أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

الإسلام بين الشرق والغرب: الرؤية الفلسفية للعبور إلى “الوحدة ثنائية القطب”

يبرز كتاب الإسلام بين الشرق والغرب للمفكر ورئيس الدولة الراحل علي عزت بيجوفيتش، كواحد من أهم الأعمال الفلسفية والسياسية التي قُدمت في القرن العشرين، مقدماً أطروحة تتجاوز حدود السرد التاريخي المعتاد لتغوص في أعماق البنية الوجودية للإنسان. هذا العمل، الذي صدرت طبعته الأولى في عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين عن مؤسسة دار الشروق بترجمة دقيقة ورصينة للأستاذ محمد يوسف عدس، وتصدير نقدي عميق للدكتور عبد الوهاب المسيري، لا يمثل مجرد دفاع تقليدي عن العقيدة، بل هو اشتباك معرفي مركب مع النماذج الفلسفية الغربية بشقيها الرأسمالي والاشتراكي. إن القارئ المتمرس في قضايا النظم العالمية والديالكتيك التاريخي سيجد في هذا السفر الفكري تفكيكاً منهجياً مذهلاً لأسطورة المركزية المادية التي هيمنت على العقل الإنساني لقرون، حيث يتناول بيجوفيتش ظاهرة الإنسان في كامل تركيبيتها وتناقضاتها، رافضاً الاختزال المادي الذي يسلب الإنسان حريته وجوهره المتجاوز للطبيعة.

الرئيس الفيلسوف والجمع بين الاجتهاد والجهاد

يمثل علي عزت بيجوفيتش حالة نادرة في التاريخ السياسي المعاصر، فهو لم يكن مجرد منظر قابع في الأبراج العاجية للأكاديميا، بل كان زعيماً سياسياً، وقائداً روحياً، ورجل دولة قاد شعبه في أحلك فترات التاريخ الأوروبي الحديث. لقد تصدى هذا المفكر لمحاولات الإبادة العرقية والثقافية التي تعرضت لها جمهورية البوسنة والهرسك، ليجسد بذلك تلاحماً نادراً بين النظرية والتطبيق، وبين دور المجتهد الذي يحلل الحضارة الغربية ويفكك نموذجها العدمي، ودور المجاهد الذي يقاوم قوى الفاشية والعنصرية على الأرض. وفي خضم هذه التجربة المريرة، لم يفقد بيجوفيتش إيمانه بالإنسان، ذلك الإيمان النابع بالأساس من إيمانه العميق بالله، وإدراكه المتبصر لثنائية الطبيعة البشرية التي تجمع بين الطين والنفخة الإلهية. إن هذه القدرة على الجمع بين دور الفارس والراهب، هي التي أضفت على كتاباته هذا الطابع الحيوي المتدفق الذي يلامس قضايا النظم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية من منظور استراتيجي وفلسفي شديد الإحكام.

النموذج المعرفي وتفكيك الأيديولوجيات الكبرى

تنطلق المقاربة المنهجية التي اعتمدها بيجوفيتش من استخدام نموذج معرفي مركب، يتجاوز النظرة الأحادية التي اتسمت بها المدارس الوضعية. لقد عايش بيجوفيتش العالم الرأسمالي عن كثب، ورصد إحصاءاته حول معدلات الجريمة والانتحار، وفي الوقت ذاته عاش تحت وطأة النظم الماركسية والاشتراكية، ليصل إلى استنتاج استراتيجي بالغ الأهمية: إن الرأسمالية والاشتراكية ليستا سوى وجهين لعملة واحدة، ينبثقان من نموذج معرفي كامن واحد. هذا النموذج هو نموذج “الإنسان الطبيعي” أو الإنسان ذي الأصول المادية، الذي لا يرى في الوجود سوى المادة وتفاعلاتها. ومن خلال هذه الرؤية الكلية، يدرك بيجوفيتش البعد المعرفي والنهائي للظواهر التي يدرسها، مجيباً على السؤال الوجودي الأهم: “ما هو الإنسان؟”. إن هذه الإجابة هي التي تحدد طبيعة النموذج الحاكم للمجتمعات، وتسمح بربط ظواهر قد تبدو سطحياً متناقضة، كالفن والأخلاق والدين، ضمن إطار تحليلي متماسك.

إشكالية الأصل وقصور التفسير الدارويني

في مقاربته لمسألة أصل الإنسان، يتجنب بيجوفيتش السجال البيولوجي المعتاد، ويوجه نقده نحو العجز التفسيري الكامل للنظريات المادية، وعلى رأسها الداروينية، في استيعاب البعد الروحي والثقافي للإنسان. تفترض الداروينية أن الإنسان مجرد حيوان تطور عبر سلسلة من التفاعلات الكيميائية والمادية انطلاقاً من أشكال الحياة البدائية كالأميبا، وصولاً إلى ذكاء وظيفي يهدف حصراً إلى تحقيق البقاء المادي. لكن بيجوفيتش يرى أن هذا التطور، مهما بلغ من التعقيد، لا يمكن أن ينتج “إنساناً”، بل أقصى ما يمكنه إنتاجه هو “حيوان مثالي” قادر على تلبية احتياجاته القطيعية بكفاءة. فالإنسان يختلف نوعياً وجوهرياً عن هذا الكائن الطبيعي، لوجود ذلك “الشيء” الغامض الذي ينقله من عالم الحتميات والضرورة والسببية الصارمة، إلى فضاءات الحرية، والاختيار، والقلق، والتضحية.

الدوار الميتافيزيقي واللحظة الفارقة في تاريخ البشرية

يطرح بيجوفيتش مفهوماً فلسفياً شديد العمق يطلق عليه “الدوار الميتافيزيقي”، وهو دوار أصاب الإنسان فجأة وجعله يدرك أنه ليس مجرد امتداد للطبيعة الصماء. يتساءل بيجوفيتش عن السر الذي دفع الإنسان الأول إلى عدم الاكتفاء بصنع الآلات التي تضمن بقاءه البيولوجي، ليتجه بدلاً من ذلك نحو صنع الأساطير، والطقوس، والصلوات، وتقديم القرابين، والتأمل فيما وراء القبور. بينما يسير الحيوان وفق برمجة غريزية صارمة، يصاب الإنسان بالتردد والقلق، وهو قلق كوني موصول بأسرار الوجود، ناتج عن شعوره بالاغتراب عن عالم الطبيعة الذي يعيش فيه ويتعالى عليه في آن واحد. إن هذه اللحظة الفارقة هي التي ميزت بين الإنسان الصانع الخاضع للتطور المادي، والإنسان العاقل صاحب الخيال والوجدان، مكرسة ثنائية جوهرية لا يمكن ردها إلى الطبيعة المادية وحدها.

أسطورة الصدفة وحتمية الخلق الإلهي

يفند بيجوفيتش الفرضية المادية التي تعزو نشأة العالم والإنسان إلى صدفة عمياء، معتبراً إياها تخميناً لا يصمد أمام المنطق الرياضي أو الفلسفي. ويشبه الاعتقاد بقدرة الصدفة على خلق الكون، بالاعتقاد بأن قرداً يضرب على آلة كاتبة يمكنه أن ينتج قصيدة رائعة، أو أن يلقي شخص حجر نرد فيحصل على نتيجة متطابقة لآلاف المرات المتتالية. بل إن وجود نظام مسبق قابل للتشكل يعني أن التصميم يسبق الصدفة. ويصل بيجوفيتش من خلال هذه التحليلات إلى أن تفسير الظواهر الإنسانية المتجاوزة للمادة لا يستقيم إلا بافتراض فعل الخلق الإلهي. فالخلق ليس عملية تطور مادي تدريجي، بل هو فعل مفاجئ وأمر إلهي بـ “كن فيكون”، ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان مخيراً بين أن يكون حيواناً أو إنساناً، بل خياره الوحيد هو أن يكون إنساناً أو لا إنسان.

الحرية بوصفها جوهراً مناقضاً للحتمية المادية

تمثل قضية الحرية حجر الزاوية في النسق الفلسفي لبيجوفيتش، حيث يربطها ارتباطاً لا انفصام له بفعل الخلق. في عالم الطبيعة المادية، تخضع الأشياء لقوانين حتمية لا مجال فيها للاختيار أو التقييم الأخلاقي. أما الإنسان، فهو يمتلك حيزاً جوانيّاً يمكنه من التمرد على هذه الحتميات، واتخاذ قرارات قد تتناقض تماماً مع منفعته المادية المباشرة، كأن يضحي بحياته دفاعاً عن مبدأ أو عن شخص ضعيف. إن الحرية لا يمكن أن تكون نتاجاً للتطور الأعمى، فالتطور يمكن أن يفرز ذكاءً وقوة، لكنه لا يمكن أن يفرز حرية الاختيار الأخلاقي. ويؤكد بيجوفيتش أن الاعتراف بحرية الإنسان هو اعتراف ضمني أو صريح بوجود الله، لأن الله وحده هو القادر على خلق كائن حر يمتلك شخصية وذاتاً قادرة على الاتصال باللانهائي.

الأخلاق بين نفعية المادة وتضحية الروح

يعقد الكتاب مقارنة منهجية صارمة بين الأخلاق من المنظور المادي والأخلاق بمعناها الإنساني العميق. فالأخلاق المادية، كما تجلت في فلسفات نيتشه وداروين، تقوم على مبدأ البقاء للأقوى والتكيف النفعي، حيث تتحول الشفقة والرحمة إلى نقاط ضعف يجب التخلص منها، ويصبح سحق الضعفاء مبرراً باسم قوانين البيولوجيا. وفي ظل غياب منظومة أخلاقية متجاوزة للمادة، تصبح اللذة هي الخير الأسمى والألم هو الشر المطلق، مما يبرر انغماس المجتمعات الحديثة في ما يسميه بيجوفيتش بالجرائم المقننة التي تحقق أرباحاً طائلة على حساب الإنسانية والثقافة.

على النقيض من ذلك، يرى بيجوفيتش أن الأخلاق الحقيقية تتجسد في مفهوم التضحية، وهو مفهوم يقف على طرفي نقيض مع فكرة المنفعة والمصلحة التي تحكم عالم الحيوان وعالم الاقتصاد والسياسة المادية. إن العقل المجرد، الذي يعمل ضمن إطار المنطق المادي، قادر على تحليل العلاقات وإدراك القوانين، لكنه يقف عاجزاً عن إصدار حكم قيمي أو التمييز بين الخير والشر، لأن هذه القيم لا تنتمي إلى عالم الطبيعة المادية. وحين يغامر إنسان بحياته لإنقاذ طفل من منزل يحترق، ويفشل في ذلك ليعود بجثة الطفل، فإن هذا الفعل يبدو من المنظور المادي النفعي عملاً عبثياً وعديم الفائدة، لكنه من منظور الأخلاق الإنسانية هو تجلٍّ لمعنى النبل والقيمة التي تتجاوز معايير النجاح والخسارة المادية.

الفن والعدمية كتعبير عن الاغتراب الوجودي

في تحليله لظاهرة الفن، يميز بيجوفيتش بوضوح بين العلم الذي يتعامل مع الكميات والمقاسات، والفن الذي يتعامل مع الجوهر والروح. العلم يعطينا صورة دقيقة للعالم، لكنها خالية من الحياة، بينما الفن هو الذي يلتقط التفرد والجمال والأبعاد غير المادية للإنسان. إن الفن، شأنه شأن الأخلاق والدين، هو دليل قاطع على أن الإنسان ليس مجرد صدى للطبيعة، بل هو كائن مفارق لها. ويمتد هذا التحليل ليشمل قراءة مبتكرة للتيارات العدمية والوجودية، حيث يرى بيجوفيتش أن هذه التيارات ليست مجرد إنكار للألوهية، بل هي صرخة احتجاج ضد عالم مادي سُلب فيه الإنسان قيمته وجوهره. فالقلق العدمي والشعور بالعبث والتفاهة، كما عبر عنهما سارتر وكامي، هما في جوهرهما قلق ديني نابع من البحث المضني عن المعنى في كون مادي أصم، وهو بحث انتهى عندهم بخيبة أمل نظراً لغياب البوصلة الروحية.

الثقافة والحضارة: التمييز المنهجي بين الروح والمادة في حركة التاريخ يواصل علي عزت بيجوفيتش في الشطر الثاني من مشروعه الفكري تفكيك المفاهيم التي اختلطت في العقل الحديث، ليؤسس تمييزاً منهجياً بالغ الخطورة بين مفهومي “الثقافة” و”الحضارة”. ففي حين ينظر الفكر المادي الخالص إلى هذين المفهومين كمترادفين يعبران عن التقدم الخطي للبشرية، يرى بيجوفيتش أنهما ينتميان إلى مسارين وجوديين مختلفين ومتوازيين. الحضارة في جوهرها هي امتداد للطبيعة، وتراكم كمي ومادي يهدف إلى ترويض البيئة وتسهيل حياة الإنسان، فهي تشمل التكنولوجيا، والعمران، والنظم الإدارية، وتجيب عن سؤال “كيف نعيش؟”. أما الثقافة، فهي امتداد للنفخة الإلهية في الإنسان، وتعبير عن قلقه الوجودي وبحثه المستمر عن المعنى، وهي تشمل الفن، والدين، والأخلاق، وتجيب عن السؤال الأعمق “لماذا نعيش؟”. إن المأساة الكبرى التي يشهدها النظام العالمي المعاصر تكمن في طغيان الحضارة المادية وتضخمها على حساب الثقافة الروحية، مما أنتج إنساناً ذا بعد واحد، يمتلك أسباب القوة والرفاهية، لكنه يعاني من اغتراب مدقع وفراغ روحي قاتل.

أزمة النماذج الأحادية: بين الطوباوية الدينية والعدمية المادية من خلال هذا التمييز الدقيق، يقدم الكتاب قراءة نقدية وتاريخية للنماذج الأيديولوجية الكبرى التي هيمنت على بنية النظام الدولي. فالمسيحية التاريخية، في سعيها لخلاص الروح، قدمت نموذجاً طوباوياً خالصاً ينتمي كلياً إلى عالم الثقافة، رافضةً الاشتباك مع تعقيدات العالم المادي والسياسي، ومكرسةً مقولة “دع ما لقيصر لقيصر”. أدى هذا الانسحاب الروحي إلى ترك الساحة خالية أمام النماذج المادية البحتة، سواء في نسختها الرأسمالية التي سلّعت الإنسان وحولته إلى ترس في آلة الإنتاج والاستهلاك، أو في نسختها الماركسية التي ألغت حريته الفردية لصالح حتمية تاريخية مادية تصنعها الصراعات الطبقية. كلا النموذجين الغربيين انتهى إلى إحداث شيزوفرينيا حضارية؛ حيث يتأرجح الإنسان بين مثاليات دينية غير قابلة للتطبيق الواقعي، وبين مادية كاسحة تسلبه حريته وإنسانيته، وتخضعه لمنطق القوة المجردة والبقاء للأقوى.

الوحدة ثنائية القطب: الإسلام كمرجعية تركيبية متجاوزة في مواجهة هذا الانشطار التاريخي والوجودي، يطرح بيجوفيتش أطروحته المركزية المتمثلة في مفهوم “الوحدة ثنائية القطب”، ليقدم الإسلام ليس مجرد دين بالمعنى الغربي الكهنوتي، وليس مجرد أيديولوجيا سياسية أو اجتماعية، بل بوصفه نسقاً معرفياً وحضارياً متجاوزاً يدمج بين نداء الروح ومتطلبات الجسد. إن الإسلام في هذا الفهم الفلسفي يمثل “الديالكتيك الأسمى” الذي يجمع بين أطروحة الثقافة ونقيضها المتمثل في الحضارة، ليخلق تركيباً متوازناً يعترف بالطبيعة المزدوجة للإنسان. فهو لا يطلب من الإنسان أن يكون ملاكاً يتنكر لغرائزه وحاجاته المادية، ولا يسمح له في الوقت ذاته بأن ينحدر إلى مرتبة الحيوان الذي تحركه منفعته العاجلة. إن هذه الرؤية التركيبية هي التي تمنح الفكر الإسلامي قدرته على صياغة مشروع مجتمعي متكامل، يقيم العدل في الأرض والأسواق، وفي الوقت ذاته يعلق أبصار الناس بالسماء.

التجسيد العملي للثنائية: الشعائر كفعل مادي وروحي متشابك لا يكتفي بيجوفيتش بالتنظير المجرد، بل يغوص في البنية التعبدية للإسلام ليبرهن على تغلغل هذه الوحدة ثنائية القطب في أدق تفاصيل الشعائر. فالصلاة ليست مجرد تأمل روحي أو انوجاد صوفي في عزلة عن العالم، بل هي انضباط جسدي، وهندسة مكانية، واصطفاف اجتماعي، وحركة مادية تترافق مع تبتل روحي عميق. والوضوء الذي يسبقها يجمع بين النظافة البيولوجية والتطهر المعنوي. أما الزكاة، فهي ليست مجرد صدقة أو شفقة تنبع من عاطفة فردية، بل هي ضريبة مادية ونظام اقتصادي ملزم، يتقاطع مع غاية روحية تهدف إلى تطهير النفس من شحها، وتطهير المجتمع من اختلالاته الهيكلية. حتى فريضة الحج، تتجلى فيها هذه الثنائية في أبهى صورها، كرحلة روحية عظمى تتطلب جهداً بدنياً وتنظيماً مادياً هائلاً لحشود بشرية تتجاوز الفوارق الطبقية والقومية.

الإنسان كحامل للأمانة ومحور للتاريخ تخلص هذه القراءة التحليلية العميقة إلى أن مشروع علي عزت بيجوفيتش يتجاوز كونه دفاعاً عن العقيدة، ليصل إلى مستوى المرافعة الكونية عن “الإنسان” وحريته في مواجهة حتميات الطبيعة وطغيان النظم المادية. ففي ظل عالم تحكمه صراعات القوى الكبرى وحسابات الجيوبوليتيك الجافة، يعيد هذا الكتاب الاعتبار للإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي تحمل “الأمانة” الكونية، وهي أمانة الاختيار الحر والمسؤولية الأخلاقية. إن المأزق الذي تعيشه الإنسانية اليوم لا يمكن حله بمزيد من التطور التكنولوجي أو بتعديل هياكل الاقتصاد العالمي فحسب، بل يتطلب في المقام الأول استعادة التوازن المفقود بين الثقافة والحضارة، والعودة إلى النموذج الإنساني المركب الذي تظل فيه المادة خادمة للروح، وتبقى فيه القوة مقيدة بضوابط الأخلاق المتجاوزة.

القانون والدولة: تجسيد الإرادة الأخلاقية في بنية السلطة

ينتقل بيجوفيتش في تحليله لثنائية الروح والمادة إلى دوائر أكثر تعقيداً تتعلق بنظرية الدولة وفلسفة القانون. في المنظور الديني الخالص، يُنظر إلى الخطيئة بوصفها شأناً داخلياً يعالجه الضمير والندم، بينما تنظر المادية إلى الجريمة بوصفها خللاً اجتماعياً يعالجه العقاب الرادع وقوة السلطة. وهنا تتجلى عبقرية النسق الإسلامي الذي يرفض هذا الانفصال، مقدماً الشريعة كمنظومة عضوية تدمج بين الوازع الأخلاقي الداخلي والإلزام القانوني الخارجي. إن الدولة في هذا الفهم ليست غاية في حد ذاتها، ولا هي أداة قهر طبقي كما تراها الماركسية، بل هي إطار تنظيمي ضروري لحماية الثقافة وتوجيه الحضارة. فالقانون الإسلامي لا يكتفي بمخاطبة النوايا، بل يتدخل لضبط المعاملات المادية، جاعلاً من العدالة الاجتماعية فريضة ملزمة تحرسها سلطة سياسية تمتلك القوة، ولكنها قوة مقيدة بمقاصد أخلاقية عليا تتجاوز براغماتية السياسة المجردة.

الدراما التاريخية والموقع الجيوبوليتيكي للأمة الوسط

لا يقف الكتاب عند حدود التنظير الفلسفي، بل يمتد ليقدم قراءة استراتيجية عميقة لموقع العالم الإسلامي في صلب الدراما التاريخية المعاصرة. يرى بيجوفيتش أن الجغرافيا السياسية للعالم الإسلامي، الممتدة بين الشرق والغرب، ليست مجرد صدفة طوبوغرافية، بل هي انعكاس لموقعه الفلسفي والحضاري. فالإسلام، بجمعه بين المادية والروحانية، يمثل “الطريق الثالث” الذي يقف في مواجهة التطرف الرأسمالي والتطرف الاشتراكي على حد سواء. إن هذه “الأمة الوسط” تحمل على عاتقها رسالة تاريخية لإنقاذ البشرية من التمزق بين أطروحات الاستهلاك المادي العدمي والانعزال الروحي السلبي. غير أن هذا الدور الكوني معطل حالياً بسبب حالة التبعية الفكرية والسياسية التي تعاني منها الشعوب الإسلامية، والتي أفقدتها بوصلتها الحضارية وجعلتها مجرد ساحة خلفية لصراعات النظم العالمية.

نقد التحديث المشوه وحتمية استعادة الذات

يشن بيجوفيتش هجوماً تحليلياً صارماً على محاولات التحديث القسري التي شهدها العالم الإسلامي، والتي استهدفت استنساخ النموذج الغربي بحذافيره. ويؤكد من خلال أمثلة تاريخية واضحة أن استيراد الهياكل الحضارية الغربية، كالأنظمة الإدارية والتكنولوجية، مع محاولة استئصال الجذور الثقافية والروحية للمجتمعات الإسلامية، لم ينتج نهضة حقيقية، بل أنتج مجتمعات مشوهة تعاني من انفصام في هويتها. إن الحضارة لا تُشترى بالمال، بل تُبنى على أساس ثقافي متين. ولا يمكن للأمة الإسلامية أن تستعيد فاعليتها التاريخية بمجرد تقليد الغرب أو ارتداء قشرته المادية، بل من خلال استعادة ثقتها في نسقها المعرفي الخاص، وتفعيل ديناميكية “الوحدة ثنائية القطب” في واقعها المعاصر، لتكون قادرة على استيعاب منجزات العلم الحديث وتوجيهها بوحي من قيمها الروحية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى