وصايا ترامب العشر

يُعد كتاب الوصايا العشر لترامب: دروس استراتيجية من صندوق أدوات القيادة لترامب، للكاتب جيفري سونينفيلد بالتعاون مع ستيفن تيان، وثيقة استثنائية تفكك الشفرة المعقدة لأسلوب قيادة أحد أكثر الرؤساء إثارة للجدل في التاريخ السياسي المعاصر. يأتي هذا العمل ليتجاوز السرديات الصحفية السطحية والتحليلات الأكاديمية التقليدية التي غالبا ما تكتفي بوصف سلوك ترامب بالجنون أو الفوضى العشوائية. يقدم سونينفيلد، استنادا إلى خمسة عقود من دراسة القيادة ومعرفة شخصية بترامب تمتد لربع قرن كصديق ومستشار وناقد، رؤية أعمق تؤكد أن هناك منهجا دقيقا وراء هذا الجنون الظاهري. إن الكاتب يرى أن التصرفات التي تبدو متهورة أو غير متوقعة هي في حقيقتها أدوات متعمدة واستراتيجيات مدروسة تهدف إلى تعظيم النفوذ والسيطرة المطلقة. هذا الكتاب ليس تقييما أيديولوجيا أو سياسيا للسياسات، بل هو تشريح دقيق لآليات القوة وكيفية ممارستها في عالم ترامب، مما يجعله دراسة محورية لفهم ديناميكيات السلطة في السياسة الداخلية الأمريكية والعلاقات الدولية.
تبدأ هذه الرؤية التحليلية من إدراك حقيقة أساسية تحكم نظرة ترامب للعالم، وهي أن كل شيء يدور حوله شخصيا. في هذا النظام الشمسي الذي خلقه، يمثل هو المركز الذي تستمد منه كل السلطات، ولا توجد مساحة للقرارات المؤسسية المستقلة. هذا ما يطلق عليه الكاتب نموذج المحور والفروع، حيث يتم تدمير الهياكل الهرمية التقليدية والبيروقراطية المعتادة في المؤسسات الكبرى، ليحل محلها هيكل تنظيمي يضمن أن كل المرؤوسين يقدمون تقاريرهم إليه مباشرة. يتعمد ترامب تأجيج الخلافات بين مساعديه وخلق بيئة من التنافس والصراع الداخلي، ليظل هو الحكم الأوحد والملاذ الأخير لفض النزاعات، مما يمنع أي تكتل داخلي قد يحد من سلطته. هذه الاستراتيجية تجعل مساعديه يعيشون في حالة من عدم اليقين الدائم، معتقدين أنهم مستشارون لا غنى عنهم، بينما في الواقع يتم التعامل معهم كأدوات قابلة للاستبدال الفوري بمجرد خروجهم عن الخط المرسوم.
لضمان عدم نشوء أي مراكز قوى مستقلة، يلجأ ترامب إلى استراتيجية إغراق المساعدين بمسؤوليات تتجاوز خبراتهم، وهي سياسة تضمن بقاءهم ضعفاء ومعتمدين عليه كليا. يتجنب ترامب تعيين شخصيات ذات ثقل مهني مستقل أو تاريخ طويل من الإنجازات التي تمنحهم شرعية خارج إطار ولائهم له، حيث يرى في هذه الاستقلالية تهديدا مباشرا لسلطته المطلقة وميلا محتملا لتوجيه النصح أو معارضته علنا. وبدلا من ذلك، يفضل تعيين قادة بالإنابة يسهل التحكم فيهم وإبقاؤهم تحت الضغط المستمر طمعا في التثبيت، مما يبقيهم في حالة إذعان تام. هذا الأسلوب لا يقتصر على تهميش الخبراء، بل يمتد إلى استخدام إشارات مبطنة وتوجيهات غير مباشرة تدفع المساعدين لاتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر، ليتحملوا هم العواقب والتبعات القانونية والسياسية، بينما يخرج هو براءة تامة متذرعا بعدم المعرفة أو التورط المباشر.
في سياق فن التفاوض والمساومة، يرفض ترامب تماما النظريات الأكاديمية الكلاسيكية التي تدعو إلى بناء الثقة التدريجي والبحث عن المصالح المشتركة والحلول التي ترضي جميع الأطراف. بدلا من ذلك، يبدأ مفاوضاته بضربة قوية وصادمة لخصمه، متبنيا موقفا متطرفا يخلق حالة من الارتباك والضغط النفسي الشديد. هذه الاستراتيجية القائمة على استنزاف الخصم من اللحظة الأولى تهدف إلى انتزاع تنازلات كبرى من الطرف الآخر الذي يصبح مستعدا للقبول بأي تسوية تبدو معتدلة مقارنة بالصدمة الأولية. ينبع هذا الأسلوب من نظرة ترامب الصفرية للعالم، حيث يعتبر أن أي مكسب يحققه الطرف الآخر هو بالضرورة خسارة صافية له، مما يلغي تماما مفاهيم النوايا الحسنة أو بناء العلاقات طويلة الأمد.
تمتد استراتيجية الضربات الاستباقية إلى خلق واقع جديد من خلال فرض أمر واقع أو الإعلان عن صفقات قبل إتمامها فعليا، مما يضع الأطراف الأخرى تحت ضغط زمني هائل للامتثال والتسليم. ومع ذلك، فإن هذا الإفراط في استخدام القوة والمبالغة في المطالب قد يؤدي أحيانا إلى نتائج عكسية عندما يتجاوز الحدود ويضطر للتراجع أمام مقاومة صلبة، كما حدث في بعض سياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية التي أحدثت هزات عنيفة في الأسواق العالمية. لتدارك هذه التراجعات الطارئة وحفظ ماء الوجه، يقوم عادة بإعادة صياغة الموقف وتضخيم مكاسب وهمية أو إعلانات استثمارية ضخمة لا تعكس الواقع الفعلي تماما، معتمدا على الإثارة الإعلامية لتغطية التنازلات التكتيكية التي اضطر لتقديمها من أجل الخروج من المأزق.
ينتقل الكاتب في تحليله ليرصد أداة أخرى لا تقل خطورة في ترسانة ترامب، وهي استخدامه المفرط للنظام القانوني كأداة حرب، أو ما يعرف بالحرب القانونية. لا يهدف ترامب من خلال رفع آلاف الدعاوى القضائية إلى الفوز في قاعات المحاكم بقدر ما يهدف إلى استنزاف خصومه ماليا ونفسيا، وإجبارهم على التراجع أو الخضوع لشروطه بغض النظر عن النتائج القانونية الرسمية. تتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح في دعواه ضد كاتب سيرته الذاتية تيموثي أوبراين، حيث طالبه بتعويضات خيالية بلغت خمسة مليارات دولار لعلمه المسبق بعجز الكاتب عن تحمل تكاليف التقاضي الطويلة، وهو ما يثبت أن الهدف كان الإيذاء وجعل حياته بائسة وليس إثبات الحق. ولا يقتصر هذا النهج على الأفراد، بل يمتد للشركات الكبرى والصغرى على حد سواء، كتهديده لشركة بنجامين مور للدهانات بتشويه السمعة للتهرب من دفع المستحقات، أو محاربته لمقاولين صغار أرهقتهم فواتير المحامين التي فاقت قيمة الديون الأصلية بكثير.تتصل هذه النزعة الهجومية باستراتيجية مركزية أخرى يعتمدها ترامب في تعامله مع التحالفات والمؤسسات، وهي سياسة فرق تسد. يدرك ترامب تماما أن العمل الجماعي والتحالفات المؤسسية تمثل التهديد الأكبر لسلطته الأحادية، لذا فهو يتعمد تفتيت أي جبهة موحدة قد تقف في طريقه، مشابها في ذلك مقاومة جاليفر لمحاولات الأقزام تقييده بحبال شلّت حركته. ظهر هذا جليا في هجومه الممنهج على كبرى مكاتب المحاماة مثل مكتب بول وايس، حيث استخدم أسلوب الترهيب والترغيب لمنع هذه المكاتب من التكتل ضده، مقدما مكافآت للموالين وعقوبات للمعارضين مما أدى إلى انقسامهم. وقد امتد هذا النهج ليشمل قطاع التعليم العالي، حيث مارس ضغوطا هائلة على جامعات النخبة مثل كولومبيا وهارفارد عبر التهديد بقطع التمويل الفيدرالي وسحب الإعفاءات الضريبية، محاولا عزل كل مؤسسة على حدة لكسر التضامن الأكاديمي.وفي المشهد الاقتصادي، لم تكن استراتيجية التفرقة أقل وضوحا، حيث واجه ترامب تمردا غير مسبوق من قبل قادة مجتمع الأعمال إبان ولايته الأولى، لا سيما بعد أحداث شارلوتسفيل التي دفعت العديد من الرؤساء التنفيذيين للاستقالة الجماعية من مجالسه الاستشارية. لقد أدرك قادة الأعمال حينها قوة العمل الجماعي في كبح جماح التجاوزات الرئاسية، وهو ما دفعهم للاتحاد لاحقا لحماية النزاهة الانتخابية والانتقال السلمي للسلطة. ومع ذلك، تعلم ترامب الدرس جيدا في ولايته الثانية، وبدأ في استغلال الانقسامات الداخلية بين الشركات، خاصة فيما يتعلق بالرسوم الجمركية، ليمنح إعفاءات انتقائية تضرب التكتلات المؤسسية وتجعل كل شركة تبحث عن خلاصها الفردي وتتنافس لنيل إعفاءاته بعيدا عن الموقف الموحد. بل إنه نقل هذا النهج إلى الساحة الدولية، متعمدا تفكيك التحالفات التقليدية والتعامل مع الدول بشكل ثنائي ومنفصل، كما فعل في تعامله المتناقض مع قادة كندا والمكسيك، ليضمن بقاء الأطراف الأخرى في حالة تنافس مستمر وضعف جماعي.تأخذنا هذه المراجعة الممتدة إلى تفكيك الأسطورة الأكثر رسوخا في مسيرة ترامب، وهي سردية الملياردير العصامي الذي صنع ثروته من الصفر اعتمادا على قرض بمليون دولار فقط. يكشف الكتاب بالأدلة القاطعة كيف أن ترامب استفاد من إمبراطورية والده فريد ترامب المالية، وتلقى دعما هائلا يقدر بمئات الملايين من الدولارات منذ طفولته، مستفيدا من شبكة معقدة من التهرب الضريبي والشركات الوهمية. إن فلسفة ترامب في عقد الصفقات لا تعتمد على بناء قيمة حقيقية، بل على ما يسميه الكاتب فن سرقة الصفقة، حيث يتبنى مبدأ أساسيا يضمن له الربح الدائم ويحمل الآخرين مخاطر الخسارة. يتضح هذا في صفقة فندق كومودور المبكرة، حيث استخدم علاقات والده السياسية القوية مع عمدة نيويورك للحصول على إعفاءات ضريبية غير مسبوقة وتمويلات ضخمة بأقل قدر من المخاطرة الشخصية. وتكرر هذا النمط الكارثي في استثماراته في كازينوهات أتلانتيك سيتي، حيث أغرق شركاته في ديون ضخمة وسندات خردة لسحب الأموال لمصالحه الشخصية ولدفع قروضه الخاصة، تاركا المستثمرين والدائنين يتصارعون على فتات الإفلاس بينما نجا هو بمعظم ثروته.ولم يتوقف هذا النمط الاستغلالي عند حدود العقارات، بل تحول ترامب تدريجيا إلى شخصية إعلامية تمنح اسمها لأي منتج يمكن التربح منه دون الحاجة لاستثمار حقيقي، بدءا من شرائح اللحم والمياه المعبأة وصولا إلى الجامعات والأحذية الرياضية. الأخطر من ذلك، كما يشير التحليل، هو امتداد هذه العقلية التجارية الشرهة إلى أروقة البيت الأبيض، حيث تم تحويل الرئاسة إلى آلة غير مسبوقة للتربح الشخصي والعائلي. وتتنوع هذه الممارسات بين تلقي هدايا ضخمة من شخصيات وكيانات أجنبية، مثل طائرة فخمة من قطر، إلى الترويج لعملات رقمية مشفرة تستقطب أموالا طائلة من مستثمرين دوليين يسعون لشراء النفوذ الرئاسي بطرق غير مباشرة. يعكس هذا التداخل الفج بين المصلحة الوطنية والمنفعة الشخصية ازدراء تاما للأعراف الدستورية، وتحديدا بند المكافآت، الذي يهدف بالأساس إلى منع الفساد والتأثير الأجنبي على السلطة التنفيذية.في خضم هذا المسار المتقلب، تبرز ميزة فريدة في شخصية ترامب تتمثل في السيولة المطلقة لعلاقاته الشخصية والسياسية، وتنقله المستمر بين الأصدقاء والأعداء والخصوم. لا يعترف ترامب بالصداقة بمعناها التقليدي العميق، بل يرى البشر كأدوات وظيفية تتغير مواقعهم بناء على احتياجات اللحظة ومصلحته الآنية. يسوق الكتاب أمثلة صارخة لشخصيات سياسية انتقدت ترامب بضراوة شديدة، مثل ليندسي غراهام وماركو روبيو وجيه دي فانس الذي وصفه يوما بهتلر أمريكا، ولكنهم تحولوا بقدرة قادر إلى أشد المدافعين عنه وأقرب مساعديه، وبالمقابل، احتضنهم ترامب وتغاضى عن إهاناتهم بمجرد خضوعهم له وإدراك فائدتهم السياسية وقدرتهم على الوصول إلى جماهير معينة. وينطبق نفس المنطق على تعامله مع الإعلام، حيث يهاجم شخصيات إعلامية مثل ميغان كيلي بضراوة وتجريح، ثم يمنحهم مقابلات حصرية لاحقا لرفع نسب المشاهدة وتوجيه الرسائل، في لعبة سيكولوجية متقنة تهدف إلى إبقاء الجميع في حالة من عدم التوازن والاعتمادية المستمرة على مزاجه المتقلب وقراراته المفاجئة.
في هذا المنعطف من التحليل، ينتقل سونينفيلد وتيان إلى تشريح واحدة من أكثر أدوات ترامب عبقرية وخطورة في آن واحد، وهي صناعة “الهوية التجارية” وتحويل الاسم الشخصي إلى سلطة معنوية تتجاوز الحقائق المادية. يوضح الكتاب أن ترامب لم يكن يبيع عقارات أو خدمات بقدر ما كان يبيع “أسطورة النجاح”؛ فمن خلال استراتيجية “الترخيص الشامل”، تمكن من وضع اسمه على مشاريع لا يملك فيها طوبة واحدة، محولاً نفسه إلى علامة تجارية عالمية ترمز للفخامة والقدرة المطلقة. هذه الاستراتيجية سمحت له بجني الأرباح من نجاحات الآخرين مع التنصل التام من الفشل، فإذا تعثر مشروع يحمل اسمه، ألقى باللوم على المطورين أو الإدارة، محتفظاً بصورته الذهنية كقائد لا يقهر. إن هذا الفصل بين “الاسم” و”الواقع” هو ما مكنه لاحقاً من نقل هذه المهارة إلى الحلبة السياسية، حيث أعاد تعريف الحقيقة لتتناسب مع السردية التي يروج لها، معتمداً على مبدأ أن التكرار والمبالغة يخلقان واقعاً موازياً يصدقه الأتباع ويخشاه الخصوم.
ويرتبط هذا التلاعب بالهوية التجارية ارتباطاً وثيقاً بقدرته الفائقة على التحكم في “دورة الأخبار” واستخدام الإعلام كأداة للإلهاء الاستراتيجي. يكشف المؤلفان كيف يتبنى ترامب عقلية “الملاكم” الذي لا يتوقف عن توجيه الضربات؛ فهو يدرك أن الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع، وأن خلق أزمة جديدة هو الطريقة الأمثل للتغطية على إخفاقات الأزمة السابقة. من خلال تصريحاته المثيرة للجدل وتغريداته المباغتة، ينجح ترامب في إجبار خصومه والإعلام على اللعب في منطقته وبشروطه الخاصة، مما يشتت الانتباه عن القضايا الجوهرية أو التحقيقات القانونية التي قد تضره. هذه “البيروفونية” السياسية ليست مجرد نوبات غضب عشوائية، بل هي تكتيك مدروس لإغراق المجال العام بالضجيج، مما يجعل من الصعب على أي سردية معارضة أن تستقر أو تؤثر في الرأي العام لفترة طويلة.
أما على صعيد المؤسسات السياسية، فيرصد الكتاب ما يمكن وصفه بـ “الاستحواذ العدائي” على الحزب الجمهوري، حيث طبق ترامب تقنيات الاستحواذ على الشركات المتعثرة في عالم الأعمال على هيكل الحزب القديم. لقد تعامل مع الحزب كـ “أصل مقوم بأقل من قيمته”، مستغلاً الفجوة بين القيادة التقليدية والقاعدة الشعبية الغاضبة. ومن خلال تهميش الشخصيات التاريخية في الحزب وتحويل اللجنة الوطنية الجمهورية إلى ملحق لإمبراطوريته العائلية، تمكن من إعادة صياغة هوية الحزب لتتمحور حول الولاء الشخصي له بدلاً من المبادئ الأيديولوجية الثابتة. يوضح سونينفيلد أن هذا التحول يمثل تهديداً وجودياً لمفهوم المؤسسات الديمقراطية، حيث يتم استبدال “حكم القانون” و”الإجراءات المؤسسية” بـ “إرادة القائد”، مما يحول الدولة بمرور الوقت إلى نسخة مكبرة من “منظمة ترامب” التي تدار بالولاء المطلق والمكافآت الشخصية.
وفي سياق أعمق، يتطرق الكتاب إلى كيفية تعامل ترامب مع “حراس البوابة” في المجتمع الأمريكي، من القضاة إلى قادة الاستخبارات وصولاً إلى الأكاديميين. يتبع ترامب استراتيجية “تآكل الثقة” الممنهج؛ فبدلاً من الجدال الموضوعي، يلجأ إلى تشويه سمعة المؤسسات التي تضع قيوداً على سلطته، واصفاً إياها بـ “الدولة العميقة” أو “الإعلام الفاسد”. هذا النهج يهدف إلى تجريد هذه المؤسسات من شرعيتها الأخلاقية أمام الجمهور، مما يسهل عليه تجاهل أحكام المحاكم أو التقارير الاستخباراتية التي لا تخدم أهدافه. إن الخطورة تكمن في أن هذا الأسلوب لا يكتفي بهدم الخصوم، بل يهدم الثقة العامة في الحقائق الموضوعية، مما يخلق مجتمعاً مستقطباً يسهل قياده عبر العواطف والولاءات القبلية السياسية.
كما يسلط المحللان الضوء على “المفارقة القيادية” في أسلوب ترامب، فهو يجمع بين الاستبداد الإداري والسيولة الأيديولوجية. فهو ليس متمسكاً بعقيدة سياسية جامدة، بل هو “براغماتي راديكالي” يغير مواقفه بناءً على ما يحقق له الهيمنة في اللحظة الراهنة. هذا التحول المستمر يربك حلفاءه وخصومه على حد سواء، ويجعله قادراً على ادعاء النصر في أي نتيجة، حتى لو كانت عكس ما دعا إليه سابقاً. إن قدرته على إعادة صياغة الفشل وتصويره كـ “تراجع تكتيكي” أو “فخ نُصب للخصوم” هي مهارة سيكولوجية متقدمة تضمن بقاء قاعدته في حالة من الانبهار الدائم بقدراته الاستراتيجية المتخيلة، مما يعزز من صورته كـ “المنقذ” الوحيد القادر على مواجهة النخب المتآمرة.
تنتقل هذه القراءة التحليلية إلى المربع الأكثر حساسية في “صندوق أدوات” ترامب، وهو ما يسميه سونينفيلد “قدسية الولاء أحادي الاتجاه”. يفكك الكتاب أسطورة الولاء المتبادل التي تروج لها الأنظمة المؤسسية التقليدية، موضحاً أن الولاء في قاموس ترامب هو طريق ذو اتجاه واحد يبدأ من المرؤوس وينتهي عند القائد، دون أي التزام بالرد بالمثل. هذا المفهوم يفسر السهولة الصادمة التي يتخلص بها ترامب من أقرب مساعديه بمجرد انتهاء صلاحيتهم الوظيفية أو بروز أدنى بادرة لاستقلاليتهم. لقد تحول مفهوم “المستشار” في عهده من خبير يقدم المشورة الصادقة إلى “منفذ” يسعى لإرضاء غرائز القائد، وهو ما أدى إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ “حكومة الظل” من الموالين الذين يفتقرون غالباً للكفاءة المهنية ولكنهم يمتلكون الاستعداد الكامل لكسر الأعراف البيروقراطية. إن استخدام “سلطة العفو” الرئاسي لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل تحول إلى أداة لمكافأة هذا الولاء المطلق، مما أرسل رسالة واضحة لكل من يعمل في مداره: أن الحماية القانونية والسياسية هي منحة شخصية من القائد وليست حقاً نابعاً من الالتزام بالقانون.
ويتصل هذا النهج باستراتيجية “الغموض الاستراتيجي” أو “إبقاء الجميع في حالة تخمين دائم”، وهي القاعدة التي طبقها ترامب ببراعة في السياسة الخارجية. يجادل الكتاب بأن ترامب نقل عقلية “المضارب العقاري” إلى الساحة الدولية، حيث لا توجد تحالفات دائمة بل “صفقات مؤقتة”. إن انسحابه من الاتفاقيات الدولية الكبرى، مثل الاتفاق النووي الإيراني واتفاقية باريس للمناخ، لم يكن مجرد تنفيذ لوعود انتخابية، بل كان حركة استراتيجية تهدف إلى هدم الطاولة وإجبار العالم على إعادة التفاوض بشروطه الخاصة. هذا الأسلوب أحدث شرخاً عميقاً في مفهوم “الموثوقية الأمريكية”، حيث تحولت واشنطن من ضامن للاستقرار العالمي إلى لاعب غير متوقع يسعى لتحقيق مكاسب آنية. يوضح التحليل أن هذا التوجه لم يضعف الخصوم فحسب، بل أرهق الحلفاء التقليديين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للتعامل مع رئيس يرى في حلف الناتو “شركة أمنية” يجب أن تدفع مقابل خدماتها، وفي العلاقات الدبلوماسية مجرد موازنات تجارية بين الربح والخسارة.
أما الفصل الأكثر إثارة للقلق في دراسة سونينفيلد وتيان، فهو المتعلق بـ “إعادة كتابة التاريخ” أو “الرؤية التنقيحية للواقع”. يشير الكتاب إلى أن ترامب يمتلك قدرة فريدة على تحويل الهزائم الواضحة إلى انتصارات متخيلة من خلال السيطرة على السردية. يتجلى هذا بوضوح في تعامله مع أحداث السادس من يناير، حيث نجح في غضون وقت قصير في تحويل واقعة اقتحام الكابيتول من وصمة عار ديمقراطية إلى “يوم للحب والوطنية” في أعين الملايين من أتباعه. هذه العملية ليست مجرد كذب سياسي عابر، بل هي تكتيك منهجي لإحلال “الحقيقة البديلة” محل الحقائق المثبتة، مستغلاً في ذلك صدى منصات التواصل الاجتماعي وضعف الوسائط الإعلامية التقليدية في مواجهة سيل المعلومات المضللة. إن خطورة هذا النهج تكمن في أنه يقوض الأساس الذي تقوم عليه الديمقراطية، وهو وجود مرجعية مشتركة للحقائق، مما يجعل من الصعب الوصول إلى توافق وطني أو محاسبة سياسية حقيقية.
ويمتد هذا التحليل ليشمل “الأثر العالمي” لنموذج ترامب، حيث يرى المؤلفان أن “صندوق أدوات ترامب” أصبح كتيباً إرشادياً للقادة الشعويين في جميع أنحاء العالم. لقد شرعن ترامب أسلوباً في الحكم يقوم على شيطنة المعارضة، وازدراء القضاء، وتسييس الأجهزة الأمنية، وهي عدوى انتقلت سريعاً إلى ديمقراطيات كانت تعتبر مستقرة. يوضح الكتاب أن “الترامبية” كمنهج قيادي قد تجاوزت شخص ترامب نفسه لتصبح ظاهرة بنيوية في السياسة العالمية المعاصرة، حيث أصبح النجاح السياسي يقاس بالقدرة على إثارة الانقسام واللعب على أوتار الهوية بدلاً من تقديم حلول وبرامج سياسية واقعية. هذا التحول ينذر بنهاية “العصر الليبرالي” وبروز نظام عالمي جديد أكثر فوضوية، حيث تسود القوة على الحق، والصفقة على المبدأ.
وفي قراءة متفحصة للعلاقة بين ترامب ومجتمع المال والأعمال، يكشف الكتاب عن حالة من “الانفصام القسري”؛ فبينما كان ترامب يروج لنفسه كأكبر محفز للاقتصاد، كان أسلوبه الإداري المتقلب يثير رعب رؤساء الشركات الكبرى الذين يقدسون الاستقرار والقدرة على التنبؤ. يروي سونينفيلد، من واقع لقاءاته مع كبار التنفيذيين، كيف أن الرسوم الجمركية المفاجئة والحروب التجارية لم تكن مجرد أدوات ضغط، بل كانت قنابل موقوتة هددت سلاسل الإمداد العالمية. ومع ذلك، نجح ترامب في تحييد الكثير من هؤلاء القادة عبر منحهم تخفيضات ضريبية ضخمة، مما خلق حالة من “المقايضة الصامتة”: الرخاء المالي مقابل الصمت السياسي. هذه العلاقة النفعية تعكس جوهر رؤية ترامب للسلطة، حيث يمكن شراء المواقف أو تحييدها بالمال، وحيث المبادئ الأخلاقية هي مجرد عوائق في طريق تحقيق الأهداف.
نصل في هذا الجزء الختامي من هذه المراجعة المعمقة إلى التركيب النهائي لرؤية سونينفيلد وتيان، حيث يتجاوز الكتاب كونه مجرد سرد لتكتيكات سياسية ليصبح تشريحاً لما يمكن تسميته بـ “العدمية الاستراتيجية”. يجادل المؤلفان بأن القوة الحقيقية في “صندوق أدوات ترامب” تكمن في قدرته على تحطيم “العقد الاجتماعي” المؤسسي واستبداله بـ “عقد ولاء شخصي” متحلل من أي التزامات قانونية أو أخلاقية سابقة. إن الوصية العاشرة والأخيرة، التي تلوح في أفق الكتاب، هي “رفض الهزيمة كخيار وجودي”؛ ففي عالم ترامب، لا توجد خسارة شريفة أو تراجع مشروع، بل هناك فقط “مؤامرات” تحاك ضد القائد، مما يستوجب رداً مزلزلًا يطال بنية النظام بأكمله. هذا النهج “الأبرشي” في القيادة يعيد تعريف مفهوم “المصلحة الوطنية” لتصبح مرادفة تماماً لـ “بقاء القائد في السلطة”، وهو تحول جذري يجعل من الصعب على أي مؤسسة رقابية أن تعمل بكفاءة دون أن تصنف كعدو للدولة.
ويتعمق الكتاب في تحليل ظاهرة “تآكل الخبرة” كأحد النتائج الحتمية لهذا الأسلوب القيادي. يوضح سونينفيلد أن ترامب يرى في “الخبير” أو “التكنوقراط” عائقاً أمام طموحاته، لأن الخبرة تفرض قيوداً من الحقائق والبيانات التي قد تتعارض مع الرغبات اللحظية للقائد. ومن هنا، تم استبدال الكفاءة المهنية بـ “الكفاءة في الولاء”، مما أدى إلى تفريغ المؤسسات الفيدرالية من عقولها الاستراتيجية، واستبدالها بشخصيات تؤمن بأن مهمتها الأولى هي حماية القائد من تداعيات قراراته. هذا “التجريف المؤسسي” لا يهدد فقط جودة السياسات العامة، بل يضعف قدرة الدولة على مواجهة الأزمات الكبرى، من الأوبئة إلى الكوارث الاقتصادية، حيث تصبح الاستجابة للأزمة محكومة بمدى تأثيرها على صورة القائد بدلاً من فعاليتها في حماية المواطنين.
وفي قراءة مستشرفة للمستقبل، يتساءل المؤلفان: هل يمكن للولايات المتحدة والعالم العودة إلى “ما قبل الترامبية”؟ الإجابة التي يقدمها الكتاب محملة بالتحذير؛ فصندوق الأدوات الذي فتحه ترامب لن يغلق بسهولة. لقد أثبت هذا النموذج أن بالإمكان تحقيق نجاحات سياسية كبرى عبر كسر القواعد التي اعتبرت لقرون مقدسة. إن “الترامبية” قد تحولت إلى مدرسة فكرية يدرسها الطامحون للسلطة، ليس فقط في أمريكا بل في كل مكان، مما يفرض تحدياً وجودياً على القادة التقليديين والمؤسسات الديمقراطية لإعادة اختراع أنفسهم. يشدد سونينفيلد على أن مواجهة هذا النهج لا تكمن في محاكاته، بل في إعادة إحياء “المساءلة الأخلاقية” وتقوية الحصون القانونية التي تمنع تحويل السلطة العامة إلى ملكية خاصة.
ويختتم الكتاب بلمسة شخصية من سونينفيلد، الذي واكب مسيرة ترامب لربع قرن، مشيراً إلى أن التراجيديا الحقيقية لا تكمن في شخص ترامب بقدر ما تكمن في “الصمت المؤسسي” الذي سمح لهذه الأدوات بأن تصبح فعالة. إن كتاب “وصايا ترامب العشر” هو في جوهره صرخة يقظة، يدعو فيها قادة الأعمال والسياسيين والمواطنين إلى إدراك أن القيادة ليست مجرد فن لعقد الصفقات أو ممارسة النفوذ، بل هي أمانة أخلاقية تتطلب التزاماً بالحقيقة وبالمؤسسات التي تتجاوز أعمار الأفراد. إن العمل الذي قدمه سونينفيلد وتيان سيظل لسنوات طويلة المرجع الأساسي لفهم كيف تغيرت طبيعة السلطة في القرن الحادي والعشرين، وكيف يمكن للبراعة التكتيكية عندما تجرد من الغاية الأخلاقية أن تصبح أداة للهدم بدلاً من البناء.
Trump’s Ten Commandments: Strategic Lessons from the Trump Leadership Toolbox




