أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

كيف تحالف السلاح و المناخ على تمزيق السودان؟

القراءة السياسية في تفكك الدولة وانشطار السيادة الوطنية

يدخل الصراع السوداني الدامي في عامه الرابع بحلول منتصف عام 2026، حاملاً معه تحولات بنيوية عميقة تجاوزت مجرد المواجهات العسكرية التقليدية بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو “حميدتي”. في مراجعة صحفية شاملة للتقرير الاستراتيجي الصادر عن منصة “جانيت” (GANNET) التابعة لمؤسسة “داتا فريندلي سبيس” (Data Friendly Space)، المعنون بـ “أزمة السودان: تحليل الموقف للفترة من 8 إلى 14 يونيو 2026″، نجد أنفسنا أمام وثيقة توثيقية تفكك مفاصل المشهد الإنساني والعملياتي المعقد الذي يعيشه السودان اليوم.

يكشف التقرير في مستهله الإطار السياسي الذي بات يحكم الجغرافيا السودانية؛ حيث يعيش السودان حالة تفتت سياسي وإداري غير مسبوقة تكرست مع أواخر عام 2025 وبدايات عام 2026. لقد تشكلت في البلاد إدارتان متوازيتان ومتنافستان على الشرعية والسيادة : الأولى تقودها القوات المسلحة السودانية ، والتي تحرص على الاحتفاظ بهياكل مؤسسات الدولة المركزية، وتعيين حكومة تسيير أعمال شملت تسمية كامل إدريس رئيساً للوزراء في محاولة لضمان الاعتراف الدولي واستمرارية الدولة الرسمية. في المقابل، أسست قوات الدعم السريع إدارة مدنية موازية ومكتملة الأركان في مدينة نيالا بجنوب دارفور تحت رعاية “حميدتي”، وهي الإدارة التي لم تعد مجرد سلطة أمر واقع عسكرية، بل أصبحت تصدر المراسيم الرسمية، وتجبي الضرائب المحلية غير القانونية، بل وتقوم بطباعة وثائق الهوية الشخصية للمواطنين الواقعين تحت سيطرتها، مما يعكس رغبة واضحة في مأسسة الانفصال وتثبيت الهيمنة الإقليمية.

هذا التشظي الحاد في بنية السلطة التنفيذية والسيادية يصفه المحللون في التقرير بأنه إعلان عملي عن غياب أي تنسيق وطني مركزي لإدارة الاستجابة الإنسانية أو قيادة العمليات الاقتصادية والسياسية. المواطنون السودانيون اليوم لم يعودوا محكومين بنظام تشريعي وقانوني موحد، بل باتوا يرزحون تحت وطأة سلطات عسكرية محلية وميليشياوية متباينة، تحكمها المصالح الميدانية الضيقة والولاءات القبلية أو السياسية، مما سرع من وتيرة الانهيار المؤسسي الشامل للبلاد. السلطة القضائية والعدلية فقدت استقلاليتها تماماً، وأصبحت أداة في يد شبكات “الدولة العميقة” المتجذرة والنخب العسكرية المتصارعة، ما أدى إلى غياب تام للمساءلة وحكم القانون.

وعلى الصعيد السياسي، يرصد التقرير التحركات الدبلوماسية الدولية والإقليمية التي تحاول يائسة ردم الهوة السحيقة بين طرفي النزاع. ويشير إلى “خارطة طريق نيروبي” التي تم الإعلان عنها في مايو 2026، والتي تقترح مساراً ثلاثياً يدمج التدابير الإنسانية العاجلة بوقف إطلاق نار دائم ومراقب دولياً، يليه مسار انتقال سياسي شامل. الملمح الأبرز والأكثر جدلية في هذه الخارطة هو سعيها الصارم لاستبعاد كل من قيادات الجيش وقوات الدعم السريع من التشكيلة السياسية المستقبلية، بالإضافة إلى فرض حظر شامل على مشاركة قيادات الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المنحل في أي عملية سياسية قادمة. هذا البند التقصائي، رغم تبنيه من قوى مدنية واسعة وشركاء دوليين، يمثل في الوقت ذاته معضلة كبرى؛ إذ تعتبره النخب الإسلامية المتحالفة مع الجيش والشبكات الزبائنية التابعة لها تهديداً لوجودها، مما يجعلها تبذل كل ما في وسعها لعرقلة أي تسوية سياسية لا تضمن بقاءها في المشهد.

في سياق متصل، حظيت خارطة الطريق هذه بدعم دولي لافت تمثل في مشاورات “مجموعة الخماسية” (Quintet) التي انعقدت في أديس أبابا في الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2026، وجمعت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة الإيجاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة. أصدرت هذه المجموعة بياناً مشتركاً يطالب بهدنة إنسانية فورية وفتح مسار سياسي مدني شامل يكتمل في غضون ستة أشهر، مع توجيه تحذيرات صارمة بفرض عقوبات وملاحقات ضد الأفراد والجهات التي تعرقل هذا التحول المدني الديمقراطي. ومع ذلك، تظل هذه البيانات والجهود الدولية عاجزة عن فرض كلمتها على الأرض؛ فالجيش السوداني رفض مؤخراً مقترحاً قدمته اللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر) لترتيب هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، بينما أعلنت قوات الدعم السريع من جانبها وقفاً أحادياً للنار لم يجد أي صدى حقيقي في جبهات القتال المشتعلة.

إن التحليل السياسي الذي يقدمه هذا التقرير يضع القارئ أمام حقيقة مفادها أن الأزمة الراهنة ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسياسات التهميش التاريخي والمركزية المفرطة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ عهد الاستعمار. فقد حظيت العاصمة الخرطوم والمناطق النيلية بالثروة والسلطة والخدمات، بينما تركت الأقاليم الطرفية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان تعاني من غياب التنمية المستدامة والتمثيل السياسي الحقيقي. وجاءت الحرب الحالية لتجهز على ما تبقى من وشائج الثقة المنهارة أصلاً بين المواطن ومؤسسات الدولة. فلم يعد هناك ثقة في الأجهزة العدلية أو الأمنية، بل إن هذه الثقة تآكلت حتى تجاه السلطات الصحية والرسائل الطبية الرسمية، نتيجة للاستهداف الممنهج للمستشفيات وظهور آليات أهلية ومحلية بديلة لتقديم الخدمات الإنسانية الأساسية.

نحن إذن أمام مشهد سياسي معقد للغاية، تتداخل فيه شبكات المصالح العسكرية والاقتصادية مع الانقسامات العرقية والقبلية الحادة. وتؤكد فصول هذا التقرير أن استمرار الحرب وتعمق التفتت الإداري والسياسي، مع نشوء جيل جديد من السلطات المحلية المسلحة التي لا تعترف بالمركز، يجعل من خيار إعادة توحيد السودان تحت راية حكومة مدنية ديمقراطية مركزية واحدة أمراً يزداد صعوبة بمرور كل يوم، ما لم تتوفر إرادة وطنية حاسمة وتدخل دولي منسق يتجاوز لغة البيانات الدبلوماسية الفضفاضة.

جغرافيا الموت والنزوح – المشهد الأمني وأكبر كارثة اقتلاع بشري في العصر الحديث

يرسم التقرير الاستراتيجي لوحة قاتمة وتفصيلية للمشهد الأمني الميداني في السودان، والذي تحول إلى ما يشبه جحيماً أرضياً مفتوحاً للمدنيين. فمع دخول المعارك عامها الرابع، لم تعد المواجهات العسكرية محصورة في جبهات قتال تقليدية بين جيوش نظامية، بل تحولت إلى حرب استنزاف شاملة ومفتوحة تستخدم فيها الطائرات المسيرة والقصف المدفعي بعيد المدى والغارات الجوية المكثفة التي تستهدف بشكل مباشر وعشوائي التجمعات السكنية، والأسواق المكتظة، والمستشفيات، والمدارس، ومخيمات النازحين. هذا التصعيد العسكري غير المنضبط أدى إلى انهيار بيئة الأمان الإنساني، وحوّل البلاد إلى بؤرة لأكبر أزمة نزوح داخلي ولجوء خارجي في العالم اليوم.

تظهر البيانات الميدانية الموثقة في التقرير أن جبهات القتال شهدت اشتعالاً وتصعيداً مأساوياً في مايو ويونيو من عام 2026، وتركزت أشد المعارك ضراوة في شمال غرب دارفور، وولايات كردفان الكبرى، ومنطقة النيل الأزرق. وشهدت مدن وبلدات مثل الدلنج، وكاودا، وهيبان، والكرمك، وباو، وقيسان مواجهات برية طاحنة وغارات جوية متواصلة تسببت في سقوط آلاف الضحايا وتدمير شبه كامل لما تبقى من بنية تحتية متهالكة. ومن بين المجازر الأكثر دموية التي وثقها التقرير، تلك التي وقعت في بلدة “كالوجي” بجنوب كردفان في الرابع من ديسمبر من العام المنصرم، حيث أسفرت ضربة طائرة مسيرة استهدفت روضة أطفال ومستشفى محلي عن مقتل ما لا يقل عن 114 مدنياً، كان من بينهم 63 طفلاً في مشهد يعكس التحلل الكامل من أي التزام بالقانون الدولي الإنساني. وفي الشهر ذاته، وثق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقتل 269 مدنياً في كردفان وحدها خلال أسابيع قليلة، فضلاً عن رصد هجوم بطائرة مسيرة على سوق بلدة “غبيش” بغرب كردفان تسبب في مقتل 28 مدنياً، علماً بأن هذه البلدة الصغيرة باتت تستضيف ما يقارب 68 ألف نازح فروا من ويلات القتال في مناطق أخرى.

لم يقتصر المشهد الأمني على الصراع التقليدي بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل امتد ليشهد انشطاراً وتفتتاً في الهياكل العسكرية نفسها عبر سلسلة من الانشقاقات والتغييرات في الولاءات. فقد سجلت جبهات القتال في ربيع عام 2026 انشقاقات واسعة النطاق لقادة ميدانيين بارزين من صفوف قوات الدعم السريع ومن الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال (جناح عقار)، مما أدى إلى تخلخل تماسك القيادة والسيطرة المحلية، ودفع بقوات الدعم السريع إلى سحب وحدات مقاتلة من بعض الخطوط الأمامية وإعادة نشرها في نيالا والفاشر لتأمين سيطرتها، وهو ما تسبب في موجات انتقامية عنيفة ضد المجتمعات المحلية المتهمة بالانحياز. وترافق ذلك مع اندلاع صراعات قبلية وإثنية دموية تغذيها أطراف الحرب؛ حيث تفجر صراع إثني عنيف بين قبيلتي بني هلبة والسلامات في جنوب دارفور في مطلع يونيو 2026، تسبب في سقوط مئات القتلى ونزوح أكثر من 13 ألف شخص في غضون ثلاثة أيام فقط. كما شهدت بلدة كاودا حملة إحراق متعمد مأساوية للمنازل والأسواق في مايو 2026، أسفرت عن مقتل 61 مدنياً وتحويل السوق المركزي للمدينة إلى رماد.

هذه الفوضى الأمنية العارمة أنتجت الكارثة الكبرى المتمثلة في اقتلاع ملايين السودانيين من ديارهم. ويشير التقرير إلى أن إجمالي عدد النازحين واللاجئين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 قد تجاوز حاجز 14 مليون إنسان. هذا الرقم المفزع يجعل من الأزمة السودانية أكبر أزمة نزوح بشري على كوكب الأرض حالياً. وتوضح البيانات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة والمنظمات الشريكة أن هناك ما يزيد على 9 ملايين نازح داخلي يتوزعون على ولايات السودان الثماني عشرة، يعيشون في ظروف بالغة القسوة داخل مراكز إيواء مؤقتة، ومدارس، ومخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية. أما على صعيد اللجوء الخارجي، فقد عبر أكثر من 4 ملايين سوداني الحدود نحو دول الجوار بحثاً عن الأمان، حيث تدفق مئات الآلاف نحو تشاد، وجنوب السودان، ومصر، وإثيوبيا، وليبيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، مما شكل ضغطاً هائلاً وغير محتمل على الأنظمة الإنسانية والخدمية المنهكة أصلاً في تلك الدول.

وتعكس لغة الأرقام في التقرير حجم المأساة في دول اللجوء؛ فقد بلغ عدد اللاجئين السودانيين في شرق تشاد وحده، حتى منتصف مايو 2026، نحو 927,915 لاجئاً، بالإضافة إلى تدفق أكثر من 400 ألف مواطن تشادي عائد كانوا يقيمون في السودان. وتشير الإحصائيات الديموغرافية لمخيمات النزوح واللجوء، كمخيم “النخيل” في شرق دارفور الذي تأسس في مارس 2025 ويضم حوالي 18 ألف نازح، إلى معطى ديموغرافي واجتماعي بالمرارة: فالنساء والأطفال يشكلون ما بين 85% إلى 90% من إجمالي سكان المخيمات، وسط غياب شبه تام للرجال الذين إما قضوا في المعارك، أو تم اعتقالهم، أو جرى تجنيدهم قسرياً في صفوف الفصائل المتحاربة.

وفي مقابل هذه المأساة المستمرة، يرصد التقرير ظاهرة عكسية معقدة بدأت بالظهور منذ مطلع عام 2026، وتمثلت في تسجيل حركات عودة محدودة وهشة لبعض السكان إلى أجزاء من ولايتي الخرطوم والجزيرة عقب تراجع حدة الاشتباكات في بعض المحاور الميدانية وتحول خطوط المواجهة. ووفقاً لبيانات تتبع النزوح، فقد سجلت حركة عودة لقرابة 2.6 مليون شخص إلى بعض المناطق المستقرة نسبياً. ومع ذلك، فإن هذه العودة لا تعني انتهاء المعاناة؛ فالذين اختاروا العودة طوعاً وجدوا أنفسهم يواجهون دماراً شاملاً في منازلهم، وغياباً كاملاً لشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وانعداماً تاماً لفرص العمل والعيش الكريم، فضلاً عن التهديد الأمني المستمر والمتمثل في انتشار المخلفات الحربية والألغام الأرضية والقذائف غير المنفجرة التي تحاصر الأراضي الزراعية والمناطق السكنية وتجعل من الحياة اليومية مغامرة محفوفة بالموت والاعاقة.

 في قبضة المجاعة – الانهيار الاقتصادي، السعار التضخمي، وسلاح التجويع الجماعي

إذا كانت مدافع الحرب وطائراتها المسيرة تحصد أرواح السودانيين في جبهات القتال، فإن هناك حرباً أخرى صامتة ولا تقل ضراوة تجري تفاصيلها في بطون ملايين الجائعين وفي الأسواق الخاوية. يفرد التقرير الاستراتيجي لـ “جانيت” مساحة تحليلية واسعة ومفزعة لرصد الانهيار الماكر للاقتصاد الكلي في السودان، والذي تجاوز بمراحل حدود الكساد الاقتصادي التقليدي ليصل إلى مرحلة التحلل البنيوي الكامل، حيث تحولت لقمة العيش وجرعة الماء إلى أدوات وسلاح من أسلحة الحرب الفتاكة.

تبدأ قراءة المشهد الاقتصادي من العملة الوطنية التي تعيش حالة سقوط حر تاريخي؛ إذ سجل الجنيه السوداني في ربيع وصيف عام 2026 مستويات دنيا غير مسبوقة في السوق الموازية، حيث جرى تداوله عند مستوى 4400 جنيه مقابل الدولار الأمريكي الواحد. هذا التدهور الرهيب للقدرة الشرائية ترافق مع انهيار كامل للنظام المصرفي الرسمي، الذي توقف عن العمل في ما يقرب من نصف ولايات ومناطق البلاد نتيجة لنهب المقار البنكية، وتدمير شبكات الاتصالات، وغياب السيولة النقدية. ونتيجة لهذا التحلل المالي، فقد المواطنون الثقة في العملة الوطنية، وباتت بعض خطوط الطيران ترفض بيع تذاكر السفر إلا بالدولار الأمريكي، بينما انتعشت شبكات الصرافة غير الرسمية والسوق السوداء، وأصبح الجنيه المصري يتداول بنحو 87 جنيهاً سودانياً في المناطق الحدودية، مما يعكس الضياع الكامل للسيادة النقدية والمالية للدولة.

ولمواجهة هذا التحلل الاقتصادي، يشير التقرير إلى أن السلطات الحكومية التابعة للجيش في بورتسودان لجأت، بالتعاون مع البنك المركزي، إلى اتخاذ إجراءات طارئة تركزت بشكل أساسي على محاولة زيادة إنتاج الذهب وتصديره قسرياً للحصول على نقد أجنبي يسهم في لجم التدهور المتسارع للجنيه. إلا أن خبراء الاقتصاد في التقرير يصفون هذه المحاولات بأنها إجراءات ترقيعية ومؤقتة لا تلامس جذور الأزمة البنيوية. فالحرب خلقت “اقتصاد حرب” موازياً وقائماً بذاته، يتغذى على عمليات التهريب والنهب. وباتت خريطة السيطرة العسكرية تتحكم في خريطة الثروات؛ فبينما يسيطر الجيش على الموانئ ومنافذ التصدير المركزية في شرق البلاد، تفرض قوات الدعم السريع سيطرتها على معظم مناجم الذهب ومناطق إنتاج الماشية في دارفور وكردفان، مما مكنها من تمويل آلتها الحربية عبر تصدير وتهريب كميات ضخمة من المعدن النفيس (أنتجت الدعم السريع ما يقدر بـ 10 أطنان من الذهب في عام 2024 وحده بقيمة تقارب 860 مليون دولار)، مستفيدة من قفزة تاريخية في أسعار الذهب العالمية التي ارتفعت بنسبة 150% منذ عام 2024 لتقترب في مارس 2026 من حاجز 5000 دولار للأوقية.

هذا التشظي في السيطرة على الموارد انعكس بشكل مرعب على أسعار السلع الغذائية والمحروقات الإستراتيجية، والتي سجلت في ربيع عام 2026 قفزات تضخمية جنونية. فوفقاً لبيانات مراقبة الأسواق لشهر أبريل 2026، ارتفعت أسعار الذرة الرفيعة (الغذاء الأساسي لغالبية السكان) بنسبة 23% في شهر واحد، لتستقر عند مستوى أعلى بنسبة 170% من المتوسط العام للسنوات الخمس الماضية. وارتفع القمح بنسبة 17.5% شهرياً ليصبح أعلى بـ 187% من المتوسط، بينما قفز الديزل بنسبة 55% في الأسواق الرسمية، وارتفعت تكاليف الوقود الإجمالية بنسب تتراوح بين 83% و144% على أساس سنوي. هذا السعار التضخمي أدى إلى سحق ما تبقى من قدرة شرائية للأسر السودانية، خاصة في ظل وصول معدلات الفقر إلى نسبة مخيفة بلغت 73% من إجمالي السكان (بمن فيهم المغتربون في الخارج الذين تضررت عائلاتهم في الداخل).

إن النتيجة الحتمية لهذا الجمع الكارثي بين غلاء الأسعار المفرط وانعدام الدخل وتدمير المسارات التجارية كانت سقوط البلاد في قاع أكبر أزمة جوع ومجاعة تشهدها الكرة الأرضية في القرن الحادي والعشرين. يؤكد التقرير أن هناك قرابة 19.5 مليون إنسان في السودان يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما تندرج أعداد مرعبة تفوق 25 مليون شخص (ما يعادل نصف سكان البلاد تقريباً) تحت طائلة الحاجة الماسة والمستمرة للمساعدات الإنسانية العاجلة للبقاء على قيد الحياة. والأدهى من ذلك وأمر، هو الإعلان الرسمي الموثق عن تفشي حالة “المجاعة الكاملة والمعلنة” (IPC Phase 5) في قطاعات واسعة من مدينة الفاشر المحاصرة بشمال دارفور، وفي مدينة كادوقلي بجنوب كردفان، مع وجود ما لا يقل عن 20 منطقة ومديرية أخرى مرشحة بقوة للانزلاق نحو هذا القاع المظلم خلال أسابيع معدودة.

تكتسب المأساة بعداً لا إنسانياً عندما يشير التقرير صراحة إلى استخدام “تكتيكات الحصار والتجويع المتعمد” كأدوات وسلاح حرب مباشر. ففي الفاشر وحده، يرزح ما بين 70 ألف إلى 100 ألف مدني تحت حصار خانق يمنع دخول حبات القمح والأدوية، مما جعل معدلات سوء التغذية الحاد تتجاوز عتبة الـ 15% في العديد من المناطق، بل وتتخطى حاجز الـ 30% في بؤر معينة من دارفور وكردفان، وهي نسب تفوق بمراحل العتبات الدولية القياسية لإعلان الفجيعة والمجاعة. وفي خضم هذا الواقع، يتوقع التقرير أن يعاني أكثر من 825 ألف طفل سوداني من سوء التغذية الحاد والمهدد للحياة (Severe Wasting) خلال عام 2026، في وقت تتقلص فيه خطوط الإمداد الإنساني الإغاثي للمنظمات الدولية بسبب شح التمويل الدولي، حيث أعلن برنامج الأغذية العالمي عن اضطراره لتقليص الحصص الغذائية بنسب تصل إلى 70% في مناطق المجاعة و50% في المناطق الأخرى نتيجة لعجز تمويلي ضخم يتطلب ضخاً عاجلاً لمبلغ 695 مليون دولار لمنع الانهيار الشامل لمنظومة المساعدات بحلول خريف هذا العام.

 أنقاض المنظومة الحيوية – تهاوي الصحة، تفشي الأوبئة، واغتيال حق التعليم للأجيال الناشئة

تتجاوز آثار الحرب السودانية المستمرة حتى منتصف عام 2026 مسألة الخسائر العسكرية المباشرة لتعصف بالبنية الخدمية والحيوية الأساسية التي تضمن بقاء واستمرار الجنس البشري على قيد الحياة. وفي هذا السياق، يقدم التقرير الاستراتيجي لـ “جانيت” قراءة تشريحية بالغة القسوة والوضوح لحالة الانهيار الميكانيكي الكامل التي أصابت المنظومة الصحية والتعليمية والبيئية في البلاد، محولاً السودان إلى مسرح مفتوح للأوبئة الفتاكة والجهل القسري الذي يهدد بحذف مستقبل جيل كامل من خارطة التطور الإنساني.

يبدأ الانهيار من القطاع الصحي؛ إذ يوثق التقرير خروج أكثر من 70% من المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة تماماً في عموم ولايات السودان، وترتفع هذه النسبة لتتجاوز الـ 90% في مناطق الاشتباكات الساخنة في دارفور، وكردفان، والخرطوم. ولم يكن هذا الانهيار نتاجاً ثانوياً للحرب، بل جاء نتيجة استهداف مباشر وممنهج للمنشآت الطبية وكوادرها؛ حيث سجلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 63 هجوماً عسكرياً مباشراً على المستشفيات والمرافق الصحية خلال العام المنصرم وحده، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1611 كادراً طبياً ومريضاً، وإصابة المئات. وترافق ذلك مع شح حاد وتام في الأدوية المنقذة للحياة والمحاليل الطبية، ناهيك عن إعلان العديد من المنظمات الدولية، مثل منظمة الإغاثة الدولية (IRC)، عن الاضطرار الوشيك لإغلاق عشرات العيادات والمراكز الصحية المدعومة من قبلها بسبب انعدام التمويل وغياب الممرات الآمنة لإدخال الإمدادات التي تأخرت لعدة أشهر جراء تعطل سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة باضطرابات البحر الأحمر ومضيق هرمز.

هذا الشلل الطبي الكامل، مقترناً بانهيار شبكات المياه النظيفة والصرف الصحي وتراكم النفايات وأنقاض المباني المدمرة، خلق التربة المثالية لتفشي الأوبئة والأمراض المعدية بشكل وبائي مرعب. ويشير التقرير بمرارة إلى أن موجة وباء الكوليرا التي اجتاحت البلاد تسببت في تسجيل أكثر من 113 ألف حالة إصابة مؤكدة، وأدت إلى وفاة ما يزيد على 3000 شخص منذ عام 2024 وحتى مطلع عام 2026. وعلى الرغم من الإعلان الرسمي المتردد عن احتواء الوباء في مارس 2026، فإن الخبراء الميدانيين يؤكدون أن المسببات البنيوية لانتشار المرض ما زالت قائمة ومتفاقمة في ظل تكدس ملايين النازحين داخل مخيمات ومراكز إيواء تفتقر لأبسط شروط الإصحاح البيئي والنظافة الشخصية، مما يجعل خطر عودة الوباء بأشكال أكثر شراسة أمراً حتمياً مع دخول موسم الأمطار الحاضر. وتتفاقم المأساة الصحية مع انتشار وباء الملاريا الذي وصل إلى معدلات وبائية قياسية، حيث بات السودان وحده يستأثر بنسبة مرعبة بلغت 41% من إجمالي حالات الإصابة بالملاريا على مستوى العالم بأسره، بالتزامن مع تفشي حمى الضنك والحصبة والتهاب الكبد الوبائي (E) وسط غياب تام لبرامج التطعيم والتحصين الأساسية للأطفال.

وعلى الموازاة من الانهيار الصحي، يعيش قطاع التعليم والتربية في السودان مأساة تاريخية تؤسس لجهل بنيوي طويل الأمد. فالمدارس في معظم أرجاء البلاد تحولت إما إلى ركام بفعل القصف المدفعي والجوي، أو جرى تحويلها قسرياً من قبل الجماعات المسلحة إلى ثكنات عسكرية ومراكز اعتقال، أو جرى استخدامها كمراكز إيواء مؤقتة لآلاف العائلات النازحة المشردة، مما أدى إلى حرمان ملايين الأطفال من حقهم في التعليم. ويوثق التقرير غياباً تاماً للمعينات التعليمية والكتاب المدرسي، وانقطاعاً كاملاً لمرتبات وحوافز المعلمين والأساتذة الذين فر غالبيتهم خارج البلاد أو انخرطوا في مهن هامشية للبقاء على قيد الحياة.

وتكتسب المأساة التعليمية بعداً سياسياً ومؤسسياً خطيراً يهدد بتقسيم البلاد وجدانياً ومعرفياً؛ إذ يرصد التقرير قيام السلطات والتحالفات المدنية الموالية لقوات الدعم السريع (مثل ائتلاف “تأسيس”) بتنظيم امتحانات شهادة ثانوية عامة موازية ومنفصلة في مناطق سيطرتها بدارفور وأجزاء من كردفان في يونيو 2026، حيث جلس للامتحانات نحو 10 آلاف طالب وطالبة (شكلت الإناث منهم نسبة 74%) برعاية مباشرة من “حميدتي” ورئيس إدارته المدنية محمد حسن التعايشي. هذه الخطوة قوبلت بتحذيرات ورفض صارم من قبل منظمة اليونيسف والمنظمات الدولية التي طالبت بضرورة تحييد التعليم التام والسماح لجميع الطلاب السودانيين بالجلوس للامتحانات الوطنية الموحدة والمعترف بها رسمياً ودولياً. ونبه المراقبون إلى أن إيجاد نظام تعليمي وامتحاني موازٍ غير معترف به لا يمثل مجرد تسييس للعملية التعليمية، بل يؤسس لشرخ اجتماعي ومؤسسي عميق يكرس الانقسام الوطني، ويخلق جيلاً من الطلاب الذين يحملون شهادات ومؤهلات غير معترف بها تحرمهم من أي فرص حقيقية للتوظيف أو إكمال التعليم العالي في المستقبل.

الأرض الظمأى والوزارة المشلولة – البُعد البيئي وتغير المناخ كمعززات للموت الإنساني

لا يمكن قراءة تفاصيل الكارثة السودانية  بمعزل عن المحرك الصامت والأكثر خطورة في صياغة مستقبل المنطقة، ألا وهو البُعد البيئي وأزمة المناخ التي ضربت أطنابها في بنية الدولة السودانية المنهارة. يفرد التقرير  مساحة تحليلية  لرصد التداخل العضوي والمرعب بين آلة الحرب العسكرية وبين صدمات الطقس المتطرفة التي تجتاح منطقة الساحل الإفريقي بأسرها، مبيناً أن البيئة والمناخ لم يعودا مجرد معطيات طبيعية خارجية، بل تحولا إلى سلاح فتاك ومضاعف  للمخاطر يسرع من وتيرة انهيار الأمن الغذائي والصحي. فالسودان الذي تحاصره النزاعات المسلحة من كل حدب وصوب، يجد نفسه اليوم في مواجهة إجهاد حراري ومائي مفرط وغير مسبوق، يضع ملايين المواطنين والنازحين في بؤرة جحيم مناخي لا يرحم، وسط شلل تام للمؤسسات الرسمية المناط بها إدارة الموارد الطبيعية وحماية البيئة.

تبدأ فصول المأساة البيئية، كما يستعرضها التقرير ، من التوقعات المناخية القاتمة للفترة الممتدة من يونيو إلى سبتمبر من عام 2026؛ حيث تشير البيانات الساتلية ونماذج الأرصاد الجوية إلى احتمالية عالية جداً لضعف هطول الأمطار الساحلية والموسمية، لاسيما في الأجزاء الشمالية والغربية من البلاد، والتي تشمل إقليم دارفور المنكوب وولايات كردفان الكبرى. هذا الشح المتوقع في الأمطار لا يعني مجرد جفاف عابر، بل يترجم مباشرة في الحسابات الزراعية إلى تراجع حاد وخطير في مستويات رطوبة التربة في بلد يعتمد غالبية سكانه على الزراعة المطرية التقليدية والرعي. إن انخفاض رطوبة الأرض في ظل هذه الظروف المعقدة يؤدي حتماً إلى فشل كلي للمواسم الزراعية القادمة، مما يعني انعداماً تاماً للمحاصيل الاستراتيجية التي تشكل عماد الغذاء للمواطن السوداني، وهو ما يدفع بملايين إضافية من البشر نحو منزلق المجاعة الشاملة التي ضربت بالفعل أجزاء واسعة من البلاد.

يرتبط هذا التدهور المناخي باختلالات عميقة في قطاع المياه والإصحاح البيئي، وهو القطاع الذي تعرض لتدمير ممنهج وواسع النطاق جراء العمليات العسكرية. فالقصف العشوائي والمعارك البرية المستمرة لم يكتفيا بتدمير المنازل والمستشفيات، بل استهدفا بشكل مباشر خطوط إمداد المياه الرئيسية، ومحطات التنقية، والآبار الجوفية في المدن والأرياف. ونتيجة لذلك، يواجه ملايين السودانيين اليوم، وبشكل خاص أولئك القابعون في مخيمات النزوح المكتظة، أزمة عطش خانقة، حيث تحول الحصول على لتر واحد من المياه الصالحة للشرب إلى رحلة يومية محفوفة بالمخاطر والموت. هذا النقص الحاد في المياه النقية ترافق مع انهيار كامل وشامل لشبكات الصرف الصحي وتوقف عمليات تدوير وإزالة النفايات الصلبة التي تكدست في شوارع المدن وتحت أنقاض المباني المدمرة، مما خلق بيئة ملوثة ومسمومة للغاية، غدت التربة الخصبة لتفشي الأوبئة والأمراض الفتاكة المرتبطة بالمياه والبيئة مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك.

وتكتسب الأزمة البيئية بعداً كارثياً عندما يشير التقرير صراحة إلى الشلل التام الذي أصاب وزارة الري والموارد المائية السودانية. فهذه الوزارة السيادية والخدمية الحيوية، التي كان ينبغي أن تقود خطط الطوارئ البيئية وتدير الأزمات المتعلقة بالجفاف وتوزيع المياه، وجدت نفسها في قلب الإعصار العسكري والسياسي. لقد تعرضت مقار الوزارة ومراكزها البحثية في الخرطوم ومدن أخرى للتخريب والنهب، وتوقفت ميزانياتها بالكامل، والأخطر من ذلك كله هو الهجرة الجماعية القسرية للكفاءات الفنية، والمهندسين البيئيين، وخبراء الاستشعار عن بعد الذين فروا خارج البلاد هرباً من الموت أو الملاحقة. هذا الغياب الكامل للكادر البشري المؤهل والغطاء المؤسسي جعل الدولة عاجزة تماماً عن تقديم أي استجابة أو وضع أي خطط استباقية للحد من آثار التغير المناخي أو التعامل مع الجفاف الزاحف، مما ترك المجتمعات المحلية والنازحين يواجهون مصيرهم البيئي بمفردهم ودون أي حماية.

لا تقف حدود هذه المأساة عند الجغرافيا السودانية الداخلية، بل يربطها التقرير بشبكة معقدة من الاضطرابات الجيوسياسية العالمية والتحولات الإقليمية التي أثرت بشكل مباشر على الوضع البيئي والإنساني في الداخل. ويشير التحليل إلى أن التوترات الأمنية العالية والاضطرابات المستمرة في خطوط الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز قد ألقت بظلال ثقيلة على سلاسل الإمداد الإنساني والبيئي المتجهة إلى السودان. فقد تسببت هذه الاضطرابات البحرية في تأخير وصول الشحنات والمعدات الحيوية الضرورية لعمليات الإصحاح البيئي، ومواد تنقية المياه، والمضخات، والمبيدات الحشرية اللازمة لمكافحة نواقل الأمراض لعدة أشهر متواصلة. هذا التأخير اللوجستي القسري حرم المنظمات الدولية والمحلية من الأدوات الأساسية لوقف التدهور البيئي في مخيمات النزوح، مما ساهم في تفاقم التلوث وانتشار الأوبئة بنسب قياسية تجاوزت القدرة على السيطرة عليها.

إن استقراء المعطيات البيئية والمناخية الواردة في التقرير يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة بنيوية قاسية؛ فالصراع في السودان لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين على السلطة، بل تحول إلى عملية تدمير شاملة للنظم البيئية والحيوية التي تدعم الحياة البشرية. فالجفاف وتراجع الأمطار لا يقتلان المحاصيل فحسب، بل يذكيان من جديد جذور الصراعات القبلية والإثنية التاريخية حول موارد المياه الشحيحة ومسارات الرعي، وهو ما لوحظ بالفعل في مناطق دارفور وكردفان حيث تداخلت النزاعات البيئية مع الصراع المسلح الكبير، مما يهدد بتحويل أجزاء واسعة من السودان إلى أراضٍ قاحلة غير قابلة للحياة الآدمية. إن هذا التلازم الكارثي بين الحرب والمناخ يفرض على أي جهود إقليمية أو دولية للحل ألّا تكتفي بوقف إطلاق النار التقليدي، بل أن تضع المسألة البيئية وإعادة بناء البنية التحتية للمياه والصرف الصحي وإنقاذ وزارة الري في صدارة الأولويات، كخطوة أولى ولا غنى عنها لمنع تحول أزمة النزوح والمجاعة الراهنة إلى استئصال ديموغرافي شامل ومستدام يعصف بمستقبل السودان للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى