أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

البيئة والنزاع والسلام في السودان: قراءة في تقرير يكشف ما أخفاه الدخان

حين تصبح الأرض طرفًا في الحرب

ثمة وهمٌ راسخٌ يسكن أذهان كثير من المشتغلين بالشأن الإنساني، مفاده أن الحرب تدور بين البشر، وأن الطبيعة شاهدٌ صامت على ما يجري، لا طرفٌ فاعل في المعادلة. يأتي تقرير “البيئة والنزاع والسلام في السودان: من الاستجابة إلى التعافي”، الصادر في أكتوبر 2025 عن مرصد النزاع والبيئة (CEOBS) بالتعاون مع وحدة حساسية النزاعات (CSF)، ليهدم هذا الوهم من أساسه، مُثبتًا أن الأرض والماء والغابة والمرعى ليست خلفيةً للمشهد، بل أطرافٌ في الصراع، وأدواتٌ في يد المتحاربين، وضحايا صامتة تتراكم جراحها عبر الأجيال.

لا يكتفي التقرير بتوصيف المشهد البيئي السوداني في زمن الحرب، بل يذهب إلى ما هو أعمق وأكثر إزعاجًا: يُقارب العلاقة بين تدهور البيئة وانفجار النزاع، ويُبيّن كيف أن عقودًا من سياسات الاستنزاف ونهب النخب والإهمال الممنهج للهياكل المحلية قد مهّدت الأرضية لما نشهده اليوم من كارثة إنسانية لا يضاهيها في حجمها شيءٌ آخر على وجه الأرض. وهو في الوقت ذاته يمتنع عن الوقوع في فخ التبسيط الجذاب القائل بأن المناخ هو المحرك الأوحد للنزاع، إذ يُنبّه إلى أن مثل هذا التأطير يُغري بإعفاء النخب السياسية من المسؤولية، ورمي الثقل كله على كاهل الطبيعة.

هذه القراءة ليست مجرد تلخيص أمين لما ورد في التقرير، بل هي مساءلة تحليلية لنتائجه ومقارباته ودلالاته، سواءٌ على صعيد فهم طبيعة النزاع السوداني، أو على صعيد ما يفترض أن تكون عليه استراتيجيات السلام والتعافي في بلدٍ يختزن في باطنه ثروات هائلة بينما تتضور شعوبه جوعًا وتهلك في الحرب.


أولًا: البيئة ليست هامشًا — السياق والمفارقة المُضمَرة

حين يتحدث العالم عن السودان اليوم، ينصبّ الاهتمام على أرقام النزوح المرعبة التي تجاوزت اثني عشر مليون نازح داخلي، وعلى مشاهد المجاعة في دارفور والجزيرة وكردفان، وعلى الانهيار الكامل لمنظومات الصحة والمياه والكهرباء. هذه الأرقام مؤلمة وحقيقية، لكن التقرير الذي نقرأه يطرح سؤالًا مقلقًا: هل نستطيع أن نفهم هذه الكارثة الإنسانية فهمًا صحيحًا دون أن نفهم الأرض التي تجري عليها؟

الجواب لا. لأن ما يسميه التقرير “البيئة” ليس مجرد شجر وماء وتربة، بل هو الوعاء الذي تحيا فيه سبل العيش لثمانين بالمئة من السكان، وهو النسيج الذي تتشابك فيه علاقات الهوية والانتماء والملكية بين مئات المجموعات العرقية المتمايزة، وهو المرتع الذي طالما نهشت فيه أنياب النخب السياسية والعسكرية منذ عقود. فالغابة ليست مجرد خضرة بهيجة، بل هي مصدر الحطب والكلأ الوحيد لأسر بأكملها، وهي ما يدفع إليه النزوح الجماعي الهاربَ من الرصاص ليقع في فخ الاحتياج. والمرعى ليس مجرد أرض بور، بل هو فضاء التفاوض والصراع والتعايش بين الرعاة والمزارعين منذ آماد بعيدة.

يؤكد التقرير بجرأة لافتة أن البيئة والموارد الطبيعية في السودان يجب أن تكون عنصرًا مُعترفًا به في استراتيجيات المعونة وتحقيق الاستقرار وبناء السلام، لا أن تظل ترفًا فكريًا يُؤجَّل إلى ما بعد انتهاء الحرب. والمفارقة أن الحرب ذاتها لن تنتهي ما لم تُعالج جذورها البيئية والموردية المتشعبة.

لكنّ ثمة توترًا معرفيًا حقيقيًا يُحسن التقرير إدارته: التوتر بين إلحاح الاستجابة الإنسانية الآنية وضرورة التخطيط البيئي طويل الأمد. فمن المستحيل، بل من المسيء أخلاقيًا، أن تقول للشخص الذي يحتضر جوعًا تأمّل في التوازن البيئي لنظامك الغذائي. غير أن المستحيل الحقيقي هو أن تُطعمه اليوم دون أن تحمي الأرض التي ستُطعمه غدًا. وبين هذين المستحيلين يُحاول التقرير أن يرسم طريقًا ثالثًا.


ثانيًا: إرث الاستنزاف — كيف أُعدّت الأرضية للكارثة

لا يمكن فهم ما يجري في السودان اليوم دون أن نتتبع مسار السياسات التي نُفِّذت بحقه على مدى عقود. يكشف التقرير أن التدهور البيئي الراهن ليس وليد اللحظة الحربية، بل هو حصيلة تراكمات ممنهجة تمتد جذورها إلى حقبة ما قبل الاستقلال وما بعده.

البداية من قانون الأراضي غير المسجلة في سبعينيات القرن الماضي، الذي انتزع من المجتمعات المحلية ما أقامت عليه وجودها لأجيال، ونقل ملكيته إلى الدولة. ثم قانون المعاملات المدنية عام 1984 الذي منح حق الانتفاع لكن أبقى السيادة للدولة، وهو تمييز قانوني دقيق في صياغته لكنه مدمر في تطبيقه. وجاء إلغاء الإدارات الأهلية ليُفكك الهياكل التقليدية التي كانت تُدير شؤون الموارد وتحلّ النزاعات، فتركت المجتمعات أمام فراغ مؤسسي مُفزع ملأه الفساد والنزاع.

الأخطر في هذا المسار أنه لم يكن عشوائيًا. إذ تتّضح، بقراءة متأنية، نيةٌ سياسية واضحة لتفكيك القدرة الذاتية للمجتمعات المحلية على إدارة مواردها، وتحويل هذه الأرض إلى فضاء مفتوح أمام الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي تحت راية الطموح التنموي وتحوّل السودان إلى “سلة الغذاء الإقليمية”. وقد استفادت من هذا التحول شركات زراعية وتعدينية، بينما خسر صغار المزارعين والرعاة أراضيهم وهويتهم وأحيانًا حياتهم.

الضغوط المناخية التي تتصاعد وتيرتها عامًا بعد عام وجدت إذن أرضًا قد أُضعفت قدرتها على الامتصاص والتكيف. فالمجتمعات التي كانت تاريخيًا تتعامل مع التقلب المناخي الشديد بأنظمة صمود متطورة — من ترحال رعوي إلى إدارة تقليدية للمياه إلى تنويع محصولي — وجدت هذه الأنظمة قد تآكلت وخُرِّبت من الداخل. فانكشفت أمام الجفاف والفيضانات انكشافًا أشد مما كانت عليه. وهنا يُنبّه التقرير بوضوح لا لبس فيه: لا يجوز اختزال هذه الهشاشة في تغير المناخ، وإلا أعفينا السياسات المحلية والنخب الحاكمة من مسؤوليتها. تغير المناخ محرّكٌ حقيقي لكنه يعمل على أرضية أعدّها سوء الحوكمة، لا على أرضية بكر.

ولعل أشد ما يقوله التقرير إيلامًا وصفٌ جاء في إحدى المقابلات: حين يُسأل المزارعون كبار السن كيف كانت تبدو أراضيهم في صغرهم، يسكتون لحظة، ثم يتحدثون. ما يحكونه عالم آخر. غاباتٌ كانت هنا. أنهارٌ كانت تجري. خيراتٌ كانت تُشبع. الصورة التي يرسمونها بكلماتهم غريبة إلى حد الألم عن المشهد الراهن. هذا التردي البيئي ليس قدرًا طبيعيًا، بل هو نتيجة قرارات بشرية ممنهجة.


ثالثًا: النفط والذهب — اقتصاد الحرب ودولة النهب

أحد أكثر فصول التقرير كثافةً وثقلًا ذلك الذي يتناول دور الموارد الطبيعية عالية القيمة في الاقتصاد السياسي للنزاع. ثمة ديناميكية مُتكررة في تاريخ السودان: الموارد الطبيعية تُكتشف، والنخب تُسارع إلى السيطرة عليها، والمجتمعات المحلية تُهمَّش أو تُهجَّر، والعائدات تموّل الأسلحة والميليشيات، وتتحول المناطق المنتجة إلى بؤر نزاع واستهداف للمدنيين.

النفط كان أول تجليات هذه الديناميكية. منذ اكتشافه وبناء أول خط أنابيب في نهاية التسعينيات، صار النفط وقودًا مزدوجًا: وقودٌ للاقتصاد، ووقودٌ للحرب. ووثّقت تحقيقات موسّعة كيف أن مناطق إنتاج النفط شهدت عمليات قتل جماعي وتطهير عرقي، بينما تواطأت شركات أجنبية مع نظام قائم على سحق من يسكن فوق هذه الثروة. وحين اندلعت حرب 2023، عادت السيطرة على المصافي وخطوط الأنابيب إلى واجهة الاستراتيجيات العسكرية، بما تضمّنه ذلك من تدمير لبنية تحتية أضرارها البيئية ستمتد لعقود.

أما الذهب، فقد وصفه بعض المحللين باللعنة التي حلّت على السودان بعد خسارة ثلاثة أرباع موارده النفطية إثر انفصال الجنوب عام 2011. وما يميّز اقتصاد الذهب عن النفط أنه أقل حاجةً للبنية التحتية الثقيلة، مما جعله في متناول طيف أوسع من الجهات الفاعلة في النزاع — من الجيش النظامي إلى قوات الدعم السريع إلى شبكات التهريب الدولية. وبينما أفادت التقارير بأن الصادرات الرسمية من الذهب بلغت مليارًا ونصف مليار دولار خلال العشرة أشهر الأولى من عام 2024، يُعتقد أن الإنتاج الفعلي أعلى من ذلك بكثير، إذ ينزّ الذهب من الحدود تهريبًا إلى الإمارات ودول أخرى.

الأمر الجوهري الذي يُقرره التقرير هو أن هذه الموارد لا تُفسَّر فقط بوصفها أسبابًا للنزاع، بل بوصفها مُشكِّلة للبنية السياسية برمّتها. النخب التي تسيطر على النفط والذهب لا تريد دولة مؤسسية قوية تُخضعها للمساءلة، بل تريد فوضى منظّمة تُبقي العائدات تتدفق إلى جيوبها بلا رقيب. وهذا ما يفسّر الجملة البليغة التي وردت في إحدى المقابلات: “المشكلة ليست في افتقارنا للموارد الطبيعية في السودان، فلدينا الكثير منها، إنما تكمن المسألة في كيفية توزيعها.” بؤرة الأزمة ليست شُحّ الثروة، بل نظام توزيعها المعطوب .

وتذهب الصورة إلى أعمق حين يكشف التقرير عن الأبعاد الدولية لهذا الاقتصاد السياسي. فالمملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والكويت استحوذت معًا على ما يقارب نصف مليون هكتار من الأراضي السودانية منذ مطلع الألفية الثالثة. والبحر الأحمر الذي يُطلّ عليه الساحل السوداني محلّ تنافس نفوذ دولي واستراتيجي بالغ. وعائدات الصمغ العربي — الذي يُنتج السودان سبعين بالمئة من حاجة العالم منه — انخفضت بنسبة الخمسين بالمئة بسبب الحرب. ومياه النيل وسدود إدارتها قضية موردية حياتية تتقاطع مع توترات إقليمية مستمرة.

هذا التشابك الدولي لا يعني أن الحرب السودانية صنيعة أجنبية فحسب، لكنه يعني أن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار هذه المصالح الخارجية ستظل قاصرة. ومن هنا نفهم لماذا فشلت كل جهود الوساطة حتى الآن في التوصل إلى وقف إطلاق نار حقيقي: المصالح المتقاطعة والمتعارضة للقوى الإقليمية والدولية تجعل كل طرف حريصًا على أن تظل أوراقه مرفوعة.


رابعًا: الحرب وأثرها البيئي المباشر — تلوثٌ يتراكم في الصمت

إذا كان ما سبق يصف جذور الأزمة ومقدماتها الهيكلية، فإن التقرير يتوقف أيضًا أمام الأثر البيئي المباشر الذي تتركه الحرب الجارية منذ أبريل 2023 في جسد الأرض السودانية. وهو أثرٌ يكتسب وضوحه ببطء، جزئيًا لأن الوصول الميداني شبه مستحيل، وجزئيًا لأن ما من أحد يُفكر في رصد البيئة حين يكون الناس يموتون.

البنية التحتية الصناعية المدمّرة مصدرٌ أول للتلوث: حرائق المصافي، وانسكابات مواد كيميائية، واختلاط وقود المنشآت المتضررة بالتربة والمياه الجوفية. يُرصد في الخرطوم تعرّض السكان لمواد شديدة السمية كثنائي الفينيل متعدد الكلور الموجود في زيوت المحوّلات الكهربائية. ومخازن المبيدات الحشرية في ولاية الجزيرة تُمثّل قنابل كيميائية موقوتة. أما الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة فستُلقي بظلالها على المجتمعات المحلية لسنوات، إذ ستحول دون وصولها إلى أراضيها ومواردها المائية.

والنزوح الداخلي — الذي تجاوز عشرة ملايين شخص — يُولّد ضغطًا بيئيًا هائلًا على المناطق المستضيفة. الحاجة إلى الطاقة والدفء والطهي تتحوّل إلى إزالة الغابات بمعدل مرعب في بلدٍ كانت نسبة إزالة غاباته أصلًا من بين الأعلى عالميًا عند مستوى الـ 2.4 بالمئة سنويًا. وإزالة الغابات لا تعني فقط خسارة الأشجار، بل تعني تدهور التربة وانخفاض منسوب المياه الجوفية وخسائر في التنوع البيولوجي الذي يصعب تعويضه في أجيال.

حتى المحميات الطبيعية لم تسلم. فمحمية الردوم الوطنية في جنوب دارفور، التي تُساوي مساحتها مساحة لبنان، تتعرض لفقدان حادّ في تنوعها البيولوجي ليس بسبب العنف المباشر، بل بسبب انهيار قدرتها الإدارية وانتشار التعدين العشوائي الذي يستعمل الزئبق والسيانيد والثيوريا مواد شديدة الخطورة تُسمّم الأرض والماء والهواء.

الخلاصة المُرّة التي يُقرّها التقرير هي أن المدى الحقيقي للضرر البيئي الذي لحق بالسودان لا يزال غامضًا، والأرجح أنه فاق كل تقدير، وأن عواقبه ستستمر تتفاعل وتتوالد لعقود قادمة. وفي هذا يكمن تحدٍّ مزدوج: التحدي الإنساني الفوري لمن يعانون الآن، والتحدي البيئي المؤجّل الذي سيُحمَّل وزره الأجيال القادمة.


خامسًا: فخ التبسيط — حين تُستخدم البيئة ذريعةً

يستوقف في التقرير نبرةٌ نقدية دقيقة تتعلق بالطريقة التي يوظَّف بها خطاب المناخ أحيانًا في تفسير النزاع السوداني. إذ يحذّر الباحثون من أن السرديات المُبسِّطة التي تعتبر تغيّر المناخ السببَ المباشر للحرب ربما استُخدمت في بعض الأحيان لصرف الانتباه عن سوء إدارة النخب السياسية واستغلالها للموارد.

وهذا تحذير بالغ الأهمية. فتحميل المناخ وحده مسؤولية الحرب يُرسّخ نوعًا من الحتمية البيئية تُعفي الفاعلين السياسيين من المحاسبة، وتُحوّل صانعي القرار الأثرياء إلى ضحايا للطبيعة. وهو ما يُعيد صياغة الأزمة بطريقة تجعلها مشكلة مناخية تقنية تستدعي حلولًا مناخية تقنية، لا مشكلة سياسية وحوكمية تستدعي مساءلة ومحاسبة وإعادة توزيع للسلطة والثروة.

أعمق ما يطرحه التقرير في هذا الصدد هو أن العلاقة بين المناخ والنزاع ليست علاقة سببية مباشرة، بل هي علاقة تكييف ووساطة. المناخ يُفاقم الضغوط، لكنه لا يُنتج الحرب تلقائيًا. ما يُنتج الحرب هو الإطار السياسي والاقتصادي والمؤسسي الذي يُحوّل الشحّ والضغط إلى نزاع مسلح. مجتمعاتٌ أخرى على وجه الأرض تعيش ضغوطًا مناخية مشابهة ولا تنزلق إلى الحرب، لأن لديها مؤسسات تحلّ النزاعات، وأنظمة تعالج الشُّح بالتعاون لا بالعنف. هذه المؤسسات في السودان جرى تفكيكها منهجيًا.

ويمتد هذا النقد ليطال الطريقة التي تعمل بها آليات تمويل المناخ الدولية، التي تميل إلى النهج التنازلي من أعلى إلى أسفل، وتعتمد على مؤسسات الدولة لتطبيق مشاريع التكيّف. في بلدٍ بالكاد تعمل فيه مؤسسة حكومية واحدة، هذا النهج يعني ببساطة استبعاد السودان وغيره من الدول الهشة من منظومة التعافي المناخي حين تكون الحاجة إليها في أوجها.


سادسًا: ما يفعله السودانيون في الظلام — العون المتبادل والنفير

من أكثر فصول التقرير إضاءةً وبهجةً في وسط القتامة العامة، ذلك الفصل الذي يُضيء على ما نجحت فيه المجتمعات السودانية بقواها الذاتية رغم كل شيء.

العون المتبادل أو “النفير”، بوصفه ممارسة اجتماعية ضاربة في عمق الثقافة السودانية، أُعيد استدعاؤه في هذه المحنة بزخم مفاجئ. شبكات المتطوعين والغرف النسائية للاستجابة ولجان الأحياء كانت في أحيان كثيرة هي الخيط الوحيد الذي أبقى المجتمعات متماسكة حين توقف كل شيء آخر. مطابخ التكايا تُوفّر الطعام. شبكات “نفير” تُصلح البنية التحتية للمياه. مجموعات نسائية تتعامل مع احتياجات النساء والفتيات المهمَّشة عادةً في سياقات الطوارئ.

ما يُبرزه التقرير بوضوح هو أن هذه الاستجابة المحلية كانت في كثير من الأحيان أكثر انسيابيةً وأسرع تكيفًا وأعمق معرفةً بالسياق البيئي المحلي من الاستجابة الدولية. المستجيب المحلي يعرف أن هذا الوادي يفيض في موسم الأمطار، وأن تلك التربة لا تصلح لبناء مخيم، وأن هذا المجتمع ليس على علاقة جيدة مع ذلك الآخر. هذه المعرفة ثمينة ونادرة ولا يمكن استيرادها.

التقرير يُقرّ بأن منظومة المساعدات الدولية التقليدية كانت بطيئةً في التكيف مع هذا الواقع، وأنها تواصل في كثير من الأحيان العمل بأدوات ومقاربات صُمِّمت لسياقات أخرى. التمويل يصل ببطء. الشراكة مع المنظمات المحلية تبقى في الغالب ثانوية وهشة. والمستجيبون الأوائل من السودانيين يُغرقون في العمل دون موارد كافية بينما يُقرَّر في مكانٍ بعيد كيف يُدار “التدخل الإنساني” في بلدهم.

غير أن التقرير لا يُثبّط بالنقد، بل يُؤسّس عليه توصياتٍ عملية: ضرورة إعادة بناء منظومة المساعدات لتجعل المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني السوداني شريكًا حقيقيًا لا مستفيدًا سلبيًا. وهذا يتطلب تغييرًا جوهريًا في بنية التمويل وآليات الشراكة وتوزيع السلطة في منظومة الاستجابة الإنسانية.


سابعًا: السلام البيئي — مفهوم أم وهم؟

يطرح التقرير مفهوم “بناء السلام البيئي” أو ما يُسمى أحيانًا في الأدبيات بـ “السلام البيئي”، ويُقدّمه لا بوصفه أيديولوجيا رومانسية بل بوصفه أداةً براغماتية. ذلك أن الموارد الطبيعية المُشتركة — الأرض والماء والمرعى — التي كثيرًا ما تكون مصدر نزاع، يمكن أن تتحوّل في الظروف الملائمة إلى مصدر تعاون وبناء جسور.

في دارفور، أنتجت سنوات من العمل الميداني اتفاقيات عملية بين الرعاة والمزارعين، وبين المجتمعات العربية وغير العربية، لضمان حرية تنقّل الماشية وحماية المحاصيل قبل الحصاد والتبادل التجاري في الأسواق الإقليمية. هذه الاتفاقيات لم تُنهِ الحرب، لكنها أبقت خيوط التواصل والمصلحة المتبادلة قائمةً حتى في عزّ النزاع.

في أبيي، ساعدت آليات السلام المحلي على إدارة العلاقات المتوترة بين دينكا نقوك والمسيرية حول الهجرة الموسمية، وهي علاقات محمّلة بثقل التاريخ والهوية والمصلحة.

ما يستخلصه التقرير هو أن إدارة الموارد الطبيعية المشتركة يمكن أن تكون نقطة دخول حقيقية لعمليات السلام المحلي، لأنها تتعامل مع ما يتشارك فيه الناس فعلًا من احتياجات يومية، لا مع مفاهيم سياسية مجردة تبدو بعيدة عن حياتهم.

لكن التقرير ينبّه إلى أن السرديات مهمة. فتأطير الموارد الطبيعية بوصفها “مصادر نزاع حتمية” يُكرّس رؤية تصادمية تُحقق نبوءتها بذاتها. أما تأطيرها بوصفها “مصالح مشتركة” يمكن أن توحّد المجتمعات حولها، فيفتح إمكانيات مختلفة. الجغرافيا لا تُقرّر مصير العلاقات الإنسانية، بل السياسات والروايات والمؤسسات هي التي تُقرّر ذلك.


ثامنًا: ما بعد الحرب — إعادة البناء الأخضر أم إعادة إنتاج البؤس؟

يُسائل التقرير بجدية ما يسمى بـ “التعافي الأخضر”، مستعيرًا الدرس من سياقات أخرى كأوكرانيا حيث وضعت مؤسسات دولية مبكرًا أطرًا لضمان أن تكون إعادة الإعمار فرصةً للانتقال إلى بنية اقتصادية أكثر استدامةً، لا مجرد إعادة تأهيل للنموذج الذي أنتج الأزمة ابتداءً.

في السودان، يعني التعافي الأخضر أمورًا ملموسة: معالجة التلوث الموروث من الحرب، ونزع الألغام واستعادة الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل الغابات المُجتَثّة، والاستثمار في الطاقة المتجددة بديلًا عن الاعتماد على الحطب الذي يُسرّع إزالة ما تبقى من الغطاء الشجري، وإصلاح المحميات الطبيعية ومنظومات الحوكمة البيئية.

لكن التعافي الأخضر الحقيقي لا يُختزل في مشاريع تقنية. إنه يتطلب في المقام الأول إصلاح النظام الذي أنتج الكارثة. إصلاح حوكمة قطاع الموارد الطبيعية وانتزاعها من قبضة الشبكات العسكرية الأمنية. تمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها بدلًا من إدارتها بالنيابة عنها. ضمان أن تعود عائدات النفط والذهب إلى الخزينة العامة وإلى التعافي والتنمية لا إلى جيوب المتحاربين وشركائهم الدوليين.

وهنا يطفو على السطح السؤال الأصعب الذي يتجنّب كثيرون طرحه صراحةً: هل يمكن لأي تعافٍ حقيقي أن يحدث دون محاسبة؟ دون تفكيك الهياكل الكليبتوقراطية التي وصفها أحد المقابَلين بـ “المجمع العسكري الصناعي”؟ دون أن يُساءَل من دمّر البيئة عمدًا واستخدمها سلاحًا في الحرب؟

التقرير لا يُجيب على هذا السؤال إجابةً قاطعة، ربما لأن الإجابة القاطعة غير متاحة. لكنه يُقرّ بأن “ما قبل الحرب” لم يكن نموذجًا يُحتذى يُراد إليه العودة، وأن إعادة البناء التي لا تُصحّح الاختلالات البنيوية العميقة ستكون مجرد إعادة تهيئة لجولة حرب قادمة.


تاسعًا: من يملك المعرفة؟ — إشكالية البحث والتوعية

يُعاني السودان من فجوة معرفية حادة في ما يتعلق بالبيئة: البيانات شحيحة، والأبحاث الميدانية شبه مستحيلة في ظروف الحرب، والقدرات المؤسسية البحثية انهارت بنزوح الكفاءات وتعطّل الجامعات. وفي هذا الفراغ، يتخذ الجهل قرارات تدّعي أنها مستنيرة.

لكن التقرير يرفض الاستسلام لهذا الواقع، ويُقترح بدائل مبتكرة: علم المواطن التشاركي، حيث يُوثّق أبناء المجتمعات بأنفسهم التغيّرات البيئية في مناطقهم، ويتحوّلون من مُستَقصَى منهم إلى شركاء في إنتاج المعرفة. والاستشعار عن بُعد باستخدام تقنيات الأقمار الاصطناعية للتعرف على أنماط التغيير في المناطق التي يتعذّر الوصول إليها. وتطوير شبكات تواصل بين الخبراء السودانيين في المهجر وزملائهم الذين لا يزالون في الداخل.

غير أن التحدي الأعمق لا يتعلق بأدوات البحث فحسب، بل بهياكل توزيع المعرفة. يُلاحظ التقرير الظاهرة التي يُسمّيها “بوابة المعرفة”، حيث تنتج الجامعات معرفةً تبقى حبيسة جدرانها ولا تصل إلى المجتمعات، وحيث نادرًا ما يُسمع أصحاب السلطة للتحليلات التي يُنجزها الناس على أرض الواقع. هذا الانفصال المعرفي ليس تقنيًا بل سياسي في جوهره: يعكس من تعتبره المنظومة جديرًا بإنتاج المعرفة ومن لا يعتبره.

التغيير الحقيقي يتطلب أن تُعاد الكرامة المعرفية للمجتمعات المحلية، وأن يُعتَرف بأن معرفة المزارع بأرضه أو معرفة الراعي بمساراته ليست رأيًا شعبيًا بل خبرةً متراكمة لا يمكن لأي نموذج رياضي أن يستعيضها.


عاشرًا: شمولٌ من قاعدة القمة — عن النساء والشباب والمهمَّشين

يعود التقرير مرارًا إلى قضية الشمولية، غير مكتفٍ بالإشارة العابرة الديكورية إليها. فثلاثة أرباع سكان السودان دون الثلاثين من العمر، وهؤلاء الشباب هم الذين يتحمّلون الثقل الأكبر للحرب والنزوح والانهيار، ويُستبعَدون في الوقت ذاته من مسارات صنع القرار حول مستقبلهم. وكما قال أحد المقابَلين بعبارة مُكثَّفة: “يمكن للشباب أن يكونوا بمثابة محركات للاستقرار في المجتمع؛ فإذا وصلت إليهم، وصلت إلى مجتمع بأكمله.”

النساء يتحمّلن ثقلًا مضاعفًا: فهنّ الأكثر اعتمادًا على الموارد الطبيعية في إدارة شؤون البيت والأسرة، والأقل إمكانيةً للوصول إلى ملكية الأرض وسلطة القرار، والأشد تضرّرًا من انهيار الأمن الغذائي والمائي، والأكثر عرضةً للعنف حين يطول مسار التنقل إلى مصادر الماء والحطب. ومع ذلك تظل غائبةً في معظم أطر التخطيط والتفاوض.

الغرف النسائية للاستجابة ومنظمات المجتمع المدني القيادية في هذا الصدد أثبتت كفاءةً استثنائية في معالجة احتياجات طالما أُهمِلت في خضم الطوارئ. وما يقوله التقرير هو أن دمج هذا الصوت في هياكل القرار ليس منحةً خيريةً بل شرطٌ للفاعلية: استراتيجيات السلام التي تُهمل نصف السكان محكومٌ عليها بالقصور.


خاتمة: حين لا تُفصَل الأرض عن البشر

يقف هذا التقرير في مقابل تيار راسخ يميل إلى التعامل مع الأزمة السودانية كأزمة بشرية بامتياز — نزاعٌ على السلطة، وجوعٌ بشري، ونزوحٌ بشري — وكأن الأرض التي يُخاض عليها هذا كله مجرد خشبة مسرح يمكن تجاهلها. يُقرّر التقرير بصورة منهجية ومُوثَّقة أن هذا التجاهل لا يعكس الواقع فحسب، بل يُضرّ بالاستجابة ذاتها، إذ كثيرًا ما تُكرّس التدخلات التي تتجاهل البُعد البيئي الأضرار التي تسعى لتخفيفها.

ما يجعل هذا التقرير جديرًا بالقراءة المتأنية ليس فقط ثراءه التوثيقي والتحليلي، بل نبرته المتوازنة بين الواقعية والطموح. فهو لا يَعِد بحلول سهلة، ولا يُقدّم البيئة بوصفها مفتاحًا سحريًا ينفتح عليه كل شيء. لكنه يقول بإصرار: ما لم تُدرَج البيئة في صميم استراتيجيات الاستجابة والسلام والتعافي، فلن تكون هذه الاستراتيجيات في مستوى الأزمة التي تواجهها.

والأزمة، كما يصفها التقرير، هي أسوأ كارثة إنسانية في العالم اليوم. وهي بذلك تستحق أفضل ما في المعرفة الإنسانية من أدوات وأُطر ومقاربات، بما فيها تلك التي تُحسن الإنصات إلى ما تقوله الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى