أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

فجر اللغة: كيف بدأنا نتحدث؟

يبدو أن البحث عن أصولنا البشرية وقصة تطورنا يمر حتماً عبر بوابة الكلمة. في كتاب “فجر اللغة: كيف بدأنا نتحدث؟” (The Dawn of Language: How we came to talk) للمؤلف سفيركر جوهانسون (Sverker Johansson) ، والمترجم من السويدية إلى الإنجليزية بواسطة فرانك بيري في إصدار دار ماكليوز (MacLehose Press) ، نحن أمام رحلة استقصائية مذهلة وعميقة تحاول فك طلاسم واحدة من أعقد الألغاز في تاريخ التطور البشري.

ما الذي يجعلنا بشراً؟ نحن نحب أن نفكر في أنفسنا ككائنات مميزة وفريدة من نوعها، ومختلفة عن كل الحيوانات الأخرى. على مر السنين، اقترح العلماء والفلاسفة قوائم طويلة من الصفات التي يُفترض أنها فريدة للإنسان، سواء من حيث الجسد أو الروح. ورغم أن “امتلاك الروح” هو نوع من الصفات التي يُفترض أنها بشرية فريدة، إلا أنه لا توجد إجابات علمية واضحة عما إذا كنا نمتلك روحاً في حين لا تمتلكها الحيوانات الأخرى. ومع ذلك، فإن السمة التي شكلت فارقاً حاسماً وجلياً، والتي يبحث فيها هذا الكتاب بشغف وبراعة صحفية وعلمية، هي قدرتنا المذهلة على التواصل: “اللغة”.

من فيزياء الجسيمات إلى لغز الكلمة الأولى تبدأ القصة من فضول طفولي لا ينضب. فمعظم الأطفال يمرون بمرحلة في سن الرابعة تقريباً يطرحون فيها سؤال “لماذا” عن كل شيء، ولا يكتفون حتى عندما يحصلون على إجابة، بل تقودهم كل إجابة إلى “لماذا” جديدة. جوهانسون كان واحداً من هؤلاء، ولكنه لم يتعب من طرح الأسئلة أبداً، واستمر في ذلك لأكثر من خمسين عاماً. والفضل في ذلك يعود إلى والده الذي لم يمل قط من الإجابة والشرح الاستقصائي. قاد هذا الفضول جوهانسون في البداية إلى مهنة علمية رصينة كعالم فيزياء الجسيمات. ولكن بعد حصوله على درجة الدكتوراه في عام 1990 عن عمله في مصادم الجسيمات في سويسرا، اكتشف شيئاً أكثر إثارة بالنسبة له من استكشاف الفيزياء: اللغة. من خلال دورة مسائية في اللغويات العامة أخذها في البداية من باب المتعة، اكتشف المؤلف مدى الإثارة الكامنة في دراسة اللغة وكمية الأسئلة الضخمة التي لا تزال بلا إجابات حول كيفية عملها. وكان “أصل اللغة”، على وجه الخصوص، هو الموضوع الذي لا يزال مغلفاً بالظلام، مما دفعه في النهاية إلى تغيير مسار بحثه بالكامل ليثمر في النهاية عن هذا الكتاب العميق.

ماهية اللغة: الخطوط الفاصلة بيننا وبين مملكة الحيوان للبحث في أصول اللغة، كان لزاماً على المؤلف أن يؤسس أولاً لماهية اللغة ذاتها. ففي ستينيات القرن العشرين، نشر اللغوي تشارلز هوكيت قائمة بـ “ميزات التصميم” التي اعتبرها مميزة للغات البشرية، والتي يمكن استخدامها لتعريف ماهية اللغة وتفكيك بنيتها. تضمنت هذه القائمة ميزات مثل:

  • الصوتية والسمعية: حيث يتم التواصل في الأساس عن طريق الصوت والسمع.

  • غير الموجهة: الإرسال غير موجه (أي يمكن لأي شخص في الجوار أن يسمع الرسالة) رغم أن الاستقبال موجه للمتلقي.

  • الزوال: يختفي الصوت فوراً، على عكس المسارات العطرية أو الكيميائية التي تتركها بعض الحيوانات.

  • ثنائية الاتجاه: أي شيء يمكن سماعه يمكن قوله وإعادة إنتاجه.

  • دلالية: ترتبط كل إشارة في اللغة بشكل محدد بمعنى معين.

  • اعتباطية: لا يوجد نمط محدد أو منطقي حتمي يربط الإشارات بمعانيها؛ فالعلاقة بين الكلمة ومعناها هي علاقة اتفاق اجتماعي.

  • مركبة: تُبنى اللغة من مكونات يُنظر إليها كعناصر منفصلة، مع مستويين من التركيب: من أصوات الكلام المتناثرة إلى الكلمات، ومن الكلمات إلى الجمل المنظمة.

  • قابلة للإزاحة: يمكن أن يدور التواصل اللغوي حول أشياء غير موجودة في الوقت الحاضر، أو عن أحداث في الماضي والمستقبل.

  • قابلة للتعلم: يمكن تعلم اللغة وتمريرها كتقليد داخل المجموعة، حيث يتعلم الأطفال من البالغين ويمكن للبالغين تعلم لغات جديدة من بعضهم البعض.

  • غير موثوقة (القدرة على الخداع): يمكنك ببساطة أن تكذب باستخدام اللغة.

رغم أن هوكيت أشار إلى أن العديد من الميزات الفردية في القائمة يمكن العثور عليها متفرقة في أنظمة التواصل للحيوانات المختلفة، إلا أن اللغة البشرية وحدها هي التي تتشارك وتجمع كل هذه الميزات في نظام واحد متكامل. ومع ذلك، يشير جوهانسون إلى أن هذه القائمة تعاني من بعض نقاط الضعف، فقائمة هوكيت ركزت بوضوح على الميزات السطحية للغة بدلاً من الجوانب العميقة لمحتواها وهيكلها، أو كيفية معالجتها واستيعابها في أدمغتنا. على سبيل المثال، فإن القدرة التعبيرية التي لا حدود لها تقريباً للغة البشرية، وقدرتها الفذة على التعبير عن عدد لا نهائي من الرسائل المختلفة، هي الجانب الأساسي. فبدون الترتيبات التوافقية للأصوات في كلمات، ستكون كل كلمة في اللغة المنطوقة صوتاً خاصاً بها وحيداً، والحنجرة البشرية غير قادرة البتة على إنتاج عشرات الآلاف من الأصوات المختلفة والمتميزة اللازمة لتغطية كل معاني الحياة.

قوة الكذب كسلاح تطوري من النقاط المثيرة للاهتمام بوضوح في تحليل جوهانسون هي قدرتنا على الكذب. تعد القدرة على الخداع ميزة حاسمة للغة وتتطلب اهتماماً خاصاً فيما يتعلق بتطور القدرة البشرية على اللغة. تتواصل الحيوانات بطرق مختلفة، ولكن اتصالاتها في معظم الحالات تعتبر اتصالات “صادقة”؛ ليس لأن الحيوانات أكثر صدقاً أو التزاماً أخلاقياً منا، ولكن لأن إشارات الحيوانات تطورت في الغالب بطريقة تجعل الكذب مستحيلاً من الناحية البيولوجية والتطورية. خذ على سبيل المثال ذكور الأيائل؛ فهي تنقل رسالة واضحة عبر قرونها، فالذكر ذو الاثني عشر فرعاً يخبر الآخرين بمدى كبره وقوته ليتمكن من حمل هذا التاج الثقيل والمكلف طوال الصيف. لا يمكن للأيل أن يكذب ويدعي أنه قوي ومناسب، فالطريقة الوحيدة لتنمية قرون كبيرة هي أن يكون لديه الكثير من العضلات والكثير من الطعام الفائض الذي مكّنه من ذلك. الإشارات المكلفة التي لا يمكن استخدامها للتضليل هي المسار التطوري المستقر الوحيد للأيائل. لكن اللغة البشرية لا تعمل بهذه الطريقة المباشرة. الكلام “رخيص” (لا يكلف طاقة بيولوجية ضخمة لإنتاجه) ونحن نكذب متى شئنا، ومع ذلك لا ينهار نظام التواصل البشري. نحن نستمع لبعضنا البعض ونثق في بعضنا البعض بما يكفي لاستمرار النظام، مما يطرح سؤالاً تطورياً عميقاً حول سبب عدم انهيار لغتنا تحت وطأة الأكاذيب المحتملة، وهو ما يقودنا إلى فهم التكوين الاجتماعي المعقد للثقة البشرية.

صراع التواصل: الحيوانات الناطقة وقرود المختبرات يأخذنا الكتاب أيضاً في جولة شيقة لمقارنة قدراتنا مع شركائنا في هذا الكوكب لمحاولة فهم مدى حصرية لغتنا. يتطرق الكاتب إلى رقصة النحل “الاهتزازية” التي تقوم بها النحلة الكشافة لإخبار زميلاتها بموقع الزهور والرحيق عبر حركات وأنماط رقص معقدة تحدد المسافة والاتجاه بدقة متناهية بناءً على زاوية الشمس. هذا التواصل مذهل، لكنه ليس لغة مرنة يمكن تكييفها. وبالمثل، تغني طيور العندليب ذكورها أغاني معقدة وتخلط الأصوات لجذب الإناث ، ورغم أن أغنية العندليب تمتلك من الناحية النظرية القدرة على أن تكون تعبيرية مثل اللغات البشرية بفضل تركيباتها المقعدة، إلا أن ما تفتقر إليه هو الارتباط المرن بين الشكل والرسالة. بل إن الحبار يرقص مغيراً ألوانه بأنماط مبهرجة للتواصل تحت سطح البحر ، والدلافين تمتلك “نغمات توقيع” خاصة بكل دلفين (مثل الأسماء) وتستخدم السونار لتحذير بعضها البعض بشكل متقدم. وحتى قرود الفرفت (Vervet) تمتلك صرخات تحذير محددة؛ صرخة للفهود تدفعها لتسلق الفروع الرفيعة ، وصرخة أخرى مختلفة للنسور تدفعها للاختباء في الأدغال. ومع ذلك، جميع هذه الأنظمة مغلقة، مقيدة، ومرتبطة ببيئتها المباشرة. إنها تفتقر للقدرة على التجريد اللانهائي أو الإزاحة عن سياق “هنا والآن”.

محاولات تعليم القردة اللغة هي جزء مشوق آخر من استعراض جوهانسون. لقد جرت محاولات عديدة لتعليم الحيوانات الكلام، وذلك بنجاح متفاوت وفي كثير من الأحيان متواضع جداً. الببغاوات بطبيعة الحال لديها موهبة في تقليد اللغة، وهي في الواقع الحيوانات الأقرب إلى القدرة على تعلم التحدث مثل الناس ظاهرياً. ولكن عندما يتعلق الأمر بالقردة العليا، أقرب أقربائنا، فقد انتهت جميع محاولات تعليمهم الكلام المنطوق بالفشل الذريع، لأنهم يفتقرون كلياً إلى التحكم المرن في أعضائهم الصوتية اللازم لإنتاج أصوات الكلام وتشكيلها ودمجها في كلمات. حتى محاولة تربية شمبانزي يُدعى “جوا” (Gua) في عائلة بشرية في أوائل الثلاثينيات كطفل متبنى لم تحدث أي فرق ملموس؛ فقد تمكنت جوا من مواكبة أخيها بالتبني البشري في كل شيء تقريباً باستثناء اللغة. لاحقاً، انتقل العلماء إلى استخدام لغة الإشارة مع الشمبانزي “واشو” (Washoe) و”نيم تشيمبسكي” (Nim Chimpsky)، ورغم أنهم تعلموا بعض الرموز والإشارات وتواصلوا في سياقات معينة، إلا أن الافتقار للمبادرة الذاتية لابتكار الكلمات أو الفهم المعقد للقواعد الهرمية جعل الهوة بينهم وبين القدرة البشرية واسعة وعميقة.

التواصل كـ “لغز” وليس “شفرة” من أبرز ما يميز مقاربة جوهانسون في هذا التقديم هو طرحه لمفهوم التواصل كـ “لغز” (Puzzle Communication) في مقابل التواصل الكلاسيكي كـ “كود” أو “شفرة” (Code). يرى الكاتب أن التواصل اللغوي الحي واليومي بين البشر يعتمد على مبدأين أساسيين: الجانب “البياني” (ostensive) من قبل المتحدث الذي يظهر نيته للتواصل، والجانب “الاستدلالي” (inferential) من قبل المستمع الذي يحاول فك القصد. لا يتم تحديد المعنى الحرفي من خلال التعبير اللغوي البحت فحسب، بل من خلال جميع الظروف المحيطة بالقول، وعلى المستمع تجميع أجزاء اللغز معاً لإعادة بناء رسالة المتحدث المقصودة. ولذلك، فإن اللغة المنطوقة التي نستخدمها في المحادثات اليومية الطبيعية تختلف جذرياً عن اللغة المكتوبة الرسمية الصارمة. إن التحدث وجهاً لوجه مع أشخاص نتشارك معهم السياق والتاريخ يخلق بيئة مثالية لـ “تواصل اللغز”، حيث يمكن اختصار الكلمات أو حذف أجزاء كبيرة مع الثقة التامة بأن المستمع سيجمع بقية الصورة بكفاءة. في المقابل، يجب أن تعمل اللغة المكتوبة أو الإعلانات التلفزيونية كـ “شفرة”، حيث يجب أن تكون الرسالة بأكملها متضمنة بصرامة في الكلمات نفسها.

يرفض جوهانسون الفكرة القائلة بأن اللغة ظهرت فجأة نتيجة “طفرة جينية” سحرية واحدة لدى الإنسان العاقل (Homo Sapiens)، ويتبنى بدلاً من ذلك رؤية داروينية تدريجية ترى أن اللغة تشكلت عبر مئات الآلاف من السنين. يبدأ هذا المسار مع “الإنسان المنتصب” (Homo erectus) قبل حوالي مليون ونصف إلى مليوني سنة؛ فهؤلاء الأسلاف الذين صنعوا أدوات حجرية معقدة، وتحكموا في النار، وربما عبروا مسطحات مائية، احتاجوا إلى مستوى من التعاون ونقل المعرفة لا يمكن تحقيقه بمجرد همهمات بدائية، بل تطلب نوعاً من “اللغة البدائية”. ويمتد هذا التطور التطوري ليشمل إنسان نياندرتال، حيث يفند جوهانسون بشراسة الخرافة التي صورتهم ككائنات غبية لا تجيد سوى الصراخ، مقدماً أدلة أثرية وجينية تشير إلى امتلاكهم أدمغة كبيرة وممارستهم لطقوس معقدة كالدفن وصناعة الحلي، مما يرجح بقوة امتلاكهم نظاماً لغوياً متطوراً يضاهي لغتنا المبكرة.

ولتفسير هذا التطور، يغوص الكتاب في تشريح الكلام ليجيب على تساؤل جوهري: لماذا نستطيع نحن نطق آلاف الكلمات بينما يختنق الشمبانزي إذا حاول ذلك؟ تكمن الإجابة في تضافر عدة عوامل بيولوجية، أولها التغير التشريحي المتمثل في “الحنجرة الهابطة”. فعلى عكس القردة، تمتلك الحناجر البشرية موضعاً منخفضاً في الرقبة، وهو تصميم خلق “غرفة رنين” تتيح لنا إصدار مجموعة هائلة ودقيقة من الأصوات، رغم أنه أتى بضريبة تطورية تزيد من خطر الاختناق بالطعام. يترافق ذلك مع دور جين (FOXP2)، الذي لا يعد قاموساً وراثياً جاهزاً كما يُشاع، بل هو الجين المسؤول عن التحكم الحركي الدقيق في عضلات الفم والوجه واللسان، واللافت أننا نشارك هذا الجين مع النياندرتال. وتكتمل هذه المنظومة بالشبكات العصبية في أدمغتنا التي تطورت لتشمل مناطق متخصصة لا تعالج الأصوات فحسب، بل تحلل “النية” و”القواعد النحوية” وتمنحنا القدرة العميقة على قراءة أفكار الآخرين.

غير أن هذا النظام البيولوجي المعقد والمكلف لم يكن ليتطور لولا وجود ضغوط اجتماعية وبيئية هائلة فرضت على البشر التعاون المطلق من أجل البقاء. يطرح جوهانسون هنا فرضية “الرعاية المشتركة”، مشيراً إلى أن ولادة أطفال بشريين بادمغة كبيرة ولكنهم غير مكتملي النمو، تتطلب رعاية مكثفة وطويلة الأمد لا تقتصر على الأم وحدها، بل تشمل الأب والجدات والقبيلة بأسرها، وهو ما يستوجب لغة دقيقة لتنسيق هذه الجهود التربوية. كما يستند الكاتب إلى أبحاث عالم الأنثروبولوجيا روبن دنبار ليوضح كيف أصبح “القيل والقال” أو النميمة بديلاً لعملية “التفلية” (تنظيف الفراء المتبادل) التي تستخدمها القردة لبناء تحالفاتها؛ فمع كبر حجم المجموعات البشرية وتوسعها، لم يعد الوقت يتسع لتنظيف الجميع، فظهرت النميمة وتناقل الأخبار كطريقة سريعة وفعالة لبناء التحالفات الاجتماعية ومعرفة من يمكن الوثوق به. هذا التعاون المتطرف الذي تطلبه صيد الحيوانات الضخمة، وصناعة الأدوات، ومواجهة المناخ القاسي، حتّم وجود لغة تمتلك خاصية “الإزاحة”، أي القدرة على التخطيط والحديث عن الماضي والمستقبل، وليس الاكتفاء بردود الفعل اللحظية.

وفي خضم هذا التطور الاجتماعي المتشابك، يرجح الكتاب أن أسلافنا بدأوا بالتواصل عبر مزيج من الإيماءات الجسدية والأصوات المفردة لتمثيل الأشياء والأفعال. ومع ازدياد تعقيد الحياة الاجتماعية، لم يعد يكفي نطق كلمات مفردة مبعثرة، بل برزت الحاجة الماسة لترتيبها لمعرفة تفاصيل الأحداث وصانعيها بدقة. وهكذا ولدت القواعد النحوية، ليس كاختراع واعي أو هندسة مقصودة، بل كأداة براغماتية ضرورية لتنظيم الأفكار وتقليل الغموض في “لغز التواصل” البشري، لتتحجر بمرور الوقت وتتحول إلى القواعد المعقدة والراسخة التي نراها في آلاف اللغات اليوم.

في النهاية، يقدم جوهانسون في “فجر اللغة” بانوراما علمية مذهلة تجمع بين اللغويات، والأنثروبولوجيا، وعلم الأحياء التطوري. ورغم الغياب الحتمي للأحافير التي تسجل الكلمات المنطوقة، ينسج الكتاب شبكة متماسكة من الأدلة التي تؤكد أن لغتنا لم تكن هبة مفاجئة، بل هي نتاج رحلة طويلة ومذهلة من التكيف البيولوجي والتعاون الاجتماعي الاستثنائي الذي جعل منا، في النهاية، بشراً يتحدثون.

في طروحات جوهانسون، تبرز مسألة حيوية لم تُستوفَ حقها من البحث، وهي تأثير اللغة على طريقة تفكيرنا، أو ما يُعرف بفرضية “النسبية اللغوية”. لا يكتفي المؤلف باستعراض كيف ولماذا نطقنا، بل يتساءل بفضول علمي عما إذا كانت اللغات المختلفة التي نتحدثها تفرض علينا “نظارات” ذهنية مختلفة لرؤية العالم. يتناول جوهانسون بذكاء كيف تؤثر تصنيفات اللغة، مثل كيفية تقسيمنا للألوان أو تحديدنا للاتجاهات الجغرافية في الفضاء، على تشكيل إدراكنا الحسي. فبدلاً من اعتبار اللغة مجرد وسيلة محايدة لنقل الأفكار، يقدمها لنا كإطار تنظيمي يساهم في بناء نماذجنا المعرفية عن الواقع، مما يعزز فكرة أن التنوع اللغوي ليس مجرد تنوع في الأصوات، بل هو ثراء في طرق عيش التجربة الإنسانية ذاتها.

كما يلقي الكتاب الضوء على مستقبل اللغة في ظل العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهو ما يمثل امتداداً منطقياً لسيرورة التطور التي بدأناها قبل ملايين السنين. يطرح جوهانسون رؤية تأملية حول كيفية تغيير التكنولوجيا لطرق تواصلنا؛ فكما اخترعنا اللغة لتجاوز قيود التواصل الجسدي المحدود، نحن اليوم نخترع “لغات” جديدة مع الآلات. يتساءل المؤلف عما إذا كانت هذه الأدوات ستصبح يوماً ما جزءاً لا يتجزأ من تركيبتنا المعرفية، تماماً كما أصبحت اللغة المكتوبة امتداداً لذاكرتنا وتفكيرنا. إن هذا التساؤل يضعنا أمام مفارقة مذهلة: هل نحن في طريقنا لتطوير شكل جديد من التواصل “ما بعد اللغوي”، أم أن اللغة البشرية بمرونتها وقدرتها الفائقة على التكيف ستظل هي النظام الوحيد القادر على استيعاب تعقيدات ذكائنا ومشاعرنا الجماعية؟.

يستمر جوهانسون في تفكيك النظريات السائدة حول أصولنا التواصلية، مقدماً في فصوله مواجهة فكرية جريئة مع أحد أعمدة اللغويات الحديثة: نعوم تشومسكي. لعقود طويلة، هيمنت نظرية “النحو العالمي” لتشومسكي، والتي تفترض أن البشر يولدون بـ “عضو لغوي” أو وحدة دماغية فطرية تحتوي على القواعد الأساسية لجميع اللغات، وأن الأطفال يحتاجون فقط إلى ضبط بعض الإعدادات لتعلم لغتهم الأم. يرفض جوهانسون هذه الرؤية بشدة، معتبراً إياها غير قابلة للتفسير من منظور التطور الدارويني؛ فمن المستبعد جداً أن تنشأ طفرة جينية مفاجئة تزرع قواعد نحوية كاملة ومعقدة في الدماغ البشري. بدلاً من ذلك، يقدم الكاتب بديلاً يعتمد على التطور البيولوجي والثقافي التدريجي، حيث لم تتطور أدمغتنا لتتلاءم مع النحو، بل تطورت اللغات نفسها عبر الزمن لتتلاءم مع الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا وتتعلم بها.

وفي هذا السياق، يتبنى الكتاب بقوة المقاربة القائمة على “الاستخدام” في تفسير كيفية اكتساب الأطفال للغة. فالطفل البشري لا يولد مزوداً بقاموس جيني أو قواعد نحوية جاهزة، بل يولد بآلة إدراكية مذهلة قادرة على تمييز الأنماط وقراءة النوايا الاجتماعية للآخرين. يتعلم الأطفال اللغة من خلال الممارسة المستمرة، والتقليد، وفهم سياق المواقف، وتخزين كتل من الكلمات والعبارات التي يسمعونها في بيئتهم المحيطة. ومع تراكم هذه العبارات، تبدأ أدمغتهم تدريجياً في استخلاص القواعد والأنماط العامة. هذا التفسير يعيد اللغة إلى حضن التفاعل الاجتماعي الحي، بعيداً عن الصناديق السوداء للجينات الافتراضية، مما يجعل عملية تعلم اللغة مهارة إدراكية عامة تتشابك وتتفاعل مع قدراتنا على التعلم وحل المشكلات في كافة مجالات الحياة.

ولا تتوقف رحلة الاستقصاء عند نشأة اللغة الأولى أو آلية تعلم الطفل لها، بل تمتد لتشمل كيفية تنوع اللغات وتطورها الثقافي. يشرح جوهانسون كيف تتصرف اللغات ككائنات حية تخضع لقوانين التطور الثقافي، حيث تتفرع، وتتزاوج، وتنقرض. ويستشهد بأمثلة رائعة من الواقع، مثل اللغات الهجينة التي تنشأ عندما تضطر مجموعات لا تتحدث لغة مشتركة إلى التواصل في بيئات العمل أو التجارة، وكيف يحولها الأطفال في الجيل التالي إلى لغات “كريول” مكتملة القواعد والأركان. كما يسلط الضوء على لغة الإشارة النيكاراغوية، التي اخترعها أطفال صم اجتمعوا معاً في مدرسة واحدة في الثمانينيات، ليخلقوا لغة جديدة تماماً من الصفر دون أي تدخل أو تلقين من البالغين. هذه الأمثلة الحية تقف دليلاً دامغاً على أن الدافع البشري للتواصل وبناء المعاني المشتركة هو قوة فطرية وجماعية لا يمكن كبحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى