر المحدق بأوروبا، محذراً من أن القارة العجوز مهددة بأن تصبح ساحة تصفية حسابات أو ممسحة أقدام للقوى العظمى إذا لم تتدارك ضعفها الهيكلي. إن استمرار الاعتماد الأوروبي المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية، في الوقت الذي تتصاعد فيه النزعة الإمبريالية العدوانية لروسيا في الشرق، يضع أوروبا بين فكي كماشة.
يؤكد الكتاب على ضرورة أن يدرك الأوروبيون أن قواعد اللعبة قد تغيرت جذرياً. لم يعد يكفي الاعتماد على القوة الناعمة والدبلوماسية الاقتصادية في عالم تسيطر عليه القوة الصلبة والردع العسكري. لذلك، يرى مونكلر أن الاتحاد الأوروبي مطالب بإثبات قدرته على الصمود في وجه روسيا، والتعامل بثقة وندية مع الصين، وتحقيق الاستقلال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة الأمريكية متى ما اقتضت الحاجة ذلك. إن هذا التحول يتطلب تغييراً جذرياً في العقيدة السياسية والأمنية الأوروبية، والانتقال من حالة التردد والبطء في اتخاذ القرار إلى تبني استراتيجيات جيوسياسية حاسمة وفعالة.
المعضلة الألمانية وتأمين خطوط الإمداد في عصر الاستقطاب الثنائي
يمضي هيرفريد مونكلر في تشريحه المعمق للنظام الدولي، لينتقل من الإطار الكلي المتعلق بالاتحاد الأوروبي إلى بؤرة التركيز الأساسية للكتاب، وهي ألمانيا وموقعها الاستراتيجي في قلب هذا النظام المتصدع. لعقود طويلة، استند النموذج الألماني الناجح إلى معادلة ثلاثية الأبعاد بدت وكأنها عصية على الكسر: الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية، والحصول على موارد الطاقة الرخيصة والمستقرة من روسيا، والاعتماد المتزايد على الأسواق الصينية لاستيعاب الصادرات الصناعية الألمانية الثقيلة. غير أن السرد الأكاديمي الدقيق الذي يقدمه الكتاب يبرهن على أن هذه الركائز الثلاث قد انهارت أو تكاد، مما يضع برلين أمام استحقاقات تاريخية لا تقبل التأجيل.
يؤكد مونكلر أن ألمانيا، بوصفها القوة الاقتصادية الأكبر في القارة، لم يعد بإمكانها الاختباء خلف ذرائع المراجعات التاريخية أو الاكتفاء بالدور الدبلوماسي الحذر. إن صعود الصين وتصاعد حدة التنافس الأمريكي الصيني يحتمان على ألمانيا الانتقال من قوة اقتصادية بحتة إلى فاعل جيوسياسي يتحمل مسؤولية قيادة أوروبا استراتيجياً وعسكرياً. هذا التحول يتطلب بناء قدرات ردع حقيقية، وتجاوز حالة التردد في تخصيص الموارد الدفاعية، لأن الفراغ الذي قد يخلفه أي تراجع أمريكي في أوروبا لن يملأه سوى تمدد نفوذ قوى أخرى تسعى لإعادة رسم الخرائط وتغيير قواعد السلوك الدولي.
سلاسل التوريد ومعادن الأرض النادرة: ساحات المعارك الجديدة
في سياق تحليله لمستقبل النظام الدولي ودور الصين الاستراتيجي، يولي الكتاب اهتماماً بالغاً للتحولات العميقة في الجغرافيا الاقتصادية العالمية. لم تعد الحروب تقتصر على التحركات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل السيطرة على خطوط الإمداد العالمية وتأمين الموارد الاستراتيجية. يشير مونكلر بوضوح إلى أن صعود الصين الاستراتيجي في مستقبل النظام الدولي يعتمد بشكل جوهري على هيمنتها شبه المطلقة على سلاسل التوريد العالمية، ولا سيما في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة وتكرير معادن الأرض النادرة.
تعد العناصر الأرضية النادرة بمثابة النفط الجديد في القرن الحادي والعشرين، حيث تشكل العمود الفقري للصناعات التقنية المتقدمة، بدءاً من أشباه الموصلات والرقائق الدقيقة التي تحدد القدرات التكنولوجية للأجهزة العسكرية والمدنية الحديثة، وصولاً إلى تقنيات التحول الأخضر ومصادر الطاقة المتجددة. يوضح المؤلف أن الصين قد استثمرت لعقود في السيطرة على هذه الموارد الحيوية، ليس فقط داخل أراضيها، بل عبر استراتيجيات توسعية في مناطق نفوذ جديدة، مما يمنحها رافعة ضغط جيواقتصادية هائلة تستطيع من خلالها خنق الاقتصادات الغربية، وعلى رأسها الاقتصاد الألماني المعتمد بشدة على التصدير التكنولوجي والصناعي.
وبالتالي، فإن النظام العالمي يمر بمرحلة انتقالية حرجة، حيث تتحول سلاسل التوريد من أداة لتعزيز الكفاءة الاقتصادية إلى سلاح استراتيجي للردع والإكراه. يطرح الكتاب ضرورة ملحة لأوروبا وألمانيا لإعادة هندسة سلاسل الإمداد الخاصة بهما، والانتقال نحو استراتيجيات تقليل المخاطر وتنويع مصادر الموارد والطاقة، بما يشمل إعادة تقييم مشهد الطاقة العالمي والبحث عن شراكات بديلة وموثوقة بعيداً عن مناطق التوتر الجيوسياسي ومراكز الاحتكار.
مآلات التنافس والتحولات في بنية النظام الدولي
يتجاوز مونكلر الرصد الآني للأحداث ليغوص في السرد الأكاديمي والتحليل البنيوي لمستقبل النظام الدولي. إن التنافس الصيني الأمريكي ليس مجرد صراع تجاري عابر، بل هو صدام هيكلي طويل الأمد على تشكيل القواعد والمعايير التي ستحكم العالم في العقود المقبلة. يوثق الكتاب، عبر تحليل معمق، كيف أن الصين تسعى لتأسيس نظام موازٍ يتحدى المؤسسات التي أرستها واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية، مستخدمة في ذلك أدوات القوة الناعمة والاختراق الاقتصادي والتقدم التكنولوجي المتسارع.
في خضم هذا الصراع، تواجه ألمانيا والاتحاد الأوروبي تحدي الحفاظ على التماسك الداخلي. فأي انقسام أوروبي في الرؤية تجاه الصين أو الولايات المتحدة سيؤدي إلى تمزيق القارة وتحويلها إلى أطراف تابعة تدور في فلك الأقطاب الجديدة. يدعو مونكلر بصراحة إلى ضرورة صياغة سياسة خارجية أوروبية موحدة وحازمة، تعتمد على تقوية القدرات الذاتية، وتعزيز التكامل العسكري والاقتصادي، والتخلص من التبعية العمياء، لضمان بقاء أوروبا كفاعل مستقل وقوي قادر على حماية مصالحه في عالم تسوده الفوضى واستعراض القوة.
بناء السيادة من الأنقاض: عقيدة الردع، الثورة التكنولوجية، ومخاض “المنعطف التاريخي”
عقيدة الردع: الخروج من عباءة “السلام الدائم” ينتقل هيرفريد مونكلر في هذا الفصل المحوري من كتابه إلى منطقة كانت حتى وقت قريب تُعد من المحرمات في النقاش السياسي الألماني، وهي ضرورة امتلاك القوة العسكرية الخشنة كضمانة وحيدة للبقاء. تحت عنوان عريض يحلل مفهوم “المنعطف التاريخي” (Zeitenwende)، يجادل المؤلف بأن الاستقرار الذي نعم به الغرب لم يكن نتيجة لقوة القانون الدولي فحسب، بل كان محميًا في المقام الأول بميزان رعب وقدرات ردع هائلة وفرتها الولايات المتحدة. ومع تخلخل هذه المظلة، يجد الأوروبيون أنفسهم أمام حقيقة قاسية: القوة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها عسكرياً، لن تجد من يحترم مصالحها الاقتصادية أو قيمها السياسية .
يشرح مونكلر أن الردع في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقتصر على تكديس الدبابات أو زيادة أعداد الجنود، بل أصبح يتطلب قدرة على التنبؤ بالتهديدات الهجينة والتعامل معها. إن روسيا، من خلال استراتيجياتها في شرق أوروبا، أثبتت أن الحدود لم تعد مقدسة وأن “تجميد الصراعات” هو أداة لإضعاف الخصوم على المدى الطويل. لذلك، يرى الكتاب أن على ألمانيا، بوصفها العمود الفقري لأوروبا، أن تتخلى عن “ثقافة التردد” وتتبنى استراتيجية عسكرية استباقية تعيد بناء الجيش الألماني (Bundeswehr) ليكون قوة قادرة على حماية المجال الحيوي الأوروبي، ليس فقط كفعل عسكري، بل كرسالة سياسية واضحة للأقطاب المنافسة.
السيادة الرقمية: الرقائق كحدود وطنية جديدة
لا يكتفي مونكلر بتحليل الأبعاد العسكرية التقليدية، بل يغوص في أعماق الثورة التكنولوجية وتأثيرها على صياغة القرار السيادي. يؤكد الكتاب أن السيادة في العصر الحديث تبدأ من المختبرات ومصانع أشباه الموصلات. إن التبعية التكنولوجية للقوى الكبرى، وتحديداً للصين والولايات المتحدة، تشكل ثغرة استراتيجية قد تؤدي إلى شلل كامل في مفاصل الدولة في حالات الصراع.
يوضح المؤلف أن السيطرة على الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية ليست مجرد سباق اقتصادي لتحقيق الأرباح، بل هي “سباق تسلح تكنولوجي” يحدد من يملك القدرة على التحكم في تدفق المعلومات وتأمين البنية التحتية الحيوية. ويحذر مونكلر من أن أوروبا، إذا ظلت مجرد مستهلك للتكنولوجيا المستوردة، ستجد نفسها في وضع “التابع الرقمي”، حيث يمكن للقوى المهيمنة إملاء شروطها السياسية عبر التهديد بقطع التحديثات التقنية أو حجب الوصول إلى البيانات الحيوية. لذا، فإن الدعوة الألمانية لإنشاء “سحابة سيادية أوروبية” وتوطين صناعة الرقائق هي، في نظر مونكلر، ضرورة وجودية لاستعادة الاستقلال الاستراتيجي.
معضلة السلاح النووي: التابو الذي يجب كسره في واحدة من أكثر أجزاء الكتاب جرأة وتثيراً للجدل، يتطرق مونكلر إلى مسألة الردع النووي الأوروبي. يطرح المؤلف تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن لأوروبا أن تكون قطباً عالمياً مستقلاً دون امتلاك مظلة نووية خاصة بها أو على الأقل تنسيق وثيق يضمن حمايتها في حال تخلت واشنطن عن التزاماتها؟. يشير السرد إلى أن الاعتماد على القنبلة الفرنسية أو البريطانية قد لا يكون كافياً في مواجهة القوى النووية الصاعدة والمتنامية.
يرى مونكلر أن على ألمانيا أن تقود نقاشاً صريحاً حول “المشاركة النووية” وتطوير استراتيجية دفاعية شاملة تأخذ في الاعتبار كافة سيناريوهات التصعيد. إن هذا الطرح لا يهدف إلى التحريض على التسلح بقدر ما يهدف إلى “الواقعية السياسية”؛ فالأقطاب الكبرى في النظام الدولي الجديد (الولايات المتحدة، الصين، وروسيا) جميعها قوى نووية تستخدم هذا السلاح كأداة للضغط السياسي. وبدون قدرة مكافئة، ستظل أوروبا عرضة للابتزاز الدائم في أي أزمة جيوسياسية كبرى.
الخلاصة الجيوسياسية للمرحلة: الانتقال من الأمل إلى الفعل
ينهي مونكلر هذا الجزء من تحليله بالتأكيد على أن زمن “الاستقرار المضمون” قد ولى إلى غير رجعة. إن النظام العالمي في طور التحول لا يرحم الضعفاء، والقوة التي لا تملك القدرة على التكيف مع التغيرات الهيكلية ستحكم على نفسها بالاندثار . إن التحدي الأكبر الذي يواجه ألمانيا اليوم ليس اقتصادياً فحسب، بل هو تحدٍ ذهني وفلسفي يتطلب إعادة تعريف دور الدولة في حماية مواطنيها وتأمين مستقبلها في عالم مضطرب.
يضع الكتاب ألمانيا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تكون المحرك الذي يقود أوروبا نحو السيادة والقوة، أو أن تكتفي بدور المراقب وتتحمل عواقب قرارات القوى العظمى الأخرى التي تعيد رسم حدود العالم ومناطق نفوذه.
الاقتصاد الجيوسياسي والمنعة المجتمعية: العقد الاجتماعي في مواجهة “عصر الاضطراب”
الاقتصاد كأداة للقوة: من “التجارة من أجل السلام” إلى “التبعية كسلاح” في هذا القسم من كتابه “Macht im Umbruch”، يفكك هيرفريد مونكلر إحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها السياسة الألمانية لعقود، وهي فكرة “التغيير من خلال التجارة” (Wandel durch Handel). يجادل مونكلر بأن العولمة التي كان يُنظر إليها كأداة لنشر القيم الليبرالية وتحقيق الاستقرار العالمي، تحولت في يد القوى السلطوية إلى سلاح استراتيجي. إن الاعتماد المفرط على سلاسل التوريد الممتدة والطاقة الرخيصة من مصادر غير موثوقة لم يعد مجرد مخاطرة اقتصادية، بل أصبح تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية.
يوضح المؤلف أن “المنعطف التاريخي” يتطلب إعادة تعريف الاقتصاد الألماني والأوروبي، ليس فقط من منظور الربحية، بل من منظور “المنعة الاستراتيجية” (Resilience). ويشير إلى أن القوة الاقتصادية في النظام الدولي الجديد لا تُقاس فقط بحجم الصادرات، بل بالقدرة على الصمود أمام “الابتزاز الجيوسياسي”. هذا التحول يفرض على المجتمعات الديمقراطية قبول تكلفة أعلى للإنتاج مقابل ضمان الاستقلال الاستراتيجي، وهو ما يسميه مونكلر “ثمن الحرية في عالم غير آمن”.
صمود المجتمعات الديمقراطية: معضلة الاستقطاب والتماسك الداخلي
ينتقل مونكلر إلى الجانب الاجتماعي، محذراً من أن التهديد الأكبر للديمقراطيات الغربية ليس خارجياً فحسب، بل يكمن في “التآكل الداخلي” للعقد الاجتماعي. ويرى أن الاستقطاب السياسي الحاد وتصاعد الحركات الشعبوية هما انعكاس مباشر للقلق من فقدان المكانة في ظل صعود أقطاب عالمية جديدة. إن المجتمعات “ما بعد البطولية” (Post-heroic societies)، كما يصفها مونكلر، تجد صعوبة في التكيف مع متطلبات العصر الجديد التي قد تتطلب تضحيات مادية أو تغييرات في نمط الحياة الاستهلاكي.
ويؤكد الكتاب أن صمود الديمقراطية أمام ضغوط الاستقطاب العالمي يعتمد على قدرة الدولة على إعادة بناء “سردية وطنية” جامعة تتجاوز الانقسامات الحزبية. فالديمقراطية التي لا تستطيع حماية مواطنيها من الصدمات الاقتصادية الناتجة عن الصراعات الجيوسياسية ستكون عرضة للاختراق من قوى تسعى لتقويض النظام الليبرالي من الداخل. لذا، يرى مونكلر أن السياسة الاجتماعية لم تعد منفصلة عن السياسة الأمنية؛ فالاستقرار الاجتماعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الحروب الهجينة وحملات التضليل.
إدارة الأزمات كنهج حياة: نحو “دولة المنعة”
يطرح مونكلر تصوراً لنموذج جديد من الدولة، يتجاوز مفهوم “دولة الرفاه” التقليدي نحو “دولة المنعة” (Resilience State). هذا النموذج يتطلب مجتمعاً واعياً بمخاطر الاعتماد المفرط، ومستعداً للتكيف السريع مع الأزمات المفاجئة، سواء كانت جائحة، أو انقطاعاً في سلاسل التوريد، أو نزاعاً عسكرياً.
يشير مونكلر إلى أن النجاح في هذا التحول يتوقف على التعليم والابتكار التكنولوجي. فالمجتمع الذي يمتلك ناصية التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي سيكون أقدر على المنافسة والحفاظ على معاييره الأخلاقية والسياسية في وجه “الاستبداد الرقمي”. ويشدد على أن القوة الاقتصادية لابد أن تقترن بـ “إرادة سياسية” قوية لاستخدام هذه القوة في حماية النموذج الديمقراطي، بدلاً من الركون إلى سلام وهمي توفره الاتفاقيات التجارية الهشة.
التوازن الصعب بين القيم والمصالح
ينهي مونكلر هذا الجزء بالتأكيد على أن المجتمعات الديمقراطية تمر بمخاض عسير لإعادة تعريف هويتها ودورها العالمي. فالموازنة بين الانفتاح الاقتصادي الضروري للازدهار، وبين الحماية الاستراتيجية اللازمة للبقاء، هي التحدي الأبرز للجيل الحالي من القادة. إن الصمود لا يعني الانغلاق، بل يعني “الانفتاح الذكي” الذي يضمن ألا تتحول الشراكات الاقتصادية إلى قيود سياسية تكبل القرار السيادي
بذلك، يضع مونكلر حجر الأساس لفهم كيفية تفاعل الداخل الاجتماعي مع التحولات الهيكلية في موازين القوى العالمية، معتبراً أن “المنعطف التاريخي” هو في جوهره امتحان لصلابة الروح الديمقراطية وقدرتها على التجدد.
بين المطرقة والسندان: الهند، “الجنوب العالمي”، وتحديات التعددية القطبية المعقدة
الهند: القطب المرجّح في لعبة التوازنات الكبرى
لا تكتمل صورة النظام الدولي الجديد في كتاب “Macht im Umbruch” دون التوقف عند الدور المتنامي للهند، التي يصفها هيرفريد مونكلر بأنها “اللاعب المتأرجح” (Swing State) الأكثر أهمية في القرن الحادي والعشرين. يجادل مونكلر بأن نيودلهي تمتلك مفتاح التوازن في الصراع الصيني الأمريكي. فالهند، بكتلتها البشرية الهائلة ونموها الاقتصادي المتسارع، لا تسعى للدخول في أحلاف جامدة، بل تمارس سياسة “الانحياز المتعدد” (Multi-alignment) التي تضمن لها استخلاص المصالح من كافة الأقطاب (p. 425).
أن صعود الهند يمثل تحدياً مزدوجاً؛ فهي من ناحية تشترك مع الغرب في القيم الديمقراطية والمخاوف من التمدد الصيني في المحيطين الهندي والهادئ، لكنها من ناحية أخرى ترفض التبعية للغرب وتتمسك بخصوصيتها الجيوسياسية كقائد للجنوب العالمي. ويرى مونكلر أن قدرة ألمانيا وأوروبا على بناء “شراكة استراتيجية ندية” مع الهند ستكون حاسمة في منع تحول النظام الدولي إلى ثنائية قطبية صلبة (صين-أمريكا) قد تؤدي في النهاية إلى صدام مدمر.
تفكيك مركزية الغرب: صعود بريكس وسردية “الجنوب العالمي”
يتعمق مونكلر في تحليل ظاهرة “بريكس” (BRICS) وتوسعها الأخير، معتبراً إياها تعبيراً سياسياً عن الرغبة في إنهاء الهيمنة الغربية على المؤسسات المالية والسياسية الدولية. يؤكد الكتاب أن العالم لم يعد يدور في فلك “المعايير الغربية” وحدها. إن خروج القوى الصاعدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية عن الطاعة الاستراتيجية لواشنطن وبرلين يفرض واقعاً جديداً يتسم بـ “تعددية المعايير” .
يوثق مونكلر كيف أن الصين نجحت في تقديم نفسها كبديل تنموي لا يفرض شروطاً سياسية أو حقوقية، مما جذب العديد من دول الجنوب العالمي التي تشعر بالتهميش في النظام الحالي. ويحذر المؤلف من أن أوروبا إذا استمرت في التعامل بمنطق “الأستاذية الأخلاقية”، ستجد نفسها معزولة في عالم يبحث عن الفعالية والبراغماتية أكثر من الشعارات. إن التحدي أمام الدبلوماسية الألمانية يكمن في إيجاد لغة مشتركة مع هذه القوى الصاعدة تعترف بمصالحها المشروعة دون التنازل عن القيم الجوهرية للنظام الدولي القائم على القواعد.
تآكل القانون الدولي وعودة “قانون القوة”
في هذا الفصل النقدي، يطرح مونكلر رؤية قاتمة حول مستقبل الأمم المتحدة والمواثيق الدولية. يرى أن النظام الذي تأسس عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين قد أُصيب بالشلل التام نتيجة استخدام “الفيتو” كأداة لحماية المصالح الإمبريالية للقوى الكبرى، لا سيما من قبل روسيا والصين، وأحياناً الولايات المتحدة. إننا نعيش في زمن “القانون الجيوسياسي”، حيث يتم تفسير القواعد الدولية وفقاً لموازين القوى على الأرض، وليس وفقاً للنصوص القانونية .
يشير السرد إلى أن عودة الصراعات الحدودية والحروب الاستباقية تعني أن العالم يعود إلى حالة “الطبيعة الهوبزية”، حيث البقاء للأقوى. وفي هذا السياق، يرى مونكلر أن على ألمانيا أن تدرك أن القوة الاقتصادية لم تعد كافية لحماية مصالحها في بحر متلاطم من الفوضى القانونية. السيادة الوطنية في هذا العصر تتطلب “قوة إقناع” مدعومة بـ “قوة إكراه” حقيقية، وهو ما يفرض على أوروبا إعادة التفكير في دورها كمدافع عن القانون الدولي، ولكن من موقع القادر على فرض هذا القانون أو على الأقل حماية مجاله الحيوي من انتهاكات الآخرين.
نحو استراتيجية كبرى: ألمانيا كـ “قوة نظام” في أوروبا
يختتم بوضع خارطة طريق لدور ألمانيا القيادي. يرفض المؤلف فكرة أن تكون ألمانيا مجرد “سويسرا كبرى” تهتم فقط بالرفاهية والتجارة. بدلاً من ذلك، يدعو إلى أن تكون برلين “قوة نظام” (Ordnungsmacht) تعمل على تنسيق الجهود الأوروبية لإنشاء قطب عالمي رابع أو خامس يمنع انزلاق العالم نحو الفوضى الشاملة.
إن “المنعطف التاريخي” الذي يناقشه الكتاب ليس مجرد قرار بزيادة ميزانية الدفاع، بل هو تحول بنيوي في العقلية السياسية الألمانية؛ من عقلية “المستهلك للأمن” إلى عقلية “المنتج للاستقرار”. وهذا يتطلب شجاعة سياسية لمواجهة الرأي العام بالحقائق القاسية، وبناء تحالفات مرنة تتجاوز الأطر التقليدية، وتأمين موارد الطاقة والمعادن كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي.




