أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

مستقبل السودان بين شمس لا تغيب ونيل يفيض

هل تصبح البيئة قنبلة موقوتة أم جسراً للسلام المستدام؟

قراءة في كتاب الطبيعة السودانية: تقرير حالة البيئة الأول لعام 2020.. وثيقة للانتقال والسلام

تقف تقاطعات السياسة والاقتصاد والبيئة في السودان على مفترق طرق تاريخي، وهو ما يجسده بوضوح وعمق “تقرير حالة البيئة والتوقعات الأول لعام 2020”. لا يمكن النظر إلى هذا التقرير، الذي يحمل شعار “البيئة من أجل السلام والتنمية المستدامة”، على أنه مجرد رصد علمي أو إحصائي جاف، بل هو سردية وطنية كبرى توثق تحولات الجغرافيا، وتحديات الديموغرافيا، وندوب الصراعات التي حفرت عميقاً في جسد الأرض السودانية. يأتي هذا التقرير، الذي أُعد بالتعاون بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، في لحظة مفصلية يتلمس فيها السودان خطاه ليضع صانع القرار والمواطن أمام مرآة تعكس الواقع البيئي بكل قسوته وتحدياته.

لعل المدخل الأهم لفهم هذا السفر الوثائقي هو إدراك حجم الزلزال الجيوسياسي والبيئي الذي ضرب البلاد في عام 2011. لم يكن انفصال جنوب السودان مجرد تقسيم للخرائط، بل كان بترًا إيكولوجيًا واقتصاديًا غيّر وجه الحياة في الشمال. لقد تقلصت مساحة السودان بنسبة تقارب الربع، لتستقر عند 1.88 مليون كيلومتر مربع، ليفقد بذلك مكانته كأكبر دولة إفريقية. هذا الانكماش الجغرافي كان باهظ التكلفة، إذ ابتلع ثمانية وستين بالمائة من غابات البلاد وأراضيها المشجرة، وقرابة النصف من محمياتها الطبيعية التي كانت تضج بالحياة البرية. ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل سبعة وخمسين بالمائة من الاحتياطيات النفطية، ما أدى إلى انهيار حاد في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ودفع الاقتصاد نحو منزلقات تضخمية خانقة. وفي لمحة بصر، قفزت نسبة الأراضي المصنفة على أنها قاحلة من خمسة وستين بالمائة إلى تسعين بالمائة، ليجد السودان نفسه وجهاً لوجه أمام حقيقة صحراوية قاسية.

في قلب هذه التحولات البيئية العنيفة، يرسم التقرير لوحة ديموغرافية نابضة بالقلق. فنحن أمام أمة فتية ينمو تعدادها السكاني بوتيرة متسارعة، حيث يقدر التعداد بحوالي أربعة وأربعين مليون نسمة، مع توقعات بأن يلامس عتبة السبعة والخمسين مليوناً بحلول عام 2030. هذا الانفجار السكاني، الذي يشكل فيه الشباب والأطفال الأغلبية الساحقة، يولد ضغطاً هائلاً على موارد طبيعية تتناقص باضطراد. وتتجلى إحدى أخطر صور هذا الضغط في ظاهرة التمدد الحضري العشوائي، حيث تزحف المدن، وعلى رأسها العاصمة الخرطوم، لتبتلع الأراضي وتستنزف الخدمات. إن النمو السرطاني للعاصمة ليس وليد رفاهية اقتصادية، بل هو في جوهره هجرة قسرية فرضتها موجات الجفاف والتصحر، وفاقمتها ويلات النزاعات المسلحة في أقاليم مثل دارفور وكردفان، لتستوعب الخرطوم وحدها اليوم أكثر من أربعين بالمائة من سكان الحضر في البلاد.

يتعمق التقرير في تشريح العلاقة العضوية والمأساوية بين الفقر والبيئة. ففي دولة يعيش ما يقارب نصف سكانها تحت خط الفقر، يصبح اللجوء إلى استنزاف الموارد الطبيعية مسألة بقاء لا خيار فيها. يتجلى هذا الاستنزاف في أبشع صوره من خلال الاعتماد المفرط على الكتلة الحيوية، وتحديداً حطب الوقود والفحم، لتلبية الاحتياجات المنزلية من الطاقة. يشير التقرير بوضوح تحذيري إلى أن هذا الاعتماد، الذي يوفر أكثر من نصف طاقة البلاد، يدفع الغابات نحو الفناء المبرمج، حيث من المتوقع أن يقفز الاستهلاك السنوي لحطب الوقود إلى ثلاثين مليون متر مكعب بحلول عام 2030، وهو رقم يمثل حكماً بالإعدام على ما تبقى من غطاء نباتي إن لم تتدخل سياسات حازمة لتغيير هذا المسار.

هذا الاستنزاف يترافق مع تحديات هيكلية في بنية الإدارة والحوكمة البيئية. ورغم أن السودان يتمتع بنظام حكم اتحادي يوزع السلطات بين المركز والولايات، إلا أن التقرير يكشف عن فجوات عميقة في التنسيق وضعفاً مزمناً في إنفاذ القوانين. تتشابك التشريعات الوضعية مع الأعراف والتقاليد المحلية، خاصة فيما يتعلق بملكية الأراضي ومسارات الرعي، لتخلق بيئة قانونية معقدة غالباً ما تكون بؤرة للصراعات، لا سيما بين المزارعين المستقرين والرعاة المتنقلين. لقد بات جلياً أن إصلاح الحوكمة البيئية، وتوضيح حقوق الانتفاع بالأرض، ليسا مجرد متطلبات إدارية، بل هما الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني يهدف إلى إرساء السلام المستدام.

لا تكتمل السردية البيئية للسودان دون التوقف طويلاً أمام غلافه الجوي، هذا الفضاء الرحب الذي يملي شروطه بقسوة على تفاصيل الحياة اليومية، ويشكل إيقاع الزراعة والرعي في البلاد. يضعنا التقرير أمام حقيقة مناخية صارمة؛ فالسودان يقبع عند الحافة الشمالية لحزام الضغط المنخفض المعروف باسم منطقة التقارب المداري، وهو لا يمتلك مسطحات مائية داخلية شاسعة تلطف من حدة أجوائه، بل يستمد رطوبته من رياح بحرية جنوبية تهب من محيطات بعيدة كالهندي والأطلسي. هذه الجغرافيا المناخية تخلق تبايناً حاداً يعيد تشكيل الخريطة الاجتماعية والاقتصادية، فبينما تقف المناطق الشمالية، مثل وادي حلفا، على تخوم العطش الأبدي بأمطار تكاد تكون معدومة ودرجات حرارة تلامس خمساً وأربعين درجة مئوية صيفاً، تنعم المناطق الجنوبية الشرقية مثل الدمازين بموسم مطري يمتد لثمانية أشهر وبمعدلات هطول تصل إلى 692 مليمتراً سنوياً.

بين هذين النقيضين، تتشكل حياة ملايين السودانيين الذين يرتهنون لتقلبات السماء. غير أن هذه السماء لم تعد تجود كما كانت في الماضي، فالتغير المناخي لم يعد ترفاً فكرياً يُناقش في أروقة المؤتمرات، بل بات واقعاً يومياً يطحن عظام المزارعين والرعاة. ترصد البيانات الممتدة من عام 1980 إلى 2016 ارتفاعاً مقلقاً في درجات الحرارة القصوى والدنيا في معظم محطات الرصد، وتراجعاً في معدلات هطول الأمطار وتذبذباً في أنماطها. هذا التبدل المناخي العنيف يدفع بالمناطق المناخية الزراعية نحو الزحف جنوباً، متوعداً الأراضي الشمالية بالخروج التدريجي من دائرة الصلاحية للزراعة، ويهدد بانهيار إنتاجية المحاصيل الأساسية كالذرة الرفيعة والدخن، فضلاً عن تقليص مساحات حزام الصمغ العربي الذي يمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً. ولم تتوقف تداعيات التغير المناخي عند حدود الغذاء، بل امتدت لتنذر بكوارث صحية مروعة، حيث تشير الدراسات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في مناطق مثل كردفان قد يوسع من نطاق انتشار الملاريا بشكل خطير بحلول عام 2060، ويهيئ بيئة حاضنة لأمراض أخرى كالتهاب السحايا وداء الليشمانيات.

ومن السماء إلى الأرض، يغوص التقرير في تشريح جسد اليابسة السودانية التي تبتلع الصحراء اثنين وسبعين بالمائة منها. وفي المساحات المتبقية، يمتلك السودان نظرياً نحو 68.2 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن ما يُزرع فعلياً لا يتجاوز العشرين مليون هكتار. هذه الأراضي، التي تتنوع تربتها بين الطينية الثقيلة في السهول الوسطى والتربة الرملية (القوز) الهشة في كردفان ودارفور، تتعرض لاستنزاف ممنهج. فالزراعة الآلية المطرية، التي أدخلت في أربعينيات القرن الماضي وتمتد اليوم على مساحة تزيد عن 6.7 مليون هكتار، تحولت إلى معول هدم بيئي. إن غياب الدورة الزراعية، وزراعة المحصول الواحد، واستخدام الآليات الثقيلة التي تضغط التربة، فضلاً عن القطع الجائر للأشجار، كلها عوامل جعلت من الزراعة الآلية ممارسة غير مستدامة تستنزف خصوبة الأرض وتدفع بها نحو التصحر. وتزداد الصورة قتامة حين ندرك أن مساحات شاسعة من هذه المشاريع الآلية، كما هو الحال في ولاية سنار حيث تبلغ نسبة المشاريع العشوائية غير المقننة سبعين بالمائة، تعمل خارج مظلة الرقابة والتخطيط الحكومي، مما يعمق من جراح الأرض.

ولا يقتصر النزيف الأرضي على الزراعة، بل يمتد ليشمل تعقيدات الرعي المتنقل. يضم السودان واحدة من أكبر تجمعات الرعاة التقليديين في إفريقيا، حيث يشكلون نحو ثلاثة عشر بالمائة من السكان ويمتلكون ثروة حيوانية هائلة تتجاوز 108 ملايين رأس من الإبل والضأن والماعز والأبقار. هؤلاء الرعاة، الذين يعبرون مئات الكيلومترات في مسارات تاريخية للبحث عن الكلأ والماء، يجدون أنفسهم اليوم محاصرين بين مطرقة التمدد الزراعي الآلي وسندان الجفاف وتدهور المراعي. لقد أدى إغلاق المسارات الرعوية، وتراجع المساحات المتاحة للرعي، إلى إشعال شرارة صراعات دموية مع المزارعين المستقرين، وهي صراعات تتخذ طابعاً كارثياً في أقاليم مثل دارفور وكردفان، وتزيد من تعقيد المشهد الأمني والاجتماعي.

وفي العمق من كل هذه النزاعات، يكمن الخلل الهيكلي في قوانين حيازة الأراضي. يعيش السودان حالة من الفصام القانوني بين تشريعات الدولة الوضعية، مثل قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970 وقانون المعاملات المدنية لعام 1984، التي تمنح الدولة ملكية مطلقة على الأراضي البور والغابات وتعتبر الأفراد مجرد منتفعين، وبين القوانين العرفية والتقاليد القبلية التي تمنح المجتمعات المحلية حقاً تاريخياً في إدارة أراضيها ومواردها. هذا التصادم بين سلطة الدولة وشرعية القبيلة خلق فراغاً مؤسسياً استُغل في عمليات انتزاع واسعة النطاق للأراضي. فقد شرعت الحكومة أبواب الاستثمار الزراعي لشركات أجنبية من دول إقليمية ودولية، متنازلة عن ملايين الهكتارات، في خطوات غالباً ما تتجاهل حقوق المجتمعات المحلية، مما يفرز مزيداً من التهميش والنزاعات، ويثبت أن الأرض في السودان ليست مجرد طين ورمل، بل هي مستودع للهوية والسيادة والبقاء.

وإذا كانت الأرض تعاني من الاستنزاف والتنازع، فإن المياه في السودان تعيش مفارقة الندرة في حضرة الوفرة. رغم أن نهر النيل يجري مخترقاً البلاد ليمنحها 73 بالمائة من مياهها العذبة، ورغم الأمطار والمياه الجوفية الوفيرة كحوض الحجر الرملي النوبي العظيم المشترك مع دول الجوار، إلا أن التقرير يصنف السودان كدولة تعاني من إجهاد مائي ملحوظ. لا يتجاوز نصيب الفرد السنوي من المياه سبعمائة متر مكعب، وهو رقم يقع تحت حافة ندرة المياه المعترف بها عالمياً والبالغة ألف متر مكعب. تعود هذه المفارقة إلى ضعف البنية التحتية، وسوء إدارة الموارد، وفقدان كميات هائلة من المياه بسبب التبخر في السدود، فضلاً عن أزمة الطمي المتراكم الذي أفقد خزانات حيوية، مثل الرصيرص وسنار وخشم القربة، أكثر من نصف سعتها التصميمية لتخزين المياه. وحتى المسطحات المائية الموسمية (الخيران والأودية) التي تتدفق بغزارة في فصل الخريف، تذهب هباءً أو تتسبب في فيضانات مدمرة لعدم وجود آليات كافية لحصادها واستغلالها.

على الواجهة الشرقية، يطل السودان على البحر الأحمر بشريط ساحلي يمتد لنحو 853 كيلومتراً، محتضناً ثروة بحرية لا تقدر بثمن من الشعاب المرجانية، وغابات المانغروف، والتنوع السمكي الهائل. تضم هذه السواحل محميات طبيعية عالمية كمحمية سنجنيب البحرية، وهي الجزيرة المرجانية الحلقية الوحيدة في البحر الأحمر، ومحمية خليج دونقناب وجزيرة مكوار، اللتين تمثلان ملاذاً آمناً لأسماك القرش والسلاحف البحرية وعرائس البحر (الدوجونج) والطيور المهاجرة. غير أن هذه الكنوز البحرية لا تسلم من قبضة التهديدات؛ فالزحف العمراني العشوائي حول بورتسودان، والتلوث الناجم عن حركة السفن التجارية ونفايات الصناعة، وعمليات الصيد الجائر وتدمير الموائل الساحلية، تضع هذا النظام الإيكولوجي الفريد على حافة الخطر. ولا تقف التهديدات عند التدخلات البشرية المباشرة، بل يتوعد التغير المناخي سواحل البحر الأحمر بارتفاع مستويات سطح البحر، وتزايد ملوحة المياه، واشتداد العواصف، مما يهدد باختناق الشعب المرجانية وتهجير المجتمعات الساحلية، ليضيف فصلاً جديداً من التحديات البيئية التي لا تقف عند حدود اليابسة.

بالانتقال من الموارد المائية والسواحل إلى قلب اليابسة، يفتح التقرير ملفاً لا يقل خطورة وأهمية، وهو التنوع البيولوجي الذي يمثل الرصيد الاستراتيجي للحياة في السودان. إن السودان، بموقعه الفريد كجسر طبيعي بين إفريقيا جنوب الصحراء والعالم العربي، يحتضن تنوعاً إحيائياً مذهلاً يمتد من النباتات الصحراوية الصابرة في الشمال إلى الغابات المدارية المطيرة في أقصى الجنوب والجنوب الشرقي. غير أن هذا الرصيد يتعرض لعملية تآكل صامتة ومروعة؛ فالحياة البرية التي كانت تجوب السهول السودانية بأعداد مهولة، مثل الفيلة والزراف والأسود والظباء، وجدت نفسها محاصرة بين فكي كماشة: الصيد الجائر الممنهج من جهة، وتدمير الموائل الطبيعية بسبب التوسع الزراعي والنزاعات المسلحة من جهة أخرى. ويحذر التقرير من أن العديد من الأنواع قد اختفت بالفعل من مناطق توزيعها التاريخية، وأن المحميات الطبيعية القائمة، رغم أهميتها، تعاني من نقص حاد في التمويل والكادر البشري المؤهل، مما يحولها في كثير من الأحيان إلى “محميات ورقية” تفتقر للحماية الفعلية على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، تبرز غابات السودان كأحد أكثر النظم البيئية تضرراً، حيث فقدت البلاد مساحات شاسعة من غطائها الشجري في العقود الأخيرة. لا يقتصر دور الغابة في السودان على إنتاج الأخشاب والصمغ العربي، بل هي حائط الصد الأول ضد الزحف الصحراوي، ومستودع الكربون الذي يلطف المناخ، ومصدر الغذاء والدواء للمجتمعات المحلية. غير أن التقرير يكشف عن مفارقة طاقوية مؤلمة؛ فالسودان الذي يمتلك احتياطيات نفطية وقدرات هيدروليكية لتوليد الكهرباء، لا يزال يعتمد بنسبة تزيد عن سبعين بالمائة على الكتلة الحيوية (الحطب والفحم) لتلبية احتياجاته المنزلية من الطاقة. هذا الاعتماد المفرط يضع الغابات تحت ضغط لا يطاق، حيث يتم قطع ملايين الأشجار سنوياً لطهي الطعام، في عملية استنزاف تفوق قدرة الغابات على التجدد الطبيعي. إن “فقر الطاقة” في السودان ليس مجرد قضية خدمية، بل هو محرك أساسي للتدهور البيئي، حيث تضطر الأسر الفقيرة، وخاصة في المناطق الريفية ومعسكرات النازحين، إلى تدمير محيطها البيئي من أجل البقاء، مما يخلق حلقة مفرغة من الفقر والخراب البيئي.

ولا تتوقف التحديات عند حدود الريف والغابات، بل تنتقل إلى مراكز الحضر التي تشهد تدهوراً مريعاً في نوعية الحياة. يرسم التقرير صورة قاتمة للواقع البيئي في المدن السودانية، حيث تعاني البنية التحتية للصرف الصحي والنفايات من انهيار شبه كامل. ففي العاصمة الخرطوم، التي يسكنها الملايين، لا تغطي شبكة الصرف الصحي إلا نسبة ضئيلة من السكان، بينما تعتمد الغالبية العظمى على الآبار السيفونية التي تتسرب مياهها إلى المياه الجوفية الضحلة، مما يهدد بتلوث الخزان المائي الذي تشرب منه المدينة. أما ملف النفايات الصلبة، فقد تحول إلى أزمة وطنية؛ حيث تنتشر المكبات العشوائية في الأحياء السكنية، ويغيب نظام الفرز والتدوير، وتتراكم المواد البلاستيكية التي باتت تخنق المجاري المائية وتلوث التربة. إن غياب التخطيط الحضري السليم، وتدفق النازحين نحو هوامش المدن، خلق أحزمة من البؤس تفتقر لأدنى المقومات البيئية والصحية، مما يجعل سكان الحضر عرضة للأوبئة والمخاطر البيئية المتزايدة.

وفي زاوية أخرى من زوايا المشهد البيئي المعقد، يسلط التقرير الضوء على ظاهرة “حمى الذهب” التي اجتاحت السودان في العقد الأخير. لقد بات التعدين التقليدي (الأهلي) عن الذهب نشاطاً اقتصادياً ضخماً يشارك فيه أكثر من مليوني شخص وينتشر في معظم ولايات البلاد. ورغم العائدات المالية السريعة، إلا أن التقرير يحذر من كارثة بيئية وصحية طويلة الأمد ناتجة عن هذا النشاط. إن الاستخدام العشوائي والمفرط لمادة الزئبق، ومؤخراً السيانيد، في استخلاص الذهب يتم دون أدنى معايير السلامة، مما يؤدي إلى تسمم التربة والمياه الجوفية والهواء، ويهدد حياة المعدنين والمجتمعات المحيطة بهم. هذه “اللعنة الذهبية” لا تدمر الصحة العامة فحسب، بل تؤدي أيضاً إلى تجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والرعوية، وتخلق صراعات اجتماعية واقتصادية حول ملكية الأراضي وموارد المياه، مما يثبت أن المكاسب الاقتصادية الآنية للتعدين قد تتبدد أمام التكاليف الباهظة لإصلاح البيئة وعلاج الأجيال القادمة.

أما الفصل الأكثر إيلاماً في التقرير، فهو الذي يتناول العلاقة التبادلية بين النزاعات والبيئة. فقد ظل السودان لعقود مسرحاً لحروب أهلية مدمرة، كانت البيئة فيها ضحية وأداة في آن واحد. فمن جهة، أدت النزاعات إلى نزوح ملايين الأشخاص نحو معسكرات تفتقر للخدمات، مما شكل ضغطاً انفجارياً على الموارد الطبيعية المحيطة بتلك المعسكرات من مياه وغابات. ومن جهة أخرى، استخدمت الموارد الطبيعية كوقود للحروب، سواء عبر تمويل المليشيات من عائدات الأخشاب والمعادن، أو عبر تدمير مصادر المياه والمزارع كاستراتيجية عسكرية لإخضاع الخصوم. ويؤكد التقرير بوضوح لا لبس فيه أن أي اتفاق للسلام في السودان لن يكتب له النجاح والاستمرار ما لم يضع في قلبه قضية “العدالة البيئية” وإعادة إعمار النظم الإيكولوجية المتضررة، وضمان التوزيع العادل للموارد الطبيعية بين المجتمعات المحلية، بعيداً عن سياسات التهميش والاستحواذ التي غذت الحروب في الماضي.

لا يمكن فهم مآلات الواقع البيئي في السودان دون الغوص في “المتاهة المؤسسية” والتشريعية التي تحكم هذا الملف، وهو ما يفرد له التقرير مساحة تحليلية واسعة ومعمقة. إن إدارة البيئة في السودان ليست مجرد مسألة فنية، بل هي انعكاس لبنية الدولة وتطورها السياسي. فمنذ إنشاء “المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية” في عام 1991، سعى السودان لإيجاد مظلة تنسيقية توحد الجهود المبعثرة بين وزارات الزراعة، والري، والغابات، والتعدين. غير أن التقرير يكشف بجرأة عن “فجوة السلطة”؛ فبينما يمتلك المجلس تفويضاً نظرياً واسعاً، إلا أنه يفتقر في كثير من الأحيان إلى الصلاحيات التنفيذية والموارد المالية الكافية لفرض المعايير البيئية على قطاعات اقتصادية قوية ونافذة. هذا التشتت المؤسسي يؤدي إلى تضارب في الاختصاصات، حيث تجد الولايات نفسها أحياناً في مواجهة مع المركز حول من يملك الحق في منح تراخيص التعدين أو تخصيص الأراضي، مما يجعل البيئة هي الخاسر الأكبر في صراعات البيروقراطية.

وعلى الصعيد التشريعي، يحلل التقرير “قانون حماية البيئة لعام 2001″، الذي مثل في وقته قفزة نوعية، لكنه بات اليوم قاصراً عن مواكبة التحديات المستجدة. إن العقوبات المنصوص عليها في القوانين الحالية غالباً ما تكون غير رادعة للشركات الكبرى، كما أن آليات “تقييم الأثر البيئي” تعاني من ثغرات تسمح بمرور مشروعات مدمرة للبيئة تحت لافتة التنمية الاقتصادية. ويشدد التقرير على ضرورة مواءمة القوانين الوطنية مع الوثيقة الدستورية التي حكمت الفترة الانتقالية، والتي نصت صراحة على حق المواطن في بيئة سليمة ومستدامة. إن إصلاح المنظومة القانونية يتطلب الانتقال من “النهج العقابي” المحدود إلى “النهج الوقائي” الشامل، الذي يدمج البعد البيئي في كل قرار اقتصادي أو سياسي، ويضمن مشاركة حقيقية للمجتمعات المحلية في حماية مواردها، بدلاً من تهميشها لصالح مراكز القوى.

وفي ملمح مشرق وسط هذه التحديات، يسلط التقرير الضوء على الدور الحيوي الذي يلعبه السودان في المحافل الدولية. فرغم سنوات العزلة السياسية، ظل السودان طرفاً فاعلاً وموقعاً على أهم الاتفاقيات البيئية العالمية، من “اتفاقية باريس للمناخ” إلى “اتفاقية التنوع البيولوجي” و”اتفاقية مكافحة التصحر”. ويرى التقرير أن هذه الاتفاقيات ليست مجرد التزامات ورقية، بل هي “بوابة السودان” نحو المجتمع الدولي للحصول على التمويل الأخضر ونقل التكنولوجيا البيئية الحديثة. إن انخراط السودان في آليات مثل “صندوق المناخ الأخضر” و”مرفق البيئة العالمية” يمثل فرصة تاريخية لتمويل مشروعات التكيف مع التغير المناخي، وإعادة تأهيل الغابات، وتطوير الطاقات المتجددة، مما يساهم في تخفيف الضغط عن الموارد الطبيعية المحلية ويضع البلاد على مسار التنمية العالمية المستدامة.

لكن الجزء الأكثر إثارة للقلق والاستشراف في التقرير هو ذلك المتعلق بـ “سيناريوهات المستقبل”. يضع الخبراء السودان أمام خيارين لا ثالث لهما: سيناريو “العمل كالمعتاد” وسيناريو “الاستدامة”. في السيناريو الأول، حيث يستمر ضعف الرقابة، والاعتماد المفرط على الوقود الحيوي، والتوسع الزراعي غير المدروس، يواجه السودان مستقبلاً مظلماً يتسم بتسارع وتيرة التصحر، وفقدان كامل للغطاء الغابي في بعض الولايات بحلول عام 2040، وتفاقم أزمات الغذاء والماء، مما سيؤدي حتماً إلى موجات نزوح بشرية كبرى وصراعات دامية حول ما تبقى من موارد. أما سيناريو “الاستدامة”، فهو يتطلب إرادة سياسية صلبة قادرة على تنفيذ “الثورة البيئية” المنشودة؛ وهي ثورة تعتمد على التحول نحو الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتطبيق الزراعة الحافظة للتربة، وإعادة تشجير ملايين الهكتارات، واستعادة عافية النظم الإيكولوجية، بما يضمن ازدهاراً اقتصادياً متوازناً يحفظ حقوق الأجيال القادمة.

يختتم التقرير فصوله بمجموعة من التوصيات التي تمثل “خارطة طريق” لإنقاذ الطبيعة السودانية. لا تكتفي هذه التوصيات بالحلول التقنية، بل تمتد لتشمل إصلاحات هيكلية في بنية الدولة والمجتمع. يطالب التقرير بإنشاء “نظام وطني شامل للمعلومات البيئية” يسد فجوة البيانات الحالية ويوفر لصناع القرار أرقاماً دقيقة ومحدثة. كما يشدد على أهمية “التعليم البيئي” لإدماج الوعي بالطبيعة في المناهج الدراسية، وبناء قدرات الشباب والنساء كفاعلين أساسيين في حماية البيئة. إن الرسالة الختامية للتقرير هي أن “السلام والبيئة وجهان لعملة واحدة”؛ فلا سلام مستداماً في السودان دون إدارة عادلة ومستدامة للأرض والماء، ولا حماية للبيئة في ظل الحروب والاضطرابات.

Sudan First State of Environment and Outlook Report 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى