أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“إحصاء تكاليف الحرب: تقييم كلي ومتعدد المستويات لتأثير الصراع على السودان”

تُشكل النزاعات المسلحة نقطة تحول وحشية في مسار الدول، وما يشهده السودان منذ الخامس عشر من أبريل لعام 2023 يمثل انهياراً واسع النطاق يطال كافة مناحي الحياة. في هذا السياق المعقد، تبرز دراسة أكاديمية هامة نُشرت في مجلة “African Security Review” تحت عنوان “إحصاء تكاليف الحرب: تقييم كلي ومتعدد المستويات لتأثير الصراع على السودان”. أُعدت هذه الورقة البحثية بواسطة فريق مكون من سانسوم ميلتون، ومانوغ عنتابي، وهيثم دلاي، وأحمد إدريس. استجابةً للحاجة إلى تحليل معمق وشامل لهذه الدراسة المحورية، يُقدم هذا المقال الصحفي قراءة نقدية وتفصيلية تُنشر على دفعات متتالية، لضمان تغطية كافة الجوانب الإنسانية والسياسية والاقتصادية التي تناولتها الورقة الأصلية باستفاضة. تُركز هذه الدفعة الأولى على تفكيك الإطار النظري للدراسة، والمقاربات المنهجية المستخدمة في ظروف الحرب، بالإضافة إلى استعراض الجذور التاريخية والديناميكيات المعقدة التي مهدت لاندلاع الصراع الدامي.

أولاً: الإطار النظري والتأسيس لمقاربة شمولية

تتجاوز الدراسة المنهجيات التقليدية والاختزالية التي تقصر تقييم تأثيرات الحروب على إحصاء أعداد القتلى والخسائر الاقتصادية المباشرة أو الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية. بدلاً من ذلك، تتبنى الورقة إطاراً نظرياً شمولياً يسعى لاستيعاب الأبعاد الاجتماعية، والنفسية، والثقافية، والبيئية، والسياسية المتنوعة للصراع. يُتيح هذا التوجه المفتوح والتشاركي التعرف على النتائج المتوقعة وغير المتوقعة للحرب، مسلطاً الضوء على أهمية تلبية الاحتياجات المحلية، وضمان الملكية، وإشراك أصوات المتضررين في فهم الكيفية التي تُنظّر بها تأثيرات النزاع.

تُشير الدراسة إلى أن الحرب السودانية قد ولّدت تأثيرات غير ملموسة عميقة، مثل تفتت التماسك الاجتماعي، وضعف قدرة المجتمع على الصمود، وظهور عوائق متعددة أمام جهود إعادة الإعمار. وتُساهم هذه التداعيات فيما يُعرف بـ “التنمية العكسية”، حيث تتفاقم مستويات الفقر، واللامساواة، والهشاشة المؤسسية. يتقاطع هذا الديناميك مع “نظرية فخ الصراع” التي تشرح أربعة مسارات للصراعات الداخلية: استمرار الصراع، وتكراره، وتصاعده، وانتشاره ليشمل تأثيرات على الدول المجاورة.

على المستوى المؤسسي، تُقارب الورقة دورة الدمار المستمرة في السودان من خلال عدسة “فشل الدولة”. تتسم الدول الفاشلة بفقدان الشرعية، وتفشي العنف الداخلي، والعجز عن تقديم المنافع العامة للمواطنين. يتناقض هذا الوضع مع مفهوم “حالة الدولة” الذي يشمل قوة الدولة، المتمثلة في القدرة على إنفاذ القوانين بشفافية واحتكار استخدام العنف، ونطاق الدولة الذي يعبر عن الوظائف التي تضطلع بها. يُعتبر افتقار الدولة السودانية المركزية للشرعية، وفقدانها لاحتكار العنف، مقترناً بمؤسسات سياسية وعسكرية استخراجية ومفترسة غارقة في الفساد، أرضاً خصبة للصراعات الداخلية، حيث فشلت الدولة تاريخياً في تلبية الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية لمواطنيها.

علاوة على ذلك، تستخدم الورقة إطار التعافي وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع كعدسة استشرافية. يتطلب الاسترداد الناجح تجاوز مجرد إعادة بناء البنية التحتية إلى معالجة نقاط الضعف الهيكلية والمؤسسية. وتستشهد الدراسة بدروس مستقاة من سياقات سابقة، مثل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث أدى غياب التخطيط المسبق للحرب إلى تقويض جهود إعادة بناء شبكة الكهرباء وغيرها من البنى الحيوية. وبالمثل، في أفغانستان ما بعد عام 2001، أدى الفشل في فهم ديناميكيات اقتصاد الحرب وسيطرة أمراء الحرب إلى نموذج إعادة إعمار غير ملائم للظروف المحلية. تؤكد هذه الأمثلة على ضرورة تصميم استراتيجيات إعادة إعمار مخصصة للسياق السوداني، تعالج قضايا الحوكمة الممزقة، والنزوح الجماعي، لضمان بناء أنظمة مستدامة بدلاً من استنساخ عدم المساواة الذي سبق الحرب.

ثانياً: التحديات المنهجية في جمع البيانات تحت نيران الحرب

تعتمد الورقة البحثية على نهج متعدد الأساليب للتغلب على العقبات المنهجية الجسيمة في السودان. تم استخدام البيانات الثانوية المستمدة من تقارير المنظمات الدولية والمجتمع المدني والأدبيات الرمادية بشكل مكثف لتوفير تحليل شامل. ولتعويض القيود المفروضة على البحث المكتبي، استعانت الدراسة ببيانات أولية شملت مقابلات غير رسمية ومناقشات مع طلاب وأكاديميين ونشطاء ومسؤولين حكوميين سابقين من الشتات السوداني، والذين قدموا شهادات قيمة.

تُسلط الدراسة الضوء على الصعوبات الهائلة التي تواجه تطبيق أدوات تقييم تأثير الصراع التقليدية في السودان. حيث تفشل العديد من الدراسات في التقاط الحقائق التجريبية بدقة بسبب الاعتماد المفرط على البيانات الثانوية، في حين تظل عملية جمع البيانات الأولية مقيدة بشدة بسبب القيود الأمنية، والمعضلات الأخلاقية، والحساسيات السياسية. وتورد الورقة مثالاً لفريق بحثي كان يدرس تحديات التعليم الطبي أثناء الحرب، حيث أجبرهم ضعف الاتصال في الخرطوم على استخراج التصاريح الأخلاقية من ولاية النيل الأبيض، بينما جعلت الاشتباكات العسكرية الوصول إلى الميدان غير آمن. وفي ظل هذه المخاطر وتدمير البنية التحتية للاتصالات، برزت تناقضات في البيانات المتاحة، مما جعل الاعتماد على بيانات الاستشعار عن بعد أمراً حيوياً.

اختارت الدراسة تبني مستوى تحليل وطني شامل للبلاد بدلاً من التركيز الإقليمي الضيق، مبررة ذلك بأن الصراعات في السودان مترابطة بشكل عميق عبر المناطق. يسمح هذا التركيز الوطني بفهم الترابط الوثيق بين العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويضمن عدم إغفال الدوافع الهيكلية الأوسع مثل الحوكمة، وتوزيع الموارد، والأمن، والهوية.

ثالثاً: الجذور التاريخية وديناميكيات صراع القوى

تضع الورقة الحرب التي اندلعت عام 2023 في سياق تاريخ طويل من عدم الاستقرار. يُعد السودان دولة شاسعة جغرافياً ومكتظة بالسكان، حيث يبلغ عدد سكانها 52 مليون نسمة، يعيش 35٪ منهم في المناطق الحضرية، وتضم العاصمة الخرطوم وحدها حوالي مليوني مدني. يتسم المجتمع بتنوع عرقي هائل، حيث يشكل العرب السودانيون حوالي 70٪ من السكان، بينما تشكل مجموعات مثل الفور، والبجا، والنوبة، والفلاتة، وأكثر من 500 مجموعة عرقية أخرى النسبة المتبقية، وتتحدث هذه المجموعات أكثر من 400 لغة. يُعد الفشل في إدارة هذا التنوع التاريخي سبباً رئيسياً في الصراعات المتكررة، كما تجلى في حرب دارفور وانفصال جنوب السودان ذي الأغلبية المسيحية في عام 2011.

تعود جذور عدم الاستقرار المعاصر إلى سياسات الاستعمار البريطاني، مثل مرسوم المناطق المغلقة لعام 1925، وممارسات التنمية غير المتكافئة التي خلقت تفاوتات إقليمية عميقة بين الخرطوم وبقية المناطق. بعد الاستقلال عام 1956، أدى عجز الحكومة المركزية إلى تهميش المناطق النائية، وتمركز السلطة والثروة في الخرطوم، وسوء الإدارة الاقتصادية، والفساد المستشري، مما أشعل سلسلة من الحروب الأهلية الطويلة.

أما الجذور المباشرة للحرب الحالية، فتعود وفقاً للدراسة إلى الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية عام 2019، والتي أعقبها انقلاب عسكري أطاح بحكم عمر البشير وأدخل البلاد في مسار انتقالي مضطرب. تفاقمت التوترات بسبب الدور السياسي والاقتصادي المتنامي للجيش والجماعات شبه العسكرية. وقد اقترح الاتفاق الإطاري لعام 2022 دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي، وهو ما استجابت له قوات الدعم السريع بالمطالبة بعملية دمج تدريجية للحفاظ على نفوذها واستقلاليتها. في المقابل، شعرت القوات المسلحة السودانية بالقلق إزاء مكانتها كجيش وطني، حيث ساواها الاتفاق مع قوات الدعم السريع تحت مسمى “القوات النظامية في جمهورية السودان”. غياب أي عملية ذات مصداقية لدمج هذه الفصائل المسلحة أدى إلى تغذية دائرة الصراع على السلطة، مما أفضى في النهاية إلى اندلاع القتال العنيف في أبريل 2023.

رابعاً: التكلفة البشرية الباهظة وضبابية الأرقام

تُشير الورقة البحثية بوضوح إلى أن الحرب المدمرة في السودان قد حصدت أرواحاً بأعداد تفوق الخيال، دافعةً البلاد نحو واحدة من أشد الكوارث الإنسانية فتكاً في القرن الحادي والعشرين. تستند الدراسة إلى أدلة وإحصائيات توضح أنه خلال العامين الأولين من الصراع، قُتل أكثر من 150 ألف مواطن سوداني، وهو رقم يعكس وحشية القتال وانعدام الملاذات الآمنة للمدنيين. كما تم تسجيل أكثر من 5500 حادثة عنف سياسي خلال نفس الفترة، مما يدل على الانتشار الجغرافي الواسع لآلة الحرب.

وتأخذ العاصمة الخرطوم، التي كانت يوماً ما مركزاً حيوياً وملاذاً للهاربين من صراعات الأطراف، نصيب الأسد من هذا الدمار. تُقدر الدراسة أنه في الخرطوم وحدها، توفي حوالي 61 ألف شخص خلال الأشهر الأربعة عشر الأولى من الصراع، منهم 26 ألفاً قُتلوا بشكل عنيف ومباشر نتيجة الاشتباكات والقصف المتبادل. ومع ذلك، يؤكد الباحثون بنبرة تحذيرية أن هذه الأرقام، على فداحتها، لا تمثل سوى قمة جبل الجليد؛ فالحصيلة الحقيقية للقتلى يُرجح أن تكون أكبر بكثير بسبب “ضباب الحرب” والانهيار التام لأنظمة المراقبة الطبية والإحصائية وصعوبة الإبلاغ عن الضحايا أو جمع البيانات تحت نيران الصراع.

المأساة لا تتوقف عند حدود العاصمة، بل تمتد لتضرب بجذورها في إقليم دارفور الجريح، والذي لم يتعافَ بعد من ندوب حروبه السابقة. تُشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 20 ألف شخص في المنطقة بحلول سبتمبر 2024. وتستشهد الدراسة بهجوم واحد شنته قوات الدعم السريع على مخيمات اللاجئين بالقرب من الفاشر في أبريل 2025، والذي أسفر وحده عن مقتل ما لا يقل عن 300 شخص، في انتهاك صارخ ومروع لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.

علاوة على الموت والدمار، تسلط الورقة الضوء على وجه آخر شديد القتامة للحرب، وهو العنف القائم على النوع الاجتماعي. فمنذ الأسابيع الأولى للصراع، برزت أدلة مروعة على استخدام العنف ضد النساء والفتيات كأداة من أدوات الحرب. وفي غضون عامين، تضاعف عدد الأشخاص المعرضين لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي بأكثر من ثلاثة أضعاف، ليصل إلى رقم صادم يقدر بـ 12.1 مليون شخص، أي ما يعادل 25% من إجمالي سكان السودان.

أما على الصعيد العسكري، تشير الدراسة إلى أن كلا الطرفين المتنازعين (القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع) قد تكبدا خسائر فادحة في رأس المال البشري. ومع ذلك، وبسبب الطبيعة الدعائية للحرب، يتعامل كلا الفصيلين مع أعداد القتلى في صفوفهما كمعلومات استراتيجية سرية، مما يجعل من شبه المستحيل على الوكالات الدولية الوصول إلى أرقام دقيقة، ويُبقي الحجم الحقيقي للخسائر العسكرية طي الكتمان.


خامساً: أزمة النزوح الأكبر عالمياً وتمزق الجغرافيا الاجتماعية

إذا كانت أعداد القتلى تعكس عنف الصراع، فإن إحصائيات النزوح تعكس حجم الانهيار المجتمعي الشامل. تصف الدراسة كيف أدى الصراع إلى أزمة نزوح قسري غير مسبوقة على مستوى العالم. بحلول مايو 2025، أُجبر 12.8 مليون شخص على الفرار من منازلهم. هذا الرقم الهائل يمثل ضعف الحالات التراكمية للنزوح الداخلي التي سُجلت في السودان خلال السنوات الأربع التي سبقت الحرب.

ينقسم هؤلاء النازحون إلى فئتين رئيسيتين:

  • النازحون داخلياً (IDPs): والذين بلغ عددهم 8.6 مليون شخص، يهيمون على وجوههم داخل حدود وطنهم المشتعل، باحثين عن الأمان في مناطق تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

  • اللاجئون عبر الحدود: حيث فر 3.9 مليون شخص إلى الدول المجاورة، موزعين بشكل رئيسي بين مصر (38%)، وجنوب السودان (29%)، وتشاد (25%). هذا التدفق الهائل للاجئين لم يعمق فقط الأزمة الإنسانية للسودانيين، بل فرض ضغوطاً هائلة على الاستقرار الإقليمي وقدرات الاستجابة الإنسانية في الدول المضيفة.

ولم تقتصر أسباب النزوح على الحرب وحدها، بل تضافرت قوى الطبيعة مع قسوة الإنسان لتعميق الجراح. فقد أوردت الدراسة أن 172,500 فرد (يمثلون أكثر من 34 ألف أسرة) نزحوا بين يونيو وسبتمبر 2024 بسبب الظروف الجوية القاسية والفيضانات العنيفة التي ضربت مناطق مختلفة من البلاد.

وتقف الطفولة في قلب هذه العاصفة كأكثر الفئات تضرراً. تصف الدراسة الوضع بأنه “أكبر أزمة نزوح للأطفال على مستوى العالم”، حيث أدى الصراع إلى تشريد ما يقرب من 5 ملايين طفل. هؤلاء الأطفال لا يواجهون فقط صدمة فقدان المنازل والأمان، بل يتعرضون لمخاطر حادة ومميتة تتعلق بسوء التغذية، وتفشي الأمراض المعدية، والانقطاع التام عن التعليم، مما يهدد بضياع جيل كامل.

سادساً: التحولات الديموغرافية والاجتماعية.. “تأثير يمتد لأجيال”

تغوص الورقة البحثية إلى ما هو أبعد من الإحصائيات الكمية، لتنقل لنا تحليلاً نوعياً لتأثير هذا النزوح الجماعي على بنية المجتمع السوداني. ينقل الباحثون عن نشطاء وأكاديميين سودانيين تأكيدهم على أن حرب 2023 قد أعادت تشكيل النسيج الاجتماعي والجغرافي والديموغرافي للبلاد بشكل جذري ولا رجعة فيه.

في شهادة بالغة الأهمية، يصف أحد الباحثين السودانيين طبيعة هذا التغيير قائلاً: “إن هذا الصراع له تأثير يمتد لأجيال على السودان. لم يستثنِ أي منطقة أو فئة عمرية – إنها أزمة تشمل البلاد بأكملها. يختلف هذا الصراع عن موجات العنف السابقة التي كانت مقتصرة إلى حد كبير على المناطق الطرفية”.

توضح الدراسة كيف أدت هذه الحرب إلى إفراغ المدن من سكانها (Urban depopulation)، وتحويل أحياء حضرية نابضة بالحياة إلى مدن أشباح وميادين للرماية. وفي الوقت نفسه، عمقت الحرب من الانقسامات العرقية والإقليمية، حيث أدت ديناميكيات القتال والنزوح إلى فرز ديموغرافي قسري بناءً على الهويات القبلية والمناطقية. لقد مزق النزوح القسري الشبكات الاجتماعية العائلية، وكسر آليات التكافل التقليدية التي كان السودانيون يعتمدون عليها تاريخياً للصمود في وجه الأزمات.

تخلص الدراسة في هذا المحور إلى أن فقدان هذه الروابط الاجتماعية، إلى جانب الاعتماد القسري والشامل على المساعدات الإغاثية الشحيحة (في ظل انهيار النشاط الاقتصادي)، يخلق تحديات طويلة الأمد أمام أي محاولات مستقبلية لإعادة الإدماج المجتمعي. وتؤكد أن الاستجابة الفعالة لهذه الأزمة تتطلب فهماً عميقاً لهذا التمزق المجتمعي، وتصميماً لتدخلات لا تكتفي بتقديم الخيام والطعام، بل تسعى بجدية إلى معالجة الآثار النفسية والاجتماعية الغائرة.

سابعاً: شبح المجاعة.. عندما يصبح الطعام “سلاحاً” و”حلمًا”

تصف الدراسة السودان بأنه تحول بسرعة مخيفة إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر. فبحلول عام 2025، تشير التقديرات إلى أن 30.4 مليون سوداني (أي أكثر من نصف السكان) باتوا في حاجة ماسة وعاجلة للمساعدات الإنسانية. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو إعلان عن انهيار كامل لمنظومة توزيع الخدمات الأساسية، حيث أدى الصراع والنزوح إلى قطع سبل الوصول إلى الغذاء والماء والكساء.

خارطة الجوع في أرقام:

  • انعدام الأمن الغذائي الحاد: يواجه 25.6 مليون سوداني مستويات من الجوع تُصنف على أنها “مستوى الأزمة” أو أسوأ.

  • مأساة الطفولة والأمومة: بحلول مارس 2024، أُبلغ عن أن 230 ألف طفل وأم يواجهون الموت جوعاً بسبب تعذر الوصول إلى الرعاية الصحية والإغاثة.

  • سوء التغذية الحاد: يعاني 3.4 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، منهم 690 ألف طفل في حالة “سوء تغذية حاد وشديد”.

وتتوقف الدراسة بمرارة عند إقليم شمال دارفور، وتحديداً “مخيم زمزم”، حيث أُعلنت المجاعة رسمياً في أغسطس 2024. تصف الدراسة هذا الإعلان بأنه “تجسيد لأسوأ مخاوف الوكالات الأممية”، حيث بلغت معدلات سوء التغذية في المخيم 30%، وهي نسبة تتجاوز بمراحل حدود الكارثة الدولية. إن تحول السودان من “سلة غذاء محتملة للعالم” إلى بلد يستجدي لقمة العيش هو، بحسب الباحثين، النتيجة المباشرة لتعمد تدمير الموسم الزراعي وقطع طرق الإمداد واستخدام التجويع كأداة ضغط سياسي وعسكري.

ثامناً: قطاع الصحة.. المستشفيات كميادين للقتال

ينتقل الباحثون إلى تشريح وضع النظام الصحي الذي كان هشاً أصلاً قبل أبريل 2023. قبل الحرب، كان هناك حوالي 6500 منشأة صحية و 300 مستشفى عام تخدم 52 مليون نسمة، مع اعتماد 95% من السكان على الدفع المباشر من جيوبهم للحصول على العلاج.

الانهيار الكبير: منذ اندلاع الحرب، أُجبرت 70% إلى 80% من المرافق الصحية على الإغلاق أو العمل فوق طاقتها القصوى نتيجة الهجمات المستمرة. وتوثق الدراسة ما يلي:

  1. استهداف المنشآت: تحقق منظمة الصحة العالمية من 156 هجوماً مباشراً على قطاع الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل 318 شخصاً وإصابة 273 آخرين.

  2. احتلال المستشفيات: قام طرفا النزاع (الجيش والدعم السريع) مراراً وتكراراً باحتلال المرافق الصحية، مثل “المختبر الوطني” الذي استُخدم كمتراسل عسكرية، مما أثار مخاوف دولية من “خطر بيولوجي” داهم.

  3. نهب المستودعات الطبية: تعرضت مخازن الإمدادات الطبية الوطنية في الخرطوم للنهب والاحتلال، وهي المخازن التي كانت تمون السودان بأكمله بالأدوية المنقذة للحياة.

النتائج الوبائية والمالية: أدى هذا الانهيار إلى عودة الأوبئة الفتاكة؛ حيث قتلت الحصبة حوالي 1000 طفل، بينما أصاب الكوليرا أكثر من 37 ألف شخص بحلول نوفمبر 2024، حاصداً أرواح أكثر من ألف ضحية. وتقدر الدراسة الخسائر المالية المباشرة للنظام الصحي بنحو 700 مليون دولار. والأخطر من ذلك هو “هجرة الأدمغة”؛ إذ فر الكادر الطبي السوداني المؤهل نحو دول الخليج وأوروبا، مما ترك الملايين دون رعاية طبية متخصصة.


تاسعاً: التعليم الموؤود.. ضياع جيل في مهب الريح

لم يكن قطاع التعليم أوفر حظاً. فالسودان الذي كان يعاني من وجود 7 ملايين طفل خارج المدارس قبل الحرب بسبب الفقر، يواجه الآن كارثة تربوية شاملة.

أرقام تعكس الظلام التربوي:

  • خارج الدراسة: ارتفع عدد الأطفال خارج أسوار المدارس إلى 16.5 مليون طفل بعد عامين من الحرب.

  • إغلاق المدارس: بقيت 13 ألف مدرسة مغلقة تماماً، وتحول جزء كبير منها إلى ثكنات عسكرية أو مراكز إيواء للنازحين.

  • العنف ضد التعليم: تضاعفت الهجمات العنيفة على المدارس أربع مرات، لتصل إلى 88 حادثة موثقة بحلول مايو 2024.

انهيار التعليم العالي: لا يقتصر الدمار على التعليم الأساسي؛ فقد نال التعليم العالي نصيباً وافراً من “الإبادة المؤسسية”. يشير الباحثون إلى أن أكثر من 100 جامعة (حكومية وخاصة) تعرضت لدمار شديد أو نهب كامل خلال الأشهر الثمانية الأولى فقط. كما سُجل نهب واسع للمختبرات والمكتبات الجامعية، مما أدى إلى شلل تام في البحث العلمي وتشريد آلاف الأكاديميين والطلاب.

وتؤكد الدراسة أن إهمال قطاع التعليم في خطط الاستجابة الإنسانية (التي تركز عادة على الغذاء والماء) هو خطأ استراتيجي؛ فالتعليم ليس مجرد “رفاهية”، بل هو “مركز للحماية” وحصن ضد التجنيد القسري للأطفال، وغيابه يعني أن السودان سيواجه في مرحلة ما بعد الحرب جيلاً يفتقر للمهارات اللازمة لإعادة الإعمار، مما يعزز “فخ الصراع” لسنوات طويلة قادمة.

عاشراً: البنية التحتية.. التدمير الممنهج لأساسات الدولة

تؤكد الدراسة أن الحرب في السودان لم تكن مجرد اشتباكات عسكرية، بل تحولت إلى عملية تدمير واسعة النطاق للمرافق الحيوية. وتورد الورقة أرقاماً صادمة تعكس حجم هذا الخراب المادي:

  • المرافق الأساسية: تدمير ما يقرب من 60% من أنظمة المياه والكهرباء والاتصالات في جميع أنحاء البلاد.

  • أزمة المياه: أدى القصف الجوي واستخدام الأسلحة المتفجرة إلى حرمان 300 ألف شخص من الوصول إلى مياه الشرب النقية، مما زاد من معاناة النازحين والمدنيين المحاصرين.

  • سلاح المعلومات: لم يسلم قطاع الاتصالات من التخريب؛ حيث تعرضت البنية التحتية للإنترنت للتدمير المتعمد أو “التسليح” (Weaponization) من قبل أطراف النزاع للتحكم في تدفق المعلومات ومنع المدنيين من التواصل أو الإبلاغ عن الانتهاكات.

  • السكن والمأوى: تشير تقديرات الأمم المتحدة الواردة في الدراسة إلى تدمير 35,520 منزلاً بشكل كامل، وتضرر 45,000 منزل آخر بشدة، نتيجة القصف الجوي واستخدام المنازل كقواعد عسكرية من قبل قوات الدعم السريع.


أحد عشر: الزراعة والخدمات اللوجستية.. ضرب “سلة الغذاء” ومنافذ النجاة

تتوقف الدراسة بتمعن عند قطاع الزراعة، الذي يمثل عصب الحياة لغالبية الأسر السودانية. لم تكتفِ الحرب بتعطيل مواسم الزراعة، بل امتدت لتضرب العمق الاستراتيجي للإنتاج الغذائي:

  1. تعطيل الإنتاج: أدى الصراع إلى قطع طرق التجارة وإعاقة عمليات المعالجة الزراعية، مما هدد الأمن الغذائي القومي.

  2. استهداف بورتسودان: توثق الدراسة حادثة خطيرة وقعت في أوائل مايو 2025، حيث هاجمت طائرات مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع مدينة بورتسودان، المركز اللوجستي الرئيسي للبلاد. أدى الهجوم إلى إشعال مستودع وقود، وتسبب في انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة بأكملها، وتعليق الرحلات الجوية الإنسانية، مما شل حركة المساعدات والسلع الأساسية.

  3. غزو مراكز الإنتاج: زاد توسع قوات الدعم السريع في ولايتي الجزيرة والقضارف (أهم مراكز الإنتاج الغذائي) من حدة الأزمة، حيث أدى ذلك إلى نزوح جماعي للمزارعين وفقدان عقود من الخبرة المتراكمة، مما جعل السودان، الذي كان مرشحاً لحل أزمة الغذاء العالمية، عاجزاً عن إطعام نفسه.


اثنا عشر: محو الذاكرة.. استهداف التراث الثقافي

أحد أكثر الجوانب إيلاماً في الدراسة هو توثيقها للاستهداف الممنهج للتراث الثقافي السوداني. تصف الورقة كيف تعرض المتحف الوطني السوداني في الخرطوم لعمليات نهب واسعة من قبل قوات الدعم السريع.

  • النهب والتخريب: سُرقت كنوز ذهبية وآثار نادرة، بينما تعرضت القطع التي تعذر نقلها للتدمير المتعمد.

  • خسارة لا تعوض: يصف المسؤولون السودانيون حجم الخسارة بأنها “جوهرية ولا يمكن تعويضها”، حيث تُرك المتحف، الذي يضم تاريخ حضارات النيل العريقة، في حالة من الركام والضياع، مما يمثل طعنة في قلب الهوية الوطنية السودانية.


ثلاثة عشر: الانهيار الاقتصادي الشامل.. اقتصاد في “السقوط الحر”

تحلل الدراسة الانهيار الاقتصادي السوداني باعتباره “تنمية عكسية” متسارعة. فالسودان الذي كان يعاني من التضخم وسوء الإدارة قبل الحرب، وصل الآن إلى مرحلة الانهيار المطلق:

  • الخسائر المادية: تقدر الخسائر الاقتصادية الإجمالية بنحو 600 مليار دولار.

  • انكماش الناتج المحلي: انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50%، وهو معدل انكماش يعادل ضعف ما شهدته دول مثل سوريا واليمن في بدايات صراعاتها.

  • انهيار العملة: تدهورت قيمة الجنيه السوداني بشكل كارثي، حيث قفز سعر الدولار من 600 جنيه قبل الحرب إلى أكثر من 2700 جنيه بحلول عام 2025.

  • البطالة: وصلت معدلات البطالة إلى مستويات فلكية بلغت 62%، مما أفقد ملايين الأسر مصدر دخلها الوحيد.

  • دمار الشركات: تم تدمير أو تعطيل قرابة 600 شركة كبرى، 400 منها في ولاية الخرطوم وحدها. كما تعرضت الأسواق المركزية التاريخية (مثل سوق ليبيا) للنهب الكامل والحرق، مما جرد التجار من سبل عيشهم.


أربعة عشر: تكلفة “آلة الحرب”.. تبديد الموارد الشحيحة

تلقي الدراسة الضوء على التناقض الصارخ بين الإنفاق العسكري والحاجة الإنسانية. في بدايات النزاع، قدرت النفقات العسكرية اليومية بحوالي 900 مليون جنيه سوداني (حوالي 1.5 مليون دولار)، ولكن هذا الرقم تضخم بشكل هائل مع استمرار وتوسع رقعة القتال.

  • استنزاف الخزانة: تُستنزف الموارد المتبقية في شراء الأسلحة والذخائر وصيانة القوات، في حين تتوقف الرواتب في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم.

  • توقف الدعم الدولي: أدى الصراع إلى تعليق مساعدات أجنبية بقيمة 4.6 مليار دولار كانت مخصصة لمشاريع التنمية والزراعة والطاقة، مما جعل الدولة عاجزة تماماً عن القيام بأي وظيفة من وظائفها الأساسية.

تخلص الدراسة في هذا المحور إلى أن هذا الدمار المادي والاقتصادي سيجعل من مهمة “إعادة الإعمار” في مرحلة ما بعد الحرب تحدياً شبه مستحيل، ما لم يكن هناك التزام دولي وتمويل ضخم يتناسب مع حجم الكارثة. إن تدمير البنية التحتية لم يهدف فقط لكسب معارك عسكرية، بل أدى وظيفياً إلى “تفكيك الدولة” ككيان قادر على خدمة مواطنيه.

خمسة عشر: استعادة الخرطوم (مارس 2025).. “نصر عسكري” أمام “تحدٍ سياسي”

تتوقف الدراسة عند لحظة مفصلية في مسار الصراع، وهي استعادة القوات المسلحة السودانية (SAF) للسيطرة على العاصمة الخرطوم في مارس 2025. يحلل الباحثون هذا الحدث ليس كخاتمة للحرب، بل كـ “نقطة تحول استراتيجية”:

  • المكاسب السياسية: عززت السيطرة على العاصمة من الموقف التفاوضي للجيش وفتحت الباب أمام احتمالات استعادة شرعية مؤسسات الدولة المركزية.

  • المكاسب الإنسانية: سمح هذا التحول بفتح خطوط الإمداد الحيوية واستئناف بعض الخدمات الأساسية في قلب البلاد، مما منح بارقة أمل لملايين النازحين بالتفكير في العودة.

  • التحذير القائم: ومع ذلك، تؤكد الدراسة أن الحرب لم تنتهِ بعد؛ فالعمليات العسكرية المستمرة في الأطراف وتفشي العنف في أقاليم أخرى يعني أن “النصر العسكري” في العاصمة يظل هشاً ما لم يتبعه “مسار سياسي” شامل يضم كافة المكونات السودانية.


ستة عشر: فلسفة إعادة الإعمار.. الدروس المستفادة من العراق وأفغانستان

يقدم الباحثون رؤية نقدية لنماذج إعادة الإعمار الفاشلة في دول أخرى. تحذر الدراسة بشدة من تكرار أخطاء “إعادة الإعمار المادية فقط”:

  1. تجاوز البناء الإنشائي: إن إعادة بناء محطات الكهرباء والمستشفيات لا يكفي إذا ظلت المؤسسات التي تديرها نخرة بالفساد أو خاضعة لسيطرة المليشيات.

  2. معالجة “فخ الصراع”: تشدد الورقة على ضرورة معالجة الأسباب الهيكلية التي أدت للحرب، وأهمها التهميش الإقليمي (المركز مقابل الهامش) واحتكار الموارد.

  3. الملكية المحلية: لا يمكن فرض نموذج إعادة إعمار “من فوق” أو عبر وكالات دولية فقط؛ بل يجب إشراك المجتمعات المحلية والنازحين في تخطيط وتنفيذ مشاريع التعافي لضمان استدامتها.


سبعة عشر: السياسات المقترحة للتعافي الشامل

تخلص الدراسة إلى مجموعة من التوصيات والسياسات التي يجب تبنيها فور توقف المدافع، وهي مصنفة كالتالي:

  • أولاً: الاستجابة الإنسانية-التنموية المزدوجة: يجب التوقف عن التعامل مع السودان كحالة “إغاثة طارئة” فقط. تقترح الدراسة دمج المساعدات الغذائية بمشاريع دعم صغار المزارعين فوراً، لإعادة تحريك عجلة الإنتاج المحلي بدلاً من الاعتماد الكلي على المعونات الخارجية.

  • ثانياً: ترميم النظام الصحي والتعليمي: تحث الدراسة على إعطاء الأولوية القصوى لإعادة الكوادر الطبية والأكاديمية المهاجرة عبر تقديم حوافز وضمانات أمنية. كما تقترح استخدام التعليم كأداة لـ “الحماية الاجتماعية” ودمج الأطفال المتضررين من الحرب في برامج دعم نفسي وتربوي مكثفة.

  • ثالثاً: التمويل والسياسات الاقتصادية: يدعو الباحثون المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى صياغة “أجندة نمو” للسودان تشمل إعفاء الديون وتوفير تمويلات ميسرة لإعادة بناء الصناعات التحويلية التي دمرتها الحرب في الخرطوم والجزيرة.

  • رابعاً: السلام الشامل والعدالة الجندرية: تؤكد الورقة أن أي عملية سلام تتجاهل التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية المدمرة على النساء (اللواتي كنّ الهدف الأكبر للعنف في هذه الحرب) ستكون عملية ناقصة ومحكومة بالفشل.


ثمانية عشر: السودان في “المنطقة العمياء” للعالم

في واحدة من أكثر فقرات الدراسة مرارة، يصف الباحثون السودان بأنه أصبح “غير مرئي” للمجتمع الدولي.

  • تجاهل عالمي: بينما تتجه الأنظار والتمويلات نحو صراعات أخرى (مثل غزة وأوكرانيا)، يغرق السودان في صمت مطبق رغم أن أزمته الإنسانية هي الأكبر عالمياً من حيث أعداد النازحين.

  • فشل المجتمع الدولي: تنتقد الدراسة “الفشل الجماعي” في منع الانهيار السوداني، وتدعو إلى تسليط الضوء الأكاديمي والسياسي المكثف على السودان لإعادة إدراجه في أولويات الأجندة الدولية.


تسعة عشر: الخاتمة.. السودان بين الفناء والانبعاث

تختتم الدراسة بتأكيد حقيقة قاسية: السودان اليوم ليس هو سودان ما قبل 15 أبريل 2023. الحرب لم تدمر المباني فحسب، بل “فككت” فكرة الدولة السودانية في أذهان الكثيرين. ومع ذلك، يرى المؤلفون (ميلتون، وعنتابي، ودلاي، وإدريس) أن التحليل الشامل والعميق لتكاليف الحرب هو الخطوة الأولى الضرورية نحو “التغيير الهيكلي”.

إن “إحصاء تكاليف الحرب” ليس مجرد تمرين حسابي للخسائر، بل هو وثيقة اتهام ضد العنف، ودعوة ملحة للتخطيط من الآن لما بعد الحرب. إن منع “الانهيار الكلي” للقطاعات الحيوية اليوم هو استثمار أفضل بآلاف المرات من محاولة إعادة بنائها من الصفر غداً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى