تحقيقات وتقاريرأبرز المواضيع

بين مطامع الموانئ وفاتورة الدم.. لماذا يرى السودانيون في “الإمارات” المهندس الأول لخراب بلادهم؟

تقرير خاص: غرفة الأخبار – نايل بوست

منذ اندلاع شرارة الحرب في منتصف أبريل، لم يعد الحديث عن “الأيدي الخارجية” في السودان مجرد تكهنات دبلومسية، بل تحول إلى قناعة شعبية راسخة تُشير بأصابع الاتهام مباشرة نحو دولة الإمارات العربية المتحدة. فبينما تتحدث “أبوظبي” عن المساعدات الإنسانية، يرى المواطن السوداني في مراكز النزوح واللجوء مشهداً مغايراً تماماً؛ مشهداً يربط بين طموحات السيطرة على الموانئ والذهب، وبين الرصاص الذي يمزق جسد الدولة السودانية.

المخطط الموؤود: سيناريو “الانقلاب الخاطف” والشرعية الجاهزة

تشير القراءات الميدانية والتحليلات السياسية في السودان إلى أن ما حدث في الخامس عشر من أبريل لم يكن مجرد اشتباك عارض، بل كان “مخططاً لانقلاب خاطف” هندسته أطراف إقليمية على رأسها الإمارات. كان السيناريو يقضي بحسم السلطة لصالح قائد قوات الدعم السريع “حميدتي” خلال ساعات، يتبعه اعتراف دولي سريع بـ “سلطة الأمر الواقع”، على أن تتقدم قوى سياسية مدنية (تمثلت لاحقاً في تنسيقية “تقدم”) لتلعب دور الحاضنة السياسية لهذا النظام الجديد تحت شعارات “التحول الديمقراطي”.

صخرة الجيش والوعي الشعبي: حين تبعثرت الأوراق

ما لم يحسب له المخططون حساباً هو عامل الصمود. ثبات القوات المسلحة السودانية في الساعات الأولى كسر العمود الفقري للانقلاب، وحوله من “نصر سريع” إلى “حرب استنزاف”. لكن الضربة القاضية للمشروع الإماراتي جاءت من الشعب السوداني نفسه؛ فبدلاً من أن يستقبل المدنيون القوات المتمردة بالترحاب، كانت جرائم الدعم السريع من نهب للمنازل واغتصاب وتهجير قسري هي المحرك لأكبر موجة التفاف شعبي حول الجيش في تاريخ السودان الحديث. تحولت الحرب في نظر المواطن من صراع جنرالات إلى “معركة كرامة” ضد غزو أجنبي ممول إماراتياً.

أطماع عابرة للحدود: الذهب، الموانئ، وفوبيا “الإسلاميين”

لماذا تصر الإمارات على هذا المسار؟ يحلل الخبراء الأهداف الإماراتية في ثلاثة محاور:

  1. السيطرة على ساحل البحر الأحمر: الحلم بالهيمنة على ميناء “أبو عمامة” والتحكم في الملاحة الدولية من الخليج إلى السويس.

  2. شريان الذهب: ضمان بقاء تدفق المعدن النفيس من مناجم السودان إلى أسواق دبي، وهي التجارة التي يمثل الدعم السريع طرفها الأقوى.

  3. تصفية الحسابات الأيديولوجية: السعي لاستئصال أي نفوذ لتيارات الإسلام السياسي في السودان، حتى لو كان الثمن تدمير مؤسسات الدولة الوطنية.

السخط الشعبي: “دبي” في ذاكرة الوجع السوداني

اليوم، يسود الشارع السوداني سخط عارم يتجاوز الحكومة والجيش ليصل إلى الإنسان العادي. يرفع السودانيون شعارات تتهم الإمارات صراحة بتمويل “الإبادة الجماعية” وتوفير الغطاء اللوجستي للمليشيا عبر مطارات في تشاد وإثيوبيا. بالنسبة للسودانيين، فإن كل مسيرة استهدفت حياً سكنياً، وكل رصاصة نهبت بيتاً، تحمل “بصمة تمويل إماراتية”. هذا الغضب الشعبي حول الإمارات من “شقيق استثماري” إلى “خصم وجودي” في الوجدان الجمعي السوداني.

الخلاصة: فشل الرهان على “الوكلاء”

لقد سقط الرهان الإماراتي على “حميدتي” وحلفائه السياسيين أمام صلابة الهوية الوطنية السودانية. فبينما كانت أبوظبي تبحث عن عقود الموانئ ومناجم الذهب، كانت تخسر – ربما للأبد – علاقتها بشعب لا ينسى من وقف معه ومن طعنه في ظهره. إن ما يحدث في السودان اليوم هو إعلان صريح عن فشل سياسة “المال السياسي” في تركيع الدول العريقة، ليظل السؤال القائم: متى تدرك الإمارات أن فاتورة الدم في السودان أكبر بكثير من أي مكاسب اقتصادية قد تجنيها من ركام هذه الحرب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى