السودان في مهب “الحرب والمرونة”
جراحة معمقة لاقتصاد الانهيار.. وخارطة طريق للانبعاث من تحت الأنقاض

جذور الأزمة، انهيار التسوية السياسية، واختطاف النخب للاقتصاد
في منتصف أبريل من عام 2023، انزلق السودان نحو واحدة من أعنف الأزمات الإنسانية والاقتصادية في تاريخه الحديث، إثر اندلاع الصراع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. لم تكن هذه المواجهة مجرد صراع عابر على السلطة، بل كانت تتويجاً لعقود من التشوهات الهيكلية، وانهياراً كاملاً لتسوية سياسية هشة لم تصمد أمام طموحات النخب العسكرية والاقتصادية. وفي هذا السياق المعقد، يأتي كتاب “الحرب والمرونة: الآثار المتعددة الأبعاد لصراع السودان ومسارات التعافي” ، الصادر عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، ليقدم وثيقة بحثية بالغة الأهمية. يغوص الكتاب، الذي حرره كل من خالد صديق، وأوليفر كيروي، وبول دوروش ، في تشريح دقيق وببيانات ميدانية نادرة لآثار هذه الحرب على الاقتصاد الكلي، والأمن الغذائي، والنظم الزراعية، مع تسليط الضوء على آليات البقاء التي ابتدعها السودانيون وسط ركام الدولة.
إن قراءة هذا السفر البحثي تتطلب تفكيكاً منهجياً للسردية التاريخية والاقتصادية التي أدت إلى الانفجار. يجادل الكتاب بأن الأزمة الحالية متجذرة بعمق في ديناميكيات سياسية واقتصادية هيكلية شكلت الصراع في المنطقة لعقود. لقد طور السودان، كما يشير التحليل، واحدة من أكثر النسخ تعقيداً لما يُعرف بـ “السوق السياسية”، وهو نظام تكون فيه السلطة السياسية قابلة للتبادل التجاري، وذات طابع عسكري، وتستدام من خلال بيع وشراء الولاءات بدلاً من الحوكمة المؤسسية. في هذا السوق، خلقت عائدات النفط، ومؤخراً الذهب، شبكات رعاية نخبويّة عززت من التنافس المسلح وجزأت سلطة الدولة، مما تركها عرضة لدورات متكررة من العنف المستمر.
ولفهم طبيعة الانفجار الذي شهده كبرى حواضر السودان، يجب العودة إلى الجذور. يشير الكتاب إلى أن الحروب الأهلية السابقة دمرت المناطق المهمشة اقتصادياً والمنبوذة اجتماعياً في الجنوب والغرب، لكن الحرب الحالية جلبت الصراع إلى المركز الجغرافي والاقتصادي للبلاد. لقد امتدت رقعة الموت والدمار من الخرطوم والجزيرة وسنار، لتعود وتضرب دارفور وكردفان مجدداً. ذات العوامل التاريخية والاقتصادية والسياسية والعرقية التي غذت الصراعات السابقة، تلعب دورها اليوم حيث تسعى الفصائل المتحاربة للسيطرة على موارد البلاد. بعد أن عملت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع معاً لوقف جهود التحول الديمقراطي، انقلبتا على بعضهما البعض، في سعي كل منهما للسيطرة المطلقة على نظام الدولة “الكليبتوقراطي” (حكم اللصوص).
هذا النظام الكليبتوقراطي المعقد تأسس وتجذر بشكل أساسي خلال حقبة الرئيس السابق عمر البشير (1989-2019)، والذي حول الاقتصاد السياسي للسودان إلى مزيج من السيطرة العسكرية، والأيديولوجيا، والمحسوبية الاقتصادية. استخدم النظام العنف للحفاظ على السيطرة على الثروة الوطنية، وتوزيع عائداتها على الدوائر المقربة من السلطة على حساب سكان الريف والأطراف. لقد نجا هذا النظام، المتغلغل في مؤسسات الدولة والمؤسسة الأمنية، من سقوط البشير في أبريل 2019، ولا يزال تأثيره طاغياً حتى اليوم.
من هذا المنطلق، ينتقل الكتاب إلى تحليل انهيار التسوية السياسية الذي أفضى إلى الحرب المفتوحة، حيث تُعد الدول الفاشلة نتاجاً لانهيار توزيع السلطة في المجتمع. وفي الحالة السودانية، كان الانهيار في التسوية السياسية بين الجيش وقوات الدعم السريع هو السبب الأساسي للحرب. بعد الإطاحة بالحكومة الانتقالية المدنية في انقلاب عام 2021، نظر كل من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى الآخر كتهديد وجودي لسلطته السياسية ونفوذه الاقتصادي.
وهنا تبرز واحدة من أهم مساهمات الكتاب، وهي تسليط الضوء على “اختطاف النخب” لنظام الأغذية الزراعية في السودان. يوضح التحليل كيف حولت هذه القوات نفوذها السياسي إلى إمبراطوريات تجارية واسعة. لقد استخدمت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع استراتيجيات متوازية ولكن متمايزة لبناء إمبراطورياتها. منحت حقبة البشير هذه الفصائل إمكانية الوصول إلى موارد اقتصادية مربحة، مثل تصدير الذهب والصمغ العربي والسمسم، واستيراد الوقود والقمح. وتم إخفاء السيطرة الكبيرة على الشركات المملوكة للدولة وراء شركات تعمل ضمن “هيئة التصنيع الحربي” التابعة للجيش، والتي تطورت لتشمل شركات زراعية تجارية تدر إيرادات ضخمة.
على الجانب الآخر، تعود جذور إمبراطورية قوات الدعم السريع إلى سيطرة حميدتي على مناجم الذهب في جبل عامر في دارفور، وملكية عائلته لشركة “الجنيد” التي توسعت لتشمل قطاعات متعددة بما في ذلك البنوك والزراعة والنقل. تركزت معظم الشركات الزراعية التابعة لقوات الدعم السريع في قطاعي الثروة الحيوانية والبذور الزيتية.
يستعرض الكتاب بتفصيل مذهل كيف تغلغلت هذه القوات في سلاسل القيمة الزراعية. في قطاع الثروة الحيوانية، الذي يعد أكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي الزراعي ومصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي، ركزت القوات المسلحة على تجارة الماشية (الأبقار) وصادرات اللحوم المصنعة من خلال مسالخ حديثة مثل مسلخ الكدرو. في المقابل، وبفضل روابطها العميقة بمناطق الرعي في دارفور وكردفان، هيمنت قوات الدعم السريع على صادرات الأغنام والماعز والإبل إلى دول الخليج. اللافت في هذا التحليل هو الإشارة إلى أن انخراط هذه القوات في القطاع لم يؤدِ إلى فوائد تذكر للمجتمعات الرعوية أو تحسينات في البنية التحتية البيطرية، بل كان أقرب إلى آليات “استخراج الريع”، حيث تفتقر هذه القوات للحافز للاستثمار في أنظمة التتبع أو تحسين الجودة طالما أن هوامش الربح مرتفعة .
أما في قطاع مطاحن القمح، الذي يتميز بتعقيد فني منخفض نسبياً وطلب حضري هائل، اعتمدت القوات المسلحة استراتيجية “المنافسة غير العادلة”. من خلال شركة “سين” للمطاحن (التي كانت تابعة لجهاز الأمن والمخابرات ثم آلت للجيش)، استفادت المؤسسة العسكرية من الإعفاءات الضريبية والوصول التفضيلي إلى العملات الأجنبية المدعومة من البنك المركزي . سمح هذا الدعم للشركة بالهيمنة على السوق ومحاصرة منافسيها من القطاع الخاص، واستخدام نفوذها السياسي لتقويض الشركات الخاصة الكبرى .
تمتد هذه الهيمنة حتى إلى قطاع البستنة (الخضروات والفواكه)، وهو قطاع كثيف الاستخدام للمهارات والموارد. يشير الكتاب إلى أن شركة “زادنا”، وهي تكتل زراعي وإنشائي ضخم يرتبط بالجيش (ويضم في مفارقة نادرة شقيق حميدتي في مجلس إدارته)، قد استثمرت بكثافة في البستنة والري المحوري المتقدم مستغلة غياب المنافسة الفاعلة من القطاع الخاص في هذا المجال عالي التكلفة.
يخلص هذا الجزء من التحليل إلى استنتاج مرير: إن تغلغل هذه الجهات المسلحة في شرايين الاقتصاد، وسعيها للحصول على موارد خارج الميزانية لضمان استقلاليتها المالية، لم يكن فقط سبباً في خنق القطاع الخاص وعرقلة التنمية، بل كان المحرك الأساسي الذي أدى في النهاية إلى الصدام المسلح المدمر عندما شعرت كل جهة بأن الأخرى تهدد إمبراطوريتها الاقتصادية والسياسية.
عيون الأقمار الصناعية ترصد الانهيار، وتمزق سلاسل الغذاء والتجارة
عندما تصمت لغة الأرقام الرسمية، وتتعطل أجهزة الإحصاء ومؤسسات الدولة تحت وطأة الرصاص وقذائف المدفعية، تبرز الحاجة المُلحة إلى وسائل بديلة ومبتكرة لقراءة المشهد الاقتصادي المنهار. في سياق النزاعات المعقدة، تصبح طرق جمع البيانات التقليدية، مثل الإحصاءات الحكومية والمسوح الأسرية، غير موثوقة أو غير عملية على الإطلاق بسبب المخاطر الأمنية وحركة النزوح الواسعة والانهيار المؤسسي. هنا، ينقلنا كتاب “الحرب والمرونة” في فصله الرابع إلى الفضاء الخارجي، حيث يستعين الباحثون بصور الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار عن بعد كعدسة محايدة وآنية لقياس حجم الخراب الاقتصادي الذي حل بالسودان.
لقد استخدم الباحثون بيانات الانبعاثات، وتحديداً ثاني أكسيد النيتروجين (NO2) والإنارة الليلية، كمؤشرات بديلة للنشاط الاقتصادي والصناعي. وبمقارنة دقيقة بين فترة ما قبل الحرب (أبريل 2023) والأسابيع والأشهر التي تلتها، تكشف خرائط الأقمار الصناعية حكاية الانهيار التام في قلب العاصمة. لقد شهدت الخرطوم، والخرطوم بحري، وأم درمان أكبر انخفاض في تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين، حيث انخفضت مستوياتها بنسبة تتراوح بين 33% و44% في الخرطوم، وبنسبة 20% إلى 22% في الخرطوم بحري، مما يعكس الشلل التام الذي أصاب المركز التجاري والصناعي والإداري الأكبر في البلاد. هذا التراجع الحاد ليس مجرد انعكاس لتوقف المصانع، بل هو تجسيد لعمليات الإخلاء الجماعي للمدنيين، وتوقف حركة النقل، وإغلاق الأسواق، وانهيار شبكات الإمداد .
في مفارقة مأساوية تبرزها تلك الخرائط الفضائية، بينما كانت الخرطوم تغرق في الظلام وتتراجع انبعاثاتها الصناعية، سجلت مدن أخرى نائية وغير متأثرة بالقتال المباشر، مثل كسلا والدمازين وكادقلي، استقراراً أو حتى ارتفاعاً طفيفاً في هذه المؤشرات. هذا الارتفاع لا يعكس نهضة اقتصادية، بل يترجم موجات النزوح الجماعي؛ حيث تحولت هذه المدن إلى مراكز استقبال مؤقتة للنازحين الفارين من جحيم العاصمة، مما أدى إلى زيادة النشاط البشري المؤقت، وحركة النقل الطارئة، والضغط الهائل على الموارد المحلية المحدودة.
من الفضاء، يهبط بنا الكتاب مجدداً إلى الأرض، وتحديداً إلى حقول المزارعين التي طالتها نيران الانقسام. في الفصل الخامس، يشرّح الباحثون كيف أعادت الحرب تشكيل جغرافيا الإنتاج الزراعي، ممزقةً سلة الغذاء السودانية. لطالما اعتمد الأمن الغذائي في السودان على إنتاج الحبوب، وخاصة الذرة الرفيعة والدخن والقمح، لكن الصراع أحدث انقساماً اقتصادياً وجغرافياً حاداً بين المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية وتلك التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
تُظهر البيانات انخفاضاً كارثياً في الإنتاج الزراعي القومي؛ حيث قُدر الإنتاج الوطني من الذرة الرفيعة والدخن والقمح لموسم 2023/2024 بانخفاض نسبته 46% مقارنة بالعام السابق، و40% دون متوسط الخمس سنوات الماضية. في المناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع، مثل أجزاء واسعة من دارفور وكردفان وولاية الجزيرة، كان الانهيار مدوياً. ولاية الجزيرة، التي كانت تُعد معقلاً لإنتاج القمح في النظم المروية، شهدت تراجعاً حاداً في حصتها الإنتاجية بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للري والقيود اللوجستية التي فرضها الصراع. أما في دارفور، التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة المطرية التقليدية، فقد سجلت ولاية غرب دارفور إنتاجاً صفرياً من الدخن، مما يعكس توقف الأنشطة الزراعية بالكامل نتيجة لانعدام الأمن والنزوح الواسع .
على النقيض من ذلك، أظهرت الولايات الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة في الشرق والشمال مرونة نسبية. ولايات مثل القضارف وسنار حافظت على إنتاجية معقولة في قطاع الزراعة شبه الآلية، حيث ساهمت القضارف وحدها بنسبة 38.4% من إنتاج الذرة الرفيعة و40.6% من الدخن في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش . ومع ذلك، فإن هذا الإنتاج لم يكن كافياً لسد الفجوة القومية، حيث أدى الارتفاع الصاروخي في تكاليف النقل عبر الطرق غير الآمنة والرسوم غير الرسمية المفروضة في نقاط التفتيش المتعددة، إلى تضاعف أسعار القمح في مدن الغرب مثل الفاشر والأبيض بأكثر من خمسة أضعاف مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مما جعل الغذاء بعيد المنال عن ملايين الجوعى .
هذا التمزق الداخلي انعكس بدوره على حركة السودان التجارية مع العالم. يعالج الفصل السادس من الكتاب مفارقة التجارة في زمن الحرب باستخدام نموذج “الجاذبية” الاقتصادي لتحليل أداء الصادرات الزراعية السودانية. في الوقت الذي يتوقع فيه المنطق الاقتصادي انهياراً كاملاً للصادرات، قدمت البيانات صورة أكثر تعقيداً ومرونة. لقد زادت صادرات المنتجات التي تُزرع أساساً في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة بشكل ملحوظ في عام 2023، وشملت هذه المنتجات السمسم والفول السوداني والقطن والبذور الزيتية الأخرى. في المقابل، تراجعت صادرات المنتجات المرتبطة جغرافياً بمناطق سيطرة قوات الدعم السريع، وفي مقدمتها الثروة الحيوانية والذرة الرفيعة.
يفسر الكتاب هذا التباين بعامل حاسم واحد: السيطرة على البنية التحتية التصديرية والمنافذ البحرية. إن احتفاظ القوات المسلحة بالسيطرة على بورتسودان، الميناء الرئيسي والمنفذ البحري الوحيد للبلاد، مكّن المنتجين والتجار في الشرق والشمال من مواصلة عمليات التصدير، بينما وجد منتجو الغرب أنفسهم معزولين تماماً عن الأسواق العالمية بسبب انقطاع الطرق الاستراتيجية وصعوبة الوصول إلى الميناء. يطرح هذا التحليل استنتاجاً مهماً في اقتصاديات الحرب: إن تأثير الصراعات الداخلية على التجارة ليس مرتبطاً فقط بتدمير الإنتاج، بل محكوم جغرافياً بالقدرة على الوصول إلى البنية التحتية الاستراتيجية.
ولتكتمل صورة هذا الانهيار العظيم، يأخذنا الفصل السابع إلى قراءة المشهد من منظور الاقتصاد الكلي باستخدام نماذج التوازن العام القابل للحساب. تتوقع المؤسسات المالية الدولية، ويدعمها تحليل الكتاب، انكماشات قاسية في الناتج المحلي الإجمالي للسودان. تشير تقديرات صندوق النقد الدولي، التي أدمجها الباحثون في نمذجتهم، إلى انكماش بنسبة 18.3% في عام 2023، يليه انكماش أعمق بنسبة 20% في عام 2024، مع توقع استمرار التراجع بنسبة 10% في عام 2025 إذا استمرت الحرب . هذا الانكماش الحاد لا يمثل مجرد خسارة في الأرقام، بل يُترجم إلى محو مباشر للثروة القومية، حيث فقد الناتج المحلي الإجمالي حوالي 30% من قيمته مقارنة بسيناريوهات ما قبل الحرب، متراجعاً من 24.6 مليار دولار في 2023 إلى مستوى مقدر بـ 17.6 مليار دولار فقط في عام 2025.
لقد ضرب الانكماش كافة قطاعات الاقتصاد بلا هوادة. انهار القطاع الزراعي بنسبة 25% في عام 2023، بينما سجل القطاع الصناعي تراجعاً بنسبة 22.2% في نفس العام بسبب التدمير الممنهج للبنية التحتية والتصنيعية . والنتيجة الحتمية لهذا النزيف الاقتصادي كانت انفجاراً في معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي. تشير نماذج الكتاب إلى أن أعداد الفقراء سترتفع بشكل حاد من 5.7 مليون شخص في 2023 لتتجاوز حاجز الـ 11.2 مليون شخص بحلول عام 2030 إذا لم يتم التدخل الفوري، مع تركز النسبة الأكبر من هؤلاء الفقراء الجدد في المناطق الريفية التي فقدت مقومات بقائها .
بهذا الرصد الدقيق، يضع الكتاب القارئ أمام حقيقة أن الحرب في السودان لم تكن مجرد اقتتال عسكري، بل كانت عملية تفكيك منهجي لشرايين الحياة الاقتصادية؛ من أسواق المحاصيل في القضارف، إلى مصانع الخرطوم المدمرة، وصولاً إلى موانئ التصدير المعزولة عن قلب البلاد الجريح.
الثمن البشري، انهيار رأس المال الإنساني، ومسارات النهضة الممكنة
بعيداً عن جفاف الأرقام الكلية وانكماش الناتج المحلي، يتجلى الوجه الأقسى لحرب السودان في الموائد الخاوية، والمدارس المهجورة، والمستشفيات المنهارة. في هذا الجزء من قراءتنا لكتاب “الحرب والمرونة”، نغوص في التفاصيل اليومية للمعاناة، حيث يتحول البقاء على قيد الحياة إلى معركة يومية، ونستشرف مع الباحثين المسارات المعقدة التي قد تقود البلاد من حافة الهاوية إلى فجر التعافي.
لقد كشف التحليل الميداني العميق لبيانات استهلاك الغذاء، الذي استندت إليه فصول الكتاب، عن تدهور مروع في نوعية وكمية الغذاء المتاح للأسرة السودانية. بحلول أوائل عام 2024، كان واحد من كل ثلاثة أسر سودانية يعاني من عدم كفاية الاستهلاك الغذائي، وهو ما يمثل زيادة دراماتيكية بلغت إحدى عشرة نقطة مئوية مقارنة بعام 2023. لم يكن هذا الجوع يضرب بخبط عشواء، بل كان يتركز بضراوة في الولايات التي مزقها الصراع؛ حيث سجلت ولاية غرب دارفور أعلى معدل للأسر التي تعاني من سوء الاستهلاك الغذائي بنسبة تجاوزت الخمسين بالمائة، تلتها جنوب كردفان ووسط دارفور.
وما يزيد المشهد قتامة هو الطابع الجندري لهذا الحرمان. فالحرب تضرب النساء بقسوة مضاعفة. تشير البيانات إلى أن الأسر التي تعيلها نساء تعاني من مستويات أسوأ بكثير من انعدام الأمن الغذائي، حيث بلغت نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي في هذه الأسر قرابة الثمانية والأربعين بالمائة، مقارنة بثلاثين بالمائة للأسر التي يعيلها رجال. وعلاوة على ذلك، فشلت الأغلبية الساحقة من النساء في سن الإنجاب (حوالي أربعة وثمانين بالمائة) في تلبية الحد الأدنى من التنوع الغذائي المقبول في عام 2024، مع تراجع حاد في استهلاك الأطعمة الغنية بالمغذيات الدقيقة، حيث أبلغت سبعة وثلاثون بالمائة من الأسر عن عدم استهلاكها للأطعمة الغنية بالحديد على الإطلاق. هذا النقص الحاد ينعكس مباشرة على الأجيال القادمة، إذ تجاوزت معدلات سوء التغذية الحاد الشامل بين الأطفال دون سن الخامسة عتبة الطوارئ التي حددتها منظمة الصحة العالمية، لتبلغ تسعة عشر بالمائة.
أمام هذا العصف الاقتصادي والغذائي، لم يقف السودانيون مكتوفي الأيدي، بل ابتدعوا استراتيجيات بقاء قاسية. يرصد الكتاب كيف تحولت الأسر الحضرية والريفية على حد سواء إلى آليات تكيف مؤلمة، مثل تقليل عدد الوجبات، وتخفيض حجم الحصص، والتحول إلى أطعمة أرخص وأقل جودة، بل وإعطاء الأولوية لإطعام الأطفال على حساب البالغين. ولجأت العديد من الأسر إلى بيع الأصول الإنتاجية والمنزلية لتوفير السيولة النقدية، وهو ما يمثل “تكيفاً تآكلياً” يدمر القدرة المستقبلية على التعافي. في المقابل، برزت التحويلات المالية من الخارج كطوق نجاة حيوي، حيث قفزت نسبة الأسر الحضرية التي تتلقى هذه التحويلات من ثلاثة بالمائة قبل الحرب إلى أكثر من أربعة عشر بالمائة خلالها، لتشكل شبكة أمان بديلة في ظل غياب شبه تام للدعم الحكومي وضعف التدخلات الإنسانية الرسمية.
وفي مفارقة لافتة تستحق التوقف، يطرح الكتاب سؤالاً حول كيفية إيصال المساعدات الإنسانية في ظل هذا الخراب. رغم هشاشة البنية التحتية للاتصالات، أظهرت المسوح أن سبعة وخمسين بالمائة من الأسر الحضرية تفضل تلقي المساعدات في شكل تحويلات نقدية رقمية (عبر التطبيقات البنكية أو تحويلات رصيد الهواتف)، مقارنة بالنقود المادية أو المساعدات العينية. يفسر الباحثون هذا التفضيل المثير للاهتمام بأنه استجابة عقلانية لبيئة الصراع؛ فالنقود الرقمية توفر حماية من مخاطر النهب والسطو المسلح التي تتعرض لها المساعدات العينية والنقود السائلة، وتمنح الأسر مرونة في اتخاذ قرارات الشراء بعيداً عن ضغوط الابتزاز، رغم التكاليف المرتبطة بصرف هذه الأموال الرقمية.
وإذا كان الجوع ينهش الأجساد، فإن الحرب تفتك بعقول ومستقبل الأمة السودانية من خلال التدمير الممنهج لرأس المال البشري المتمثل في قطاعي الصحة والتعليم. يشير الكتاب بوضوح إلى أن هذه القطاعات كانت هشة بالفعل قبل الصراع، لكن الحرب دفعتها نحو الانهيار الشامل. ففي القطاع الصحي، تعرضت حوالي سبعين بالمائة من المرافق الصحية في مناطق النزاع للدمار أو الإغلاق القسري، مما ترك أحد عشر مليون شخص في حاجة ماسة للمساعدة الطبية . وقد وثقت المنظمات الدولية مقتل العشرات من الكوادر الطبية وتعرض المستشفيات للاحتلال والنهب، مما سرّع من وتيرة “هجرة الأدمغة” الطبية إلى دول الخليج وغيرها، تاركين وراءهم نظاماً صحياً عاجزاً عن مواجهة تفشي أوبئة مثل الكوليرا وحمى الضنك، ناهيك عن تلبية الاحتياجات الأساسية لرعاية الأمهات والأطفال .
أما الكارثة الكبرى فتتجلى في قطاع التعليم، حيث أغلقت أكثر من عشرة آلاف مدرسة أبوابها، تاركة تسعة عشر مليون طفل سوداني خارج أسوار المدارس، ليسجل السودان بذلك أسوأ أزمة تعليمية في العالم. لقد تحولت آلاف المدارس إلى ملاجئ للنازحين، في حين توقفت رواتب المعلمين تماماً. وتُظهر مسوح الكتاب أن معدلات التسرب المدرسي الكامل تجاوزت الثمانين بالمائة في ولايات مثل الخرطوم ودارفور. هذا التوقف الطويل عن التعليم لا يعني فقط فقدان المعرفة، بل يحمل تداعيات جندرية مرعبة، حيث يرتفع خطر الاستغلال الجنسي وزواج القاصرات للفتيات المتسربات من التعليم، مما يهدد بخلق “جيل ضائع” لن يكون قادراً على قيادة قاطرة التعافي في المستقبل.
ورغم هذه اللوحة الموغلة في القتامة، لا يتركنا صناع هذا الكتاب في نفق اليأس، بل يفردون الجزء الأخير لرسم معالم “الطريق إلى الأمام”. يجادل الباحثون بأن إنهاء الحرب وبناء سلام دائم لا يمكن أن يتحقق عبر اتفاقيات اقتسام السلطة المعتادة بين أمراء الحرب (أو ما يُعرف بالسلام السلبي)، والتي أثبتت فشلها الذريع في السودان تاريخياً . بدلاً من ذلك، يدعو الكتاب إلى “سلام تشاركي” شامل يضم القوى المدنية والمجتمعية، مدعوماً بتدخل دولي وإقليمي حاسم. ويقترح الباحثون ضرورة وجود قوة حفظ سلام دولية-إقليمية هجينة وذات تفويض قوي، ليس فقط لحفظ الأمن، بل لتأمين مسارات التنمية وتأمين البنية التحتية الاستراتيجية التي تمهد الطريق للتعافي.
إن حجر الزاوية في خطة النهضة السودانية، كما يطرحها الكتاب، يتمثل في استراتيجية “النمو التحويلي بقيادة الزراعة”. يرى الباحثون أن قطاع الزراعة هو المغناطيس الأكبر القادر على جذب الاستثمارات، وأن السودان يمتلك مقومات هائلة ليصبح سلة غذاء إقليمية وعالمية، شريطة ربط هذا القطاع بالتصنيع. ولتحقيق هذه القفزة، يقترح الكتاب نموذجاً تنموياً طموحاً يعتمد على إنشاء أربعة عشر “ممر نمو زراعي صناعي” موزعة جغرافياً في جميع أنحاء السودان، من مروي ودنقلا شمالاً، إلى الجنينة وزالنجي غرباً، ومن بورتسودان شرقاً إلى النيل الأبيض جنوباً. تهدف هذه الممرات إلى دمج الميزات النسبية لكل منطقة مع البنية التحتية والصناعات التحويلية، مما يضمن نمواً متوازناً يحد من التهميش التنموي الذي كان أحد جذور الصراع.
ولكن، لكي يتحول هذا الحلم إلى حقيقة، يقدر الكتاب أن السودان سيحتاج إلى استثمارات هائلة تصل إلى مائة وستة وثمانين مليار دولار خلال العقد الأول من مرحلة ما بعد الصراع لتحقيق نمو اقتصادي متسارع (بمعدل عشرة بالمائة سنوياً). ويتطلب هذا جهداً دولياً كبيراً لإعفاء السودان من ديونه المتراكمة، ومساعدته في استرداد الأصول المنهوبة، ودعم التحول الديمقراطي الذي يخلق بيئة مواتية لبروز تحالفات سياسية تؤمن بالتنمية وتستمد شرعيتها من الإنجاز الاقتصادي بدلاً من توزيع الريع العسكري والفساد.
غرف الطوارئ” والتحويلات الرقمية.. ملامح الصمود الشعبي في قلب الفوضى
بينما كانت المؤسسات الرسمية للدولة السودانية تتهاوى كبيوت من ورق تحت وطأة الصراع، كانت هناك شبكات أخرى، غير مرئية للمخططين التقليديين ولكنها متجذرة في الوجدان السوداني، تبني خطوط دفاعها الخاصة. ينتقل بنا كتاب “الحرب والمرونة” في فصوله المتقدمة من تحليل “الاقتصاد الكلي” إلى سبر أغوار “اقتصاد الصمود”، حيث لم يعد البقاء مرهوناً بقرارات البنك المركزي أو وزارة المالية، بل بقدرة المجتمعات المحلية على ابتكار حلول من رحم العدم.
يبرز الكتاب دور “غرف الطوارئ” (Emergency Response Rooms) واللجان القاعدية كظاهرة فريدة في سياق الحروب المعاصرة. هذه الكيانات، التي ولدت من رحم لجان المقاومة والعمل الطوعي، تحولت إلى “حكومات ظل” خدمية في الأحياء المحاصرة. يشير التحليل إلى أن هذه الغرف لم تكن مجرد وسيط لتوزيع المساعدات، بل كانت العصب الحيوي الذي أدار المطابخ الجماعية (التكايا)، ونظّم عمليات الإخلاء الطبي، وحافظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي في مناطق انقطعت عنها كافة سبل العمالة والإنتاج. إن قوة هذه الشبكات استمدت فاعليتها من “رأس المال الاجتماعي” العالي للسودانيين، حيث تم استدعاء قيم “النفير” التقليدية وإلباسها ثوباً تنظيمياً حديثاً يتناسب مع تحديات الحرب الحضرية.
وفي موازاة هذا الصمود الميداني، يرصد الكتاب تحولاً ثورياً في “البنية التحتية المالية للصمود”. فعندما تعرضت المصارف للنهب الممنهج في الخرطوم، وتوقفت المقاصة الورقية، وبرزت أزمة سيولة نقدية طاحنة، لم يتوقف الاقتصاد تماماً بل “رَقمَن” نفسه بسرعة مذهلة. يسلط الباحثون الضوء على الدور المحوري للتطبيقات البنكية (مثل “بنكك” و”فوري”) التي تحولت من مجرد أدوات مصرفية إلى “عملة وطنية بديلة”. لقد سمحت هذه المنصات الرقمية باستمرار تدفق الأموال من المغتربين مباشرة إلى أسرهم، ومكنت التجار من إجراء المعاملات في الأسواق المحلية دون الحاجة لنقل مبالغ نقدية ضخمة عبر نقاط التفتيش الخطرة. هذا “الهروب الرقمي” للأمام يمثل إحدى أهم ملامح المرونة التي وثقها الكتاب، مؤكداً أن التقنية عندما تندمج مع الحاجة الملحة، تخلق مسارات بقاء تتجاوز فشل الدولة المؤسسي.
لكن هذا الصمود الرقمي والاجتماعي يواجه تحديات هيكلية يشرّحها الكتاب بعمق، خاصة فيما يتعلق بـ “سلاسل القيمة للمحاصيل النقدية”. فبينما نجحت التحويلات الرقمية في توفير السيولة، ظلت “اللوجستيات الفيزيائية” تمثل العائق الأكبر. يخصص الكتاب حيزاً واسعاً لتحليل أزمة النقل؛ حيث ارتفعت تكلفة نقل المحاصيل من مناطق الإنتاج في كردفان والقضارف إلى الموانئ أو مراكز الاستهلاك بنسب فلكية. لم يكن السبب فقط هو ارتفاع أسعار الوقود، بل “اقتصاد الإتاوات” الذي فرضه المسلحون على طول الطرق السريعة. يصف الكتاب كيف تحولت الطرق القومية إلى “نقاط جباية” غير رسمية، مما أدى إلى تآكل أرباح المزارعين ورفع الأسعار نهائياً على المستهلك الجائع في المدن. هذا التوصيف الدقيق يوضح كيف أن الحرب لا تدمر الإنتاج فقط، بل “تسمم” شرايين التوزيع، مما يجعل الغذاء موجوداً في المخازن ومفقوداً في الموائد.
علاوة على ذلك، يتطرق الكتاب إلى قضية “الأمن المائي والبيئي” كعنصر مغيب في سرديات الحرب المعتادة. يشير الباحثون إلى أن تدمير محطات الكهرباء وتعطل سلاسل توريد قطع الغيار أدى إلى توقف آلاف الطلمبات في المشاريع المروية. هذا الانهيار في منظومة الري لا يهدد المحاصيل الحالية فحسب، بل يهدد “التربة” نفسها عبر زيادة التملح وإهمال الصيانة الدورية للقنوات والمصارف، مما يعني أن العودة للإنتاج بعد الحرب لن تكون بضغطة زر، بل ستتطلب إعادة تأهيل شاملة للبنية التحتية الهيدروليكية التي استغرق بناؤها عقوداً.
وفي سياق البحث عن “مسارات التعافي”، يطرح الكتاب رؤية نقدية للمساعدات الدولية. يجادل الباحثون بأن نموذج “الإغاثة الطارئة” الكلاسيكي (توزيع الكراتين الغذائية) لم يعد كافياً في حالة السودان المعقدة. وبدلاً من ذلك، يدعو الكتاب إلى “الاستثمار في الصمود” (Investing in Resilience) عبر دعم الأسواق المحلية بدلاً من تجاوزها. يقترح الكتاب أن تقوم المنظمات الدولية بشراء المحاصيل من المزارعين السودانيين المحليين (الذين لديهم فائض في مناطق معينة ولا يستطيعون نقله) وتوزيعها في المناطق المتضررة، مما يضرب عصفورين بحجر واحد: دعم دخل المنتج المحلي، وتوفير الغذاء للمحتاج بأسعار أقل تكلفة من الاستيراد العابر للحدود.
إن هذه المقاربة “السوقية” للإغاثة تتماشى مع النتائج التي توصل إليها الكتاب حول مرونة القطاع الخاص الصغير والمتوسط. فرغم الدمار الذي طال المصانع الكبرى في الخرطوم، إلا أن الورش الصغيرة والمطاحن المحلية في الولايات أظهرت قدرة عجيبة على التكيف. يرى الكتاب أن هذه الكيانات الصغيرة هي التي ستشكل نواة “النمو التحويلي” في المستقبل، شريطة أن تجد الحماية القانونية والتمويل الميسر، بعيداً عن تغول المؤسسات العسكرية والشركات الاحتكارية التي كانت تهيمن على المشهد قبل الحرب.
بهذا المعنى، يصبح “التعافي” في رؤية الكتاب ليس مجرد عودة لما قبل 15 أبريل 2023، بل هو “إعادة بناء مختلفة تماماً”. إنها عملية تتطلب فك الارتباط التاريخي بين السلاح والثروة، وتمكين “اقتصاد الناس” الذي أثبت فاعليته في أحلك الظروف، مقابل “اقتصاد النخبة” الذي قاد البلاد إلى الانتحار الجماعي.
الجغرافيا السياسية للغذاء وسيناريوهات المستقبل.. هل ينبعث السودان من الرماد؟
لا يمكن قراءة أزمة السودان بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي، وهذا ما يدركه مؤلفو كتاب “الحرب والمرونة” جيداً حين يخصصون الفصول الختامية لتحليل “الجغرافيا السياسية للغذاء”. فالسودان ليس مجرد دولة تعاني حرباً أهلية، بل هو حجر زاوية في الأمن الغذائي لمنطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا. إن استقرار السودان يعني تدفق اللحوم والحبوب والبذور الزيتية إلى الأسواق العالمية والإقليمية، بينما يعني انهياره تصدير عدم الاستقرار، وموجات النزوح، وتهديداً مباشراً لسلاسل إمداد الغذاء العابرة للحدود.
ينتقل بنا الكتاب إلى لغة النمذجة الاقتصادية الاستشرافية ليرسم ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل السودان حتى عام 2030، وهي مسارات لا تخاطب العاطفة بل تستند إلى معادلات التوازن العام القابل للحساب (CGE). المسار الأول، وهو الأكثر قتامة، يفترض استمرار “اللا-سلم” الحالي، حيث تظل البلاد مقسمة بين قوى عسكرية متصارعة. في هذا السيناريو، يتوقع الكتاب استمرار نزيف الناتج المحلي الإجمالي، وتوسع رقعة الفقر لتشمل أكثر من ثلثي السكان، مع تحول السودان إلى “دولة فاشلة وظيفياً” تعيش على الهبات الإنسانية المتقطعة، مما يؤدي إلى تآكل نهائي لما تبقى من بنية تحتية زراعية وصناعية.
أما المسار الثاني، فهو ما يسميه الكتاب “السلام السلبي” أو “اتفاقيات تقاسم السلطة النخبوية”. ورغم أن هذا المسار قد يوقف أزيز الرصاص، إلا أن النمذجة الاقتصادية تكشف عن قصوره. فالاتفاقيات التي تقوم على توزيع الغنائم والموارد بين القادة العسكريين دون إصلاح هيكلي ستؤدي إلى نمو هش وبطيء، ولن تفلح في جذب الاستثمارات الدولية الكبرى اللازمة لإعادة الإعمار. يرى المؤلفون أن هذا النوع من السلام يبقي على “اقتصاد الريع” الذي كان وقوداً للحرب، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى دورة عنف جديدة بمجرد اختلاف الشركاء على توزيع الكعكة الاقتصادية.
وهنا يطرح الكتاب المسار الثالث والوحيد القادر على إنقاذ الأمة السودانية: “السلام الشامل والنمو التحويلي”. هذا المسار يتطلب استثماراً جريئاً في “ممرات النمو الزراعي الصناعي” الأربعة عشر التي تمثل العمود الفقري لرؤية الكتاب للتعافي. هذه الممرات ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي استراتيجية متكاملة لربط مناطق الإنتاج الكثيف (مثل القضارف والجزيرة والنيل الأزرق) بمراكز التصنيع والموانئ. إن نجاح هذا النموذج يعتمد على “توطين القيمة المضافة”؛ فبدلاً من تصدير السمسم والقطن والماشية كمواد خام، يقترح الكتاب بناء صناعات تحويلية (زيوت، منسوجات، تعليب لحوم) داخل هذه الممرات، مما يخلق ملايين فرص العمل للشباب والنازحين العائدين، ويقلل من التفاوت التنموي التاريخي بين المركز والأطراف.
ولكن، لكي تتحرك قاطرة هذا النمو، يضع الكتاب المجتمع الدولي أمام مسؤوليته التاريخية. إن رقم “186 مليار دولار” الذي يطرحه الكتاب كحاجة استثمارية للعقد القادم قد يبدو فلكياً، لكنه يصبح منطقياً عند مقارنته بتكلفة استمرار الحرب أو كلفة التدخلات الإنسانية التي لا تنتهي. يشدد الكتاب على أن “مفتاح الحل المالي” يبدأ بإعفاء السودان من ديونه الخارجية التي تجاوزت 60 مليار دولار عبر آلية “هيبك” (HIPC)، وتوفير ضمانات سيادية للاستثمارات الخاصة في قطاعي الطاقة والاتصالات، وتوجيه الدعم الفني لإعادة بناء البنك المركزي والمؤسسات الإحصائية التي دمرتها الحرب.
وفي سياق متصل، يبرز الكتاب “الدور الإقليمي” كعنصر حاسم. فالسودان يحتاج إلى تكامل اقتصادي مع جيرانه، خاصة في مجالات الربط الكهربائي وتجارة الحبوب. إن استعادة دور السودان كمنتج للغذاء بدلاً من مستهلك للمعونات يتطلب تنسيقاً مع دول الجوار لفتح الممرات التجارية وتسهيل حركة العمالة والسلع، مما يحول السودان من “نقطة ضعف” في الأمن الإقليمي إلى “شريك استراتيجي” في استقرار القارة.
يختتم الكتاب فصوله برسالة قوية: “المرونة ليست مجرد بقاء على قيد الحياة، بل هي القدرة على التحول”. إن الشعب السوداني الذي أظهر صموداً أسطورياً عبر غرف الطوارئ والتحويلات الرقمية وشبكات التكافل الاجتماعي، يستحق نظاماً سياسياً واقتصادياً يوازي هذا الصمود. يخلص المؤلفون إلى أن الحرب الحالية، رغم مأساويتها، تمثل “فرصة قاسية” لقطيعة نهائية مع نظام المحسوبية العسكرية، وبناء عقد اجتماعي جديد يضع “الزراعة والتنمية الريفية” في قلب هوية الدولة السودانية الجديدة.
War and Resilience: The Multifaceted Impacts of Sudan’s Conflict and Pathways to Recovery)




