أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

إثيوبيا والعالم: تفكيك أسطورة العزلة وقراءة في عولمة العصور الوسطى

لطالما هيمنت على الدراسات التاريخية الغربية سردية تقليدية قاصرة تصور “إثيوبيا” كجزيرة مسيحية معزولة، ومستودع للنصوص اليهودية والمسيحية القديمة التي فُقدت في الغرب. هذه السردية، التي رسخها فقه اللغة وعلماء الدين منذ القرن السابع عشر ، رسمت صورة لكيان منقطع عن التطورات العالمية، تحده الصحاري والمسافات الشاسعة. إلا أن كتاب “إثيوبيا والعالم، 330-1500 ميلادية” للباحثين يوناثان بنيام وفيرينا كريبس ، يأتي كحجر زاوية في مشروع طموح لإعادة كتابة هذا التاريخ، مفككاً تلك الأسطورة عبر تقديم قراءة تاريخية متدفقة تضع المرتفعات الإثيوبية والإريترية في قلب الديناميكيات العالمية للعصور الوسطى وما عُرف بـ “أفرو-أوراسيا”.

يتجاوز هذا العمل الفذ التحيزات التاريخية التي لطالما فضلت المصادر المكتوبة والممالك المسيحية الموثقة جيداً على حساب الممالك الإسلامية أو الوثنية التي شاركتها الجغرافيا ذاتها. ومن خلال تبني نهج عالمي متداخل التخصصات لقراءة العصور الوسطى، يطرح الباحثان رؤية تتساوى فيها الثقافة المادية والأثرية مع النصوص المكتوبة، لبناء فسيفساء متكاملة ترصد التفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يبدأ هذا السرد الطموح بتتبع جذور إمبراطورية أكسوم في العصور القديمة، وكيف برزت كقوة اقتصادية وسياسية كبرى على المسرح العالمي.

في مقاربة الكتاب لجذور أكسوم، تكشف الفصول الأولى كيف استُخدم مصطلح “إثيوبيا” في حد ذاته كأداة سياسية واستراتيجية بامتياز. ففي القرن الرابع الميلادي، تبنى ملوك أكسوم هذا المسمى اليوناني العريق لتقديم أنفسهم للعالم الناطق باليونانية كقوة حاكمة ذات ثقل، معلنين دخولهم في عصر جديد من التطور يهدف إلى توحيد الأراضي الشاسعة في القرن الإفريقي وجنوب شبه الجزيرة العربية. إن هذا الوعي المبكر بأهمية الخطاب الدبلوماسي تجلى بوضوح في نقوش الانتصار التي كُتبت بلغات ونصوص متعددة، لضمان وصول الرسالة السياسية إلى الجماهير المحلية والأجنبية على حد سواء بقوة ووضوح.

لم تكن قوة أكسوم وليدة الصدفة، بل استندت إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي ربط بين وادي النيل والبحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية. وتكشف المصادر التاريخية القديمة، مثل وثيقة “الطواف حول البحر الإريتري” التي يُرجح أن كتابتها تعود لمنتصف القرن الأول الميلادي ، عن حيوية ميناء أدوليس الذي شكل الشريان التجاري الرئيسي لأكسوم. لقد كان هذا الميناء بمثابة بوابة نشطة لتبادل سلع محلية ثمينة كالعاج وحجر السج مقابل بضائع أجنبية متنوعة شملت المنسوجات، والأواني الزجاجية، والمعادن، والخمور، وزيت الزيتون الواردة من إيطاليا واليونان ومصر والجزيرة العربية والهند. وتعكس هذه الحركة التجارية مجتمعاً أكسومياً متصلاً بشبكة معقدة من التبادل العالمي، حيث أتاح ميناء أدوليس – الذي صُنف في الوثائق كميناء قانوني ذي تجارة منظمة الوصول إلى الأسواق العالمية لتلبية احتياجات الطبقات الثرية وتلك ذات الدخل المحدود جنباً إلى جنب.

مع تنامي وتيرة قوتها الاقتصادية، بدأت أكسوم في توسيع رقعتها الجغرافية والسياسية بجرأة ملحوظة. وتشير السجلات النقشية إلى أن التوسعات الأكسومية نحو جنوب شبه الجزيرة العربية بدأت مبكراً في أواخر القرن الثاني أو أوائل القرن الثالث الميلادي. في تلك الفترة التاريخية، تفاخر أحد ملوك أكسوم المجهولين في نقش تذكاري نُصب في مدينة أدوليس بإخضاعه لشعوب امتدت من حدود مصر شمالاً إلى أراضي السبئيين في شبه الجزيرة العربية شرقاً عبر البحر الأحمر. هذا التوسع العسكري لم يكن مجرد استعراض عابر للقوة، بل كان مدفوعاً بضرورات اقتصادية ملحة للسيطرة على طرق التجارة الحيوية، وضمان تدفق الثروات عبر البحر الأحمر ووادي النيل.

ومن أبرز التحولات المحورية التي يعالجها الكتاب بعمق في جزئه الأول، التحول الديني الدرامي الذي شهدته أكسوم في القرن الرابع الميلادي تحت حكم الملك عيزانا، وهو التحول الذي يستحيل فصله عن الديناميكيات السياسية العالمية في ذلك العصر. لقد أظهر عيزانا براعة استثنائية في توظيف الدين كأداة لسيادة الدولة وتوطيد أركان حكمه. قبل اعتناقه المسيحية، استخدم عيزانا النقوش ثنائية اللغة لتعزيز شرعيته العسكرية، مقدماً نفسه ببراعة كابن للإله الذي لا يُقهر، مستخدماً اسم “محرَم” لمخاطبة الجمهور المحلي، واسم “آريس” لاستمالة الجمهور الأجنبي الناطق باليونانية. كان هذا النهج يهدف بالأساس إلى توحيد القبائل العسكرية المختلفة ذات التقاليد الدينية المتباينة تحت مظلة سلطة مركزية واحدة، متجاوزاً بذلك الخلافات المحلية.

ومع ذلك، فإن التحول نحو المسيحية، الذي توثقه نقوشه وعملاته المتأخرة، مثّل نقلة نوعية وجذرية في استراتيجية أكسوم الدبلوماسية والسياسية. لقد أدرك عيزانا بذكاء سياسي حاد أن تبني الديانة المسيحية سيوفر لأكسوم لغة دينية مشتركة تعزز تحالفاتها الدولية وتوطد أواصرها السياسية. وفي خطوة تاريخية غير مسبوقة، استبدل عيزانا رموز الهلال والقرص الوثنية على العملات المعدنية برمز الصليب، ليكون بذلك على الأرجح أول حاكم في العالم يسك عملات معدنية تحمل هذا الرمز المسيحي. هذا الاستخدام الاستراتيجي والذكي للرموز الدينية لم يكن يوماً مجرد تعبير عن إيمان روحي شخصي، بل كان خطاباً سياسياً مكثفاً وموجهاً للرومان يؤكد فيه على قوة التحالف والمشاركة الفعلية في هوية دينية وعالمية صاعدة ومؤثرة.

يقدم بنيام وكريبس من خلال هذه الفصول التأسيسية صورة معقدة وثرية لإمبراطورية كانت تتنفس من رئة العالم القديم، وتتفاعل بمرونة وذكاء مع قواه الكبرى. إن أكسوم، كما تتجلى في صفحات هذا الكتاب، ليست تلك الزاوية القصية والمعزولة من القارة الإفريقية، بل هي لاعب دولي رئيسي ساهم بقوة في رسم الخرائط السياسية والدينية والاقتصادية للعصور القديمة المتأخرة.

مع دخول القرن السادس الميلادي، بلغت إمبراطورية أكسوم ذروة نفوذها الجيوسياسي، متجاوزة حدود القارة الإفريقية لتلعب دور “الشرطي الإقليمي” في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتنافساً. يسلط الكتاب الضوء على عهد الملك كالب، الذي يمثل نقطة تحول في التاريخ الدبلوماسي لأكسوم؛ فخلال تلك الفترة، لم تكن المملكة مجرد شريك تجاري لبيزنطة، بل كانت قوة عسكرية قادرة على شن حملات عابرة للبحار. إن التدخل الأكسومي في جنوب شبه الجزيرة العربية (اليمن حالياً) لإسقاط مملكة حمير لم يكن مجرد استجابة لاستغاثة دينية لمسيحيي نجران، كما تروج بعض السرديات الدينية، بل كان حركة استراتيجية كبرى تهدف إلى تأمين طرق التجارة الدولية وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة مع الإمبراطورية البيزنطية في مواجهة النفوذ الساساني الفارسي.

هذا الحضور الطاغي في جنوب الجزيرة العربية جعل من ملوك أكسوم لاعبين أساسيين في الصراع الدولي بين العمالقة، حيث كان يُنظر إليهم في القسطنطينية كحلفاء استراتيجيين لا غنى عنهم. ومع ذلك، يوضح المؤلفان أن هذا “العصر الذهبي” العسكري لم يكن بلا ثمن؛ فقد أدى الاستنزاف الناتج عن هذه الحروب البعيدة، إلى جانب التغيرات البيئية وتحولات طرق التجارة العالمية، إلى تراجع تدريجي لمركزية أكسوم كمدينة وعاصمة، لكنه لم يؤدِ أبداً إلى انهيار الدولة كما صوّرتها نظريات “الانهيار المفاجئ” التقليدية. وبدلاً من ذلك، نجد أنفسنا أمام عملية معقدة من “الانتقال والتحول”، حيث بدأ مركز الثقل السياسي والديني يزحف تدريجياً نحو الجنوب، باتجاه المرتفعات الأكثر وعورة والأكثر أمناً.

في هذا السياق، يفكك الكتاب أسطورة “العصور المظلمة” التي يُزعم أنها سادت بين سقوط أكسوم وظهور السلالة “الزاغوية” في القرن الثاني عشر. يجادل بنيام وكريبس بأن هذه الفترة لم تكن انقطاعاً حضارياً، بل كانت مرحلة إعادة تشكل وتوطين للمؤسسات الأكسومية في بيئات جديدة. ومع بروز سلالة “زاغوي”، وتحديداً في عهد الملك المشهور لاليبيلا، شهدت إثيوبيا نهضة معمارية وفكرية أذهلت العالم ولا تزال. إن بناء الكنائس المحفورة في الصخر في مدينة “روها” (التي سُميت لاحقاً لاليبيلا) لم يكن مجرد إنجاز هندسي، بل كان مشروعاً سياسياً ودينياً يهدف إلى خلق “قدس بديلة” في المرتفعات الإثيوبية، رداً على سقوط القدس التاريخية في يد صلاح الدين الأيوبي عام 1187.

هذا التوجه نحو “تمثيل القدس” في الداخل لم يقطع صلات إثيوبيا بالخارج، بل زاد من كثافة رحلات الحج والبعثات الدبلوماسية. فقد استمر التواصل مع البطريركية القبطية في الإسكندرية، وظل الحجاج الإثيوبيون جزءاً لا يتجزأ من المشهد المتعدد الثقافات في بيت المقدس. ويشير الكتاب ببراعة إلى أن هذه الفترة شهدت أيضاً تزايداً في وجود المجتمعات الإسلامية داخل القرن الإفريقي، حيث نشأت ممالك وإمارات إسلامية (مثل سلطنة عفت) التي ارتبطت بشبكات تجارية واسعة تمتد من سواحل البحر الأحمر إلى عمق المحيط الهندي. لم تكن العلاقة بين الممالك المسيحية وهذه الإمارات مجرد صراع دائم، بل كانت قائمة على توازن دقيق وتداخل اقتصادي يجعل من فكرة “العزلة الدينية” مجرد وهم تاريخي.

ومع حلول عام 1270، برزت السلالة السليمانية مع الملك “يكونو أملوك”، لتبدأ مرحلة جديدة من التوسع الإمبراطوري والتدوين الأيديولوجي. وفي هذه الفترة، تم تجميع وتطوير ملحمة “كبرا ناغاشت” (مجد الملوك)، التي ربطت السلالة الحاكمة بالملك سليمان والملكة بلقيس. هذا النص لم يكن مجرد أسطورة محلية، بل كان وثيقة قانونية ودبلوماسية موجهة للعالم، تؤكد على شرعية إثيوبيا كـ “إسرائيل الجديدة” والوارثة الحقيقية للعهد الإلهي. لقد منح هذا الرابط الأسطوري إثيوبيا مكانة فريدة في المخيال العالمي، مما مهد الطريق لقفزة دبلوماسية كبرى في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، حيث بدأت السفارات الإثيوبية تطرق أبواب القصور في أوروبا وعواصم المماليك في مصر، حاملةً معها هدايا من الذهب والعجول والمخطوطات، لتعلن للعالم أن إمبراطورية “الحبشة” ليست مجرد ذكرى غابرة من عصر أكسوم، بل هي قوة فاعلة في عصر النهضة العالمي المبكر.

في هذا المنعطف التاريخي الحاسم الذي ترصده صفحات الكتاب، لم تكن السياسة الخارجية للدولة السليمانية مجرد رد فعل على الضغوط المحيطة، بل كانت استراتيجية هجومية واعية تهدف إلى ترسيخ مكانة الإمبراطورية كقطب مسيحي عالمي لا يمكن تجاوزه. يتوقف الباحثان مطولاً عند العلاقة المعقدة والمتوترة أحياناً مع سلطنة المماليك في مصر، وهي العلاقة التي لم تكن محكومة فقط بالجغرافيا، بل بشريان الحياة الأبدي: نهر النيل. لقد أدرك الأباطرة السليمانيون مبكراً قوة “سلاح النيل” في الخطاب الدبلوماسي؛ ففي الرسائل المتبادلة مع سلاطين المماليك، كانت إثيوبيا تلوح دائماً بقدرتها المفترضة على تحويل مجرى النهر، ليس كتهديد عسكري مباشر فحسب، بل كأداة ضغط سياسي لضمان حماية المسيحيين الأقباط في مصر وتأمين مرور الحجاج والأساقفة إلى المرتفعات الإثيوبية. هذا “الابتزاز الجيوسياسي” اللطيف يعكس وعياً عميقاً بمدى ترابط المصالح الإقليمية وتداخلها في العصور الوسطى.

وبالانتقال من ضفاف النيل إلى موانئ البحر المتوسط، يفكك الكتاب واحدة من أكثر الخرافات التاريخية رسوخاً، وهي خرافة “اكتشاف” الأوروبيين لإثيوبيا. يجادل يوناثان بنيام وفيرينا كريبس بقوة بأن المبادرة الدبلوماسية في القرن الخامس عشر كانت تنبع من قلب المرتفعات الإثيوبية باتجاه القصور الأوروبية، وليس العكس. لقد أرسل الأباطرة الإثيوبيون، مثل داويت الثاني وزرع يعقوب، بعثات دبلوماسية رفيعة المستوى إلى مدن مثل البندقية وروما، وحتى إلى البلاط الأرغوني في إسبانيا. لم تكن هذه البعثات تبحث عن النجاة أو المساعدة العسكرية ضد “العدو الإسلامي” كما صورتها السرديات الاستعمارية لاحقاً، بل كانت بعثات تهدف إلى الحصول على الخبرات الفنية والمواد الفاخرة والآثار المقدسة. لقد كان الأباطرة الإثيوبيون يتصرفون كأوصياء واثقين على ثقافة دينية عريقة، يسعون لاقتناء أفضل ما أنتجه الفن المسيحي العالمي لتعزيز هيبتهم الروحية والسياسية في الداخل.

وفي هذا السياق، تبرز قصة “يوحنا الكاهن” (Prester John) كنموذج مثالي لسوء الفهم العالمي العابر للحدود. فبينما كان الأوروبيون يبحثون في إفريقيا عن ملك مسيحي أسطوري ينقذهم من الحصار، كان الأباطرة الإثيوبيون يبنون إمبراطورية حقيقية تتسم بالتعددية والتعقيد. يوضح الكتاب كيف استغل الإثيوبيون هذا المخيال الأوروبي لصالحهم، مع الحفاظ على استقلاليتهم الثقافية والسياسية. إن التفاعل مع “الغرب” لم يكن عملية تبعية، بل كان “استهلاكاً انتقائياً” للأفكار والتقنيات؛ حيث استورد الأباطرة الفنانين الإيطاليين والمخطوطات الأوروبية، لكنهم أعادوا صياغتها ودمجها في السياق الإثيوبي المحلي، مما أنتج فناً فريداً يجمع بين اللمسة البيزنطية، والتأثيرات الفلمنكية، والروح الإثيوبية الخالصة.

لا يغفل الكتاب أيضاً عن التطورات الداخلية التي واكبت هذا الانفتاح العالمي؛ حيث شهدت هذه الفترة تدويناً مكثفاً للسير الذاتية للقديسين والملوك، وبرزت حركة إصلاحية داخل الكنيسة الإثيوبية قادها الملك زرع يعقوب بنفسه، والذي سعى لتوحيد العقيدة والممارسات الدينية لتكون ركيزة لوحدة الإمبراطورية. لقد كانت الدولة السليمانية في تلك الفترة تعمل كآلة سياسية وثقافية جبارة، قادرة على استيعاب المهاجرين والحرفيين من مختلف بقاع الأرض، من الأرمن واليونانيين والمصريين، وتحويل المرتفعات الإثيوبية إلى “بوتقة عالمية” تلتقي فيها التيارات الفكرية من الشرق والغرب.

إن ما يقدمه هذا العمل هو إعادة اعتبار كبرى للدور الإفريقي في صناعة “العصور الوسطى العالمية”. فإثيوبيا، كما يصورها بنيام وكريبس، لم تكن مجرد متلقٍ سلبي للتأثيرات، بل كانت فاعلاً نشطاً يمتلك رؤية كونية وخارطة طريق دبلوماسية تمتد من سواحل المحيط الهندي إلى أعماق القارة الأوروبية. هذا المنظور الجديد يضع القارئ أمام حقيقة مذهلة: أن العولمة ليست اختراعاً حديثاً، بل كانت واقعاً معاشاً في ممرات القصور الإثيوبية وخيام الحجاج في القدس قبل قرون من رحلات كولومبوس وفاسكو دي غاما.

لا يمكن فهم تاريخ إثيوبيا وتفاعلها مع العالم دون الغوص في تلك الثنائية المعقدة التي ميزت منطقة القرن الإفريقي؛ ثنائية المرتفعات المسيحية والسواحل والسهول الإسلامية. يخصص يوناثان بنيام وفيرينا كريبس في هذا الكتاب مساحة معتبرة لتفكيك تلك النظرة الاختزالية التي تصور المنطقة كساحة حرب أبدية بين عقيدتين متناحرتين. بدلاً من ذلك، يكشف البحث عن شبكة من “الاعتماد المتبادل” بين مملكة الحبشة المسيحية والسلطنات الإسلامية الصاعدة مثل سلطنة “عفت” و”عدل”. فبينما كانت المرتفعات تمثل خزان الموارد والسلع الثمينة، كانت السلطنات الإسلامية هي البوابة التجارية التي لا غنى عنها للوصول إلى موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي. هذا التشابك الاقتصادي خلق نوعاً من “الواقعية السياسية” التي أجبرت الطرفين على التعايش الدائم، حيث كان التجار المسلمون يعملون كوسطاء ودبلوماسيين في البلاط الإمبراطوري، حاملين ليس فقط السلع، بل والأخبار والأفكار من مراكز الحضارة الإسلامية في القاهرة وبغداد واليمن.

إن أحد أكثر الجوانب إثارة في هذا الطرح هو رصد “العولمة الفكرية” التي جرت تحت السطح. ففي الوقت الذي كان فيه الأباطرة السليمانيون يوطدون أركان حكمهم عبر نصوص دينية وأدبية رفيعة باللغة “الجعزية”، كانت المجتمعات الإسلامية في شرق وجنوب إثيوبيا تطور مراكزها العلمية الخاصة، متصلةً بشبكة واسعة من العلماء والفقهاء الممتدة من زبيد في اليمن إلى مكة المكرمة. يوضح الكتاب أن القرن الإفريقي لم يكن مجرد طرف قصي في العالم الإسلامي، بل كان جزءاً حيوياً من “المدار الثقافي العربي-الإسلامي”، حيث كانت المصادر العربية تتدفق إلى المرتفعات لتتم ترجمتها وصهرها في القوالب الثقافية المحلية. هذا التلاقح أدى إلى ظهور طبقة من “المترجمين العابرين للثقافات” الذين أجادوا العربية والجعزية، وشكلوا جسراً معرفياً فريداً بين العالمين المسيحي والإسلامي في زمن كانت فيه أوروبا لا تزال تتلمس طريقها نحو النهضة.

وعلى الصعيد الداخلي، يتناول الكتاب تطور الأدب الجعزي كأداة لبناء الدولة وصناعة الأمة. إن إنتاج سير القديسين (Gadl) لم يكن مجرد طقس تعبدي، بل كان عملية “أرشفة سياسية” تهدف إلى خلق ذاكرة جمعية تربط بين السلطة المركزية والأطراف. ومن خلال تحليل المخطوطات والمنمنمات، يثبت المؤلفان أن الفن الإثيوبي في تلك الفترة كان في حالة حوار دائم مع الفنون العالمية. فالمخطوطات الإثيوبية، بزخارفها الهندسية المعقدة وألوانها النابضة، لم تكن تعبيراً عن عزلة فنية، بل كانت تستجيب لمؤثرات بصرية قادمة من الفن القبطي المصري، والفن السرياني، وحتى الفن الأرمني. هذا “التبادل الجمالي” يعزز الفرضية المركزية للكتاب بأن إثيوبيا كانت “ملتقى طرق” (Crossroads) بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وليست مجرد قلعة محصنة في الجبال.

كما يعالج الكتاب ببراعة مفهوم “السيادة” وكيفية ممارستها في بيئة تتسم بالتعددية الإثنية والدينية. يجادل المؤلفان بأن الأباطرة السليمانيين، رغم تمسكهم بالهوية المسيحية كركيزة للشرعية، أظهروا مرونة استثنائية في دمج النخب المحلية من مختلف الخلفيات في جهاز الدولة. فالسلطة لم تكن تمارس عبر القمع العسكري الدائم فحسب، بل عبر نظام معقد من التحالفات والمصاهرات والمنح الأرضية التي خلقت طبقة أرستقراطية عابرة للولاءات الضيقة. هذه الديناميكية الداخلية هي التي سمحت لإثيوبيا بالصمود ككيان سياسي موحد لقرون طويلة، بينما تهاوت إمبراطوريات أخرى في المنطقة تحت وطأة الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.

إن المنهجية التي يتبعها بنيام وكريبس في هذا العمل تتجاوز التأريخ التقليدي لتقدم لنا ما يمكن تسميته “التاريخ الشامل من الأسفل ومن الأعلى”. فبينما يراقبون تحركات الملوك والسفراء، لا يغفلون عن تتبع حركة السلع البسيطة، والمنسوجات، والأفكار التي كان يحملها الحجاج والرهبان والتجار. إنهم يرسمون صورة لعالم العصور الوسطى ليس ككتل جامدة متصارعة، بل كنسيج حي ومضطرب من التفاعلات التي لا تنتهي. ومن هنا، يكتسب الكتاب أهميته القصوى؛ فهو يعيد وضع إفريقيا، وتحديداً إثيوبيا، في قلب النقاش حول “العصور الوسطى العالمية”، محطماً المركزية الأوروبية التي طالما اعتبرت القارة السمراء خارج التاريخ حتى وصول الرجل الأبيض.

في الختام، لا يكتفي كتاب يوناثان بنيام وفيرينا كريبس بتقديم سرد تاريخي مغاير، بل يشن هجوماً منهجياً رصيناً على ما يسميانه “التركة الفيلولوجية” (المنهج اللغوي) التي هيمنت على الدراسات الإثيوبية لقرون. يجادل المؤلفان بأن الاعتماد المفرط على دراسة المخطوطات واللغات القديمة وحده، بمعزل عن السياق التاريخي والأثري، هو الذي خلق صورة إثيوبيا “المعزولة”. لقد كان علماء اللاهوت واللغات في أوروبا يبحثون في إثيوبيا عن “حفريات لغوية” للمسيحية المبكرة، متجاهلين أن هذه النصوص كانت جزءاً من مجتمع حي وديناميكي يتفاعل مع محيطه. ومن هنا، يبرز التميز المنهجي لهذا العمل في قدرته على دمج “الثقافة المادية” – من عملات أكسومية ومواقع أثرية وعمائر كنسية – مع النصوص المكتوبة، ليقدم لنا تاريخاً “ملموساً” يتجاوز حبر الورق.

تعد مساهمة الكتاب في سلسلة “عناصر في العصور الوسطى العالمية” (Elements in the Global Middle Ages) بمثابة إعادة رسم لخريطة العالم في تلك الحقبة. فبدلاً من أن تكون أوروبا هي المركز وإفريقيا هي الهامش، يضعنا الكتاب أمام عالم “متعدد المراكز” (Polycentric)، حيث كانت المرتفعات الإثيوبية تعمل كمختبر معرفي وسياسي لا يقل أهمية عن مراكز الحضارة في الصين أو بيزنطة أو بغداد. إن مفهوم “العصور الوسطى العالمية” الذي يتبناه المؤلفان لا يعني مجرد وجود اتصالات تجارية، بل يعني وجود وعي عالمي مشترك؛ فالحاكم الإثيوبي في القرن الرابع عشر كان يدرك تماماً موقعه في العالم، وكان يستخدم المصطلحات الديبلوماسية والرموز الدينية ببراعة ليضمن لإمبراطوريته مكاناً تحت الشمس العالمية.

وعند نقد المنهجية التي اتبعها بنيام وكريبس، نجد أنهما قد نجحا في الإفلات من فخ “القومية التاريخية”. فهما لا يسعيان لتمجيد إثيوبيا ككيان استثنائي منفصل، بل كجزء أصيل من القارة الإفريقية ومنطقة المحيط الهندي. يظهر ذلك بوضوح في تحليلهما للعلاقة مع النوبة المسيحية ومع الممالك الإسلامية في السواحل؛ حيث لم تُعامل هذه الكيانات كأعداء في صراع صفري، بل كشركاء في بناء فضاء حضاري مشترك. هذا المنظور “الأفرو-أوراسي” يحطم الجدران الوهمية التي وضعتها الدراسات الاستعمارية بين شمال إفريقيا وجنوب الصحراء، وبين إفريقيا والجزيرة العربية، ليحل محلها مفهوم “السيولة التاريخية” والتداخل الثقافي.

في المحصلة، يمثل مقالنا هذا مراجعة لعمل لا يستهدف المتخصصين في التاريخ الإفريقي فحسب، بل يوجه خطاباً لكل من يهتم بفلسفة التاريخ وكيفية بناء السرديات الكبرى. إن “إثيوبيا والعالم، 330-1500 ميلادية” هو دعوة للتخلي عن النظرة التبسيطية للتاريخ، والاعتراف بأن العالم كان دائماً أكثر ترابطاً مما نتخيل. لقد استطاع بنيام وكريبس أن يعيدا لإثيوبيا صوتها التاريخي الخاص، بعيداً عن صدى الأصوات الأوروبية التي حاولت طويلاً أن تتحدث بالنيابة عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى