أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

المرتزقة الكولومبيون: صناعة الفوضى من الكاريبي إلى إفريقيا

مراجعة لكتاب: "مرتزقة: القصة غير المروية لاغتيال رئيس هايتي"

مقدمة: ليلة سقوط بورت أو برانس

في هدوء ما قبل الفجر، وتحديداً في السابع من يوليو لعام 2021، لم تكن سماء العاصمة الهايتية “بورت أو برانس” تُنذر بشيء سوى الركود الكاريبي المعتاد. لكن في حي “بيليرين 5” الراقي، حيث يقع مقر الإقامة الخاص برئيس الجمهورية جوفينيل مويس، كانت عقارب الساعة تدق لتعلن بداية واحدة من أكثر العمليات السياسية دموية وغموضاً في القرن الحادي والعشرين. لم يكن الاغتيال مجرد رصاصات اخترقت جسد رئيس مثير للجدل، بل كان زلزالاً جيوسياسياً اهتزت له أروقة الاستخبارات في نصف الكرة الأرضية الغربي.

اخترقت مجموعة من الرجال المدججين بالسلاح، يتحدثون الإسبانية بلكنة كولومبية واضحة، التحصينات الأمنية للرئيس التي تبين لاحقاً أنها كانت هشة بشكل يثير الريبة. لم يواجهوا مقاومة تُذكر من الحرس الرئاسي. وفي غضون دقائق، كان جوفينيل مويس جثة هامدة غارقة في دمائها، بينما نُقلت زوجته مارتين إلى المستشفى بعد إصابتها بجروح خطيرة. في صباح اليوم التالي، استيقظ العالم على عناوين الأخبار العاجلة: “اغتيال رئيس هايتي على يد مرتزقة أجانب”.

سريعاً، تم إلقاء القبض على المهاجمين. كانت الصور التي التقطت لهم وهم مقيدون، بوجوه تعلوها الكدمات وعلامات الإرهاق والصدمة، كافية لترسيخ السردية الرسمية في أذهان الرأي العام العالمي: قتلة مأجورون، بلا رحمة، جاؤوا من كولومبيا لبيع بنادقهم لمن يدفع أكثر، ونفذوا مهمتهم بدم بارد. أُغلقت القضية في محكمة الرأي العام قبل أن تبدأ التحقيقات الفعلية.

لكن، هل كانت هذه هي الحقيقة الكاملة؟ هل كان هؤلاء الرجال حقاً “مرتزقة” بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أم أن هناك طبقات من الخداع والتضليل لم تكشفها كاميرات الأخبار السريعة؟

هنا يتدخل الصحفي الاستقصائي والكاتب “لويس كارلوس فيليز” ليقلب الطاولة على السردية الرسمية، من خلال كتابه الصادر حديثاً عن دار “بلانيتا” (Editorial Planeta) تحت عنوان: “مرتزقة: القصة غير المروية لاغتيال رئيس هايتي” (Mercenarios: La historia no contada del asesinato del presidente de Haití). هذا الكتاب ليس مجرد تجميع لقصاصات الأخبار، بل هو غوص عميق ومحكم في واحدة من أكثر المؤامرات تعقيداً في تاريخ أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.

السردية المضادة: أكذوبة “القتلة المأجورين”

يتميز أسلوب فيليز في هذا الكتاب بطابع الصحافة الاستقصائية الرصينة التي لا تكتفي بظواهر الأمور، بل تنبش في الدوافع، والاتصالات الخلفية، والشركات الأمنية الوهمية التي تعمل في مناطق الظل بين القانون والجريمة المنظمة. يطرح الكتاب أطروحته المركزية بجرأة منذ الفصول الأولى: هؤلاء العسكريون الكولومبيون السابقون، الذين تم شيطنتهم عالمياً، لم يكونوا على علم بطبيعة المهمة الحقيقية التي استُجلبوا من أجلها إلى هايتي.

من خلال سنوات من البحث الدؤوب، والوصول إلى وثائق حصرية، ومقابلات مع شخصيات مقربة من الملف، يبني فيليز جدارية مرعبة لكيفية صناعة “كباش الفداء” في عالم السياسة الدولية. يوضح الكاتب كيف تم التواصل مع هؤلاء الجنود المتقاعدين -الذين خدموا سنوات طويلة في مكافحة التمرد وحرب العصابات في كولومبيا- من قبل شركات أمنية مسجلة في الولايات المتحدة (تحديداً في فلوريدا). كان العرض المُقدم لهم مغرياً وبسيطاً في آن واحد: توفير حماية أمنية لشخصيات هامة (VIP) في هايتي، والمساعدة في مهام روتينية لتأمين البنية التحتية، مقابل رواتب شهرية تسد رمق عائلاتهم التي تركوا في وطنهم الأم، حيث يعاني المحاربون القدامى من تهميش اقتصادي واجتماعي خانق.

يصف فيليز  كيف تحولت وعود العمل الشريف إلى كابوس مرعب. هؤلاء الرجال لم يكونوا “كلاب حرب” يبحثون عن الدماء، بل كانوا رجالاً خدعتهم بيروقراطية الشركات الأمنية الغامضة. يسرد الكتاب كيف أنهم لم يكتشفوا الخطة المروعة الحقيقية إلا قبل ساعات قليلة من التنفيذ، حينما وجدوا أنفسهم محاصرين في فخ لا يمكن التراجع عنه. لقد تم استخدامهم كواجهة عسكرية لتنفيذ أجندة سياسية معقدة هندسها سياسيون هايتيون متنفذون، ورجال أعمال جشعون، وربما جهات استخباراتية إقليمية أرادت التخلص من مويس دون أن تترك بصماتها الخاصة.

تشريح مفهوم “المرتزقة” في العصر الحديث

يتجاوز الكتاب مجرد سرد وقائع ليلة الاغتيال، ليطرح تساؤلات فلسفية وأخلاقية حول طبيعة الحروب المخصخصة (Privatized Warfare). يتوقف فيليز عند مصطلح “مرتزق”، مشيراً إلى أن الإطلاق العشوائي لهذا اللفظ يخدم أحياناً الجناة الحقيقيين. فبمجرد أن يُطلق على شخص ما لقب “مرتزق”، يُسلب تلقائياً من إنسانيته، وتُسلب معه الرغبة في الاستماع إلى قصته أو فهم دوافعه.

يغوص فيليز في الخلفيات النفسية والاجتماعية للجنود الكولومبيين. كيف تتحول دولة مثل كولومبيا إلى “مُصدِّر” رئيسي للخبرات العسكرية؟ وكيف يتم استغلال حاجة هؤلاء الرجال للمال والكرامة بعد تقاعدهم، ليزج بهم في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟ من خلال عرض رسائلهم النصية إلى عائلاتهم قبل أيام من الحادثة، يظهرهم الكتاب كأشخاص كانوا يعتقدون حقاً أنهم يؤدون وظيفة أمنية قانونية، لا فرق بينها وبين حراسة بنك أو منشأة حيوية.

إن هذه المفارقة بين الصورة الشيطانية التي رُسمت لهم في الإعلام، وبين سذاجة بعضهم ووقوعهم ضحية لعملية غسيل دماغ وتوريط منهجي، هي ما تمنح كتاب “مرتزقة” قوته السردية الهائلة. الكاتب لا يبرئهم تماماً من المسؤولية الجنائية أو من سذاجة الانخراط في بيئة سياسية ملغومة دون تدقيق كافٍ، لكنه يعيد توزيع نسب الإدانة بشكل عادل، مسلطاً كشافات الإضاءة على “المهندسين الحقيقيين” في الغرف المغلقة، أولئك الذين استأجروا هؤلاء الرجال ثم تركوهم لمصيرهم المحتوم في شوارع بورت أو برانس الغاضبة.

شبكات الظل، التفكك المؤسسي، وخيانة حراس الهيكل

خيوط المؤامرة تمتد إلى فلوريدا: خصخصة العنف

يُشرح الكتاب كيف أن التخطيط الفعلي لم يبدأ في أزقة “بورت أو برانس” المظلمة، بل في المكاتب المكيفة في ولاية فلوريدا الأمريكية، وتحديداً عبر شركة أمنية تدعى “CTU Security” (أكاديمية مكافحة الإرهاب الفيدرالية)، يديرها المهاجر الفنزويلي أنطونيو إنترياغو. هنا، يطرح فيليز قضية بالغة الأهمية في بنية العلاقات الدولية المعاصرة: كيف أصبحت حروب الظل والتدخلات السياسية تُدار عبر شركات “مقاولات أمنية” مسجلة بشكل قانوني، تعمل في الحديقة الخلفية للقوة الأمريكية العظمى، وتستغل ثغرات النظام المالي والقانوني لتمويل وتجنيد وتسليح قوات شبه عسكرية.

كان التجنيد يتم تحت غطاء شرعي تماماً. تم إقناع الكولومبيين بأنهم جزء من عملية استثمارية كبرى يقودها طبيب وراعٍ أمريكي-هايتي يُدعى كريستيان إيمانويل سانون، الذي كان يحلم بأن يصبح رئيساً لهايتي عبر خطة تنموية طموحة. كان الجنود يعتقدون أن مهمتهم هي حماية هذا “الرئيس المحتمل” وتأمين مشاريع بنية تحتية وهمية. يعرض الكاتب كيف تم استغلال الحاجة الاقتصادية لهؤلاء الجنود، وكيف أن النظام الدولي الذي أفرز ظاهرة “الخصخصة الأمنية” يترك هؤلاء الأفراد بلا غطاء قانوني بمجرد أن تنحرف الأمور عن مسارها. إنها صورة مصغرة لانهيار احتكار الدولة للعنف، حيث يمكن لمجموعة صغيرة من المستثمرين والشركات الوهمية هندسة تغيير أنظمة حكم كاملة بتكلفة لا تتجاوز بضعة ملايين من الدولارات.

هايتي: مسرحية الدولة الرخوة والفراغ الجيوسياسي

لعل من أكثر فصول الكتاب إثارة وتشويقاً هو ذلك التحليل البانورامي الذي يقدمه فيليز للوضع الداخلي في هايتي. لا يمكن فهم سهولة اختراق غرفة نوم رئيس جمهورية دون فهم السياق الهيكلي لانهيار الدولة الهايتية. يصف الكاتب هايتي بأنها تجسيد حي لـ “الدولة الفاشلة”؛ حيث تتآكل المؤسسات، وتسيطر عصابات مسلحة على مفاصل العاصمة، ويسود فراغ سياسي خانق.

كان جوفينيل مويس رئيساً معزولاً، يعيش في قصر محاط بالأعداء من كل جانب. لقد واجه معارضة شرسة من الأوليغارشية المالية في هايتي، وتفككاً في تحالفاته السياسية، وفقداناً للشرعية الشعبية. يصور فيليز كيف أن هذا الانحلال المؤسسي خلق بيئة مثالية لنمو المؤامرة. في هذا السياق، لم تكن عملية الاغتيال بحاجة إلى جيش جرار لتنفيذها، بل احتاجت فقط إلى استغلال حالة التفكك والشلل التي تعاني منها الأجهزة الأمنية للدولة. هايتي، التي تقف على خطوط التماس الجيوسياسية في الكاريبي، تُركت لتأكل نفسها من الداخل، مما جعل رأس الدولة ثمرة ناضجة وجاهزة للقطاف من قبل أي فصيل يمتلك الجرأة والمال الكافي لشراء الذمم.

ليلة الخيانة: حينما تتآمر الدولة على رأسها

يصل السرد الصحفي لفيليز إلى ذروته الدرامية عند إعادة بناء التسلسل الزمني لليلة السابع من يوليو. هنا يكشف الكتاب النقاب عن “الخيانة الداخلية” التي بدونها لم يكن للمرتزقة أن يتجاوزوا الباب الخارجي لمقر الإقامة. يتساءل الكاتب بأسلوب استنكاري لاذع: كيف يمكن لمجموعة من الأجانب، الذين لا يعرفون جغرافية المكان ولا يتحدثون الفرنسية أو الكريولية، أن يخترقوا ثلاثة أطواق أمنية يحرسها العشرات من أفراد الشرطة والحرس الرئاسي الهايتي المدججين بالسلاح، دون أن تُطلق رصاصة مقاومة واحدة؟

الجواب، كما يوثقه فيليز بالأدلة والشهادات، يكمن في التواطؤ الكامل لرجالات مويس أنفسهم. ديميتري هيرارد، رئيس الحرس الرئاسي، وجان لاغيل سيفيل، المنسق الأمني للرئيس، كانا جزءاً لا يتجزأ من المخطط. صدرت الأوامر للحرس بالتنحي وعدم التدخل.

المفاجأة الصادمة التي يلقي بها الكتاب هنا هي أن الكولومبيين تم إيهامهم ليلة التنفيذ بأنهم ينفذون “مذكرة اعتقال” قانونية صادرة عن قاضٍ هايتي، مدعومة بتنسيق مزعوم مع وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA). دخل الكولومبيون وهم يصرخون بمكبرات الصوت: “عملية للـ DEA، ابقوا في أماكنكم”. كانوا يعتقدون أنهم في مهمة لاستخراج الرئيس حياً. لكن عند اقتحامهم للغرفة، وجدوا -وفقاً لشهادات بعضهم- أن الرئيس قد قُتل بالفعل أو أُعدم في تلك اللحظات من قبل فرقة اغتيال متخصصة سبقتهم إلى الهدف.

لقد تم إدخال الكولومبيين إلى مسرح الجريمة ليكونوا مجرد ديكور دموي، “دخان” يغطي على القتلة الحقيقيين. وعندما أدركوا الفخ، كان الوقت قد تأخر. تخلت عنهم الشركات التي استأجرتهم، ووجدوا أنفسهم يطاردون في شوارع العاصمة كحيوانات مفترسة، ليتم تصفية بعضهم بوحشية، والقبض على الآخرين ليُزج بهم في أسوأ سجون العالم، كأكباش فداء مثالية تطوي صفحة الجريمة وتغلق ملفها بسرعة.

في متاهة التحقيقات، صراع الولاءات، والعدالة التي تاهت بين القارات

بينما كانت شوارع “بورت أو برانس” تغلي غضباً وتطالب برؤوس “الأجانب” الذين اجتاحوا قصر الرئاسة، كانت هناك حرب أخرى تدار في الخفاء؛ حربٌ قانونية واستخباراتية عابرة للحدود، يسرد لويس كارلوس فيليز تفاصيلها المعقدة في الجزء الأوسط من كتابه ببراعة تضاهي روايات الجاسوسية الأكثر إثارة، لكنها هنا تكتسي بمرارة الواقع وقسوة الحقائق التي لا تقبل التأويل.

واشنطن وبوغوتا: لعبة شد الحبل الدبلوماسي

ينتقل فيليز في هذا الفصل من مسرح الجريمة في هايتي إلى أروقة السلطة في واشنطن وبوغوتا. يوضح الكتاب كيف وجدت الحكومة الكولومبية نفسها في موقف حرج للغاية؛ فمن جهة، هؤلاء “القتلة” هم جنود سابقون في جيشها، ومن جهة أخرى، الضغط الدولي يطالب بإدانتهم السريعة. يكشف الكاتب كيف حاولت الاستخبارات الكولومبية في البداية الدفاع عن حقوق مواطنيها، مشيرة إلى “التضليل” الذي تعرضوا له، لكنها اصطدمت بجدار الصمت الهايتي والبرود الأمريكي.

في واشنطن، كانت وزارة العدل والـ FBI والـ DEA يراقبون الموقف بحذر شديد. يطرح فيليز سؤالاً محورياً: كيف تمكنت هذه المؤامرة من المرور تحت رادار الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية، رغم أن التخطيط والتمويل والتجنيد تم فوق أراضيها؟ يسلط الكتاب الضوء على الثغرات القانونية التي تسمح لشركات الأمن الخاصة بالعمل بحرية مطلقة في فلوريدا، وكيف يتم التغاضي أحياناً عن أنشطتها إذا كانت تخدم مصالح سياسية غير معلنة، أو إذا كانت ببساطة “صغيرة” لدرجة لا تثير الريبة، حتى تقع الكارثة.

القضاء الأمريكي ضد القضاء الهايتي: مفارقة العدالة

أحد أكثر الجوانب إثارة للصدمة في مراجعة فيليز هو المقارنة بين المسارين القضائيين في ميامي وبورت أو برانس. يصف الكاتب النظام القضائي الهايتي بأنه “مقبرة للعدالة”؛ حيث استقال قضاة التحقيق واحداً تلو الآخر بعد تلقيهم تهديدات بالقتل، واختفت أدلة حيوية من مسرح الجريمة، وساد صمت مريب حول الشخصيات الكبيرة المتورطة داخل الدولة.

في المقابل، يحلل فيليز “المسار الأمريكي” بذكاء صحفي نافذ. لماذا أصرت الولايات المتحدة على محاكمة المخططين الرئيسيين (مثل رودولف جار، وجيرمان ريفيرا، وجوزيف فينسنت) فوق أراضيها؟ يرى الكاتب أن واشنطن أرادت السيطرة على السردية لضمان عدم خروج أسرار تمس “الأمن القومي” أو تكشف عن عمق تورط مخبرين تابعين لوكالاتها في العملية. يصف الكتاب المحاكمات في ميامي بأنها كانت “جراحية”؛ تهدف للوصول إلى أحكام إدانة سريعة دون الغوص بعمق في “الجهة” التي أعطت الضوء الأخضر النهائي، أو “الممول” الحقيقي الذي اختفى خلف طبقات من الشركات الوهمية.

أصوات من تحت الأنقاض: مأساة عائلات الجنود

لا يكتفي فيليز بالتحليل السياسي، بل يمنح كتابه “روحاً” من خلال تخصيص مساحة واسعة لمعاناة عائلات الجنود الكولومبيين المعتقلين في سجون هايتي المروعة. يصف الكتاب “سجن بورت أو برانس المدني” بأنه قطعة من الجحيم على الأرض، حيث يعيش هؤلاء الجنود في زنازين مكتظة، بلا رعاية طبية، وتحت تهديد مستمر بالتصفية من قبل العصابات التي تدير السجن فعلياً.

ينقل فيليز شهادات من زوجات وأمهات في بوغوتا، يصرخن بأن أبناءهن “ليسوا وحوشاً”. هؤلاء النساء اللواتي وجدن أنفسهم فجأة في قلب أزمة دولية، يمثلن الجانب الإنساني المنسي في هذه المؤامرة. يوثق الكتاب كيف أن هؤلاء الجنود، الذين خُدعوا بوعود الرواتب المجزية، لم يتقاضوا سنتاً واحداً في النهاية، بل تركوا عائلاتهم في فقر مدقع يضاف إليه عار “الاغتيال” الذي يلاحق أسماءهم. هذه الزاوية الإنسانية تعزز أطروحة فيليز الأساسية: أن هؤلاء الرجال كانوا مجرد “وقود” لمحرك سياسي ضخم لم يرحمهم عندما تعطل.

لغز “المخبرين” وظلال الـ DEA

يفرد الكتاب فصلاً كاملاً لما يسميه “لعبة المخبرين”. لقد تبين أن العديد من العقول المدبرة للاغتيال، بمن في ذلك بعض الكولومبيين والهايتيين المقيمين في أمريكا، كانوا يعملون كمخبرين سابقين أو حاليين لوكالات أمريكية. يحلل فيليز كيف استخدم هؤلاء صلاتهم السابقة لإضفاء “صبغة شرعية” على العملية أمام الجنود الكولومبيين.

كانت الجملة السحرية التي فتحت كل الأبواب هي: “واشنطن تريد هذا”. يصور الكتاب كيف أن الثقافة العسكرية الكولومبية، التي اعتادت العمل الوثيق مع المستشارين الأمريكيين في حرب المخدرات، جعلت من السهل على هؤلاء الجنود تصديق أنهم في مهمة سرية مدعومة من “العم سام”. هذا الوهم، كما يكشف فيليز، كان هو السلاح الأقوى في يد المتآمرين، وهو الذي جعل هؤلاء المحاربين المخضرمين يسيرون نحو حتفهم بكامل إرادتهم، معتقدين أنهم ينقذون هايتي من ديكتاتور، بينما كانوا في الحقيقة يغتالون ما تبقى من استقرارها.

سيكولوجيا الجنود: الوقوع في فخ “الشرعية الزائفة”

يخصص فيليز صفحات بالغة الأهمية لتحليل العقلية العسكرية للكولومبيين الذين تورطوا في هذه العملية. يوضح الكاتب كيف أن التنشئة العسكرية التي تلقوها في بلادهم، والتي تعتمد على الطاعة العمياء للأوامر والاعتقاد الراسخ بأن أي مهمة تحمل مباركة أمريكية هي بالضرورة “عمل نبيل”، كانت هي نقطة الضعف القاتلة.

يحلل الكاتب بدقة كيف استُخدمت لغة “المهنية” و”النظام” و”القانون” لإغواء هؤلاء المحاربين. لم يُعرض عليهم القتل؛ عُرض عليهم “استعادة النظام”. لم يُطلب منهم اغتيال رئيس؛ طُلب منهم “تنفيذ مذكرة قضائية”. هذا التلاعب بالألفاظ هو الذي مكن المتآمرين الحقيقيين من تحويل جنودٍ إلى أداة تنفيذية دون أن يدركوا أنهم يرتكبون جريمة بحق التاريخ. يكشف فيليز أن الكثير من هؤلاء الجنود، حتى وهم داخل الزنازين الهايتية، لا يزالون غير قادرين على استيعاب كيف تحولت المهمة التي اعتقدوا أنها ستضمن مستقبلهم المادي إلى كابوس أبدي. إنهم ضحايا لـ “أزمة هوية” مهنية، حيث تم تجريدهم من عقيدتهم العسكرية وتحويلهم إلى “بضاعة” في سوق العنف المخصخص.

هيتي بعد مويس: الفراغ الذي يلتهم كل شيء

لا يتوقف الكتاب عند لحظة الاغتيال، بل يرسم ملامح “هايتي ما بعد مويس”. يصف فيليز كيف أن غياب الرئيس -بأي طريقة كانت- لم يحل أي أزمة، بل فاقمها بشكل مرعب. تحولت الدولة إلى “إقطاعيات” تديرها عصابات مسلحة (مثل تحالف G9)، وأصبح القصر الرئاسي رمزاً للفراغ لا للسلطة.

يرى فيليز أن الاغتيال كان “عملية إجهاض سياسي” لم تكن تهدف إلى تحسين الحكم بقدر ما كانت تهدف إلى التخلص من “مُزعج” لأصحاب المصالح. يحلل الكاتب كيف ساهمت هذه الحادثة في تفتيت النسيج الاجتماعي الهايتي، حيث فقد المواطن العادي أدنى إيمان بقدرة الدولة على حمايته. الكتاب في هذا الجزء يقرع ناقوس خطر حقيقي: هايتي لم تعد مجرد دولة فقيرة، بل أصبحت “مختبراً للمستقبل المظلم” للدول التي تتخلى عن سيادتها لصالح شركات الأمن العابرة للقارات والتحالفات السرية بين النخب الفاسدة.

الدروس المستفادة: حين تصبح السيادة “سلعة”

في الفصول التي تسبق الخاتمة، يطرح فيليز أسئلة جوهرية للمجتمع الدولي:

  • مسؤولية الشركات الأمنية: يطالب الكاتب بوضوح بوضع أطر قانونية دولية صارمة تنظم عمل شركات الأمن الخاصة. لا يمكن أن يظل “المقاولون الأمنيون” يعملون دون رقابة، وهم يمتلكون القدرة على تقرير مصير دول كاملة.

  • إفلاس الاستخبارات: يشير الكتاب إلى أن الاغتيال كان فشلاً ذريعاً للاستخبارات الإقليمية، التي كانت مشغولة بمراقبة “تجارة المخدرات” وغفلت عن “تجارة الانقلابات” التي تتم عبر شركات وهمية.

  • أزمة الذاكرة الجماعية: يحذر فيليز من أن “القصة غير المروية” التي يحاول كشفها قد تُطوى سريعاً تحت ضغط الأخبار الجديدة، مما يسمح للمتآمرين الحقيقيين -الذين لا يزالون يمشون في أروقة السلطة- بالإفلات من العقاب.

يختتم فيليز هذا الجزء من كتابه بتأكيد أن كتابة هذا العمل كانت “واجباً أخلاقياً”. ليس فقط للدفاع عن الحقيقة، بل لمنع تحول “اغتيال هايتي” إلى نموذج تتبعه قوى أخرى في أجزاء مختلفة من العالم، حيث يتم التخلص من القادة غير المرغوب فيهم عبر “مرتزقة” يتم التبرؤ منهم بمجرد انتهاء المهمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى