أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

مولود لا مصنوع: استعادة كينونة الإنسان في مختبرات الحداثة

يقف مفهوم الشخص في بداية القرن الحادي والعشرين كمفتاح أساسي لفهم الإنسان لذاته ولعلاقته بالعالم وبمن حوله. وفي هذا السياق الفكري المعقد، يبرز اسم الفيلسوف الألماني روبرت سبيمان الذي صاغ مصطلح “نسيان الشخص” في إشارة ذكية لمصطلح مارتن هايدغر الشهير “نسيان الوجود”، ليصف به المشكلة المركزية في الفلسفة الحديثة التي كادت أن تتجاهل البعد الشخصي في خضم التحولات العلمية والفكرية. ومن هنا تنبع الأهمية البالغة للكتاب الذي حرره هانس-غريغور نيسينغ تحت عنوان “التجليات الأساسية للشخص: أبعاد الكينونة الإنسانية عند روبرت سبيمان”، والذي يغوص في أعماق الفكر الفلسفي محاولا استكشاف الأبعاد المتعددة للطبيعة البشرية، ليقدم مراجعة نقدية شاملة تعيد الاعتبار لمكانة الإنسان كغاية في حد ذاته. يرتكز هذا العمل العميق على الاعتقاد الراسخ بأن كون المرء شخصا لا يعني مجرد التمتع بخصائص بيولوجية أو قدرات عقلية لحظية، بل يعني أن يمتلك طبيعة معينة، وألا يكون مجرد طريقة حياة بل أن يتخذ موقفا واعيا تجاه هذه الحياة، فالأشخاص هم أفراد لا يمكن استبدالهم أو النيابة عنهم في وجودهم الفردي. تتلاقى في هذا السفر الفلسفي إسهامات مفكرين عدة لمناقشة أفكار سبيمان التي تستند بوضوح إلى التقاليد الكلاسيكية المتجذرة عند فلاسفة مثل بوثيوس وتوما الأكويني، حيث تُعرَّف الشخصية من خلال ظواهر إنسانية معقدة ومتشابكة كالنية، والتسامي، والدين، والزمن، والموت، والضمير، والحرية، والوعد، والمغفرة. إن الإجابة بالإيجاب على سؤال “هل كل البشر أشخاص؟” تنبع من إدراك فلسفي أصيل بأن الشخص هو الإنسان ذاته بكليته وليس مجرد صفة عارضة من صفاته قد تظهر وتختفي. يتجاوز الكتاب مجرد العرض التاريخي ليدخل في اشتباك نقدي عميق مع القضايا المعاصرة، متناولا أفكار سبيمان حول الغائية الطبيعية التي تمنح الحياة معناها، وفلسفة الحياة الناجحة، والدفاع المستميت عن فكرة الإله استنادا إلى العقل واللغة، فضلا عن الفهم العميق للنشاط الفني والإبداعي للإنسان. ينطلق التفكير الفلسفي في هذا العمل من التقسيم الثلاثي القديم للنشاط الإنساني المتمثل في النظرية والممارسة والإبداع الفني، ليكون إطارا هيكليا صلبا للنقاشات التي تتوالى في فصوله، ممهدا الطريق لفهم أعمق لكيفية تداخل هذه الأبعاد في تشكيل الكينونة البشرية. في جوهر هذا البناء الفكري، يقدم سبيمان نفسه إسهاما تأسيسا بالغ الأهمية يتناول فيه مفهوم “الواقع كتجسيم” أو كإسقاط للخصائص البشرية، معتبرا في أطروحته الجريئة أن الأشخاص هم النموذج الأمثل والأصيل للواقع. ينطلق سبيمان من فكرة أن الأشخاص يمثلون ذوات موضوعية لبعضهم البعض، يحافظون على هويتهم واستمراريتهم عبر الزمن، ويتبادلون الفهم المعقد بأنهم يمتلكون كينونة تتجاوز بكثير ما يظهرون عليه في العالم المادي. ولأن الوصول الأساسي والأول للواقع ينبع من داخل الذات البشرية الحية، فإنه يستحيل النظر إلى الحياة غير البشرية والواقع بأسره إلا من زاوية تشابهها أو اختلافها مع الإنسان، مما يجعل الفهم المجسم والمؤنسن للواقع أمرا حتميا لا مناص منه لفهم العالم من حولنا. يمثل هذا النهج الفلسفي الفريد بديلا ضروريا وحيويا للفهم العلمي الحديث للعالم، لأنه يتجاوز الثنائية الراسخة والمقيدة بين الذات والموضوع، والروح والمادة، والوعي والوجود، وهي الثنائية التي أدت تاريخيا إلى تجريد الإنسان من غائيته وجوهره الحي، وكادت أن تخفي واقع الشخص تماما خلف ستارة من التفسيرات المادية والآلية. إن الحديث الفلسفي عن الواقع لا يعني إضافة خاصية جديدة لما هو موجود بالفعل، بل هو مفهوم يسعى أساسا للتمييز والفصل الدقيق، فالسؤال عما هو حقيقي يتضمن دائما وأبدا رغبة مضمرة أو معلنة في استبعاد ما هو غير حقيقي، كالحلم أو الخيال أو الوهم أو الواقع الافتراضي الذي يحاصر إنسان اليوم. التمييز الصارم بين الوجود والظاهر هو التمييز الأول والأساسي الذي تبدأ به الفلسفة مسيرتها، ورغم الاعتراضات التاريخية المتكررة التي حاولت طمس هذا التمييز منذ فلاسفة الإيليين والادعاء بأن الحلم يحمل حقيقة مساوية للصحوة، فإن ضياع أحد جانبي هذا التمييز يؤدي بالضرورة المنطقية إلى ضياع الجانب الآخر، لتتحول الحياة إلى مجرد سلسلة من الإدراكات الذاتية المغلقة. الفلسفة الحديثة والتطور التقني المتسارع في نهاية الألفية الثانية دفعا بهذه التأملات الفلسفية إلى أقصى حدودها الممكنة، حيث لم تعد المحاكاة التقنية تكتفي بمجرد إزاحة الواقع المادي، بل باتت تدعي بجرأة كشف جوهره، وأصبحت الكيانات السيبرانية لا تقلد الحياة فحسب، بل تدعي القدرة المطلقة على تفسير ماهيتها وتكرارها. وسط هذا التماهي الخطير بين الواقع والوهم، يتساءل العقل الفلسفي بقلق عن وجود معيار حاسم وموضوعي للتمييز بينهما، لتأتي الإجابة الفلسفية العميقة لسبيمان بأن الواقع ليس صفة يمكن قياسها بمعيار مادي أو أداة خارجية، بل هو اليقين الخالي من المعايير الذي نختبره بشكل مباشر عند الاستيقاظ من الحلم، وهو في جوهره العالم المشترك الذي نتقاسمه ونتفاعل فيه مع الآخرين. إن العالم الحقيقي هو بالتعريف العالم المشترك، وهذا لا يعني تبسيطا أن ما يجمع عليه الجميع هو الحقيقي بالضرورة، بل يعني أن القابلية للإجماع العالمي هي السمة المميزة للعبارات الصادقة حول الواقع. فالأشياء لا تصبح حقيقية بمجرد الاتفاق البشري عليها، بل نعتبرها قابلة للاتفاق والتوافق لأنها حقيقية في ذاتها ولأنها تتطابق مع الواقع الموضوعي المستقل عن أوهامنا. في هذا السياق المعرفي، يتم استبعاد الحلم والتخيل من دائرة الواقع المكتمل لأنهما يمثلان طريقة وجود لا يمكن تفسيرها وفهمها إلا داخليا وضمن عزلة الفرد، حيث يذوب الوجود في كونه مجرد موضوع للتفكير الفردي، والأشياء التي تكون مجرد موضوعات لا يمكن أن تكون حقيقية بالمعنى الكامل حتى لو وُجد إجماع ظاهري عليها. ولتوضيح هذا المفهوم الفلسفي المجرد، يُساق مثل المريض الذي يحتضر على سرير الموت وحوله فريق من الأطباء يجمعون بناء على المعطيات والمؤشرات الطبية الحديثة أنه لا يشعر بالألم ولا يسمع ما يدور حوله، بينما هو في الواقع الخفي عن أجهزتهم يتألم ويسمع بوضوح، ليكون هذا الإجماع العلمي إجماعا صارخا على الباطل، لأن الحقيقة المطلقة في تلك اللحظة كانت بحوزة المريض وحده. الألم والسمع والشعور الداخلي هي أحداث ذاتية بامتياز، لكنها في الوقت نفسه ووفق المنظور الفلسفي السليم موضوعية ومطلقة، بمعنى أنها واقع ملزم وحتمي لكل من يحاول إصدار حكم عليها. فاليقين الذاتي بوجود الألم لا يقتصر على كونه حقيقة للشخص المتألم وحده، بل هو حقيقة موضوعية تفرض نفسها على كل إنسان يمتلك القدرة على الفهم والتعاطف. هذا الفهم الفلسفي العميق يبرز المعنى الحقيقي والدقيق لمقولة ديكارت الشهيرة “أنا أفكر إذن أنا موجود”، حيث لا يقف الأمر عند حدود إثبات التفكير، بل يضيف فعل “الوجود” إلى “التفكير” تأكيدا جازما على أن الذاتية ليست مجرد وهم داخلي أو انعكاس فارغ، بل هي واقع موضوعي صلب يشكل المرجعية الأولى لأي حكم صادق في هذا العالم، وهذا بالضبط هو الجوهر الذي يعنيه مفهوم الأشخاص في الفلسفة الكلاسيكية والمعاصرة على حد سواء. الحديث النظري عن الذوات والموضوعات كمجالين منفصلين تماما ومتوازيين يتجاوز حقيقة الواقع ويؤدي في نهاية المطاف إلى اختفائه وتلاشيه، فالموضوعات التي تُعزل لتكون مجرد موضوعات لها وجود ذاتي فقط، ولا تكون حقيقية إلا بوصفها موضوعات تابعة للذات المدركة، ولا يعود هناك أي فرق جوهري بين أن تكون مجرد حلم عابر أو واقعا معيشا ما دامت لا تتجاوز كونها معطى سلبيا للذات. وفي المقابل الدقيق، الذاتية الخالصة والمجردة لا يمكن وصفها بالحقيقية إلا إذا تمكنت من أن تصبح ذاتية عابرة للزمن واللحظة، أي أن تتحول إلى أشخاص يمتلكون سيرة ذاتية وتاريخا يتشكل من الذاكرة الشخصية العميقة وذاكرة الآخرين الذين يشاركونهم هذا الوجود. فالأشخاص لا يمثلون مجرد نقاط ذاتية لحظية تومض وتختفي، بل هم نتاج انعكاس مستمر للذات وعودتها الدائمة من التجارب المتعددة إلى مركزها، ولا يتحقق وجودهم الحقيقي والمكتمل إلا بصيغة الجمع والمشاركة، كذوات موضوعية تدرك بعضها البعض في فضاء مشترك، حيث تتجلى طبيعة الشخصية بكل بهائها في التفاعل الحي والاعتراف المتبادل الذي يمنح المشاعر والتجارب الإنسانية واقعيتها الموضوعية ويثبت جذورها في نسيج الوجود. تتواصل هذه الرحلة الفلسفية المعمقة لاستكشاف الطابع القصدي للمشاعر الإنسانية، حيث يُحذر سبيمان بشدة من الانزلاق نحو التركيز الحصري على الحالة الشعورية الممتعة بحد ذاتها، وهو ما يتجاهل المعنى الوظيفي لهذه الحالات ويغفل الطابع القصدي الذي يكشف عن حقيقة الواقع من خلال الشعور. فاللذة التي يسعى إليها الإنسان لمجرد الشعور اللطيف، دون الالتفات إلى الموضوع الذي يثير هذا الشعور، تشبه متعة من يعاني من مرض جلدي ويجد لذة في حك جلده باستمرار، وهي رؤية سطحية تقلص التجربة الإنسانية. الفرح الحقيقي يختلف جذريا عن مجرد التسلية العابرة، فالفرح له محتوى يتغير بتغير هذا المحتوى، وهو يمثل دائما انفتاحا صادقا وأصيلا على الواقع المحيط. وهذا الانفتاح يبلغ ذروته في مفهوم الحب، الذي يُعرَّف بأنه تحول الآخر إلى حقيقة فعلية بالنسبة للذات المحبة، حيث يكف الآخر عن كونه مجرد بيئة أو موضوعا للاهتمام، ليصبح واقعا حقيقيا مساويا لواقع الذات، مما يعزز الرؤية الشخصانية التي تدعو الفرد لاعتبار نفسه جزءا من عالم الآخر. وفي سياق نقد النظرة المادية الحديثة، يُبرز التفكير الفلسفي كيف أدت الثنائية الديكارتية التي قسمت العالم إلى وعي ومادة ممتدة إلى تجريد الواقع من حقيقته، لأنها ألغت الحلقة الوسيطة التي كانت دائما أساس الحديث عن الواقع، وهي الحياة. فالحياة هي النموذج الأصلي للوجود، والوعي ليس إلا ارتقاء واكتمالا لهذه الحياة. وعندما نتأمل العالم المادي غير الحي، نجد أن التفكير القديم كان دائما ينظر إليه بنظرة تجسيمية، معتبرا إياه قريبا من طبيعة الكائنات الحية، وهو ما يظهر في الأدب الديني والصلوات التي تخاطب عناصر الطبيعة كأنها شركاء في الوجود. التخلي عن هذه النظرة التجسيمية والانسياق وراء الفهم العلمي البحت يؤدي في النهاية إلى زوال فكرة الشخص ذاته، كما أشار نيتشه بذكاء عندما اعتبر أن فكرة الأشياء ككيانات تمتلك هوية مستمرة عبر الزمن هي بحد ذاتها تجسيم وإسقاط بشري. فإذا تخلينا عن هذا التجسيم تجاه الأشياء، سنضطر في النهاية للتخلي عنه تجاه أنفسنا، ليتحول الإنسان نفسه إلى مجرد ظاهرة تجسيمية تتلاشى أمام التحليل العلمي البارد، وتختفي معه فكرة المركزية البشرية التي قامت عليها العلوم والتقنية الحديثة، مخلفة وراءها عالما باردا من الموضوعات الخالية من أي ذات. إن التوجهات الفلسفية التجريبية التي تنكر وجود ذات مستمرة وتعترف فقط بسلسلة من الحالات النفسية، تفتح الباب أمام تبرير ممارسات خطيرة كالانتحار والقتل الرحيم، حيث يُنظر إلى المريض المتألم ليس كشخص يعاني، بل كمجرد تجمّع لحالات من المعاناة يجب التخلص منها لإزالة الألم. هذه المجتمعات التي تركز حصريا على تعظيم اللذة وتقليل الألم، كما يبشر بها البراغماتيون الجدد، تنحدر نحو تدمير الذات لأنها تُلغي وجود الشخص وتُبقي فقط على ذوات مجردة تعيش لحظتها دون أبعاد زمنية أو هوية سيرة ذاتية. في مواجهة هذا التفكك، يُعيد الفكر الفلسفي الاعتبار لمفهوم العلاقة باعتبارها الحقيقة الأسمى، فالأشياء لا تكتسب واقعيتها الحقيقية بمعزل عن العلاقات التي تربطها بغيرها. الفرد لا يدرك هويته الكاملة بمفرده، بل يعتمد على الآخرين لتحديث شخصيته وتشكيل وعيه الذاتي من خلال اللغة والاعتراف المتبادل. إن قدرة الإنسان على تجاوز ذاته ورؤية العالم بعيون الآخرين هي التي تمنح كل شخص قيمته المطلقة، فالحقيقة تكمن في الهيكل المترابط لهذه العلاقات، وليس في اختزال أحد الأطراف لصالح الآخر كما تفعل النظريات التطورية المادية التي تقع في فخ الدوران المنطقي عند محاولتها تفسير الوعي والإدراك. وفي هذا العصر الذي ينسحب فيه الواقع الحقيقي لصالح الافتراضي والمصطنع، تتولى الفنون التشكيلية المعاصرة دورا يشبه الدور الديني في التذكير بقدسية الوجود والواقع المخفي، حيث تعمد الفنون إلى إخفاء أشياء معينة لتجبر المشاهد على تذكرها كواقع حقيقي لا يُمحى، لتصبح الحقيقة غير المرئية هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تدميرها.

يستمر هذا السفر الفلسفي في تتبع خيوط الفكر المعقدة، حيث ينتقل التأمل إلى مساحة أخرى بالغة الأهمية تتعلق بقدرة الشخص على إدراك الحقيقة وارتباط ذلك بمحاولة روبرت سبيمان صياغة دليل على وجود الخالق ينطلق من مفهوم الزمن المستقبل التام. في هذا الإطار، يقدم توماس بوخهايم تحليلا نقديا دقيقا لهذا الدليل، مستهلا نقاشه باستحضار مقولة فريدريك نيتشه الشهيرة والساخرة حول تلك الدقيقة العابرة في زاوية نائية من الكون حين ابتكرت حيوانات ذكية المعرفة، معتبرة إياها الدقيقة الأكثر غطرسة وكذبا في تاريخ العالم، قبل أن يتجمد الكوكب وتموت تلك الحيوانات. في مواجهة هذه الرؤية العدمية، يطرح سبيمان فكرته العميقة بأن دقيقة المعرفة هذه، إن كانت معرفة حقيقية، فهي لا تقتصر على لحظة عابرة بل تعانق الأبدية. فالمعرفة تفترض وجود محتوى يثبت ما هو كائن بشكل مطلق وإلى الأبد. وإذا كانت الحقيقة قد أُدركت اليوم، فإنها ستظل حقيقية حتى بعد أن يبرد كوكبنا وتنقرض الكائنات الذكية. وهنا يبرز التساؤل الفلسفي العميق: أين وكيف يُحفظ هذا الفارق بين وجود الشيء أو عدمه بعد فناء الوعي البشري؟. يرى سبيمان أن الحقيقة إما أن تزول، وهو ما لا يمكن للعقل أن يقبله عند ادعاء معرفة حقيقية، أو أن تظل محفوظة ومثبتة . وبما أن الوعي البشري متناهٍ، فإن حفظ هذه الحقيقة يستلزم بالضرورة افتراض وجود وعي مطلق ولا نهائي، وهو وعي الخالق. يمنح هذا الخالق للإنسان، من خلال قدرته على المعرفة، ضمانا بأن ما كان وما سيكون يظل محفوظا ومتجاوزا للفناء. يُعد هذا الطرح الفلسفي دليلا موجها للإنسان الذي يرغب في الاستمرار في فهم ذاته ككائن حر وقادر على إدراك الحقيقة، مقدما حصانة فكرية ضد عدمية نيتشه.

يغوص التحليل النقدي لبوخهايم في بنية هذا الدليل، مميزا بين صيغتين له، الأولى تتعلق بانتقال صفة “ما كان” عبر الزمن، والثانية تعتمد على مفهوم الحقيقة ذاته. يرى التحليل أن الصيغة الأولى تواجه عقبات منطقية، إذ أن المحمولات الزمنية كقولنا “كان كذا” تصف طبيعة الشيء خلال فترة وجوده، ولا تتعلق بنمط وجوده المطلق أو بانتقال هذا الوجود إلى المستقبل . فالكثير مما حدث في الماضي، كشكل قطرة حليب تذوب في القهوة، يضيع فيزيائيا، ولو كان هناك انتقال تلقائي لحالة “ما كان”، لكان ذلك كافيا لاقتضاء وجود إلهي لحفظه فيزيائيا. كما أن الأشياء التي لم تحدث قد تكون بذات الأهمية للوعي المستقبلي كالأشياء التي حدثت، مما ينفي وجود قوة مغناطيسية تميز ما حدث وتفرضه على الذاكرة الأبدية . ولذلك، يميل التحليل نحو الصيغة الثانية للدليل التي تعتمد على مفهوم الحقيقة كمطابقة بين العقل والواقع . فإذا أدرك العقل البشري حقيقة ما، فإن هذه الحقيقة تتطلب تطابقا دائما بين الواقع والتعبير عنه، وبما أن العقل البشري متناهٍ، فإن استمرار هذا التطابق في المستقبل اللانهائي يبدو وكأنه يتطلب عقلا أبديا يضمن هذه الصياغة . غير أن النقد الفلسفي الدقيق يفكك هذا الارتباط، موضحا أن مفهوم الحقيقة يمكن فهمه بمعنيين: إما كهدف للمعرفة، أو كصفة تطلق على صياغة معينة للواقع . فالصياغة الصحيحة للواقع تظل صحيحة وممكنة كبنية منطقية بغض النظر عن وجود عقل فعلي يفكر فيها في المستقبل، مما يعني أن قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة يمكن تبريرها دون الحاجة الصارمة إلى القبول بهذا الدليل كشرط وحيد . ومع ذلك، تظل القدرة على الحقيقة مرتبطة بصفات شخصية جوهرية، كالثقة في وجود واقع مستقل عن الذات، والقدرة على النفي والإيجاب، وإمكانية التواصل المشترك حول نفس الواقع، وهي صفات تمثل في حد ذاتها مؤشرات قوية تفتح الباب نحو التفكير في المطلق دون أن تفرض استنتاجات قسرية .

يمتد هذا التدفق الفكري ليلامس أبعاد التجربة الدينية في سياق الحداثة وما بعدها، حيث يناقش هولغر زابوروفسكي فلسفة سبيمان حول الدين وإمكانية وضع معايير لتقييمه. في عصر يتسم بظهور مفاجئ وحيوي للدين في الفضاء العام بعد أن ظن الكثيرون أن مسار التنوير والعلمنة سيؤدي حتما إلى تراجع دوره، يجد الفكر الفلسفي نفسه أمام مهمة إعادة تحديد العلاقة بين العقل والإيمان . لم يعد التحديث يعني بالضرورة النقد الراديكالي للدين فحسب، بل بات يتطلب تأملا نقديا ذاتيا من العقل تجاه ادعاءات الإيمان. تنطلق الرؤية الفلسفية هنا من ضرورة تجاوز الثنائيات التقليدية التي إما أن تلغي الدين أو تهمشه، محاولة استكشاف جوهر الممارسة الدينية بعيدا عن التفسيرات الوظيفية البحتة التي تعتبر الدين مجرد أداة للتكيف البيولوجي أو الاجتماعي. تبرز فلسفة الشخص عند سبيمان كمحاولة لإيجاد توازن بين التعالي والانعكاس الداخلي للوعي، حيث يميل العقل البشري إما إلى إخضاع الواقع الخارجي لقوانين تفكيره الذاتي أو إلى الانزلاق في محاولات لانهائية لتبرير وجوده . لتجنب هذا التفكك أو الذوبان في تفسيرات مادية تلغي قيمة الذات والحرية، يبرز مفهوم “ما لا يمكن تصوره مسبقا” كإشارة إلى الوجود الذي يُعطى للإنسان كحقيقة مطلقة لا يمكن استنتاجها عقليا من العدم . هذا الوجود يُفهم بشكل أعمق من خلال فكرة الخلق، حيث يُنظر إلى الطبيعة ليس كمعطى نهائي أصم، بل كواقع “مملوك” في سياق الحرية، وكخلق يحمل قصدا ومعنى نابعا من إرادة الخالق.

إن اعتبار الواقع خلقا يمثل موقفا فلسفيا يحمي الإنسان من الانزلاق إما نحو مثالية تلغي العالم المادي أو نحو مادية تلغي الحرية والذاتية . فالدين، في جوهره الصافي، يُفهم كحدث للحرية بامتياز، وهو لا يقتصر على كونه تعبيرا عن حرية الشخص الإنساني فحسب، بل يرتكز أساسا على حرية الخالق نفسه . وبما أن الله يُفهم كذات حرة ومطلقة، فإن أي محاولة لتفسير الدين تفسيرا وظيفيا بحتا، يجعله مجرد وسيلة لتحقيق غايات أخرى، تتناقض جوهريا مع طبيعة هذا الإله ومع طبيعة العلاقة الدينية الخالصة . الفهم الوظيفي للدين يقود في النهاية إلى إلغائه وإفراغه من مضمونه غير المشروط، في حين أن الممارسة الدينية الأصيلة تجد غايتها في الشكر والتبجيل لذات الله، بعيدا عن أي منفعة أو أداة. من هذا المنطلق، تتبلور معايير فلسفية نقدية لتقييم الممارسات الدينية، حيث تُرفض الأشكال الدينية التي تنكر الحرية وتبرر الإكراه، أو تلك التي تتبنى رؤى مادية تلغي وحدة الواقع، أو التي تُخضع الدين لغايات دنيوية تُفقد التجربة الدينية صلتها بالمطلق . هذه الفلسفة الإيجابية تدرك تماما محدوديتها وارتباطها بالسياق التاريخي، مفضلة الانفتاح على الحقيقة كما تُعاش وتُختبر، بدلا من ادعاء بناء نظام نظري مغلق يفسر كل شيء ويفقد صلته بنبض الحياة .

تتواصل رحلة الغوص في أبعاد الشخصية الإنسانية عبر الانتقال إلى ساحة الأخلاق التطبيقية والطبية، حيث يتناول إدوارد تسفيرلاين صرخة الرفض الفلسفية التي يطلقها سبيمان في وجه الانتهاكات المعاصرة لكرامة الإنسان، تحت عنوان عميق الدلالة هو “مولود وليس مصنوعا”. تنطلق هذه الرؤية من استشعار الخطر الداهم المتمثل في الفصل المتعسف بين الحق في الحياة والحق في الكرامة، في عصر يتسارع فيه زحف التقنية العلمية ليطال أعمق مقومات الوجود البشري. يتم استحضار صورة حية ومروعة من الواقع المعاصر، تتمثل في إحدى المراكز التي تسوق لنفسها كأول بنك للأجنة في العالم، حيث تُعرض الأجنة للبيع كسلع خاضعة لمعايير الجودة الصارمة، منتقاة بعناية بناء على تاريخ جيني وأكاديمي مفترض للمتبرعين . هذا النموذج يجسد تحولا خطيرا يتم فيه استبدال فعل التوليد الطبيعي النابع من تلاقي إرادتين حرتين بإنتاج صناعي مبرمج يهدف إلى تحسين النسل وفق مقاييس تجارية وأداتية . هنا يتحول الطفل من كونه هبة غير مشروطة وعطية خاضعة لسر الوجود، إلى مجرد منتج يمكن اختياره وتصميمه، بل وربما محاسبة المصنعين إذا لم يطابق المواصفات المطلوبة، مما يفتح الباب واسعا أمام تبرير التمييز والإقصاء لكل من لا تنطبق عليه معايير الجودة الجينية .

يقف هذا التحليل الفلسفي مدافعا بشراسة عن الرؤية الروحية والطبيعية للشخصية الإنسانية، رافضا التوجهات العلموية التي تتعامل مع الطبيعة البشرية كمجرد مادة خاضعة للتجريب والتحكم . إن فكرة “مولود وليس مصنوعا” تؤكد على أن قدوم الإنسان إلى هذا العالم يجب أن يظل محتفظا بطابعه كحدث طبيعي يتجاوز الحسابات النفعية، فالتوليد هو نتيجة غير مباشرة لعلاقة تقوم على العطاء اللامشروط، حيث يلعب القدر دورا يحمي الكائن الجديد من أن يكون مجرد مشروع يُرسم مسبقا لتحقيق رغبات أطراف خارجية . عندما يتحول الإنسان إلى شيء يُصنع، فإنه يُجرد من فرادته واستقلاليته، ويصبح عرضة للتقييم والتسعير، مما يهدم الأساس المتين الذي تقوم عليه فكرة الكرامة المتساوية لجميع البشر. وتتصاعد وتيرة النقد لتشمل المنطق الوظيفي الذي يحكم جانبا كبيرا من العلم الحديث، والذي يميل إلى تفسير كل ظاهرة بإرجاعها إلى أسبابها المادية البحتة، مقصيا بذلك الأبعاد الغائية والمفاهيم غير المشروطة كالضمير والكرامة المطلقة. هذا المنطق، إذا ما تُرك دون ضوابط، يتجاوز كونه أداة للسيطرة على الطبيعة ليصبح أداة لسيطرة الإنسان على الإنسان، محولا الحياة البشرية إلى مجرد سلسلة من الحالات والمشاعر التي تُقيّم بناء على مقاييس اللذة والألم، وهو ما يمهد الطريق لتبرير سياسات خطيرة كاستهلاك الأجنة والتخلص من الحيوات التي تُعتبر غير منتجة أو مليئة بالمعاناة .

في مواجهة محاولات الفلسفات التجريبية والنفعية إعادة تعريف مفهوم “الشخص” حصريا بناء على معايير القدرة العقلية أو الوعي الذاتي اللحظي، يُطرح البديل الفلسفي المتمثل في أن الكرامة الإنسانية لا تُمنح من قبل لجان تقييم أو بناء على الخصائص المكتسبة، بل تنبع مباشرة من الانتماء إلى النوع البشري. فكون المرء شخصا يمثل استعدادا جوهريا وطبيعة كامنة، قد تتجلى في صورة وعي وعقل عندما تتوفر الظروف، لكن عدم تجليها، كما في حالات الغيبوبة أو المراحل الجنينية، لا ينفي البتة الوجود الكامن لهذا الشخص ولا يسقط حقوقه . يُشبه ذلك من يمتلك مهارة العزف ولكنه لا يمارسها لعدم توفر آلة، فالمهارة كامنة وموجودة حتى وإن لم تُترجم إلى فعل ملموس. لحماية هذا الوجود الإنساني في أشد حالاته هشاشة وضعفا، يتبنى الفكر مبدأ الاسترشاد الفقهي “في حالة الشك، يُحكم لصالح الشخص”، اعترافا بعجز العقل البشري عن الإحاطة الكاملة بسر الحياة وغموض الانتقال من الخفاء إلى التجلي. هذه النظرة التواضعية تحرس كرامة الإنسان وتمنع تحويله إلى ضحية لتعريفات إقصائية تتغير بتغير المصالح، مؤكدة على أن الإنسانية الحقة تُختبر في مدى تضامنها مع أضعف حلقاتها، وليس في سعيها المحموم نحو كمال وراثي موهوم .

تنتقل الدراسة إلى تحليل أزمة الحداثة التي يرى روبرت سبايمان أنها تنبع من اختزال منهجي في العلوم الطبيعية، حيث تحول التقييد المنهجي الأولي إلى بيان وجودي ومعرفي حول طبيعة الواقع ككل، مما جعل الفرضية العلمية هي النموذج الوحيد لكل تنبؤ متعلق بالواقع. ويؤدي هذا المنظور الوظيفي إلى استبدال السؤال الجوهري عما يكون الشيء بطبيعته بسؤال حول كيفية نشأته ووظيفته، وهو ما يهدد قدرة الإنسان على فهم المطلقات الأخلاقية أو المعنى الوجودي للحياة البشرية، بل ويجعل الطبيعة البشرية عرضة للمساواة مع الأشياء غير البشرية.

وفي سياق التمييز بين الفعل والصنعة، يؤكد سبايمان على استعادة المفهوم الأرسطي الذي يفرق بين “البراكسيس” كفعل بشري يجد غايته في ذاته، و”البويزيس” كعملية إنتاج تهدف إلى تحقيق غايات خارجية، محذراً من أن استيعاب الحداثة للممارسة ضمن منطق الإنتاج يؤدي إلى فقدان البعد الأخلاقي للفعل. ويرى أن كينونة الشخص البشري تظهر حدود المنطق الأدواتي والتكنولوجي، حيث يعتمد ازدهار الإنسان وسعادته على “الممارسة” الصالحة والاعتراف بالكرامة المتأصلة التي لا يمكن تصنيعها أو برمجتها.

ويشكل مفهوم “كينونة الذات” حجر الزاوية في فلسفة سبايمان لتجاوز الثنائية الحديثة بين الروح والطبيعة، حيث يتم تعريف الشخص كـ “اسم كرامة” يعبر عن تجاوز الموضوعية والوجود في الذات. فالشخص ليس مجرد عقل محبوس في جسد أو مادة صرفة، بل هو كائن يرتبط بطبيعته بحرية، ويظهر هذا الارتباط بوضوح في قدرته على “الوعد” و”المغفرة”، وهي أفعال تتجاوز الحتمية الطبيعية وتؤسس لهوية الشخص عبر الزمن.

وتطرح الدراسة رؤية سبايمان للفلسفة باعتبارها مسعى سقراطياً يقوم على “التفكير الذاتي” والاستذكار، فهي لا تكتشف أشياء جديدة كلياً بل تعيد إلى الأذهان ما كان معروفاً وتم نسيانه أو خيانته في ظل صخب المعرفة التقنية. وتعمل الفلسفة هنا كحارس للحدود غير المنطوقة للفعل البشري، محذرة من أن إنكار الهوية الشخصية أو اختزال الأخلاق في مجرد نواتج لعمليات تطورية عشوائية يؤدي بالضرورة إلى تناقض ذاتي، حيث لا يمكن لمن ينفي وجود الشخص أن يبرر كتابة مؤلفات تخاطب وعي الآخرين وضمائرهم.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين المسيحية والفلسفة، يرى سبايمان أن المسيحية كدين مطلق تظل غريبة عن الحضارة الحديثة ولا يمكن استيعابها بالكامل ضمن فئاتها، ومع ذلك فإن فلسفته لا تعادي الحداثة بل تسعى لاستعادة ملامحها الواقعية وتضمين محتويات تحقيق الذات التي قدمتها الحداثة ضمن رؤى وجودية أعمق. فالدفاع عن المسيحية يمثل أحد الخيوط الناظمة لفكره، ليس من باب الوعظ بل من خلال تقديم نموذج فلسفي يرى في الوجود “هبة” أو “خلقاً” يسبق الإرادة البشرية ويحد من طموحات العقل الاستدلالي في الهيمنة الكاملة على الواقع.

ويتميز أسلوب سبايمان بالنزعة الحوارية والنفور من بناء أنظمة فلسفية مغلقة، حيث يفضل الصيغ المقالية التي تتيح للنقاش أن يظل مفتوحاً، معتبراً أن الفلسفة تزدهر فقط في مناخ من “الفوضى الفلسفية” التي ترفض التسلط الفكري. ويهدف هذا الأسلوب إلى الوصول لجمهور يتجاوز المتخصصين، معتمداً على “الحس المشترك” والوعي اليومي بالواقع، وهو ما يسميه “التربية على الواقع” التي تسعى لإيقاظ القارئ للمشاركة في الوجود بشكل أكثر اكتمالاً وتحرراً من التشويهات الأيديولوجية أو العلموية.

ينتقل الكتاب في فصوله التالية إلى استقصاء “الأبعاد الجوهرية” التي تشكل عماد التجربة الإنسانية، متوقفاً بتمعن عند مفهوم “الضمير” بوصفه النواة الصلبة للشخصية. يرى روبرت سبيمان، عبر القراءات التحليلية التي يضمها هذا المجلد، أن الضمير ليس مجرد “صوت داخلي” ذاتي أو صدى لتربية اجتماعية ضاغطة، بل هو العضو المعرفي الذي يدرك من خلاله الإنسان المطالب المطلقة للواقع. إن الضمير يمثل اللحظة التي يخرج فيها الإنسان من دائرة اهتماماته الضيقة ليعترف بوجود نظام قيمي يتجاوزه، وهو ما يمنح الفعل البشري صبغته الأخلاقية الحقيقية. فبدون هذا الارتكاز على حقيقة موضوعية يتردد صداها في أعماق الذات، تتحول الأخلاق إلى مجرد “تقنية سلوكية” تهدف إلى التكيف الاجتماعي أو تحقيق المنفعة المتبادلة، وهو ما يرفضه الفكر الشخصاني جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن كرامة الشخص تكمن في قدرته على قول “لا” باسم الحقيقة، حتى لو كلفه ذلك صداماً مع محيطه أو مصالحه المباشرة.

وفي سياق متصل، يُفرد العمل مساحة واسعة لمناقشة علاقة الشخص بالزمن والموت، وهي العلاقة التي تمنح الحياة البشرية توتراً درامياً ومعنىً وجودياً فريداً. الشخص، بخلاف الكائنات الأخرى، لا يعيش “في” الزمن فحسب، بل هو كائن “مدرك للزمن” ويسعى لتجاوزه. يبرز مفهوم “الاستباق” كأحد التجليات الأساسية، حيث يعيش الإنسان حاضره في ضوء مستقبله، وفي مقدمة هذا المستقبل يقف “الموت” كحد نهائي. يرفض سبيمان الرؤى التي تعتبر الموت مجرد توقف بيولوجي، بل يراه “أفقاً” يجمع شتات الحياة ويجعل منها “سيرة ذاتية” مكتملة. إن إدراك الشخص لفنائه هو ما يدفعه للبحث عن “المطلق” و”الأبدي”، وهو ما يتجلى في أفعال مثل “الوعد” الذي يمثل محاولة بشرية شجاعة لفرض الثبات والاستمرارية على سيولة الزمن، حيث يربط الشخص نفسه في المستقبل بكلمة ألقاها في الماضي، محققاً بذلك انتصاراً للروح والحرية على الحتمية والنسيان.

كما يتعمق الكتاب في تحليل “البعد الاجتماعي” للشخص، منطلقاً من مقولة أن “الإنسان لا يكون شخصاً إلا مع الآخرين”. غير أن هذه الاجتماعية ليست مجرد ضرورة بيولوجية للخدمات المتبادلة، بل هي “انفتاح وجودي” يتحقق بوضوح في ظاهرتي “اللغة” و”الصداقة”. اللغة في المنظور السبيماني ليست مجرد أداة لنقل المعلومات، بل هي الفضاء الذي يتم فيه الاعتراف المتبادل بالذوات ككائنات حرة. أما الصداقة، فهي تمثل أرقى أشكال هذا الاعتراف، حيث يصبح الآخر “غابة ذاته” بالنسبة للصديق، ويُنظر إلى وجوده كخير مطلق ومستقل عن أي فائدة. هذا البعد التواصلي هو ما يحمي الفلسفة الشخصانية من السقوط في “وحدانية الذات” (Solipsism)، مؤكداً أن الحقيقة المشتركة هي التي تجمع الأشخاص في عالم واحد، وأن العزلة الحقيقية ليست في غياب الناس، بل في غياب الحقيقة المشتركة التي تجعل التواصل ممكناً.

وفي نقد حاد للميول “الاختزالية” في الفكر المعاصر، يناقش الكتاب استعادة سبيمان لمفهوم “الغائية الطبيعية”. يرى الفيلسوف الألماني أن العلم الحديث، بتخليه عن السؤال عن “الغاية” واكتفائه بالسؤال عن “السبب المادي”، قد أفرغ الطبيعة من معناها وحولها إلى مجرد مادة خام للسيطرة التقنية. وبما أن الإنسان جزء من هذه الطبيعة، فإن هذا المنهج انتهى به الأمر إلى اختزال الإنسان نفسه إلى مجرد “آلة جينية” أو “نظام عصبي معقد”. تأتي المراجعة الفلسفية هنا لتعيد الاعتبار لفكرة أن الطبيعة “تنطوي على مقاصد”، وأن الأعضاء الحيوية والمشاعر والغرائز ليست مجرد نواتج عشوائية للتطور، بل هي تحمل “معنى” يوجه الشخص نحو كماله. هذه “النظرة الغائية” ليست تراجعاً نحو الميتافيزيقا الغيبية، بل هي “واقعية فلسفية” ترى في الانسجام الطبيعي دليلاً على وجود نظام عقلاني لا يملك الإنسان إلا أن يحترمه إذا أراد الحفاظ على إنسانيته.

ويتوج هذا الجزء من الكتاب بالحديث عن “البعد الجمالي” والفني في فكر سبيمان، حيث يُنظر إلى الفن كشكل من أشكال “الشهادة للواقع”. الفن الأصيل، في نظر سبيمان، لا يخلق عالماً وهمياً للهرب من الواقع، بل هو “يكشف” عن بهاء الوجود الذي يحجبه عنا التعود والاستهلاك اليومي. إن العمل الفني يوقف تدفق الزمن النفعي ويجبرنا على “التأمل” الصرف، وهو موقف يشبه الموقف الديني في كونه اعترافاً بجمال وجلال ما هو موجود. الشخص الذي يتذوق الجمال يمارس نوعاً من “التسامي الذاتي”، حيث ينسى رغباته الخاصة لينبهر بحقيقة الشيء في ذاته. هذا الانفتاح الجمالي هو تذكير دائم بأن الإنسان ليس مجرد “كائن مستهلك”، بل هو “شاهد على الوجود”، وأن قدرته على تذوق الجمال هي من أسمى تجليات “ألوهية” الروح البشرية وتجاوزها للمادة.

هذه الأبعاد المتضافرة—من الضمير إلى الزمن، ومن الاجتماعية إلى الغائية، وصولاً إلى الجمال—ترسم في مجموعها “خارطة طريق” فكرية لاستعادة الإنسان لمركزيته في عالم مهدد بفقدان المعنى، مما يجعل من كتاب “التجليات الأساسية للشخص” وثيقة فلسفية لا غنى عنها لكل من يروم فهم تعقيدات الكينونة الإنسانية في مرآة أحد أعمق فلاسفة عصرنا.

ينعطف البحث نحو تفكيك العلاقة الجدلية بين “الشخص” والفضاء السياسي، مستعرضاً نقد روبرت سبايمان العميق للنفعية السياسية والقانونية التي تهيمن على الحداثة المتأخرة. في هذا السياق، يُنظر إلى الشخص ليس كذرة معزولة في عقد اجتماعي افتراضي، بل ككائن يتمتع بحقوق “سابقة على الدولة” تنبع من كرامته الأنطولوجية لا من المنح التشريعي. تبرز هنا المواجهة الفكرية مع الوضعية القانونية التي تختزل الحق في إرادة المشرع، حيث يصر سبايمان على أن هناك “حدوداً أخلاقية” لا تملك السلطة السياسية تجاوزها دون أن تفقد شرعيتها الأخلاقية. إن حماية “الحيز الخاص” للشخص ليست مجرد ضرورة إجرائية، بل هي اعتراف بأن الإنسان ينتمي إلى نظام من الحقيقة يتجاوز غايات الدولة وتدبيراتها النفعية، مما يجعل من الفلسفة الشخصانية حصناً ضد التوتاليتارية الناعمة التي تسعى لتنميط الوجود البشري وإخضاعه لضرورات التكنوقراطيا.

ويتسع أفق التحليل ليشمل “فلسفة التعليم والتربية” (Paideia) كعملية جوهرية لتكوين الشخص. يرفض سبايمان النماذج التربوية التي تركز حصراً على اكتساب المهارات الأداتية أو التكيف مع سوق العمل، معتبراً أن الجوهر الحقيقي للتربية هو “التحرر من أجل الحقيقة”. الشخص لا يولد مكتملاً، بل ينمو من خلال مواجهة الواقع والاعتراف باستقلالية الآخرين. التربية هنا هي عملية “خروج من الذات” نحو العالم، حيث يتعلم الفرد كيف يحب الأشياء لما هي عليه، وليس لما يمكن أن تقدمه له من منفعة. هذا الانفتاح على الواقع يتطلب شجاعة أخلاقية وقدرة على التمييز بين “الرغبات اللحظية” و”الخير الحقيقي”، وهو ما يسميه سبايمان “التربية على الواقع” التي تقي الشخص من الوقوع في فخ الأيديولوجيات التي تبسط تعقيدات الوجود البشري وتختزله في شعارات جوفاء.

وفيما يتصل بمفهوم “الطبيعة البشرية”، يعيد الفكر السبيماني الاعتبار للبعد البيولوجي للشخص دون السقوط في المادية الفجة. الشخص هو “كائن طبيعي” يعيش في جسد، وهذا الجسد ليس مجرد آلة أو ملكية خاصة يمكن التصرف فيها بحرية مطلقة، بل هو تعبير عن هوية الشخص. ينتقد سبايمان بشدة المحاولات الحديثة لـ “تجاوز الإنسانية” (Transhumanism) التي تسعى لتعديل الطبيعة البشرية تقنياً، معتبراً إياها تعبيراً عن غطرسة العقل الذي يريد أن يحل محل الخالق أو القدر. إن القبول بـ “المعطى الطبيعي” وبمحدودية الجسد والضعف البشري هو في جوهره فعل تواضع فلسفي يحمي الشخص من الأوهام التقنية، ويؤكد أن الكرامة الإنسانية تكمن في “الوجود” ذاته، لا في القدرة على التجاوز التقني المستمر للحدود البيولوجية.

كما يتوقف الكتاب عند مسألة “التضحية والمعنى”، حيث يُطرح تساؤل جوهري حول إمكانية العيش في عالم يفتقر إلى المطلق. يرى سبايمان أن قدرة الشخص على التضحية بمصالحه الخاصة، أو حتى بحياته، من أجل قيمة عليا هي الدليل الأسمى على حريته وتجاوزه للغريزة الحيوانية. هذا الفعل التضحوي لا يمكن تفسيره ضمن المنطق النفعي الذي يرى في كل فعل مقايضة. إن الوجود الشخصي يجد كماله في “الهبة”، وفي القدرة على الاعتراف بأن هناك ما هو أغلى من الحياة البيولوجية ذاتها. هذا البعد يتصل اتصالاً وثيقاً بـ “المسؤولية تجاه الأجيال القادمة”، حيث يُنظر إلى الشخص كحلقة في سلسلة وجودية ممتدة، ملزم بالحفاظ على أسس الحياة والكرامة لمن سيأتون بعده، بعيداً عن الاستهلاك الأناني لموارد العالم المادية والمعنوية.

وفي ختام هذه التأملات، يبرز “البعد الغيبي” كأفق ضروري لاكتمال مفهوم الشخص. يرى سبايمان أن العقل البشري، في بحثه المستمر عن المعنى، يصل إلى تخوم لا يمكن تجاوزها إلا بالانفتاح على فكرة “المطلق”. الشخص بصفته “كائناً يسأل” لا يمكن أن يجد إجابة نهائية في حدود الواقع المتناهي. لذا، فإن الانفتاح على إمكانية وجود إله يمثل الضمانة الوحيدة لعدم تحول الإنسان إلى “شيء” وسط الأشياء. إن الإيمان بوجود وعي مطلق يرى ويحب الشخص في فرادته يمنح للكرامة الإنسانية طابعاً غير مشروط، ويجعل من كل إنسان قصيدة فريدة لا تتكرر في سجل الوجود، مما يحول الفلسفة من مجرد تحليل منطقي بارد إلى “شهادة حية” للحق في الوجود والمعنى في وجه العدمية المعاصرة. تظل هذه القراءة في فكر روبرت سبايمان دعوة لاستعادة “إنسانية الإنسان” عبر إعادة اكتشاف الأبعاد المنسية للشخصية في خضم تسارع التحولات التقنية والاجتماعية التي يشهدها العالم اليوم.

Grundvollzuge der Person: Dimensionen des Menschseins bei Robert Spaemann

Robert Spaemann

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى