تحقيقات وتقاريرأبرز المواضيع

صلاح الدين وتفكيك لغم الذاكرة: كيف شُكلت الخريطة المذهبية في أتون الحروب الصليبية؟

عندما يتحول التاريخ إلى ذخيرة حية

تستفيق المنطقة العربية والإسلامية في العصر الراهن على وقع انقسامات طائفية حادة، تحول فيها التاريخ المذهبي من سجال فكري وأكاديمي إلى “ذخيرة متفجرة” تُدمر الحاضر وتُلغم المستقبل. وفي غمرة هذا الشقاق المزمن، الذي يتغذى على ثقافة الثأر الأبدي وتوظيف الصور النمطية السلبية، يغدو البعد المعرفي والتاريخي المجرد أول الضحايا. فالطائفية المعاصرة لا تكتفي باستدعاء مظالم الماضي، بل تعيد اختراعه وتبسيطه، محولة إياه إلى ملحمة ثنائية مختزلة بين طائفتين؛ إحداهما تمتلك الحقيقة المتمحورة حول الذات، والأخرى متهمة بالخيانة العظمى والعمالة الدائمة للخارج.

في هذا السياق التاريخي والسياسي المحتقن، يأتي كتاب “أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية” للمفكر والأكاديمي الموريتاني الدكتور محمد بن المختار الشنقيطي (الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر) ليمثل شمعة في ظلام الجدال الطائفي المعتم، ومحاولة جادة ومحكمة لـ “ترميم الذاكرة التاريخية” وإعادتها إلى سكة الواقع التاريخي الصلب.

الكتاب في أصله أطروحة دكتوراه في تاريخ الأديان نوقشت في جامعة “تكساس تك” (Texas Tech University) بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2011 أمام لجنة علمية متنوعة المشارب؛ ضمت أستاذ تاريخ الكنيسة والحروب الصليبية جون هاؤ (John Howe)، وأستاذ التاريخ الأوروبي الإيطالي ستيفانو داميكو (Stefano D’Amico)، وأستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر سعد أبي حمد، إضافة إلى المؤرخ والمترجم المعروف للغة الإنجليزية خالد بلانكينشيب (Khalid Blankinship). وقد حظيت الأطروحة باهتمام مبكر؛ إذ ترجمها الأكاديمي التركي إدريس شقمق إلى اللغة التركية ونشرت في إسطنبول عام 2012، قبل أن يتولى المؤلف بنفسه نقلها إلى اللسان العربي، مراجعاً أصول الاقتباسات ومحتفظاً بروح النص ومضيفاً إليها ما استجد لديه من مصادر ونظرات.

تنبثق أهمية العمل من كونه يتناول لحظة فارقة حاسمة من عمر الأمة الإسلامية؛ لحظة الحروب الصليبية التي امتدت على مدى قرنين من الزمان (القرنين السادس والسابع الهجريين / الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين). وهي الحقبة التي واجه فيها العالم الإسلامي المشرقي هجمة خارجية عاتية في وقت كان فيه مجتمعه يمر بأزمات تمزق داخلي ومذهبي وسياسي عميق. لكن الشنقيطي لا يكتفي بإعادة سرد الأحداث العسكرية للحروب الصليبية كما فعل مئات المؤرخين عرباً وغربيين، بل يسحب هذه الحقبة إلى عمق الديناميكيات الداخلية للمجتمع المسلم، متقصياً أثر تلك المنازلات الإقليمية والدولية على بنية العلاقات السنية الشيعية بتموجاتها وظلالها المختلفة.

ترميم الذاكرة: بناء ماضٍ جديد لتجاوز الهدم والتلغيم

ينطلق المؤلف في مدخل الكتاب التأسيسي من مقولة عميقة للمؤرخة الأمريكية غريتشن آدمز (Gretchen Adams): “من أجل بناء مستقبل جديد نحتاج إلى بناء ماضٍ جديد”. ولا تعني هذه المقولة بحال من الأحوال اختراع تاريخ مزيف أو ممارسة إسقاطات رغبوية على الأحداث المنقضية، بل تعني بالتحديد نقض “الذاكرة التاريخية المتوازية” الموتورة لدى الطرفين، وتقريب الذهنية الجماعية السنية والشيعية اليوم من الحقيقة التاريخية المركبة الموثقة، بعيداً عن تبسيط الجدال الطائفي وأوهامه.

إن الأمة الإسلامية، كما يقرر الشنقيطي، لن تتمكن من الخروج من الطريق المعتم الذي قادها إلى الجهالة الطائفية والهمجية السياسية الراهنة، إلا إذا أدركت كيف دخلت هذا الطريق في الأساس. ومن أبرز العبر التي يستخلصها المؤلف من وقائع التاريخ المبسوطة في الدراسة، أن الخلاف الديني والمذهبي لا يتحول بذاته إلى فتنة سياسية أو صراع عسكري طاحن إلا إذا لابسه ظلم. وإذا كانت مواجهة الظلم فريضة وفضيلة شرعية وسياسية، فإن المسوغ الشرعي والأخلاقي لقتال الظالم أو ردع الصائل هو ظلمه وعدوانه، وليس دينه أو مذهبه أو طائفته.

من هذا المنطلق، يقدم الكتاب نقداً جذرياً ومبدئياً لمنطق “الرد على الطائفية بطائفية مضادة”؛ فثقافة الثأر الأبدي والتحريض المتبادل قد تساعد طائفة على الانتقام الظرفي أو تعديل ميزان القوى اللحظي، لكنها عاجزة تماماً عن بناء مجتمعات العدل والحرية والكرامة الإنسانية التي تسع جميع المواطنين بمختلف مشاربهم ومذاهبهم. إن الطائفية لا تُهزم بانتصار طائفة على أخرى، بل بنقض المنطق الطائفي من أساسه، وبانتصار الفرد الحر المكتمل الأهلية والكرامة على أوهام الجماعة المغلقة. أما الدواء الشافي والوحيد للآفة الطائفية فهو إقامة العدل والحرية للجميع، بغير ازدواجية ولا مثنوية.

ثنائية التواصل والقطيعة: استقراء التاريخ الإسلامي

لتحرير الدراسة من الهيستيريا الطائفية المعاصرة، يعود الشنقيطي إلى استقراء مسار العلاقات السنية الشيعية عبر التاريخ الإسلامي في كليته، متوصلاً إلى نتيجة استقراء مفصلية: إن التواصل العلمي والاجتماعي والسياسي بين أهل السنة والشيعة (ولا سيما الشيعة الإمامية) كان هو الأصل والسائد في أغلب مراحل التاريخ الإسلامي، ولم تكن العلاقة علاقة قطيعة مستمرة كما يروج المتطرفون من الطرفين اليوم.

يمتاز منهج التواصل بالإحساس العميق بالاشتراك في الدين والتاريخ والهوية والمصير الحضاري الموحد. في المقابل، يمثل منهج القطيعة تنكراً لكافة هذه المشتركات الجامعة، ورصاً للأسوار العالية بين أبناء الأمة الواحدة، مع تغليب سوء الظن والتخوين والتسليم بالصور النمطية السلبية حتى يُرى العدو البعيد الغازي أقرب وأرحم من الجار القريب المختلف مذهبياً.

وبحسب الاستقراء التاريخي الموثق الذي يقدمه المؤلف، فإن التمايز بين الفريقين في العصر الأموي كان تمايزاً سياسياً حول الخلافة والشرعية لا تمايزاً اعتقادياً شاملاً. وعندما قامت الدولة العباسية في بدايتها، كانت مزيجاً فريداً من “التشيع السياسي والتسنن الاعتقادي”. وطيلة العصر العباسي الأول، تداخلت المدرستان السنية والشيعية تداخلاً فكرياً وسياسياً وكثيفاً؛ فكان لدى بعض الخلفاء العباسيين الأوائل ميول شيعية صريحة، وكان من بين وزراء الدولة وأعيانها العديد من رجالات الشيعة، دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الدولة أو اشتعال الحروب الأهلية الاستئصالية.

أما القطيعة الحقيقية بين السنة والشيعة فلم تسد عبر التاريخ الإسلامي الوسيط والحديث إلا في أربعة سياقات تاريخية وسياسية محددة، هي:

  1. الصراع بين المالكية والإسماعيلية خلال فترة الحكم الفاطمي لتونس وشمال أفريقيا، وهي القترة التي شهدت قمعاً مذهبياً شديداً وردود فعل شعبية وفقهية عنيفة.

  2. المناوشات الحنبلية-الشيعية في بغداد تحت مظلة الحكم البويهي (الذي دام نحو مائة وخمس سنوات)، حيث غذى الصراع الإقليمي وتنافس النخب العسكرية المشاحنات المذهبية في أحياء العاصمة العباسية.

  3. صراع النفوذ الجيوسياسي والعسكري بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية على العراق وشمال الشام وشرق الأناضول، وهو الصراع الذي اصطبغ بصبغة طائفية حادة لشرعنة التمدد الترابي والتنافس الإمبراطوري.

  4. الصراع المشتعل على ضفتي الخليج منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979م، وصولاً إلى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م وانفجار ثورات الربيع العربي وما تلاها من اصطفافات طائفية إقليمية.

ويرى الشنقيطي أن الدارس المتعمق لهذه السياقات الأربعة يكتشف بوضوح أن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء حالات القطيعة والصراع لم تكن أسباباً دينية أو عقائدية حاسمة في ذاتها، بل كانت في أغلبها أسباباً سياسية وجيوسياسية وثقافية وعرقية، غير أن التعبير عنها وتعبئة الجماهير لحوض معاركها كان يتم دائماً بلغة دينية ومذهبية طائفية، كما هو شأن كافة الخلافات والحروب في الإمبراطوريات القديمة والحديثة.

زلزال الحملات الصليبية وهندسة التحول المذهبي

عندما وقف البابا أوربان الثاني في بلدة “كليرمون” الفرنسية عام 488هـ / 1095م ليلقي خطبته الشهيرة داعياً إلى “حج مسلح” واجتياح البلاد المقدسة في الشرق، كانت الخريطة الطائفية للمشرق الإسلامي تتميز بوجود إمبراطورية شيعية إسماعيلية فاطمية تحكم مصر وجزءاً من الشام، بينما كانت توجد أغلبية شيعية (جلها من الشيعة الإمامية) تنتشر بين مسلمي بلاد الشام.

ولكن عندما نجح المماليك في دحر آخر القلاع الفرنجية الصليبية على الساحل الشامي (سقوط عكا عام 690هـ / 1291م) بعد قرنين كاملين من نداء البابا أوربان، كانت الخريطة الطائفية المذهبية للإسلام قد شهدت تحولاً بنيوياً جارفاً؛ إذ تهاوت الإمبراطورية الفاطمية وتلاشت تماماً منذ أيام صلاح الدين الأيوبي، وكانت الأغلبية الشيعية في بلاد الشام قد انحسرت بشكل دراماتيكي، ودخلت في مسار تحول مذهبي واسع النطاق نحو التسنن من جديد.

يطرح الشنقيطي هنا حزمة من الأسئلة المركزية التي تشكل العصب الفكري والبحثي لكتابه:

  • لماذا تمدد التسنن وانحسر التشيع في مصر والشام تحديداً خلال فترة الحملات الصليبية؟

  • هل كان للحملات الصليبية ولحركة المقاومة الإسلامية التي تصدت لها أثر مباشر في هذا التمدد وهذا الانحسار؟

  • كيف تطورت العلاقات السنية الشيعية عبر تفاصيل القرنين، وما الفرق بين علاقة السنة بالشيعة الإمامية وعلاقتهم بالشيعة الإسماعيلية (الفاطمية والنيزارية)؟

  • وأخيراً، كيف يؤثر تمثل تلك الأحداث التاريخية في السجال والحجاج الطائفي المشتعل بين الطرفين اليوم؟

تصوغ الدراسة فرضيتها الأساسية في أن الحروب الصليبية أسهمت في تسريع وتكثيف انحسار التشيع في مصر والشام خلال القرنين السادس والسابع الهجريين، ووفرت البيئة لترسيخ “الإحياء السني” الصاعد. كما أسهمت هذه الحروب لاحقاً في انتقال ثقل التشيع الديموغرافي والفقهي من بلاد العرب إلى بلاد فارس.

وعلى مستوى العلاقات بين الجماعات الإسلامية، كشف البحث عن مفارقة تاريخية ذات دلالة: لقد فرقت الحروب الصليبية بين السنة والشيعة على المدى القريب في بداياتها الأولى بسبب اضطراب القيادات والسياسات، لكنها جمعت السنة والشيعة الإمامية في صف واحد وعلى جبهة مشتركة على المدى البعيد لمواجهة الغزو الأجنبي. وفي المقابل، ظهر تمايز بنيوي وحاسم في سلوك الشيعة الإسماعيلية (الفاطميين والنزاريين/الحشاشين)، الذين اتبعوا مناهج معقدة ودموية طبعت علاقتهم مع المحيط السني بالريبة والتصادم طوال تلك الحقبة.

صعود السلاجقة و”القافلة التركية”: انبعاث العصر السني

قبل عقود قليلة من وصول الحملات الصليبية إلى شواطئ المشرق الإسلامي، كان العالم الإسلامي يعيش تحولاً جيوسياسياً ومذهبياً عميقاً تمثل في انبعاث وتجدد المذهب السني، وهو الانبعاث الذي قادته قبائل الغز والغزاليين السلاجقة قادمين من وسط آسيا، في ظاهرة يصفها الباحثون والشرقيون بـ “القافلة التركية”. فبعد نحو قرن ونصف من السيطرة الشيعية على مقدرات العالم الإسلامي المشرقي والمغربي — والتي تجسدت في الدولة الفاطمية الإسماعيلية في مصر والشام، والدولة البويهية الزيدية ثم الإمامية في العراق وإيران، والدولة الحمدانية والفرعية في شمال الشام — جاء الدخول السلجوقي إلى بغداد عام 447هـ / 1055م برئاسة طغرل بك ليضع حداً للنفوذ البويهي ويُعيد الاعتبار للشرعية العباسية السنية.

لم يكن هذا التحول مجرد استبدال لأسرة حتكمة بأخرى، بل كان مشروعاً شاملاً لإعادة هندسة المجال العام والمؤسسي للعالم الإسلامي. فقد اقترن الصعود السلجوقي ببناء شبكة واسعة من المدارس النظامية التي أسسها الوزير الفذ نظام الملك، والتي انتشرت في نيسابور وبغداد ودمشق وغيرها. وظفت هذه المؤسسات التعليمية والمؤسسات الأوقافية التابعة لها لترسيخ العقيدة الأشعرية والفقيه الشافعي والحنفي، وبناء جيل جديد من الفقهاء والعلماء والقضاة القادرين على إدارة أجهزة الدولة وتوفير الغطاء الشرعي للسلطنة السلجوقية والخلافة العباسية. وهكذا تحول التسنن من حراك شعبي وفقهي مدافع إلى سياسة دولة رسمية تمتلك الأدوات التنفيذية والتعليمية والدعائية.

غير أن هذا الانبعاث السني الصارم، رغم نجاحه المؤسسي في الشرق الفارسي والعراقي، خلق حالة من الشد والجذب المذهبي مع الساكنة الشيعية العريضة التي كانت تملأ بقاعاً واسعة من الشام والعراق ومصر. ففي بغداد على سبيل المثال، أدى إعادة رسم معالم الهوية السنية للدولة إلى تجدد المناوشات والاشتباكات الطائفية في أحياء الكرخ وباب البصرة. أما في بلاد الشام، فقد أوجد دخول السلاجقة بؤر توتر مع القيادات المحلية والإمارات الشيعية القائمة، مما جعل الخريطة الاجتماعية والمذهبية عشية الغزو الصليبي تعيش حالة من السيولة والمخاوف المتبادلة بين النخب السلجوقية الوافدة والجماهير والمجتمعات الشيعية المستقرة.

الخريطة الطائفية لبلاد الشام ومصر عشية الاحتلال

عندما ألقى البابا أوربان الثاني خطبته في كليرمون، كانت الخريطة الديموغرافية والمذهبية لبلاد الشام ومصر تتميز بتركيبة مركبة ومتقاطعة، تبتعد تماماً عن الصورة النمطية التي تتخيل مجتمعات سنية أو شيعية متجانسة مغلقة. في مصر، كانت الدولة الفاطمية قد دخلت مرحلة الأفول والضعف الشديد؛ حيث استبد الوزراء العسكريون بزمام الأمور، وانحسر التشيع الإسماعيلية الذي كان يمثل مذهب السلالة الحاكمة والنخبة الإدارية دون أن يتحول إلى مذهب للأغلبية الشعبية المصرية، التي ظلت في معظمها على المذهب السني (الشافعي والمالكي)، إلى جانب كتلة مسيحية قبطية واسعة.

أما في بلاد الشام، التي شكلت مسرح العمليات الرئيس للحملات الصليبية الأولى، فقد كانت الصورة المذهبية أكثر تعقيداً. كانت الأغلبية السكانية المسلمة في مدن مثل حلب ودمشق وطرابلس ومعرة النعمان وجبل عامل ونابلس تتوزع بين السنة والشيعة الإمامية، مع وجود جزر إسماعيلية ونصيرية ودرزية في المناطق الجبلية. وكانت مدن مثل طرابلس تحت حكم بني عمار (وهم شيعة إمامية عرفوا بالعلم والأدب وتأسيس دار العلم الشهيرة)، وحلب تحت حكم بني مرداس ثم السلاجقة، بينما كانت بيت المقدس وبعض أجزاء الجنوب الشامي تتجاذبها السيطرة العباسية السلجوقية والفاطمية الإسماعيلية.

لقد أسهم هذا التنوع الطائفي، المقترن بتعدد القوى السياسية، في خلق حالة من التكيف والتعايش السكاني في الحياة اليومية والمعاملات التجارية، لكنه في الوقت ذاته جعل الشام منطقة هشاشة جيوسياسية عارية أمام أي هجوم خارجي منظم. فلم تكن هناك سلطة مركزية واحدة قادرة على توحيد الطاقات البشرية والعسكرية، بل كانت البنية السياسية مقسمة إلى إمارات ومدن-دول صغيرة يتنافس أمراؤها على البقاء والسيطرة، وتغلب عليهم الحسابات الضيقة والمخاوف المتبادلة، سواء كانت تلك المخاوف سياسية أو مذهبية.

التفكك المشرقي واللحظة الصليبية: عندما تهاوت خطوط الدفاع

تجسدت المأساة الكبرى التي مهدت لنجاح الحملة الصليبية الأولى (489-492هـ / 1096-1099م) في التقاء حالة الانقسام المذهبي مع التفكك السياسي الصريح في أحرج لحظة تاريخية. ففي السنوات القليلة التي سبقت وصول الفرنجة، شهد المشرق الإسلامي سلسلة من الوفيات المفاجئة لرموز السلطة والسياسة؛ إذ توفي السلطان السلجوقي ملكشاه، ووزيره الفذ نظام الملك، والخليفة العباسي المقتدي بالله، والخليفة الفاطمي المستنصر بالله، والوزير الفاطمي بدر الجمالي. أدت هذه الفراغات القيادية المتزامنة إلى حروب أهلية واقتتال داخلي على السلطة سواء داخل البيت السلجوقي في الشرق أو داخل البيت الفاطمي في مصر.

في هذه البيئة المشحونة بالصراع على البقاء، عجزت القوى الإسلامية عن استيعاب حجم الخطر الوافد من الغرب الأوروبي. فنظرت القيادات السلجوقية في الشام والعراق إلى الغزاة الصليبيين في بداية الأمر كقبائل جائعة أو مرتزقة يمكن التنافس معهم أو توظيفهم في الصراعات المحلية ضد الخصوم والأنساب. وفي المقابل، نظرت القيادة الفاطمية في القاهرة إلى تقدم الفرنجة على أنه فرصة لإضعاف السلاجقة في شمال الشام، وسعت إلى إقامة التفاهمات السياسية وتقاسم مناطق النفوذ معهم، مما أدى إلى غياب أي رؤية استراتيجية موحدة لمواجهة الاستعمار الصليبي المتمدد.

ترتب على هذا التفكك الشامل وانهيار خطوط الدفاع المشرقية تساقط المدن الإسلامية الحيوية واحدة تلو الأخرى في يد الصليبيين؛ فسقطت الرها وأنطاكية، وتوج هذا الانهيار بالمأساة الكبرى وسقوط بيت المقدس عام 492هـ / 1099م وارتكاب المذابح المروعة بحق سكانها المسلمين على اختلاف مذاهبهم. لقد كشفت تلك اللحظة القاسية أن الترف الفكري والخصام المذهبي بين السنة والشيعة، عندما يترافق مع العجز السياسي والانتهازية القيادية، يؤدي حتماً إلى كارثة حضارية لا تستثني أحداً، ومهدت هذه الصدمة التاريخية المروعة لاستفاقة بطيئة وبدء تشكل حركة المقاومة والجهاد التي ستعيد رسم الخريطة المذهبية والسياسية للمنطقة برمتها.

انكسار جدار القطيعة: التجربة الشامية المشتركة

مع استقرار الإمارات الصليبية في بيت المقدس والرها وأنطاكية وطرابلس، والتمدد العدواني للفرنجة باتجاه عمق المدن الشامية، وجدت المجتمعات الإسلامية الشامية نفسها أمام تهديد وجودي لا يفرق بين سني وشيعي، ولا يكتفي بانتزاع الأراضي والسلطة بل يستهدف الهوية الحضارية والدينية للجميع. أدى هذا الخطر الداهم إلى إحداث صدمة واعية لدى القواعد الشعبية والنخب السياسية والدينية، كشفت عن تهافت الحواجز المذهبية أمام وحدة المصير. وفي هذه اللحظة العصيبة، تجلى المنهج الأصيل في العلاقات السنية الشيعية — وهو منهج التواصل والعيش المشترك — ليتجاوز حالة الجفاء السياسي والمذهبي التي طبعت المراحل السابقة.

لم تكن المجتمعات الشيعية الإمامية في بلاد الشام، ولا سيما في مدن حلب وطرابلس وجبل عامل والقدس، معزولة عن النسيج الاجتماعي العام، بل كانت جزأً أصيلاً من التركيبة الحضرية والاقتصادية للمنطقة. وعندما دهم الخطر الفرنجي المدن الشامية، لم تتجه الشيعة الإمامية نحو المهادنة أو البحث عن تحالفات منفردة مع الغزاة، بل انخرطت في خندق الدفاع الذاتي والمقاومة الشعبية جنباً إلى جنب مع إخوانهم من أهل السنة. وظهر بوضوح أن الشيعة الإمامية تنطلق من مرجعية فقهية واعتقادية تؤكد على حرمة إعانة الغريب المعتدي على المسلمين، وضرورة الدفاع عن أرض الإسلام بغض النظر عن المذهب العقدي للحاكم أو المجتمع.

شهدت هذه الحقبة تقارباً كبيراً بين علماء ورجالات الفريقين في مواجهة الكارثة الممتدة. فعلى الرغم من الاختلافات الفقهية والكلامية المعروفة بين المدرسة الفقهية السنية (الشافعية والحنفية) والمدرسة الإمامية جعفرية المذهب، فإن الميدان الدفاعي فرض نمطاً من التنسيق والتعاضد الاجتماعي. وشهدت شوارع المدن المحاصرة وأسواقها تلاحماً شعبياً تمثل في التقاسم المتساوي لأعباء الحصار، والمشاركة في حفر الخنادق وترميم الأسوار، وتبادل الدعم بين الأحياء السنية والشيعية، مما أرسى دعائم وعي إسلامي عابر للتخندقات الطائفية الضيقة.

صمود طرابلس والملحمة الحلبيّة: نماذج التضامن العسكري والسياسي

تتجلى صور هذا التضامن الدفاعي في أبهى معانيها خلال ملحمة صمود مدينة طرابلس البحرية تحت حكم بني عمار (وهم من الشيعة الإمامية). فقد تعرضت طرابلس لحصار صليبي قسري وطويل فرضه حصن القديس جيل (حصن صنجيل) لعدة سنوات. وخلال هذا الحصار المجهد، لم يقتصر بني عمار على مواردهم الذاتية، بل وجدوا سنداً كبيراً من الأهالي السنة في المدينة والقرى المجاورة الذين قاتلوا باستبسال نادراً تحت قيادة واحدة لحماية ثغر من ثغور الإسلام. وعندما استنجد قاضي طرابلس ابن عمار بالخلافة العباسية والسلاطين السلاجقة وبالمصريين، كانت الاستجابة — وإن تعثرت ببعض الحسابات السياسية — تعكس إدراكاً عاماً بأن سقوط طرابلس يمثل خسارة جليلة للأمة بأسرها.

أما النموذج الأبرز للتلاحم السني-الإمامي في الشام، فقد تجسد في مدينة حلب، التي كانت تمثل رأس الحربة في خط الدفاع الشمالي ضد إمارة أنطاكية الصليبية. كانت حلب تتميز بوجود كتلة شيعية إمامية واسعة ونافذة يمثلها بنو زهرة (بيت علم ورئاسة شيعي إمامي معتبر)، إلى جانب كتلة سنية متماسكة. وعندما اشتد الخطر الصليبي على حلب وفشلت القيادات السلجوقية المحلية في تقديم حماية جادة، نسق الشريف أبو إبراهيم بن زهرة الشيعي مع القاضي أبي الفضل بن الخشاب السني (قاضي حلب ورئيس القاضين فيها) لخلق جبهة وطنية متماسكة.

لم يكتف القاضي ابن الخشاب والشريف ابن زهرة بالتنسيق الداخلي، بل قادا معاً حركة المقاومة والجهاد الشعبي. وسافرا معاً في وفود مشتركة إلى بغداد للضغط على السلطان السلجوقي والخليفة العباسي لإرسال الجيوش والنجدات لمحي بلاد الشام. وفي معركة “سرمدا” (أو معركة حقل الدم) عام 513هـ / 1119م، التي أُبيد فيها جيش إمارة أنطاكية الصليبي وقتل أميرها روجر، كان القاضي ابن الخشاب يصول في الميدان محرضاً للفرسان على القتال، تحيط به الجماعات السنية والشيعية جنباً إلى جنب في ملحمة عسكرية تاريخية حسمت الخطر الصليبي عن حلب لفترة طويلة.

صياغة الفقه الدفاعي والوعي الحضاري المشترك

أسهمت الممارسة العملية للمقاومة في تعميق الوعي الحضاري والفقهي المشترك لدى علماء السنة والشيعة الإمامية خلال العصر الصليبي. فقد انعكس هذا الوعي في كتابات وفتاوى أعلام المذهبين؛ حيث ظهرت أدبيات الجهاد والتلاحم لدى علماء السنة من أمثال القاضي ابن الخشاب، والشيخ علي بن طاهر السلمي (صاحب كتاب الجهاد، وهو أول من نبه إلى الخطر الصليبي ودعا لجمع الكلمة)، وتوازت معها كتابات وفتاوى فقهاء الشيعة الإمامية في العراق والشام الذين أفتوا بوجوب قتال الفرنجة وحرمة التعامل معهم أو بيع الأراضي والمؤن لهم.

هذا التوافق الفقهي والعملي يبرهن على أن الخلاف الاعتقادي والتاريخي بين السنة والشيعة الإمامية لم يتحول في أوقات الأزمات الكبرى إلى عداء استئصالي، بل ظل محكوماً بضوابط الأخوة الإسلامية والمصلحة العليا لدار الإسلام. لقد أدرك الطرفان أن العدوان الصليبي يستهدف الملة برمتها، وأن النجاح في رده يتطلب الانضواء تحت راية جهادية مشتركة تتجاوز الخلافات التفصيلية حماية للأرض والعرض والمقدسات.

وهكذا أثبتت التجربة الشامية أن الشيعة الإمامية كانوا جزءاً لا يتجزأ من حركة الجبهة الإسلامية المقاومة للوجود الصليبي، وسطروا برفقة إخوانهم السنة أروع صفحات الصمود والرباط. غير أن هذه الصفحة المشرقة من التضامن بين السنة والإمامية كانت تجري في وقت كان ي تشهد فيه الساحة المشرقية صراعاً من نوع آخر أكثر تعقيداً ودموية مع تيار شيعي آخر تمثل في الشيعة الإسماعيلية النزارية والفرع الفاطمي، وهو ما سيشكل المحور الأساسي للتناول والتحليل في الجزء القادم.

انقسام الإسماعيلية وتفكك المشروع الفاطمي

بينما كانت بلاد الشام تشهد تلاحماً دفاعياً بين أهل السنة والشيعة الإمامية لمواجهة التمدد الصليبي، كان الفرع الإسماعيلية من التشيع يعيش تحولات جذرية وصراعات داخلية عاتية أثرت عميقاً على موقعه في معادلة الصراع الإسلامي-الصليبي. فبعيد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عام 487هـ / 1094م، انقسم الإسماعيلية إلى فرقين متنافسين؛ الإسماعيلية المستعلية الذين استقروا في مصر وتولوا مقاليد الخلافة الفاطمية المتهالكة، والإسماعيلية النزارية الذين اتخذوا من المرتفعات الجبلية في إقليم الجبال وإيران وبلاد الشام معقلاً لهم، وقادهم حسن الصباح لتأسيس ما عُرف في التاريخ بـ “دولة قلعة ألموت” أو جماعة “الحشاشين”.

أدى هذا الانقسام  إلى إضعاف المركز الفاطمي في القاهرة بشكل حاسم. فقد تحول البلاط الفاطمي في مصر إلى ساحة للصراع بين الوزراء العسكريين والأمراء والمنافسين، وانشغلت الدولة بالفتن الداخلية عن أداء دورها التاريخي في حماية الثغور الشامية الممتدة. ونتيجة لهذا العجز والارتباك الجيوسياسي، اتسم الموقف الفاطمي في بداية الحروب الصليبية بالتردد والانتهازية؛ حيث حاول بعض الوزراء الفاطميين عقد سفارات وتفاهمات مع القادة الصليبيين لتقاسم النفوذ في الشام على حساب السلاجقة أهل السنة، ظناً منهم أن الخطر الصليبي مجرد حركة أعراب أو حجاج مسلحين يمكن احتواؤهم بالمال والمعاهدات الجغرافية.

غير أن هذا الرهان الفاطمي سرعان ما انهار عندما نقض الصليبيون العهود واستولوا على القدس وعسقلان ويافا، ومارسوا مجازرهم الشاملة دون تمييز بين الرعايا. وعندما أدرك الفاطميون خطأ تقديراتهم الاستراتيجية، كانت مبادراتهم العسكرية المتأخرة لإرسال الجيوش إلى جنوب الشام تعاني من سوء التخطيط والضعف التكتيكي أمام الانضباط الصليبي، مما أدى إلى هزائم متتالية زادت من انحسار الدولة الفاطمية وتراجع هيبتها السياسية والعسكرية في ضمير الأمة والمجتمع الشامي.

النزارية وتكتيك الاغتيال السياسي: خنجر في ظهر جبهة الجهاد

على الطرف الآخر من المشهد الإسماعيلية، اتبع النزاريون في بلاد الشام استراتيجية عسكرية وسياسية فريدة قامت على السيطرة على القلاع الجبلية الحصينة (مثل قلاع مصياف، والقدموس، والكهف) واستخدام تكتيك الاغتيال السياسي الممنهج ضد الخصوم. ونظراً لقلة أعدادهم وعدم قدرتهم على خوض المعارك الميدانية المباشرة مع الجيوش الجرارة، اتخذ الحشاشون من الفدائية والتصفية الجسدية وسيلة فرض هيبة ورعب، واستهداف القادة والعلماء والأمراء الذين يشكلون خطراً على وجودهم المذهبي أو طموحاتهم التوسعية.

لم توجه حركة الاغتيالات النزارية سهامها نحو الغزاة الصليبيين بصفة رئيسة، بل انصبت ضرباتها الممتدة على قادة حركة الجهاد الإسلامي ورموز “الإحياء السني”. فكان من أبرز ضحاياهم الوزير الفذ نظام الملك، والعميد مودود بن التونتكين حاكم الموصل، والقاضي ابن الخشاب قائد المقاومة الشامية في حلب، ودفين الشرف الأمير آق سنقر البرسقي، فضلاً عن محاولات متعددة لاغتيال صلاح الدين الأيوبي نفسه في معسكره أثناء حصار حلب وفي غيرها من المواقع. أوجدت هذه السلسلة الدامية من الاغتيالات حالة من الارتياب الشديد والذعر في أوساط النخب الحاكمة والعسكرية والمجتمعية، وعطلت مراراً وتكراراً توحيد الصفوف وتوجيه الطاقات الكاملة لمواجهة الوجود الفرنجي.

وفي أوقات حرجة ومحطات معقدة، تجاوز الأمر مجرد استهداف القادة المسلمين إلى إقامة تحالفات تكتيكية وتنسيق عسكري مع الإمارات الصليبية المجاورة ضد السلاطين والأمراء الزنكيين والأيوبيين. فقد أدى التماثل في المصلحة بين الحشاشين والصليبيين — والمتمثل في منع قيام دولة إسلامية متحدة وقوية في الشام والحفاظ على حالة التفتت السياسي — إلى عقد اتفاقيات وتبادل خدمات استخباراتية وعسكرية، مما جعل النزارية تظهر في الذاكرة التاريخية السنية كعنصر شقاق وتهديد داخلي لا يقل خطورة عن العدوان الأجنبي القادم من خلف البحار.

تحولات التعامل الزنكي والأيوبي والتوازنات المعقدة

أمام هذا التحدي الإسماعيلية المزدوج (الضعف الفاطمي في الجنوب، والخنجر النزاري في الشمال)، اتبع القادة العظام لحركة المقاومة والجهاد — بدءاً من عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصولاً إلى صلاح الدين الأيوبي — سياسة حازمة ومركبة جليلة لإنهاء مصدر الخطر الداخلي وإعادة توحيد الشام ومصر تحت راية واحدة. تمثلت الخطوة الأولى المفصلية في نجاح نور الدين زنكي وقائده أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين في إسقاط الخلافة الفاطمية المتهالكة عام 567هـ / 1171م، وتوحيد القطرين المصري والشامي في جبهة متماسكة وإعادة مصر إلى حياض المذهب السني.

أما في التعامل مع النزارية وحصونهم الجبلية، فقد تراوحت سياسة صلاح الدين الأيوبي بين المواجهة العسكرية القاسية والدبلوماسية الردعية. فبعد أن تعرض صلاح الدين لمحاولات اغتيال كادت تودي بحياته من قبل فدائيي مصياف، قام بحملة عسكرية صليبة على القلاع النزارية في جبال الشام وحاصر معقلهم الرئيس في مصياف. غير أن هذه الحملة لم تنتهِ بالاستئصال الكلي، بل أفضت إلى تفاهمات وتوازنات قوة جديدة قادها شيخ الجبل راشد الدين سنان، فرضت على الإسماعيلية النزارية الكف عن استهداف قيادات الدولة الأيوبية، والتحول نحو التزام التحييد والامتناع عن التعاون مع الصليبيين.

أظهرت هذه الحقبة المعقدة من تاريخ الحروب الصليبية أن العلاقات مع الفرع الإسماعيلية لم تكن تحكمها دوافع عقائدية مجردة، بل كانت تحكمها معادلات الصراع الجيوسياسي، وحفظ أمن الدولة، وحماية أركان مشروع التحرير الإسلامي. وقد تركت هذه التجربة المريرة آثارا غائرة في كتب المؤرخين والفقهاء المتقدمين، مما أثر لاحقاً على تشكل الذاكرة التاريخية والسجالات الطائفية حول دور الإسماعيلية في تلك الحقبة الحاسمة.

صلاح الدين في الميزان: بين السردية السنية والمظلومية الشيعية

تعد شخصية الناصر صلاح الدين الأيوبي واحدة من أكثر الشخصيات التاريخية ملازمة للرمزية والجدل الممتد في الذاكرة الإسلامية المعاصرة. فبينما يمثل صلاح الدين في السردية السنية العامة رمزاً للبطولة الخالدة، وقائد التحرير الناجز للقدس، وموحد الشام ومصر، وحامي حياض الإسلام من العدوان الصليبي القادم من الغرب؛ تنظر إليه قطاعات واسعة من السردية الشيعية المعاصرة بعين الارتياب والتشكيك، وتستحضر اسمه في إطار من المظلومية المرتبطة بإسقاط الخلافة الفاطمية والتضييق على التواجد الشيعي في مصر والشام.

إن هذا الانقسام الحاد في تمثل شخصية صلاح الدين لا يعبر عن حقيقة الرجل وسياساته في عصره المباشر بقدر ما يعكس صدى السجالات الطائفية الحديثة والمعاصرة؛ حيث أُعيد تشكيل التاريخ واستدعاء الرموز وتوظيفها لخدمة غايات أيديولوجية وسياسية ظرفية. ومن هنا تبرز أهمية النقد التاريخي الذي يقدمه الدكتور الشنقيطي في كتابه، والذي يسعى إلى انتشال سيرة صلاح الدين من أوهام التقديس المطلق من جهة، ومزالق الشيطنة والمظلومية المفتعلة من جهة أخرى، وقراءتها في ضوء المعطيات والظروف الجيوسياسية والعسكرية المركبة التي أحاطت بقراراته ومسيرته.

كان صلاح الدين في جوهره رجلاً دولياً وقائداً عسكرياً يتصرف وفقاً لمنطق عصر الإمبراطوريات والدول المشرقية؛ حيث فرض عليه موقعه القيادي اتخاذ قرارات حاسمة لبناء دولة متماسكة قادرة على الصمود والاستمرار أمام أعتى الحملات الصليبية. ولم تكن معاركه أو خطواته السياسية تنطلق من دافع كراهية مذهبية مجردة، بل كانت تنطلق من استراتيجية شاملة تهدف إلى إنهاء حالة التفتت السياسي والتردي العسكري التي جعلت المشرق الإسلامي صيداً سهلاً للفرنجة، وتأسيس جبهة متحدة تمتد من النيل إلى الفرات تحت راية واحدة وبناء مؤسسي متين.

إسقاط الخلافة الفاطمية: ضرورة استراتيجية أم تصفية مذهبية؟

يشكل حدث إسقاط الخلافة الفاطمية في مصر عام 567هـ / 1171م نقطة الارتكاز الرئيسة في الجدل المذهبي حول صلاح الدين الأيوبي. فالسياق التاريخي الموثق يؤكد أن الدولة الفاطمية كانت قد وصلت في عقودها الأخيرة إلى حالة من الشلل التام والتفكك الداخلي؛ حيث غرق البلاط في صراعات وزراء السيف، وتحولت مصر إلى مطمع عسكري مباشر للصليبيين الذين وصلوا إلى أبواب بلبيس والقاهرة. وكان الخطر الصليبي داهماً ومؤكداً لدرجة أن الملك الصليبي عموري الأول شمل بنفوذه وتهديده العاصمة المصرية، مما جعل بقاء مصر ضعيفة ومفككة خطراً يهدد بسقوط العالم الإسلامي المشرقي برمه.

في هذا السياق الجيوسياسي القاسي، لم يأتِ دخول أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي إلى مصر بدعوة مذهبية موجهة ضد الساكنة الفاطمية، بل بدعوة واستنجاد من أطراف داخلية في البلاط الفاطمي نفسه (منهم الوزير شاور ثم العاضد لدين الله) لإنقاذ مصر من الصليبيين. وعندما تولى صلاح الدين الوزارة للعاضد الفاطمي، تعامل بحذر وسياسة متدرجة لعدة سنوات، ولم يقم بإلغاء الخطبة للفاطميين وتحويلها للعباسيين إلا بعد أن أصبحت الخلافة الفاطمية سلطة صورية لا تملك من أمرها شيئاً، وبعد أن تحقق من استقرار الأوضاع السياسية والأمنية وقدرته على حماية مصر من الغزو الخارجي.

أما ما يُثار حول السياسات التعليمية والمؤسسية التي اتبعها صلاح الدين بعد ذلك — من تحويل الجامع الأزهر إلى المذهب السني وتأسيس المدارس الشافعية والمالكية ودعم علماء السنة — فقد كانت جزءاً من عملية إعادة هيكلة للمجال العام والمؤسسي لمجتمع كان في أغلبيته الساحقة يميل للتسنن أصلاً. وقد اتسم مسلك صلاح الدين الأيوبي تجاه بقايا الأسرة الفاطمية والشيعة بالحيطة الأمنية والسياسية لمنع الفتن والتأمر مع الفرنجة، دون أن يترجم ذلك إلى حملات إبادة أو تصفيات عرقية ومذهبية ضد عامة السكان كما تروج بعض الأدبيات الطائفية المعاصرة.

تحرير الذاكرة وتأسيس المستقبل: العبرة والمسار

يخلص الدكتور الشنقيطي في ختام دراسته المرجعية إلى أن تجربة الحروب الصليبية وتفاعلات العلاقات السنية الشيعية خلالها تقدم دروساً بالغة الأهمية للحاضر الإسلامي المعاش. لقد أثبتت وقائع التاريخ أن انحسار التشيع وتمدد التسنن في الشام ومصر خلال القرنين السادس والسابع الهجريين لم يكن نتيجة إكراه قسري أو حروب طائفية استئصالية بين المسلمين، بل كان محصلة لتفاعلات اجتماعية وسياسية وعسكرية معقدة، وفرت فيها حركة الجهاد ومقاومة الغزو الأجنبي بيئة حاضنة لترسيخ “الإحياء السني” وتوحيد البنية الثقافية والاجتماعية للمنطقة.

إن الوعي التاريخي الرشيد يتطلب اليوم التوقف عن إسقاط المعارك والنزاعات الطائفية الراهنة على وقائع الماضي، والكف عن توظيف التاريخ كسلاح للتراشق والتخوين المتبادل. فالأمة التي تستغرق في جلد ذاتها واجترار مظالم الماضي وتقديس خطوط التماس الطائفية حكمت على نفسها بالارتهان للأجنبي والدوران في حلقة مفرغة من الضعف والتخلف. إن حماية الأمة والدفاع عن مقدراتها اليوم — تماماً كما كان الحال إبان الحروب الصليبية — لا يمكن أن تتحقق عبر الخطاب الطائفي الإقصائي، بل عبر إقامة دولة العدل وسيادة القانون، وترسيخ المواطنة الجامعة، وتجاوز ثقافة الثأر لحساب المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى