أبرز المواضيعالعالم

“تـجـراي وإثيوبيا: صراع الأطروحات والجاذبية الغامضة لمهد الإمبراطورية”

يشكل تتبع الجذور التاريخية وتفكيك البنى الجيوسياسية المعقدة لمنطقة القرن الأفريقي ضرورة ملحة لفهم ديناميكيات الصراع والتشكل الهوياتي المستمر في تلك البقعة الاستراتيجية من العالم وهو ما يغوص في أعماقه المؤرخ حجي إرليخ عبر كتابه المرجعي البارز تجراي الكبرى والجاذبية الغامضة لإثيوبيا الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد. يقدم هذا العمل المعرفي تتويجا لرحلة استقصائية طويلة امتدت لما يربو على خمسين عاما قضاها الباحث في دراسة الشؤون الإثيوبية والتي استهلت بأطروحة دكتوراه في جامعة لندن عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين تمحورت حول سيرة رأس ألوال أبرز أبطال إثيوبيا وتجراي في أواخر القرن التاسع عشر. لا يكتفي الكتاب بسرد الأحداث التاريخية كوقائع معزولة بل ينسج قراءة تحليلية تتدفق بسلاسة رابطة بين الماضي البعيد ومآلات الحاضر الدموية ومتجنبة الانحيازات المسبقة قدر المستطاع بغرض استكشاف الدور المحوري الذي لعبته قومية الناطقين بالتجرينية في صياغة الفضاءين الإثيوبي والإريتري. منطلقا من حكمة الفيلسوف الإيطالي بينيديتو كروتشي التي تقرر أن كل تاريخ هو بالأساس تاريخ معاصر يؤكد الكاتب أن مسعاه للنبش في الماضي تحفزه مأساة الصراع الأخوي العنيف الذي عصف بإثيوبيا مؤخرا وجعل هذا الكيان العريق الذي قاوم الاندثار لألفي عام يبدو مهددا بالتفكك.

يستعير إرليخ عنوان أطروحته من رصد دقيق سجله ضابط الاستخبارات البريطاني الميجور تشيزمان قبل واحد وثمانين عاما إبان تحرير إثيوبيا من قبضة الاحتلال الإيطالي. ففي تلك الحقبة المفصلية جنح بعض الضباط البريطانيين نحو خطة لسلخ تجراي وضمها إلى إريتريا الواقعة تحت إدارتهم مستندين إلى نظرية التفكك الشائعة آنذاك والتي افترضت أن الإمبراطورية الإثيوبية ما هي إلا كيان هجين وعفا عليه الزمن يوشك على الانهيار. غير أن تشيزمان الذي كان متعمقا في فهم التركيبة التاريخية للبلاد دحض هذه الرؤية بقوة مؤكدا أن هذا البنيان الإمبراطوري المعقد متماسك بفضل جاذبية غامضة تستعصي على إدراك من يكتفي بالنظر إلى السطح السياسي لإثيوبيا. لقد برهنت الأيام حينها على حصافة تشيزمان وبقيت إثيوبيا موحدة ليعيد المؤلف اليوم طرح السؤال الجوهري عما إذا كانت هذه الجاذبية الخفية لا تزال تمتلك القدرة على صد موجات التفكك الحالية.

يشيد الكتاب مقاربته التحليلية على تفكيك مكانة تجراي الكبرى جغرافيا وتاريخيا بوصفها المهد الذي انبثقت منه إثيوبيا كدولة وفكرة. يتسع هذا المجال الجغرافي وفقا لخارطة منتصف القرن التاسع عشر ليضم مقاطعات حماسين وسراي وأكلي غوزاي الواقعة وراء نهر مارب في إريتريا الحالية إلى جانب مناطق أجامي وتجراي وعضوة وشيري وأديابو وتيمبين وإنديرتا. وفي قلب هذه الجغرافيا الاستراتيجية برزت حضارة أكسوم القديمة التي مثلت حاضنة انصهرت فيها القبائل المحلية مع موجات المهاجرين العابرين للبحر الأحمر من شبه الجزيرة العربية مثل قبائل الحبشات والأجعزيين وذلك خلال الألفية الأولى قبل الميلاد. وقد حمل الأجعزيون معهم جذور اللغة الجعزية السامية التي تطورت وازدهرت محليا لتغدو لغة التدوين والتخاطب الرسمية في المملكة. وتتضافر هذه الجذور مع الأسطورة التأسيسية الراسخة في الوجدان الإثيوبي والمتمثلة في شخصية ملكة سبأ ماكيدا التي تقول التقاليد إنها نقلت مقاليد الحكم لابنها منليك الأول المنجب من الملك سليمان في القدس لتضع بذلك الأساس الروحي والسياسي لسلالة الأباطرة الإثيوبيين الذين استمدوا شرعيتهم من هذا الإرث السليماني امتدادا إلى الإمبراطور الأخير هيلا سيلاسي.

فضلا عن كونها مهد الانطلاق جسدت منطقة تجراي دور البوابة المفتوحة والجدار المنيع في آن معا. فمن خلال ميناء أدوليس الاستراتيجي تحولت أكسوم بحلول القرن السادس إلى قوة فاعلة في حوض البحر الأحمر مسجلة حضورها كشريك يوازي في أهميته الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية ضمن الفضاء المشرقي الأوسع حيث تمدد نفوذها ليشمل أجزاء من جنوب الجزيرة العربية ومساحات شاسعة من القرن الأفريقي. وفي أروقة أكسوم وتحت رعاية ملكها تسطر اللقاء التاريخي الباكر بين المسيحية التي اعتنقتها إثيوبيا في القرن الرابع والإسلام الناشئ حين وفر النجاشي ملاذا آمنا لرواد الإسلام الهاربين من بطش الوثنيين في مكة وهو التفاعل الذي لا يزال يشكل ركيزة مركزية في تحديد مسار العلاقات الإسلامية المسيحية والسياسة الخارجية الإثيوبية المعاصرة. بيد أن تمدد نفوذ الإسلام في الجزيرة العربية أبان القرن السابع أسفر عن انحسار تدريجي للدور الإثيوبي في مسرح البحر الأحمر ليزحف مركز الدولة المسيحية عميقا نحو المرتفعات الجبلية الداخلية ويستحيل البحر المنفذ إلى جدار يعزل البلاد عن تيارات العالم الخارجي.

صاحب هذا التحول الجيوسياسي مخاض لغوي وثقافي بالغ الأهمية إذ خبا بريق اللغة الجعزية كلغة تخاطب يومية لتنحصر قداستها في النصوص الدينية والطقوس الكنسية متخذة مسارا يشبه مسار اللغة اللاتينية في الغرب. ومن رحم هذه اللغة المتراجعة تفرعت بين القرنين السابع والعاشر لغتان أساسيتان هما التجرينية التي احتفظت بجذورها السامية الصافية وتجذرت في المعاقل التقليدية للمملكة الأكسومية واللغة الأمهرية التي نشأت في الأقاليم الجنوبية متأثرة ببيئتها من اللغات الكوشية المحلية. ومع الزحف المستمر لمركز الثقل السياسي نحو الجنوب استأثر الناطقون بالأمهرية بدفة القيادة ليبلغوا أوج قوتهم في العصور الوسطى إبان حقبة السلالة السليمانية في حين وجدت مناطق الناطقين بالتجرينية نفسها مدفوعة نحو الهامش ومستنزفة سياسيا واقتصاديا لأول مرة في مسارها التاريخي الطويل.

هذا التهميش المبكر أسس لشرخ جوهري في الثقافة السياسية والمقاربات المتباينة لبناء الدولة بين الأمهريين والتجراي وهو اختلاف لا يزال يحرك دوامات الصراع في إثيوبيا حتى اليوم. ففي حين تبنى الأمهريون نهجا يسعى لصياغة إمبراطورية مركزية توحدية تتمحور حول لغتهم وهو ما يطلق عليه الأطروحة الأمهرية جنح التجراي إلى تبني رؤية تعددية تعترف بتنوع الإمبراطورية المسيحية وتكفل الحفاظ على هويتهم المتمايزة ضمن إطارها الأوسع. وعلى الرغم من الانقسامات الداخلية الحادة وإقصائهم المتكرر عن سدة الحكم ظل أبناء تجراي الحراس المؤتمنين لبوابة البلاد ودفعوا الأثمان الباهظة في معارك البقاء الكبرى التي دارت رحاها على أراضيهم. ثم ما لبثوا أن عادوا لاعتلاء مقعد القيادة في حقب مفصلية كما حدث في أواخر القرن التاسع عشر أو عندما أسقطوا الدكتاتورية في عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين ليشرعوا في إعادة هيكلة إثيوبيا على أساس الفيدرالية العرقية قبل أن يتعرضوا لإقصاء جديد وقاس في عام ألفين وثمانية عشر.

يظل هذا التموضع المزدوج بين الهوية التجراوية الخالصة والانتماء الإثيوبي الشامل إحدى أشد المعضلات التي واجهت هذه المجموعة التاريخية تعقيدا. فبينما كانت نزعة التميز لديهم تثير حفيظة الشركاء في الداخل وتغري القوى الغازية باحتمالات انفصالهم فإنهم في المحطات الحرجة كانوا يبرهنون على التحامهم العضوي بالمشروع الإثيوبي الأكبر. ولعل احتفاظهم بنسقهم الاجتماعي والسياسي الهرمي دون تغييرات هيكلية جذرية حتى أواخر القرن العشرين يعكس صلابة هذا المكون وقدرته على الاستمرار رغم تقلبات الزمن والمكائد الداخلية التي استنزفت الكثير من طاقاتهم.

يواصل إرليخ تتبع خيوط هذه السردية التاريخية المتشابكة، متعمقاً في الحقب المظلمة التي تلت أفول شمس أكسوم، حيث تعرضت بقاياها لدمار واسع في القرن العاشر على يد ملكة تُدعى جوديت ، لتدخل المنطقة في نفق من الغموض لم يتبدد إلا مع صعود سلالة زاجوي التي بسطت نفوذها حتى إريتريا وتجراي. غير أن التحول الجيوسياسي الأبرز تجسد لاحقاً مع بزوغ نجم السلالة السليمانية وتحديداً إبان عهد الإمبراطور زارا يعقوب، الذي أرسى دعائم كيان سياسي جديد في الشمال من خلال إطلاق لقب “بحر نجاش”، أي ملك البحر، على حليفه المحلي في ديباروا، وتسمية مملكته بـ “مدري بحري” أو أرض البحر. وقد مثل هذا التأسيس انبعاثاً رسمياً لنهضة تجراوية حقيقية.

لم تكن “مدري بحري” مجرد كيان إداري، بل كانت الدرع الواقي الذي أنقذ إثيوبيا المسيحية من الاندثار التام في القرن السادس عشر. ففي تلك الحقبة، تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع دولي طاحن، تزامناً مع زحف جيوش الإمام أحمد بن إبراهيم، المعروف بـ “جران”، الذي اجتاح الهضبة الإثيوبية مدعوماً بمدد من العثمانيين، ودمر جل مظاهر الوجود المسيحي في البلاد. وفي خضم هذا الانهيار الشامل، وحين كان الإمبراطور الإثيوبي طريداً في الجبال، ظلت ديباروا صامدة تحت قيادة “بحر نجاش إسحاق”، الذي شكل تحالفاً استراتيجياً مع القوة البرتغالية الوافدة بقيادة كريستوفر دا غاما. ورغم الانتكاسات العنيفة ومقتل دا غاما نفسه، أثمر هذا التحالف التجراوي-البرتغالي عن تصفية أحمد جران في معركة زانتارا عام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين، لتعود لإثيوبيا الروح بعد أن كادت تلفظ أنفاسها الأخيرة.

غير أن النجاة من الزحف الجنوبي لم تعنِ الركون إلى السلام، إذ سرعان ما لاح تهديد جديد من الشمال مع إنزال العثمانيين قواتهم في مصوع وديباروا عام ألف وخمسمائة وسبعة وخمسين بقيادة أوزدمير باشا، ساعين لضم المنطقة تحت لواء إمبراطوريتهم كولاية أطلقوا عليها “إيالة الحبشة”. وهنا، يبرز التناقض المعقد في الشخصية السياسية لزعماء تجراي، إذ وجد “بحر نجاش إسحاق” نفسه يتأرجح بين الولاء للإمبراطورية الأمهرية المسيحية، وبين التحالف مع العثمانيين الأجانب نكايةً في أباطرة المركز الذين سعوا لتقويض استقلاليته. وقد أدى هذا التمرد المستمر إلى مقتل إسحاق في ساحة المعركة عام ألف وخمسمائة وثمانية وسبعين أثناء قتاله جنباً إلى جنب مع العثمانيين ضد جيش الإمبراطور سيرزا دينجيل، الذي رد بإلغاء الاستقلال الذاتي للمنطقة وحظر استخدام رموز السيادة المحلية كرايات الحرب والطبول.

مع دخول إثيوبيا في عزلة اختيارية وتقوقع أباطرتها في العاصمة الجديدة جوندار التي أسسها الإمبراطور فاسيليدس في القرن السابع عشر، بدأت قبضة المركز في التراخي المريع. وفي مقابل هذا التقهقر المركزي، كانت تجراي تراكم عناصر قوة استثنائية مستفيدة من موقعها المطل على البحر الأحمر وميناء مصوع، مما أتاح لها احتكار استيراد الأسلحة النارية الحديثة وتكديس ثروات طائلة من مناجم الملح. وقد ساعدها في ذلك بنيتها الاجتماعية والزراعية المتجذرة، المتمثلة في نظامي “الريست” المجتمعي و”الجولت” الإقطاعي، اللذين وفرا تراتبية عسكرية صارمة مكنت تجراي من استيعاب التكنولوجيا العسكرية الجديدة، كالبنادق النارية، دون الحاجة لإحداث ثورة اجتماعية تقوض أركانها الطبقية.

أفرزت هذه الديناميكيات ما عُرف في التراث الإثيوبي بـ “عصر القضاة”، وهي حقبة امتدت لقرون وشهدت تهميشاً شبه كامل للسلطة الإمبراطورية لصالح أمراء الحرب الإقليميين. ويرفض إرليخ وصف هذه الحقبة بـ “الفوضى الشاملة”، مؤكداً أن الكيان الإثيوبي لم يتفكك، بل استمر في إطار ولاءات إقليمية تنافست للسيطرة على المركز دون السعي للانفصال عنه. وفي هذا المضمار، برز زعماء تجراي كصناع للملوك، مبتدئين بالراس ميخائيل سيهول الذي زحف بجيشه الجرار المزود بالبنادق ليفرض سيطرته المروعة على جوندار عام ألف وسبعمائة وتسعة وستين، فارضاً نفسه كأقوى رجل في الإمبراطورية.

توالت بعد ذلك أسماء تجراوية وازنة لعبت أدواراً محورية في رسم خريطة القوى، مثل الراس ولدا سيلاسي الذي نجح في فرض استقراره وتوسيع نفوذه الدبلوماسي عبر استضافة المبعوثين الأوروبيين وتوقيع معاهدات مبكرة مع البريطانيين. غير أن نيران التنافس الداخلي ظلت تأكل من جرف قوة تجراي، وهو ما تجلى في صعود الدجازماتش سباغاديس ولدو، الذي رغم توحيده للمنطقة وطموحاته الواسعة، انتهى به المطاف مقطوع الرأس عام ألف وثمانمائة وواحد وثلاثين إثر هزيمته في معركة ديبرا أباي أمام تحالف قادته فرسان الأورومو. لقد ترك هذا النزيف الداخلي المستمر تجراي منهكة ومنقسمة، ممهداً الطريق لظهور شخصيات مركزية أقوى من خارجها، كالإمبراطور تيوودروس، لإنهاء “عصر القضاة”، وليبدأ فصل جديد وأكثر دراماتيكية ستعود فيه تجراي لاعتلاء عرش الإمبراطورية في أبهى وأقسى صورها.

ينتقل إرليخ في هذا المنعطف من سرده إلى واحدة من أكثر الحقب سطوعاً ودراماتيكية في تاريخ تجراي الحديث، وهي الحقبة التي شهدت اعتلاء “كاسا ميرشا” عرش الإمبراطورية تحت اسم الإمبراطور يوحنا الرابع في عام ألف وثمانيمائة واثنين وسبعين. لم يكن صعود يوحنا مجرد تغيير في شخص الحاكم، بل كان تدشيناً لما يسميه المؤلف “الأطروحة التجراوية” في الحكم، والتي قامت على مفهوم الاتحاد الفيدرالي واللامركزية، في مقابل “الأطروحة الأمهرية” التي نزعت نحو المركزية المطلقة. لقد بدأت ملامح هذا الصعود في عام ألف وثمانيمائة وثمانية وستين، حين لعب كاسا ميرشا دوراً محورياً في مساعدة الحملة البريطانية بقيادة الجنرال روبرت نابير ضد الإمبراطور تيوودروس الثاني، حيث قدم للتجراويين معلومات استخباراتية ودعماً لوجستياً حيوياً مكنهم من الوصول إلى حصن ماغدالا. وكافأ البريطانيون حليفهم التجراوي بمنحه ترسانة عسكرية ضخمة شملت مدافع وبنادق حديثة، مما منحه تفوقاً عسكرياً حاسماً على منافسيه المحليين، وتحديداً الإمبراطور تكلا جيورجيس الثاني الذي هزمه كاسا في معركة “أسيم” بالقرب من عدوة رغم تفوق الأخير العددي الكبير.

تجسدت شرعية يوحنا الرابع في عودته إلى الجذور، حيث أصر على إقامة مراسم تتويجه في مدينة أكسوم التاريخية، متبعاً طقوساً دينية ولغوية (باللغة الجعزية) لربط ملكه بمجد الملوك الأكسوميين القدامى. وعلى عكس سلفه تيوودروس الذي حاول تحطيم القوى الإقليمية، انتهج يوحنا سياسة “السيادة العليا” التي تمنح الزعماء المحليين، مثل منليك في “شوا” وتكلا هايمانوت في “غوجام”، ألقاب الملوك مع الاحتفاظ باستقلاليتهم الداخلية مقابل الولاء للعرش الإمبراطوري. ويرى إرليخ أن هذا النموذج عكس الرؤية التجراوية لإثيوبيا ككيان متنوع ومترابط، وليس كدولة مركزية صلبة. بيد أن هذه اللامركزية السياسية تزامنت مع تشدد ديني صارم؛ إذ سعى يوحنا لتوحيد البلاد تحت لواء المسيحية الأرثوذكسية، ممارساً ضغوطاً هائلة لتحويل المسلمين في مناطق “وولو” و”الأورومو” إلى المسيحية، وهو ما أدى إلى تعميد مئات الآلاف قسراً، في محاولة منه لترميم النسيج الوطني الذي مزقته الحروب الدينية السابقة.

في هذا العصر الذهبي لتجراي، برز اسم “راس ألولا إنجيدا”، الذي يصفه إرليخ بـ “بطل إثيوبيا وتجراي في أواخر القرن التاسع عشر”. ألولا، الذي ارتقى من أصول متواضعة ليصبح القائد العسكري الأبرز ليوحنا الرابع، مثل “الدرع والرمح” في حماية حدود الإمبراطورية. لقد أثبت ألولا عبقريته العسكرية في معركتي “غوندت” و”غورا” (1875-1876)، حيث تمكن الجيش الإثيوبي المزود بالأسلحة النارية من سحق القوات المصرية الغازية التي كانت تسعى للسيطرة على منابع النيل وهضبة إريتريا. وقد مكنت هذه الانتصارات يوحنا من بسط نفوذه على منطقة “مارب ميلاش” (إريتريا الحالية)، حيث عُين ألولا حاكماً عليها، لتبدأ حقبة من الإدارة التجراوية المباشرة للمناطق الساحلية، وهي الحقبة التي لا تزال تلهم الحركات القومية في المنطقة حتى اليوم.

ومع ذلك، واجه يوحنا الرابع معضلة جيوسياسية كبرى تمثلت في “معاهدة هيويت” عام ألف وثمانيمائة وأربعة وثمانين، والتي استبدل بموجبها عدواً ضعيفاً (مصر) بعدوين شرسين: إيطاليا الاستعمارية والدولة المهدية في السودان. وبينما كان ألولا يواجه التمدد الإيطالي في الشمال، محققاً نصراً ساحقاً في معركة “دوغالي” عام ألف وثمانيمائة وثمانية وثمانين، كانت جيوش المهديين تكتسح الحدود الغربية. وجد الإمبراطور نفسه في وضع مأساوي، محاطاً بالأعداء من الخارج وبالمنافسين الطامحين في الداخل، وعلى رأسهم منليك ملك “شوا” الذي بدأ في تكديس الأسلحة وتوسيع نفوذه جنوباً. وفي لحظة بطولية وتراجيدية، قاد يوحنا جيشه لمواجهة المهديين في معركة “المتمة” عام ألف وثمانيمائة وتسعة وثمانين، حيث أصيب برصاصة قاتلة في صدره وهو يقاتل في الصفوف الأمامية.

كان مقتل يوحنا الرابع بمثابة الزلزال الذي أعاد رسم خارطة القوة في القرن الإفريقي؛ فقد أدى موته إلى انهيار الوحدة الإقليمية لتجراي ودخولها في حالة من الفوضى والتمزق الداخلي، مما مهد الطريق لمنليك الثاني لاعتلاء العرش ونقل مركز الثقل السياسي من الشمال التجراوي إلى وسط البلاد في “شوا”. وفي تلك الأثناء، استغل الإيطاليون حالة الفراغ السياسي للزحف نحو أسمرة وإعلان إنشاء مستعمرة إريتريا، ليفصلوا بذلك تجراي عن منفذها البحري الطبيعي، وهو الجرح التاريخي الذي سيظل مفتوحاً لعقود طويلة. وهكذا، اختُتم “أزهى عصور تجراي” بنهاية مأساوية لملكها، لتبدأ حقبة من التهميش السياسي والفقر الاقتصادي، ستواجه فيها تجراي تحدي البقاء ضمن إمبراطورية بدأت تأخذ طابعاً مركزياً أمهرياً متزايداً.

لم يكن انتقال السلطة من تجراي إلى “شوا” مجرد تحول في هوية الحاكم، بل مثّل بداية حقبة من التفكيك الممنهج لمصادر القوة في الشمال الإثيوبي، وهو ما يستعرضه إرليخ بدقة تحت مسمى “معضلة تجراي” في ظل حكم الإمبراطور منليك الثاني. فبعد مقتل يوحنا الرابع، وجد القادة التجراويون أنفسهم في موقف ضعيف ومشتت، مما سمح لمنليك بتطبيق سياسة “فرق تسد” عبر تقسيم إقليم تجراي إلى مناطق نفوذ صغيرة منحها لزعماء متنافسين، مثل الراس منجشا يوحنا والراس ألولا، لضمان عدم ظهور جبهة تجراوية موحدة تهدد العرش الجديد في أديس أبابا. وقد تعمق هذا الشرخ مع توقيع معاهدة “ويتشالي” عام ألف وثمانيمائة وتسعة وثمانين، التي اعترف فيها منليك بالسيادة الإيطالية على إريتريا، مضحياً بالامتداد الطبيعي لتجراي نحو البحر مقابل تثبيت أركان حكمه في المركز.

شكلت معركة “عدوة” عام ألف وثمانيمائة وستة وتسعين لحظة فارقة في الوجدان القومي الإثيوبي، لكنها بالنسبة لتجراي كانت نصراً مشوباً بالمرارة؛ فرغم أن المعركة دارت في قلب أراضيهم وبمشاركة فاعلة من مقاتليهم الذين شكلوا رأس الحربة في مواجهة الغزاة، إلا أن الثمار السياسية للنصر ذهبت بالكامل لصالح المركز الأمهرية. وبدلاً من استعادة الأراضي الإريترية المفقودة، انتهى الأمر بتكريس الحدود الاستعمارية التي فصلت العائلات والقبائل الناطقة بالتجرينية، وحولت تجراي من قلب نابض للإمبراطورية إلى إقليم حدودي معزول اقتصادياً وسياسياً. هذا التهميش دفع بعض النخب التجراوية إلى التساؤل عن جدوى الانتماء لكيان إمبراطوري يستنزف دماءهم ويحرمهم من حقوقهم السياسية، مما خلق بيئة خصبة لنمو أولى بذور “القومية التجراوية” التي بدأت تتشكل كرد فعل على الهيمنة الأمهرية الصاعدة.

مع صعود الإمبراطور هيلا سيلاسي وتوجهه نحو بناء دولة حديثة ومركزية بشكل مطلق، دخلت العلاقة بين أديس أبابا وتجراي مرحلة من التأزم المتصاعد. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، حاول الإيطاليون استغلال هذا الاحتقان عبر “السياسة التجراوية” التي روجت لفكرة “تجراي الكبرى” تحت الرعاية الإيطالية، وهي الخطة التي استهدفت إغراء القادة المحليين بالانفصال عن إثيوبيا مقابل توحيدهم مع إخوانهم في إريتريا. وبالرغم من أن الغالبية العظمى من التجراويين اختارت المقاومة والانحياز للسيادة الإثيوبية إبان الاحتلال الفاشي (1935-1941)، إلا أن تلك الفترة تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجمعية، حيث أدرك التجراويون للمرة الأولى إمكانية وجود مشروع سياسي بديل يتجاوز حدود “إثيوبيا الأمهرية”.

انفجر هذا الاحتقان الكامن عقب رحيل الإيطاليين وعودة هيلا سيلاسي إلى العرش، فيما عُرف بثورة “الوياني” الأولى عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين. لم تكن هذه الثورة مجرد تمرد عسكري، بل كانت صرخة احتجاج اجتماعية وسياسية ضد الضرائب الباهظة، والفساد الإداري، ومحاولات المركزية القسرية التي هددت النظام الاجتماعي التقليدي في تجراي. تمكن الثوار من السيطرة على مساحات شاسعة من الإقليم وهزموا القوات الحكومية في عدة مواجهات، مما دفع الإمبراطور للاستعانة بسلاح الجو البريطاني لقصف معاقل الثوار في مدينة “ميكيللي” والقرى المجاورة. كان قمع ثورة “الوياني” دموياً وحاسماً، وأعقبه فرض عقوبات اقتصادية قاسية وتجريد الإقليم من أسلحته التقليدية، مما حول تجراي إلى واحدة من أفقر مناطق البلاد وأكثرها تهميشاً لعقود مضت.

يرى إرليخ أن هذه الحقبة شهدت ولادة “الهوية المزدوجة” المعاصرة للتجراويين؛ فهم من جهة يعتبرون أنفسهم “الإثيوبيين الأصليين” وحراس التاريخ الأرثوذكسي، ومن جهة أخرى يشعرون بأنهم ضحايا لمركزية ظالمة تسعى لمحو تميزهم الثقافي والسياسي. هذا الشعور بالمظلومية التاريخية، المقترن بذكرى قمع ثورة 1943، سيمثل لاحقاً الوقود الذي أشعل ثورة “جبهة تحرير شعب تجراي” في منتصف السبعينيات. وفي غضون ذلك، كانت إريتريا الجارة تسلك مساراً مختلفاً تماماً تحت الإدارة البريطانية ثم في إطار الفيدرالية مع إثيوبيا، مما خلق فجوة حضارية وسياسية بين شطري الناطقين بالتجرينية، وهو ما زاد من تعقيد “الجاذبية الغامضة” التي حاول تشيزمان تفسيرها، حيث ظل الحلم بالوحدة والواقع السياسي المرير في صراع مستمر سيحدد ملامح القرن الأفريقي في النصف الثاني من القرن العشرين.

شهدت حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تحولاً جوهرياً في مسار “الجاذبية الإثيوبية” تجاه الشمال، وهو ما يرصده إرليخ عبر تحليل دقيق للعلاقة الجدلية بين تجراي وإريتريا. فبعد قرار الأمم المتحدة بربط إريتريا بإثيوبيا في إطار فيدرالي عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين، انتعش من جديد حلم “تجراي-تجريني” (Tigray-Tigrinyi)؛ تلك الفكرة القديمة التي نادت بتوحيد الناطقين بالتجرينية في كيان سياسي واحد. بيد أن هذا الطموح اصطدم بصلابة الإمبراطور هيلا سيلاسي، الذي لم يرَ في الفيدرالية سوى مرحلة انتقالية نحو الدمج الكامل والمركزية المطلقة. ومع إلغاء الفيدرالية رسمياً عام ألف وتسعمائة واثنين وستين، تحولت إريتريا من شريك إلى إقليم متمرد، بينما ظلت تجراي في وضع ملتبس؛ فهي إقليم إثيوبي “أصيل” جغرافياً، لكنها مرتبطة وجدانياً ولغوياً بالحراك السياسي المتصاعد في جارتها الشمالية.

يرى إرليخ أن بذور الثورة في تجراي لم تنبت في الحقول المفقرة فحسب، بل في أروقة جامعة أديس أبابا، حيث بدأت النخبة المتعلمة من أبناء الإقليم في صياغة سردية جديدة للمظلومية. ومع سقوط النظام الملكي عام ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين وصعود “الدرغ” العسكري بقيادة منغستو هايلة مريم، انتقلت إثيوبيا من “الإقطاعية الأمهرية” إلى “الديكتاتورية العسكرية” التي ارتدت عباءة الماركسية-اللينينية، لكنها احتفظت بجوهرها المركزي الصارم. وفي فبراير عام ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين، انطلقت شرارة “الوياني الثانية” من بلدة “ددبيت” النائية، حيث تأسست جبهة تحرير شعب تجراي (TPLF) على يد حفنة من المثقفين الذين أدركوا أن تحرير تجراي لا يمكن أن يتحقق إلا بتفكيك بنية الدولة المركزية في أديس أبابا.

يحلل الكتاب ببراعة كيف استطاعت الجبهة في غضون عقد ونصف من الزمن أن تتحول من حركة عصابات صغيرة إلى قوة عسكرية وسياسية كاسحة. فقد زاوجت الجبهة بين الأيديولوجيا الماركسية المتشددة وبين القومية التجراوية المتجذرة، مستغلةً المجاعة الكبرى التي ضربت الإقليم في منتصف الثمانينيات كأداة للتعبئة الشعبية ضد نظام “الدرغ” الذي اتهمته باستخدام الجوع كصلاح سياسي. وفي الوقت الذي كان فيه العالم يشاهد صور المأساة الإنسانية، كانت الجبهة تبني تنظيماً حديدياً قادراً على إدارة شؤون السكان وتوفير بديل سياسي متماسك، وهو ما مكنها من كسب ولاء الفلاحين وتحويلهم إلى جيش عقائدي لا يلين.

المفارقة التاريخية التي يبرزها إرليخ تكمن في تحول أهداف الجبهة؛ فبينما كان بيانها التأسيسي يلمح إلى الانفصال كخيار استراتيجي، إلا أن انتصاراتها المتلاحقة على الأرض، والتحالفات التي نسجتها مع قوى عرقية أخرى تحت مظلة “الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي” (EPRDF)، دفعتها نحو هدف أكبر وهو حكم إثيوبيا بأكملها. لقد كان ملس زيناوي، العقل المدبر للجبهة، يدرك أن “تجراي الكبرى” لا يمكن أن تزدهر في معزل عن الفضاء الإثيوبي، ولكن بشرط إعادة صياغة هذا الفضاء وفقاً لنموذج “الفيدرالية العرقية”. كان هذا النموذج بمثابة “الأطروحة التجراوية” في ثوب معاصر: دولة اتحادية تعترف بالحقوق القومية لكل عرقية، وتمنحها حق تقرير المصير، مع احتفاظ النخبة التجراوية بمفاتيح القوة الحقيقية في المركز.

ومع دخول قوات الجبهة إلى أديس أبابا في مايو عام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين، عادت تجراي لاعتلاء عرش الإمبراطورية بعد قرن كامل من التهميش. لكن هذا الصعود الجديد حمل في طياته بذور صراعات مستقبلية؛ إذ اعتبرت القوميات الأخرى، ولا سيما الأمهريين والأورومو، أن الفيدرالية العرقية ليست سوى غطاء لهيمنة أقلية تجراوية على مقدرات البلاد. يصف إرليخ هذه الحقبة بأنها كانت اختباراً قاسياً لـ “الجاذبية الإثيوبية”؛ فبينما حققت البلاد نمواً اقتصادياً ملحوظاً واستقراراً أمنياً، إلا أن الاحتقان العرقي ظل يغلي تحت السطح، بانتظار اللحظة التي تضعف فيها قبضة “الجبهة” المركزية.

لم يكن وصول الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي إلى سدة الحكم في أديس أبابا مجرد انتصار عسكري، بل كان إعلاناً عن بدء تطبيق مشروع سياسي طموح ومثير للجدل في آن واحد، وهو ما يحلله إرليخ بوصفه المحاولة التجراوية الأكثر جرأة لإعادة صياغة الهوية الإثيوبية. لقد تبلور هذا المشروع في دستور عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين، الذي أرسى دعائم “الفيدرالية العرقية”، محولاً إثيوبيا من دولة مركزية صلبة إلى اتحاد من الأمم والقوميات والشعوب. وكان المبدأ الأكثر إثارة للقلق والجدل هو المادة التاسعة والثلاثين، التي تمنح أي عرقية الحق في تقرير المصير وصولاً إلى الانفصال؛ وهي مادة يرى المؤلف أنها صُممت لتكون صمام أمان لتجراي في حال فشل المشروع الاتحادي، لكنها في الوقت نفسه زرعت بذور التوجس لدى القوميات الأخرى التي رأت فيها تهديداً لوحدة البلاد التاريخية.

في هذه الحقبة، التي يصفها إرليخ بأنها “عصر ملس زيناوي”، شهدت إثيوبيا تحولات هيكلية مذهلة؛ فمن الناحية الاقتصادية، تبنت الجبهة نموذج “الدولة التنموية” الذي حقق معدلات نمو هي الأعلى في القارة الإفريقية، ونجحت في بناء بنية تحتية عملاقة من سدود وطرق وجامعات، محاولةً محو صورة “بلد المجاعة” التي التصقت بها في الثمانينيات. بيد أن هذا النجاح الاقتصادي كان يسير بالتوازي مع قبضة أمنية حديدية وتهميش متزايد للمعارضة السياسية، حيث ظل حزب الجبهة الشعبية لتحرير تجراي يمسك بزمام المفاصل الحيوية في الجيش والاستخبارات والاقتصاد، مما خلق انطباعاً لدى الشارع الإثيوبي بأن “القومية التجراوية” قد استبدلت “القومية الأمهرية” في الهيمنة على المركز، دون أن تحقق الديمقراطية الموعودة.

المعضلة الكبرى التي واجهت “الجاذبية الإثيوبية” في هذه المرحلة لم تأتِ من الداخل فحسب، بل من الشقيق اللدود في الشمال. فبعد استقلال إريتريا الرسمي عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين، ساد ظن بأن الصراع التاريخي قد انتهى، لكن إرليخ يفكك كيف تحول “حلم الأخوة” بين ملس زيناوي وإسياس أفورقي إلى “كابوس دموي” في حرب الحدود (1998-2000). لم تكن تلك الحرب مجرد نزاع على بلدة “بادمي” القاحلة، بل كانت صراعاً على الهوية والسيادة بين مشروعين متنافسين؛ فبينما كانت تجراي تسعى لتكون نواة لإثيوبيا جديدة ومتعددة، كانت إريتريا تحاول بناء هويتها الوطنية عبر القطيعة التامة مع الفضاء الإثيوبي. وقد أدت هذه الحرب، التي حصدت أرواح مئات الآلاف، إلى تدمير فكرة “تجراي-تجريني” الوجدانية، وخلقت شرخاً لا يندمل بين الشعوب الناطقة بالتجرينية على جانبي الحدود، مما جعل تجراي تعيش وضعاً مأساوياً بوصفها جبهة مواجهة دائمة ومنطقة محاصرة اقتصادياً.

عقب رحيل ملس زيناوي المفاجئ في عام ألفين واثني عشر، بدأت تتكشف ملامح الانهيار التدريجي للمنظومة التي بناها. فقد افتقدت الجبهة الشعبية لتحرير تجراي لزعيم بكاريزمته وقدرته على المناورة، وبدأت الاحتجاجات الشعبية العارمة تتصاعد في أقاليم “الأورومو” و”الأمهره” ضد ما وصفوه بعقود من التهميش والاستبداد. وفي عام ألفين وثمانية عشر، وفي لحظة مفصلية أذهلت المراقبين، اضطرت النخبة التجراوية للتراجع تحت ضغط الشارع وضغط الانقسامات الداخلية داخل الائتلاف الحاكم، مما مهد الطريق لصعود آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء. كان صعود آبي أحمد يمثل انبعاثاً لـ “الأطروحة المركزية” في ثوب ليبرالي جديد، حيث بدأ سريعاً في تفكيك نفوذ الجبهة وإبرام صلح مفاجئ مع إسياس أفورقي في إريتريا، وهو الصلح الذي شعرت تجراي بأنه تحالف موجه ضدها لتطويقها وخنق طموحاتها.

تُوّج هذا التأزم بالانفجار الكبير في نوفمبر عام ألفين وعشرين، حين اندلعت الحرب في إقليم تجراي تحت مسمى “عملية إنفاذ القانون”. يحلل إرليخ هذه الحرب ليس كحدث معزول، بل كذروة للصراع التاريخي بين رؤيتين لإثيوبيا؛ رؤية المركزية الموحدة التي يمثلها آبي أحمد، ورؤية الفيدرالية العرقية التي تتمسك بها تجراي. لقد كانت هذه الحرب كارثية بكل المقاييس، حيث شهدت تدخل القوات الإريترية إلى جانب الجيش الفيدرالي ضد تجراي، مما أعاد إلى الأذهان مآسي العصور الوسطى وحملات الإبادة والتجويع. ويرى المؤلف أن تجراي، التي كانت دوماً “مهد الإمبراطورية”، وجدت نفسها في موقف تاريخي مفارق، حيث أصبحت تقاتل من أجل وجودها ذاته ضد مركز كانت هي صانعته والمدافع عنه لقرون.

يختتم إرليخ هذه القراءة المستفيضة بالتساؤل عن مصير تلك “الجاذبية الغامضة” التي تحدث عنها تشيزمان. فهل لا تزال إثيوبيا تمتلك تلك القوة الروحية والتاريخية التي تمكنها من استيعاب جراح تجراي وإعادتها إلى حضنها؟ أم أن الحرب الأخيرة قد أحرقت جسور العودة نهائياً، دافعةً تجراي نحو خيار الانفصال المر؟ إن الكتاب يترك القارئ أمام حقيقة مؤلمة، وهي أن إثيوبيا بدون تجراي تفقد جذورها وهويتها التاريخية، وتجراي بدون إثيوبيا تفقد فضاءها الاستراتيجي وعمقها الحضاري. وبين هذين الاحتمالين، يظل القرن الأفريقي رهيناً لقدرة النخب الحالية على استلهام دروس الماضي وتجاوز دوامات الدم بحثاً عن صيغة جديدة للتعايش تحفظ التنوع دون أن تضحي بالوحدة.

إن هذه الجاذبية الغامضة التي يسهب إرليخ في تشريحها لا تنبع فقط من القوة العسكرية أو الترتيبات السياسية الهشة، بل تستمد ديمومتها من نسيج ثقافي وديني شديد التعقيد يمثل الكنيسة الأرثوذكسية التوحيدية الإثيوبية فيه دور العمود الفقري. يرى المؤلف أن الكنيسة لم تكن مجرد مؤسسة دينية، بل كانت الوعاء الذي حفظ الهوية “الحبشية” عبر القرون، وهي التي وفرت لغة مشتركة ورموزاً مقدسة استطاعت أن تتجاوز الخصومات العنيفة بين الأباطرة والأمراء. ففي اللحظات التي كان فيها القادة من تجراي والأمهره يتقاتلون بضراوة على السلطة، كانوا في الوقت ذاته يشتركون في الاعتراف بقدسية “أكسوم” كمدينة مقدسة، ويخضعون لنفس التقاليد الطقسية التي تكرس شرعية الحاكم بوصفه “حامي العقيدة”. هذه الوحدة الروحية كانت تمثل قوة جذب مركزية تعيد لملمة شتات الدولة كلما مالت نحو التفكك، وهي التي جعلت من تجراي، بوصفها المهد الأول لهذه المسيحية، جزءاً لا يمكن انتزاعه من الوجدان الإثيوبي الجمعي، مهما بلغت درجة التهميش السياسي التي تعرضت لها.

ويتوسع إرليخ في تحليل “البعد المشرقي” لهذه الجاذبية، معتبراً أن موقع إثيوبيا الفريد كجزيرة مسيحية في محيط إسلامي قد خلق نوعاً من “الوعي المحاصر” الذي عزز التماسك الداخلي. فالتحديات الخارجية القادمة من عبر البحر الأحمر أو من حوض النيل لم تكن تُنظر إليها كتهديدات عسكرية فحسب، بل كتهديدات وجودية للهوية الدينية والارتباط التاريخي بالأرض. وهنا تبرز تجراي مرة أخرى كلاعب محوري؛ فهي البوابة التي واجهت الغزوات وهي الجسر الثقافي الذي ربط إثيوبيا بالعالم الخارجي. ويشير المؤلف إلى أن التنافس على السيطرة على طرق التجارة ومنفذ البحر الأحمر كان المحرك الأساسي للديناميكيات السياسية في الشمال، حيث كانت النخب التجراوية تدرك أن قوتها تكمن في قدرتها على إدارة هذا التفاعل المعقد مع القوى الإقليمية، سواء كانت الدولة العثمانية أو مصر الخديوية أو لاحقاً القوى الاستعمارية الأوروبية.

وفي هذا السياق، يستفيض الكتاب في دراسة شخصية “راس ألولا” ليس فقط كقائد عسكري، بل كرمز للتحول في الموقف التجراوي تجاه الجيران. فقد مثل ألولا الجيل الذي انتقل من الدفاع السلبي إلى الهجوم الاستراتيجي، مدركاً أن أمن تجراي وإثيوبيا مرتبط بالسيطرة على المرتفعات الإريترية وضمان حرية الحركة نحو الساحل. غير أن هذا الطموح اصطدم بالواقع الاستعماري الذي مزق هذه الوحدة الجغرافية، وهو التمزق الذي يراه إرليخ أصل المعضلات الحديثة؛ ففصل إريتريا عن تجراي لم يكن مجرد رسم حدود سياسية، بل كان عملية جراحية قسرية في جسد الثقافة التجرينية، مما خلق كيانين سياسيين متنافسين (في أسمرة وميكيللي) يتشاركان اللغة والتاريخ لكنهما يفترقان في الولاء القومي. هذا الانقسام هو ما جعل “الجاذبية” تعمل في اتجاهات متعاكسة، حيث أصبحت إريتريا قوة طرد تسعى للابتعاد عن المركز الإثيوبي، بينما ظلت تجراي تتأرجح بين الرغبة في قيادة هذا المركز أو الانفصال عنه.

كما يتوقف إرليخ عند دور اللغة كأداة للسيادة والمقاومة، محللاً الصراع الخفي بين التجرينية والأمهرية. فبينما كانت الأمهرية تفرض نفسها كلغة للإدارة والتحديث القسري تحت حكم هيلا سيلاسي، كانت التجرينية تتحول إلى لغة للمقاومة الثقافية والسياسية في الشمال. ويرى المؤلف أن هذا الصراع اللغوي كان يعكس صراعاً أعمق حول ماهية إثيوبيا: هل هي دولة “أمة” تقوم على صهر التنوع في قالب واحد، أم هي “دولة أمم” تقوم على الاعتراف بالتعددية؟ إن فشل النظم الملكية والعسكرية في الإجابة على هذا السؤال هو ما مهد الطريق لنموذج “الفيدرالية العرقية” الذي طبقه ملس زيناوي، والذي كان يهدف في جوهره إلى تحويل “الجاذبية القسرية” إلى “جاذبية اختيارية” تقوم على المصالح المشتركة والاعتراف المتبادل بالهويات الفرعية.

بيد أن الكتاب يطرح تساؤلاً نقدياً حول ما إذا كان هذا النموذج قد أدى، على المدى الطويل، إلى تآكل تلك الجاذبية الغامضة بدلاً من تعزيزها. فمن خلال دسترة الهويات العرقية، قد تكون الجبهة الشعبية لتحرير تجراي قد أطلقت قوى طرد مركزي استصعب السيطرة عليها لاحقاً. ويشير إرليخ إلى أن صعود القومية الأورومية والقومية الأمهرية المتجددة في السنوات الأخيرة لم يكن سوى رد فعل على ما اعتبرته تلك المجموعات “هندسة تجراوية” للواقع الإثيوبي تهدف لتأمين تفوق أقلية معينة. هذا الاحتقان المتبادل أدى في النهاية إلى تآكل الثقة في المشروع الاتحادي، وجعل من “الجاذبية” تبدو كأنها قيد ثقيل يسعى الجميع للتحرر منه، بدلاً من كونها رابطة مقدسة تجمع الشتات.

وفي قراءته للمشهد الراهن، يرى إرليخ أن الحرب التي اندلعت في عام ألفين وعشرين قد مثلت لحظة الحقيقة لهذه الجاذبية التاريخية. فالقسوة التي اتسمت بها العمليات العسكرية، والدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمواقع التاريخية في تجراي، والتدخل الإريتري الثقيل، كلها عوامل ساهمت في تعميق شعور الاغتراب لدى التجراويين تجاه الدولة الإثيوبية. ومع ذلك، يظل المؤلف متمسكاً برؤيته التاريخية التي ترى أن القوى التي تدفع نحو الوحدة في هذا الفضاء الجغرافي لا تزال قوية، وإن كانت تعاني من وهن شديد. فالمصالح الاقتصادية المشتركة، والتداخل الديموغرافي العميق، والارتباط الروحي بـ “الأرض الإثيوبية” هي عناصر لا يمكن محوها بجرة قلم أو بطلقة رصاص، لكنها تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يبتعد عن مفاهيم الهيمنة والسيطرة التي طبعت القرون الماضية.

لم يكن كتاب إرليخ مجرد سرد تاريخي بارد، بل كان نتاج رحلة معرفية بدأت منذ أكثر من نصف قرن، حين ولج المؤلف عالم الدراسات الإثيوبية من خلال أطروحته للدكتوراه في جامعة لندن عام ١٩٧٣ حول شخصية “راس ألولا”، ذلك البطل القومي الذي يجسد في الوجدان التجراوي روح المقاومة والأنفة. يروي إرليخ بكثير من التأثر كيف أن كتابه الأول عن ألولا، الصادر في الثمانينيات، أسهم في إعادة إحياء الفخر لدى جيل من الشباب التجراوي الذين عانوا من التهميش في ظل نظام منجيستو، لدرجة أن الوحدات العسكرية التي أسقطت الديكتاتورية ودخلت أديس أبابا عام ١٩٩١ أطلقت على نفسها اسم “فرقة راس ألولا”. هذا التداخل بين السيرة الشخصية للمؤلف ومسار التاريخ المعاصر لإثيوبيا يضفي على العمل صبغة إنسانية وفلسفية، تجعل القارئ يدرك أن التاريخ في هذا الجزء من العالم ليس مجرد ماضٍ، بل هو قوة حية تشكل الحاضر وتوجه البنادق في ساحات المعارك، كما حدث في عام ٢٠٢١ عندما أطلقت القوات التجراوية اسم “عملية راس ألولا” على هجومها المضاد.

وفي محاولته لتعريف “تجراي الكبرى”، يذهب إرليخ إلى ما وراء الحدود السياسية الحالية، واصفاً إياها بأنها الفضاء الجغرافي والثقافي الذي يضم المتحدثين باللغة التجرينية في كل من إثيوبيا وإريتريا، والذين يصل عددهم اليوم إلى نحو عشرة ملايين نسمة. هذا الفضاء، الذي يشمل مناطق مثل حماسين وسراي وأكلا جوزاي (في إريتريا الحالية) وأجامي وتجراي وشيري وتامبين وإندرتا (في إثيوبيا)، يمثل في نظر المؤلف “مهد إثيوبيا” كدولة ومفهوم. فمن أكسوم ولدت الهوية الحبشية، ومنها انتشرت المسيحية، وعبرها جرى التفاعل الأول مع الإسلام. ويرى إرليخ أن التجراويين، رغم تعرضهم للإفقار والتهميش السياسي عندما انتقل مركز الثقل نحو الجنوب لصالح الناطقين بالأمهرية، ظلوا متمسكين برؤية “تعددية” للمملكة المسيحية، وهي الرؤية التي يطلق عليها المؤلف “الأطروحة التجراوية” في مقابل “الأطروحة الأمهرية” التي تسعى للوحدة من خلال المركزية المطلقة وصهر التنوع في قالب واحد.

ويتجلى هذا الصراع بين “الأطروحتين” في التاريخ الحديث من خلال شخصية ملس زيناوي، الذي يصفه إرليخ بأنه كان مثقفاً صلباً يميل إلى إظهار تفوقه الذهني، وكان مهجوساً بإعادة بناء إثيوبيا على أساس “الفيدرالية العرقية”. يرى المؤلف أن ملس استلهم تجربة راس ألولا في تعامله مع القوى الإقليمية، وخاصة مصر؛ فبينما كان هيلا سيلاسي يخشى عبد الناصر، لم يتردد ملس في مواجهة مبارك حول ملف النيل. ويرى إرليخ أن ملس نجح في إعادة التجراويين إلى صدارة المشهد القيادي، لكنه فشل في كسب قلوب المجموعات الأخرى، مما أدى في النهاية إلى تآكل المشروع الاتحادي بعد وفاته المفاجئة، وصعود قوى قومية أخرى رأت في نموذج ملس محاولة لتأمين هيمنة أقلية عرقية تحت شعار الفيدرالية.

إن التساؤل الجوهري الذي يطرحه الكتاب في نهايته هو: هل ما زالت تلك “الجاذبية الغامضة” التي تحدث عنها العقيد البريطاني تشيزمان عام ١٩٤٣ قادرة على كبح جماح التفكك؟. يرفض إرليخ اعتبار السياسات العرقية في إثيوبيا مجرد “تجربة” فاشلة، بل يراها ركيزة أساسية للهوية الوطنية التي لا يمكن تجاهلها. ومع ذلك، يقر المؤلف بأن النزعات المركزية العنيفة، سواء في عهد الإمبراطور تيودروس أو العقيد منجيستو، كانت تنتهي دائماً بكوارث وطنية. وفي المقابل، فإن فشل النخب في التوصل إلى تسوية تاريخية تحترم التنوع، كما حدث في حالة الاتحاد الإثيوبي الإريتري، كلف البلاد أثماناً باهظة من الحروب والدمار.

 

يخلص إرليخ إلى أن المفتاح لاستعادة هذه الجاذبية المفقودة قد لا يكمن في البنادق أو الدساتير، بل في “سد النهضة العظيم”. يرى المؤلف في هذا المشروع الضخم على النيل الأزرق إمكانية لأن يكون “المغناطيس الجديد” الذي يجمع شتات الإثيوبيين حول هدف تنموي مشترك يتجاوز الانقسامات العرقية. ولكن يبقى السؤال معلقاً: هل سيتحول السد إلى رمز للنهضة والوحدة، أم سيظل الرهان على الهوية والدم أقوى من الرهان على المستقبل والتنمية؟ إن تاريخ تجراي، كما يرويه إرليخ، يعلمنا أن “الجاذبية” في إثيوبيا هي قوة غامضة بقدر ما هي متقلبة، وأن البقاء في هذا الفضاء الجغرافي المعقد يتطلب قدراً هائلاً من الحكمة التاريخية التي يفتقدها الكثير من الفاعلين الحاليين.

Greater Tigray and the Mysterious Magnetism of Ethiopia

Haggai Erlich

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى