أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

نهاية خمسة قرون من الاستعمار.. الحرب الإمبريالية الأخيرة وكيف حسمتها مداخن المصانع

تفكيك السردية التقليدية والمدى الزمني البديل (1931 – 1945)

حين استدعى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كورديل هول، في رسالته المقتضبة بمناسبة نيله جائزة نوبل للسلام في ديسمبر من عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين، هول الكارثة البشريّة واصفًا إياها بالمحنة المذهلة والأنكأ قسوة في تاريخ العصور والدهور، لم يكن يمارس ترفًا بلاغيًا أو استعراضًا إنشائيًا؛ بل كان يعبّر، من موقع الشاهد والمشارك، عن صدمة الوعي الإنساني أمام فيضان من العنف المنظم الذي كاد يعصف بأسس الحضارة الحديثة. ومع ذلك، فإن تلك الحرب الكونية التي استقرت في الوجدان العالمي وتحت لافتة “الحرب العالمية الثانية” تظل، على الرغم من آلاف المجلدات التي رصدت معاركها وجنرالاتها، عصية على الفهم العميق ما لم نتحرر من إسار التفسيرات التبسيطية والاختزالية. هنا تبرز القيمة الفلسفية والتأريخية الكبرى لأحدث الأسفار الضخمة للمؤرخ البريطاني المرموق ريتشارد أوفري، المعنون بـ “الدماء والخراب: الحرب الإمبريالية الأخيرة، 1931-1945″، الصادر عن دار فايكينغ، حيث لا يقدم أوفري مجرد سردية عسكرية مكررة للمعارك والتحالفات، بل يرفع معول النقد المعرفي ليهدم البنية التقليدية التي استقرت عليها كتب التاريخ طوال خمسة وسبعين عامًا، واضعًا إيانا أمام رؤية جذرية تعيد تعريف الحرب بوصفها الفصل الختامي والأكثر دموية في الصراع البشري الطويل على الهيمنة الإمبريالية الكولونيالية وتوزيع الكعكة الأرضية.

إن الأطروحة المركزية التي ينهض عليها هذا المصنف الضخم، والذي يربو على ألف وتسعمائة صفحة، تتلخص في أن الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد مواجهة أخلاقية مبدئية بين قوى الخير المحبة للسلام والديمقراطية وبين قوى الشر الفاشية والنازية، بل كانت حربًا إمبريالية بامتياز؛ صراعًا كونيًا تفجر نتيجة لانسداد قنوات النظام الدولي القديم، ومحاولة عنيفة قامت بها قوى قومية راديكالية صاعدة ومأزومة، يصفها المؤلف بالدول “المحرومة” أو التي لا تملك مساحات جغرافية كافية لحفظ بقائها، ونعني بها ألمانيا واليابان وإيطاليا، في مواجهة الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى المستقرة والمتخمة، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا. يرى أوفري أن أدولف هتلر وبنيتو موسوليني والنخبة العسكرية الحاكمة في طوكيو لم يكونوا هم الأسباب الأولية والمستقلة للأزمة الدولية التي عصفت بالقرن العشرين، بل كانوا إفرازات طبيعية، وتجليات حتمية لنسق دولي مريض وقائم على التوزيع غير المتكافئ للمجالات الحيوية، والسيطرة الاحتكارية على الموارد والأسواق التي فرضتها القوى الاستعمارية القديمة منذ القرن التاسع عشر وعززتها معاهدة فرساي المجحفة.

تبدأ عملية إعادة البناء المعرفي عند ريتشارد أوفري من خلال زعزعة التسلسل الزمني التقليدي المستقر في الأذهان والكتب الدراسية، والذي يربط اندلاع الحرب بيوم الأول من سبتمبر لعام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين، عندما اجتاحت القوات الألمانية الأراضي البولندية. هذا التاريخ، في نظر أوفري، ليس سوى زاوية رؤية أوروبية ضيقة قاصرة تعجز عن استيعاب الصبغة العالمية الحقيقية للمأساة. لذلك، يقترح المؤلف مدى زمنيًا بديلًا وأكثر اتساعًا وعقلانية، يبدأ من عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين، وتحديدًا مع الغزو الياباني لإقليم منشوريا في شمال شرق الصين وتأسيس دولة “مانشوكو” الدمية. من هذا المنطلق الجغرافي والزمني في شرق آسيا، ينطلق قطار العنف الإمبريالي الصاعد الذي لن يتوقف إلا بحلول عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين، بل إن ارتداداته العنيفة وهزاته الارتدادية من حروب أهلية وحركات تمرد دموية ستظل تضرب مناطق واسعة في جنوب شرق آسيا، وشرق أوروبا، والشرق الأوسط لسنوات طويلة بعد التوقيع الرسمي على وثائق الاستسلام. إن ربط الحرب ببدء العدوان الياباني على الصين يحول الحرب العالمية الثانية في قراءة أوفري إلى صراع امتد لأربعة عشر عامًا، صراع ارتبطت فيه المسألة الآسيوية بالمسألة الأوروبية في نسيج واحد لا يمكن فصمه.

ولا يكتفي أوفري بمد الأفق الزمني إلى عام ألف وتسعمائة وواحد وثلاثين، بل إنه يعود بالقارئ في فصوله التمهيدية الرائعة إلى أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، معتبرًا أن الحربين العالميتين الأولى والثانية ليستا حدثين منفصلين، بل هما في جوهرهما مرحلتان متتاليتان لـ “حرب الثلاثين عامًا الثانية” التي تمحورت حول إعادة ترتيب النظام الدولي وتصفية الأزمة الإمبراطورية الكبرى. لقد تركت الحرب العالمية الأولى خلفها عالمًا مشوهًا ومزعزع الاستقرار؛ حيث انهارت إمبراطوريات قديمة كالإمبراطورية العثمانية والنمساوية المجرية والروسية القيصرية، في حين خرجت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية بتوسعات جغرافية هائلة عبر نظام الانتداب، مما عمّق من شعور الدول الأخرى بالدونية والحصار الجغرافي والاقتصادي. هذا الانسداد الهيكلي في النظام المالي والتجاري الدولي خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، والذي توج بكساد عظيم غير مسبوق، جعل من فكرة التوسع الإمبراطوري العنيف وسيلة وحيدة، في نظر النخب القومية المتطرفة، لإنقاذ بلادها من الفناء الاقتصادي والاجتماعي، وضمان تدفق المواد الخام والأسواق المغلقة، وبناء فضاءات جغرافية محمية بيولوجيًا وسياسيًا.

يعيد الكتاب صياغة الجغرافيا السياسية لتلك الحقبة؛ فالإمبراطوريات القديمة التي كانت تسيطر على مساحات شاسعة من الكوكب، كانت تقدم نفسها كحامية للقانون الدولي وللسلام البشري، بينما كانت في حقيقتها تمارس احتكارًا عالميًا مستندًا إلى القوة العسكرية الباطشة. ومن هنا، فإن الصعود النازي والفاشي والعسكري الياباني لم يكن انحرافًا مفاجئًا في مسار التاريخ البشري أو مجرد نوبة جنون جماعي أصابت شعوبًا بأكملها، بل كان محاكاة راديكالية ومتأخرة، ومشحونة بأيديولوجيات عرقية عنيفة، لنفس السلوك الإمبريالي الذي مارسته بريطانيا وفرنسا في القرون السابقة. لقد أرادت اليابان بناء “منطقة الرخاء المشترك لشرق آسيا العظمى” لتكون نسختها الخاصة من الإمبراطورية البريطانية، وسعت إيطاليا لإعادة إحياء الأمجاد الرومانية في البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، بينما خطط هتلر لتحويل السهول الشاسعة في شرق أوروبا وروسيا إلى مستعمرة زراعية كبرى تابعة للرايخ الثالث، حيث يتم التعامل مع الشعوب السلافية كمستعبدين لخدمة العرق الآري، تمامًا كما تعاملت القوى الأوروبية مع الشعوب الإفريقية والآسيوية في ذروة الصعود الاستعماري.

إن هذه الصياغة النظرية المبتكرة التي يقدمها ريتشارد أوفري تسمح لنا بفهم كيف تحولت الحرب إلى صراع كوني شامل امتد من جزر الألوشيان النائية في شمال المحيط الهادئ إلى مدغشقر في جنوب المحيط الهندي، وصولًا إلى القواعد البحرية في حوض الكاريبي. لم تعد هناك بقعة في العالم بمنأى عن هذا الإعصار، لأن الرهان الأساسي لم يكن مجرد تعديل حدود سياسية بين دول متجاورة، بل كان إعادة صياغة كاملة لخريطة الملكية الأرضية والنفوذ الكوكبي. من هنا، يرفض أوفري بصرامة التعامل مع الحرب في المحيط الهادئ وبآسيا كملحق ثنوي أو كفصل هامشي للحرب البؤرية في أوروبا؛ بل يرى أن الحرب الآسيوية، بصمود الصين الأسطوري بوجه الآلة العسكرية اليابانية ومخاض الولادة العسير للصين الحديثة، كانت هي الحجر الأساس في صياغة عالم ما بعد الحرب، وربما تفوق في أهميتها الجيوسياسية على المدى الطويل نتائج الاندحار الألماني في القارة العجوز، لأنها أطلقت شرارة التحلل الحتمي والنهائي للمنظومة الاستعمارية التقليدية في العالم بأكمله.

يمتاز أسلوب أوفري بالتركيب الذي يدمج التحليل الاقتصادي الدقيق بالرؤية الفلسفية العميقة لطبيعة الدولة الحديثة، حيث يتنقل  من رصد أرقام الإنتاج الصناعي ومعدلات التضخم في ثلاثينيات القرن العشرين إلى تحليل البنى الذهنية والأيديولوجية التي حركت الجماهير وصناع القرار. إنه يؤكد أن الدول الاستعمارية الثلاث الجديدة، عندما اندفعت نحو مغامراتها العسكرية، كانت تتحرك تحت وطأة شعور قاتل بالخوف من الاختناق الداخلي والاضمحلال، مدفوعة بـأيديولوجيات خلاصية ترى في الحرب وسيلة وحيدة للتطهير القومي والولادة الجديدة. هكذا يضعنا الكتاب أمام مشهد مأساوي مركب: قوى قديمة مستعدة لفعل أي شيء للحفاظ على امتيازاتها الإمبراطورية المكتسبة، وقوى جديدة تندفع بجنون انتحاري لانتزاع نصيبها من الكعكة العالمية، وبين الطرفين تقع الشعوب المستعمرة والملايين من الضحايا الأبرياء الذين سحقتهم سنابك الخيل وعجلات المصانع الحربية في هذه المواجهة الإمبراطورية الأخيرة.

 القيمة المضافة لكتاب أوفري تكمن في قدرته  على جعل القارئ المعاصر يدرك  طبيعة وحجم التعبئة العامة التي شهدها ذلك العصر، حيث انخرط أكثر من مائة مليون رجل وامرأة في الخدمة العسكرية المباشرة، وتحولت اقتصادات دول كبرى بأكملها لخدمة المجهود الحربي، لدرجة تخصيص ما يقرب من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي الوطني لأغراض التدمير والقتل والقتال. كيف يمكن لعقلنا المعاصر المستقر في ظلال نسبية من الرفاهية والتحول الرقمي أن يستوعب قبول مجتمعات كاملة بالفقر المدقع، والجوع المقنن، وضياع مدخرات أجيال بأكملها في غضون سنوات قليلة صبت كلها في جوف التنانين الحربية النهمة.

سيمفونية الموت المتعددة.. تفكيك تشظي الحروب والأبعاد المدنية

إذا كان هدم السردية الزمنية التقليدية هو الخطوة الأولى في مشروع ريتشارد أوفري لإعادة قراءة الحرب العالمية الثانية، فإن الخطوة الثانية والأكثر إثارة للدهشة تكمن في تفكيك البنية المصمتة للحدث نفسه. فالحرب في العرف التاريخي الشائع هي نزاع مسلح يجري بين دول ذات سيادة، تتحرك فيه جيوش نظامية بملابس موحدة تحت قيادة جنرالات يحركون القطع العسكرية على الخرائط وفق خطط استراتيجية كلاسيكية. لكن أوفري، بمشرحته التأريخية النفاذة، يمزق هذا الغلاف الخارجي الأملس ليكشف عن حقيقة أكثر تعقيدًا وتشظيًا؛ إذ يرى أن ما نسميه “الحرب العالمية الثانية” لم يكن نزاعًا واحدًا متجانسًا، بل كان عبارة عن مصفوفة معقدة من الحروب المتعددة والمتداخلة، والتي جرت فصولها في وقت واحد، وتغذت على بعضها البعض، متجاوزة تمامًا الحدود التقليدية للعمليات العسكرية النظامية. إنها توليفة تراجيدية من حروب الدول، والحروب الأهلية الموازية، وحروب المدنيين المستقلة، التي اندمجت كلها في مرجل واحد لتصنع الصفة “التوتالية” الشاملة لهذا الصراع الإمبراطوري الأخير.

يبدأ النسيج التحليلي لأوفري من الاعتراف بأن الحرب بين الدول، سواء كانت حروب عدوان وتوسع تقودها دول المحور، أو حروب دفاع واسترداد تقودها دول الحلفاء، تظل هي الهيكل المرئي الأكثر ضخامة لأنها الوحيدة التي امتلكت القدرة على حشد الموارد الهائلة واستدامة العنف على نطاق واسع عبر خطوط إنتاج المصانع وميزانيات الدول الكبرى. لكن القيمة المعرفية المضافة للكتاب تتبدى عندما يسلط الضوء على “الحروب الأهلية الصغرى” التي اشتعلت في جوف الحرب الكبرى، مستغلة انهيار سلطة الدول المركزية أو تبدل القوى المحتلة. في الصين، على سبيل المثال، لم يكن المشهد مجرد مواجهة بين القوات الصينية الغازية والجيش الإمبراطوري الياباني؛ بل كان صراعًا وجوديًا ثلاثي الأبعاد، حيث خاض الحزب القومي الصيني بقيادة تشيانغ كاي شيك وحزب كومنتانغ مواجهة دموية شرسة ضد الحزب الشيوعي بقيادة ماو تسي تونغ، في ذات الوقت الذي كان فيه الطرفان يقاتلان اليابانيين ويتنافسان على من سيوارث عرش الصين عقب جلاء المستعمر. هذه الحرب الأهلية الكامنة في أحشاء الحرب التحررية لم تكن هامشية، بل كانت هي المحرك الأساسي الذي أعاد صياغة آسيا بأكملها عقب عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين.

ولا يقتصر هذا التشظي الأهلي على الساحة الآسيوية، بل يمتد ليمزق القارة الأوروبية في بقاع شتى يغفلها المؤرخون التقليديون. يسرد أوفري بمداد من النقد والتحليل كيف تحولت أوكرانيا إلى مسرح لحرب أهلية متعددة الجبهات، حيث تقاتل القوميون الأوكرانيون ضد السوفيت، وضد الألمان، وضد الأقليات البولندية، في دوامة من التطهير العرقي المتبادل الذي جرى تحت غطاء الجبهة الشرقية العظمى. وفي إيطاليا، بعد سقوط موسوليني عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين وتأسيس “جمهورية سالو” الفاشية الدمية في الشمال بدعم ألماني، انفجرت حرب أهلية إيطالية-إيطالية شديدة الوطأة والتمزيق بين الفاشيين الموالين لهتلر وبين الفصائل التحررية والبارتيزان الشيوعيين والديمقراطيين، وهي حرب كانت تدور في القرى والمزارع والشوارع الخلفية، بعيدًا عن جبهات القتال النظامية التي تقودها الجيوش الأمريكية والبريطانية. أما في اليونان، فإن صراع المقاومة ضد الاحتلال النازي سرعان ما استحال إلى حرب أهلية ضروس بين المقاومة الشيوعية والقوى الملكية والمحافظة المدعومة من بريطانيا، وهي الحرب التي لم تتوقف بانتهاء الحرب العالمية بل استمرت لسنوات لتكون أولى جبهات الحرب الباردة اشتعالًا بالدماء.

إلى جانب حروب الدول والحروب الأهلية، يجترح ريتشارد أوفري مفهومًا جديدًا يطلق عليه “حروب المدنيين”. هذا المفهوم لا يقصد به مجرد وقوع المدنيين ضحايا غير مقصودين للأعمال العسكرية، بل يشير إلى انخراط المجتمع المدني غير النظامي كفاعل مباشر ومحارب في المعمعة. وتتخذ حروب المدنيين عند أوفري شكلين أساسيين؛ الشكل الأول هو “حروب التحرر والمقاومة” التي خاضتها حركات المقاومة السرية والبارتيزان في فرنسا، ويوغوسلافيا بقيادة تيتو، والفلبين، وبولندا. هذه المجموعات المدنية التي حملت السلاح خاضت حرب عصابات غير مرئية، تفتقر إلى قواعد الحرب الكلاسيكية، وتميزت بعنف متبادل مفرط وقاسٍ، حيث واجهت قوى الاحتلال هذه المقاومة بعمليات انتقامية جماعية، وإبادة لقرى بأكملها، وإعدامات عشوائية للرهائن، مما جعل المجتمع المدني خط الدفاع والقتال الأول.

أما الشكل الثاني فهو ما يسميه المؤلف “حروب الدفاع المدني الذاتي” لمواجهة جهنم القصف الجوي الشامل. هنا، يتحول المدنيون في مدن مثل لندن، وبرلين، وطوكيو، وهامبورغ، وتشونغتشينغ إلى مقاتلين من نوع خاص؛ مطلوب منهم الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وإخماد الحرائق الكونية الناجمة عن القنابل الحارقة، وتنظيم عمليات الإخلاء والإيواء الطبية وسط تلال من الجثث والأنقاض، واستمرار تشغيل المصانع تحت وابل النيران الهاطلة من السماء. إنها حرب خاضها ملايين من النساء والأطفال والشيوخ ضد التدمير المنظم والممنهج الذي مارسته القوات الجوية للطرفين المتنازعين، والتي كانت تستهدف بشكل واعي ومدروس كسر الإرادة المعنوية للشعوب عبر تحويل حواضرهم التاريخية إلى مسالخ بشرية ومحارق مفتوحة تحت مسمى “القصف المعنوي” أو “قصف المناطق”.

هذا التداخل الرهيب بين الأنماط المختلفة للحروب هو ما منح الحرب العالمية الثانية طابعها التوتالي المطلق، وجعل التمييز التقليدي بين “المقاتل” و”المدني” يسقط ويتحلل كليًا في ممارسات الدول الحاربة. يوضح أوفري بكثير من الدقة الاقتصادية والاجتماعية كيف أن التعبئة العامة ألغت الفواصل بين المصنع والخنادق؛ فالمرأة التي تعمل في مصنع للذخيرة في ديترويت أو في جبال الأورال السوفيتية، أو العامل الذي يصنع أجزاء المقاتلات في ورشة صغيرة في ضواحي طوكيو، أصبحوا في العقيدة العسكرية للدول المعادية أهدافًا عسكرية مشروعة تمامًا كالجنود في جبهات القتال الأمامية. وبذلك، أصبحت تصفية المجتمعات بأكملها وسحق بنيتها التحتية الحيوية استراتيجية واعية ومعلنة، تبررها الحاجة الإمبراطورية لهزيمة العدو هزيمة مطلقة لا قيام له بعدها.

 يربط أوفري  بين هذا التشظي في طبيعة الحرب وبين جوهر الأزمة الإمبراطورية. فالدول الإمبراطورية عندما بدأت تترنح تحت ضربات قوى المحور بين عامي ألف وتسعمائة وأربعين وألف وتسعمائة واثنين وأربعين، تركت وراءها فراغات جيوسياسية هائلة في مستعمراتها القديمة وفي الأراضي التي انسحبت منها. هذا الفراغ لم تملأه جيوش المحور بشكل مستقر، بل فجر الطاقات القومية والاجتماعية المكبوتة للشعوب المستعمرة والمضطهدة، والتي وجدت نفسها فجأة في مواجهة أسئلة مصيرية حول هويتها ومستقبلها السياسي. هكذا تحولت الحرب من مجرد صدام جيوش إلى انفجار بركاني للهويات الفرعية، والصراعات الطبقية، والأيديولوجيات المتنافرة التي تصفّي حساباتها القديمة والجديدة مستخدمة العنف المطلق الذي شرعنته الحرب الكبرى.

وفي هذا المشهد المعقد، تبرز المقاومة اليوغوسلافية كنموذج صارخ لهذه الحروب المتداخلة؛ فالبارتيزان بقيادة جوزيف بروز تيتو لم يكونوا يقاتلون المحتل الألماني والإيطالي فحسب، بل كانوا يخوضون حربًا أهلية دموية لا هوادة فيها ضد “الـشيتنيك” القوميين الصرب الموالين للملكية، وضد “الأستاشا” الكروات الفاشيين الذين ارتكبوا مجازر إبادة جماعية مرعبة بحق الصرب واليهود. كان المشهد اليوغوسلافي مصغرًا للمأساة الكونية: تداخل بين صراع إمبراطوري خارجي، وتطهير عرقي داخلي، وثورة اجتماعية شيوعية تقلب البنى الطبقية القديمة رأسًا على عقب. ومن خلال هذا العرض المتدفق، يثبت ريتشارد أوفري أن النظر إلى الحرب من خلال فوهات المدافع النظامية غفلة تأريخية، وأن الحقيقة المروعة للحرب العالمية الثانية تكمن في تلك الزوايا المظلمة حيث كان الجار يقتل جاره، وحيث كان المدنيون يصنعون أدوات بقائهم أو أدوات فنائهم وسط ركام الإمبراطوريات المتهاوية.

معجزة الحشد اللوجستي.. كيف حسمت مصانع الأورال ومداخن ديترويت معركة الوجود؟

حين بلغت الحرب الإمبريالية الأخيرة ذروتها المستعرة بين عامي ألف وتسعمائة واثنين وأربعين وألف وتسعمائة وأربعة وأربعين، لم يكن الحسم العسكري مرهونًا ببسالة الجنود في الميدان أو بعبقرية الخطط التكتيكية للجنرالات فحسب، بل كان يتقرر بشكل باطن وخفي داخل مكاتب التخطيط الاقتصادي، وعبر خطوط الإنتاج المتواصلة في مصانع الصلب، وفوق أرصفة الموانئ وسكك الحديد الشاسعة. في هذا السياق، يقدم ريتشارد أوفري  تشريحًا اقتصاديًا  يقلب به المفاهيم الرومانسية الشائعة عن النصر والهزيمة؛ فالقوة العسكرية في عصر الحرب التوتالية الشاملة ليست سوى الواجهة الخارجية المعتمدة كليًا على عصب التعبئة الصناعية واللوجستية وقدرة الدولة على تحويل ملايين المواطنين من قوى عاملة مدنية إلى تروس في آلة تدميرية عملاقة لا تشبع. لقد كانت الحرب، في جوهرها المادي المظلم، سباقًا كونيًا محمومًا بين قدرة الإمبراطوريات الصاعدة “المحرومة” على استغلال المساحات التي احتلتها بسرعة، وبين قدرة القوى المضادة على حشد الموارد وتحقيق طفرات إنتاجية خارقة للعادة تفوق قدرة الخصم على التدمير.

يبدأ أوفري  بالمعضلة  التي واجهت دول المحور، وهي معضلة ترتبط مباشرة بطموحاتها الإمبريالية المتعجلة؛ فالأيديولوجية التوسعية لألمانيا واليابان وإيطاليا كانت تقوم على فرضية السيطرة على مجالات حيوية غنية بالمواد الخام من أجل تأمين الاكتفاء الذاتي وبناء إمبراطوريات محصنة. لكن المفارقة التاريخية الكبرى التي يبرزها المؤلف تكمن في أن هذه الدول، على الرغم من نجاحاتها العسكرية المذهلة والخاطفة في بداية المطاف، أخفقت إخفاقًا ذريعًا في تحويل الأراضي الشاسعة والملايين من الشعوب الخاضعة لها إلى رافعة اقتصادية وصناعية حقيقية لمجهودها الحربي. لقد اتسمت الإدارة الإمبراطورية الألمانية للمناطق المحتلة في شرق أوروبا بالنهب العشوائي، والوحشية المفرطة، واستعباد العنصر البشري بطرق بدائية أدت إلى تدمير البنية الإنتاجية وتفجير حركات المقاومة المسلحة، بدلًا من بناء منظومة اقتصادية متكاملة ومستدامة. وبالمثل، عجزت اليابان عن استغلال الثروات النفطية والمعدنية الهائلة في جنوب شرق آسيا وجزر الهند الشرقية بسبب النقص الحاد في أسطولها التجاري ونجاح الغواصات الأمريكية في قطع خطوط الإمداد البحرية، مما جعل المستعمرات الجديدة عبئًا استراتيجيًا وعسكريًا لا مصدرًا للقوة والنماء.

في المقابل، يتأمل أوفري المعجزة اللوجستية والصناعية التي حققها معسكر الحلفاء، وتحديدًا الثنائي العملاق: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. لقد كانت هاتان القوتان، على الرغم من التناقض الأيديولوجي الصارخ بين الرأسمالية الليبرالية والشيوعية الستالينية، تملكان قواسم مشتركة حسمت المعركة؛ وهي الاتساع الجغرافي الهائل المحصن ضد الغزو الخارجي، والوفرة الطائلة في الموارد الطبيعية الأساسية كالنفط والفحم والحديد، والأهم من ذلك، القدرة على تطبيق نموذج “الإنتاج الكمي القياسي” على صناعة السلاح. يوضح المؤلف  كيف تمكن الاتحاد السوفيتي، رغم خسارته لأكثر من نصف طاقته الصناعية وحقوله الزراعية الخصبة في الشهور الأولى للغزو الألماني عام ألف وتسعمائة وواحد وأربعين، من تنفيذ واحدة من أعظم الملاحم اللوجستية في التاريخ، وتمثلت في تفكيك آلاف المصانع الضخمة من غرب البلاد ونقلها عبر السكك الحديدية إلى ما وراء جبال الأورال وسيبيريا، لتعاود الإنتاج تحت ظروف جوية قاسية وفي العراء، لتتدفق من خطوطها آلاف الدبابات والمقاتلات التي تفوقت عدديًا على الصناعة الألمانية الماهرة ولكن المحدودة والبطيئة.

أما على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، فقد تحولت الولايات المتحدة الأمريكية إلى ما وصفه الرئيس فرانكلين روزفلت بـ “ترسانة الديمقراطية”. يحلل أوفري كيف نجحت الرأسمالية الأمريكية، بتوجيه وتنسيق صارم من الدولة وعبر الشراكة مع المجمعات الصناعية الكبرى، في تحويل كامل طاقتها الإنتاجية الاستهلاكية الهائلة إلى الإنتاج الحربي في غضون أشهر معدودات. لقد تخلت مصانع السيارات الكبرى في ديترويت عن إنتاج المركبات المدنية لتصنع بدلًا منها الطائرات القاذفة الثقيلة، والمجنزرات، والمحركات، بينما ابتكرت ترسانات بناء السفن الأمريكية طرقًا ثورية لبناء سفن الشحن من طراز “ليبرتي” في أيام قليلة بدلًا من شهور، مما سمح بإنشاء جسر بحري كوني يمد بريطانيا والاتحاد السوفيتي وجبهات القتال في المحيط الهادئ بسيل لا ينقطع من العتاد، والوقود، والمواد الغذائية عبر برنامج “الإعارة والتأجير” الشهير، والذي يراه أوفري الأداة الاقتصادية الأهم التي ربطت أوصال التحالف المناهض للمحور ومنعته من الانهيار في أحلك الظروف.

إن هذه القدرة الفائقة على الحشد والتعبئة لم تكن تقتصر على الآلات والمصانع، بل امتدت لتشمل المورد البشري وإعادة صياغة العقد الاجتماعي داخل الدول الحاربة. يسرد أوفري بكثير من العمق كيف تطلبت الحرب الشاملة دمج فئات اجتماعية كاملة كانت مستبعدة سابقًا من الدورة الاقتصادية والإنتاجية؛ وعلى رأسها النساء اللواتي اقتحمن المصانع الحربية، والمناجم، والمؤسسات الإدارية لتعويض النقص الحاد في الأيدي العاملة الناتجة عن إرسال ملايين الرجال إلى جبهات القتال. هذا التحول لم يكن مجرد إجراء اقتصادي مؤقت، بل كان هزة اجتماعية وثقافية عنيفة غيرت طبيعة المجتمعات الحديثة وملامحها إلى الأبد بعد الحرب. لقد كانت الدولة التوتالية تتدخل في كل تفاصيل الحياة اليومية لمواطنيها؛ تنظم حصص الغذاء، وتحدد الأجور، وتوجه الاستهلاك، وتفرض ساعات عمل طوال، وهو ثمن باهظ قبلت به الشعوب تحت وطأة الدعاية المكثفة والشعور بالخطر الوجودي الداهم الذي يهدد بقاء الأمة.

 يتضح لنا كيف تهاوت الأوهام الإمبراطورية لدول المحور أمام صخرة الواقع المادي؛ فالألمان واليابانيون، رغم تفوقهم التكتيكي الأولي وخبراتهم القتالية العالية، كانوا يخوضون حربًا ضد أرقام ومعدلات إنتاج يستحيل مجاراتها. عندما يذكر أوفري أن الولايات المتحدة وحدها كانت تنتج في بعض سنوات الحرب من الطائرات والسفن ما يعادل إنتاج دول المحور مجتمعة بأضعاف كثيرة، فإنه يوضح أن نهاية الحرب كانت مسألة وقت وإدارة لوجستية فقط. لقد تحولت الحرب في فصولها الأخيرة إلى عملية سحق ميكانيكية منظمة، حيث واجهت الجيوش الألمانية واليابانية نقصًا حادًا في الوقود، والذخيرة، والرجال، بينما كان الحلفاء يملكون ترف تعويض خسائرهم المادية والبشرية فورًا وبكفاءة عالية، مما جعل الصمود بوجه هذه الآلة جهودًا انتحارية يائسة أدت في النهاية إلى تحطيم تلك الإمبراطوريات الناشئة وتحويل حواضرها الصناعية إلى ركام تذروه الرياح.

الجغرافيا العاطفية للمحرقة البشريّة.. كيف تشكلت بنية الكراهية ومبررات الإبادة؟

حين يتجاوز المؤرخ ريتشارد أوفري رصد أرقام المصانع وحركات الجيوش على الخرائط، فإنه ينفذ إلى الخندق الأكثر تعقيدًا وخطورة في دراسة الحرب الإمبريالية الأخيرة؛ ونعني به خندق الوعي البشري والمنظومة النفسية والعاطفية للمحاربين والمدنيين على حد سواء. تحت مسمى لافت وصادم هو “الجغرافيا العاطفية للحرب”، يخصص أوفري مساحات تحليلية واسعة من سفره ليفكك لغزًا يواجه ضميرنا الإنساني الحديث: كيف أمكن لملايين من البشر الأسوياء، والذين وصفهم المؤرخ كريستوفر براونينغ بـ “الرجال العاديين” الذين لم يكونوا ساديين ولا مرضى نفسيين بالولادة، أن يتحولوا في غضون سنوات قليلة إلى أدوات طيعة لارتكاب أفظع الجرائم، وأعمال التطهير العرقي، والإبادات الجماعية المنظمة في تاريخ البشرية؟ إن الإجابة عند أوفري لا تكمن في الجبرية البيولوجية أو الجنون الجماعي العابر، بل في هندسة واعية وممنهجة للمشاعر الإنسانية، قادتها الدول الحاربة عبر ترسانات الدعاية والشحن الأيديولوجي، لتعيد رسم تضاريس الخوف، والكراهية، والوجب الأخلاقي في عقول شعوبها.

ينطلق التحليل من رصد مشاعر الخوف والتهديد الوجودي كأقوى المحركات النفسية التي وظفتها الأنظمة الإمبريالية؛ فالأيديولوجيا النازية في ألمانيا، والعسكرية في اليابان، لم تكن تقدم طموحاتها التوسعية لشعوبها كنزوات عدوانية لنهب الآخرين، بل كانت تصوغها بذكاء خبيث في قالب الدفاع المستميت عن بقاء الأمة في وجه مؤامرات كونية تسعى لإبادتها واقتلاعها. لقد جرى إقناع الجندي الألماني على الجبهة الشرقية بأن قتاله ضد السوفيت هو معركة مقدسة لحماية الحضارة الأوروبية من الهجمة “البولشفية اليهودية” التي تهدف إلى تدمير الرايخ واستعباد الشعب الألماني، بينما شحن الجندي الياباني بعقيدة تملي عليه أن التوسع في آسيا هو السبيل الوحيد لكسر الطوق الاستعماري الغربي الأبيض الذي يخنق الإمبراطورية. هذا الشعور الحاد بالحصار والخوف من الفناء القومي ولّد طاقة هائلة من العنف الدفاعي الاستباقي، وجعل من القسوة المفرطة ضد الآخر سلوكًا تبرره غريزة البقاء الأساسية.

يوضح أوفري كيف تلازم الخوف مع عملية “شيطنة العدو” ونزع الصفة الإنسانية عنه، وهي التقنية النفسية الأهم التي مهدت الطريق لارتكاب الفظائع دون وخز من ضمير. عندما تحول الآلة الدعائية الرسمية الخصم من كائن بشري يملك عائلة ومشاعر إلى “جرثومة” أو “مسخ” أو “عنصر دون بشري” يهدد سلامة النسيج الحيوي للأمة، فإن القتل هنا يتوقف في وعي القاتل عن كونه جريمة أخلاقية، ويستحيل إلى عملية تطهيرية طبية أو صحية ضرورية لحماية الجماعة. هكذا ارتبطت الحرب الإمبريالية في جوهرها بالحرب الأيديولوجية والعرقية ضد اليهود في أوروبا، والذين اتخذهم النظام الهتلري كبش فداء كوني، محملًا إياهم وزر إشعال الحرب العالمية وإحباط تطلعات الأمة الألمانية، مما شرعن في عقول منفذي “الحل الأخير” المذبحة الصناعية الكبرى بوصفها عملًا إنقاذيًا للرايخ.

لكن أوفري لا يقصر هذا التحليل النفسي على دول المحور وحدها، بل يمد بصره ليرصد كيف انتقلت عدوى العنف المفرط ونزع الإنسانية إلى معسكر الحلفاء أيضًا تحت وطأة قسوة الصراع وطول أمده. إن مشاعر الغضب الشديد، والرغبة العارمة في الانتقام والثأر لضحايا العدوان الأولي، خلقت مناخًا عاطفيًا عامًا في بريطانيا، والاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة، يبرر استخدام أكثر الأساليب دموية دون مواربة أخلاقية. يحلل الكتاب كيف حظيت عمليات القصف الجوي السجادي للمدن الألمانية واليابانية بتأييد واسع وحماس شعبي في المجتمعات الديمقراطية الغربية، حيث اعتبرت الجماهير أن سحق برلين أو طوكيو بالقنابل الحارقة وإحراق مئات الآلاف من المدنيين هو قصاص عادل وضروري لإنهاء الحرب وسحق الشر الفاشي. وبالمثل، فإن السلوك العنيف والقاسي للجيش الأحمر السوفيتي أثناء زحفه نحو برلين كان مدفوعًا بفيضان من الكراهية العميقة التي تراكمت في نفوس الجنود طوال سنوات الاحتلال النازي المرير لبلادهم، وما شهدوه من تدمير لقرى بأكملها وإبادة للملايين من أهاليهم.

إلى جانب الكراهية والخوف، يسلط أوفري الضوء على بقعة مضيئة ومعقدة في تلك الجغرافيا العاطفية، تمثلت في مشاعر الشجاعة، والتضحية بالذات، والتضامن الإنساني العتيق الذي ظهر في أحلك الظروف. ففي مقابل فظائع الجبهات، تجلت في خنادق القتال وفي غرف الملاجئ تحت الأرض صور أسطورية من التكافل الإنساني والرفقة المخلصة التي مكنت الأفراد من الحفاظ على تماسكهم العقلي والنفسي. لقد كان الجنود في كثير من الأحيان لا يقاتلون من أجل مفاهيم مجردة كالدولة أو الأيديولوجيا، بل من أجل حماية رفاقهم الجالسين بجوارهم في الخندق، مدفوعين برباط دموي غير مكتوب يتجاوز الفروق الطبقية والاجتماعية. كما أظهر المدنيون في المدن المضروبة بالمتفجرات قدرة مذهلة على التكيف وتطوير آليات بقاء جماعية، متجاوزين مشاعر الهلع الفردي ليصنعوا مجتمعات مصغرة في جوف الأرض، تتقاسم الكسرة والشعور بالأمل وسط ركام الموت والخراب.

إن التحدي الفلسفي الأكبر الذي يضعه ريتشارد أوفري أمامنا في هذا الفصل هو  سهولة انزلاق البشرية نحو البربرية عندما تسقط الضوابط القانونية والأخلاقية التقليدية وتشرعن الدولة العنف المطلق كأداة وحيدة لإدارة العلاقات الدولية. لقد كانت الحرب العالمية الثانية بمثابة مختبر بشري مرعب أثبت أن الحضارة الإنسانية الحديثة بما تملكه من علم وتكنولوجيا وتنظيم إداري متطور، يمكن أن تتحول بكاملها لخدمة غرايز دموية بدائية إذا ما شحنت العواطف بالخوف والكراهية الصحيحة. ومن هنا، فإن “الدماء والخراب” في أطروحة أوفري لم تكن مجرد نتائج عرضية للمعارك، بل كانت التجلي الختامي لثقافة إمبريالية عالمية دأبت طوال قرون على رؤية العالم كساحة صراع عرقي وجغرافي لا بقاء فيه إلا للأقوى والأكثر قسوة، وهو التراث المسموم الذي دفعت البشرية ثمن تصفيتة خمسة أضعاف ما دفعته في الحرب العظمى الأولى.

الرماد المتفجر.. تفكيك تصفية الإمبراطوريات ولادة عالم الدول الوطنية

حين وضعت الحرب الإمبريالية الأخيرة أوزارها الرسمية في سبتمبر من عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين، عقب التوقيع الاستعراضي لوثائق الاستسلام الياباني على متن البارجة الأمريكية “ميسوري”، لم يكن العالم يقف أمام مشهد نهاية تقليدي لقتال بين دول، بل كان يقف على أطلال منظومة دولية دامت لخمسة قرون كاملة. في هذا الفصل الختامي الملحمي من كتابه العمدة “الدماء والخراب”، يرفض ريتشارد أوفري الأسطورة الشائعة التي ترى في عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين لحظة سلام فوري ومستقر؛ بل يظهره كعام انقشاع الغبار عن دمار شامل، وبداية لـمخاض جيوسياسي عنيف وطويل استمر لسنوات، وتطلب تفجير هزات ارتدادية دموية في شرق أوروبا وآسيا والشرق الأوسط قبل أن تستقر تضاريس العالم الجديد على خريطة الدول الوطنية التي نعرفها اليوم. إن الانتصار المادي الساحق لمعسكر الحلفاء لم يكن مجرد دحر للمشاريع الإمبراطورية الفاشية والنازية واليابانية، بل كان، في حقيقته التاريخية العميقة، المسمار الأخير في نعش المنظومة الكولونيالية التقليدية بأسرها، بما في ذلك إمبراطوريات القوى المنتصرة نفسها.

يحلل أوفري  التناقض التاريخي الهائل الذي عاشته بريطانيا وفرنسا في لحظة النصر؛ فقد خرجت هاتان الإمبراطوريتان القديمتان من معمعة النزاع وهما ترفعان شارات الفوز وتجلسان على مقاعد المنتصرين في مؤتمرات يالطا وبوتسدام، لكنهما في الواقع كانتا كيانين منخرطين في عملية إفلاس مالي واقتصادي واهتراء عسكري وسياسي غير قابل للإصلاح. لقد تلاشت هيبة الإمبراطورية البريطانية في آسيا كليًا بعد الهزائم المذلة الأولى أمام اليابانيين في سنغافورة ومالايا، وعجزت لندن بعد عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين عن تحمل التكاليف الباهظة للحفاظ على حامياتها العسكرية الشاسعة وراء البحار لإخضاع مئات الملايين من الشعوب التي استيقظ وعيها القومي وخرجت تطالب بالاستقلال وحق تقرير المصير. هكذا، تحول التحلل الكولونيالي البريطاني والفرنسي والهولندي والبلجيكي من احتمال بعيد إلى حتمية تاريخية متسارعة، حيث شهدت السنوات التالية للحرب اندحارًا سريعًا ومذلًا للاستعمار التقليدي في الهند، وإندونيسيا، والـهند الصينية، والشرق الأوسط، لتطوى صفحة التوسع الجغرافي الأوروبي الشامل الذي بدأ منذ عصر الاكتشافات الجغرافية.

إن البديل التاريخي الذي حل محل هذا النظام الإمبراطوري المتهاوي، كان بزوغ عالم “الدولة الوطنية” كمفهوم سياسي وقانوني مهيمن على الكوكب. ومن المفارقات التي يبرزها المؤلف أن هذا التحول الكبير حظي بالدعم والتوجيه من القوتين العظميين الجديدتين اللتين تربعتا على قمة النظام الدولي: الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. فرغم التباين الأيديولوجي الجذري بين قطبي الحرب الباردة الناشئة، إلا أنهما التزما، بدافع من أيديولوجيتهما الخاصة (سواء كانت الليبرالية المضادة للاستعمار التقليدي أو الشيوعية الماركسية اللينينية)، بتقويض صرح الإمبراطوريات الأوروبية القديمة. لقد أرادت واشنطن تفكيك الأسواق الاستعمارية المغلقة لفتح الباب أمام نفوذها الاقتصادي والمالي المعولم عبر منظومة “بريتون وودز”، بينما سعى السوفيت لدعم حركات التحرر الوطني لخلخلة النفوذ الغربي وتوسيع رقعة المعسكر الاشتراكي. وبذلك، وجد العالم نفسه محكومًا بثنائية قطبية جديدة لا تعتمد على الاحتلال الجغرافي المباشر وإرسال الحكام العامين، بل على الأحلاف العسكرية، والمعونات الاقتصادية، والتبعية الأيديولوجية والسياسية في ظل سيادة رسمية للدول الوطنية المستقلة.

ولا يفوت أوفري في هذا السياق رصد الثمن الباهظ الذي دفعته الإنسانية في هذا المخاض الختامي؛ فالحرب لم تنته بنهاية العمليات القتالية، بل تحولت إلى حروب أهلية وحركات تمرد دموية في شتى البقاع. يسرد الكتاب كيف تحولت بولندا وشرق أوروبا إلى ساحات لتصفيات حسابية مرعبة وصراعات عنيفة لتثبيت الأنظمة الشيوعية وطرد ملايين الألمان من أراضي أجدادهم فيما اعتبر أكبر عملية تهجير قسري وتطهير عرقي في التاريخ الأوروبي المعاصر. وفي الصين، انطلقت الحرب الأهلية المكبوتة من عقالها فور جلاء القوات اليابانية، لتدور رحى معارك طاحنة بين القوميين والشيوعيين انتهت عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين بتأسيس جمهورية الصين الشعبية وصعود ماو تسي تونغ، وهو الحدث الجيوسياسي الضخم الذي أعاد رسم توازنات القوى في آسيا والعالم بأسره لقرن قادم. كما شهدت شبه الجزيرة الكورية وفيتنام والشرق الأوسط بذور نزاعات دموية مزمنة كانت كلها إفرازات مباشرة لترتيبات الحرب العالمية الثانية المبتسرة والفراغات الإمبراطورية المتروكة.

يمتاز ختام أطروحة ريتشارد أوفري بوقفة تأملية فلسفية حول مصير الدول “المحرومة” التي أشعلت هذا الحريق الكوني لانتزاع مستعمراتها الخاصة؛ والمقصود هنا ألمانيا واليابان. يوضح المؤلف بكثير من المفارقة التاريخية اللامعة أن هاتين الدولتين، اللتين خاضتا حربًا انتحارية ضروسًا حتى الرمق الأخير مدفوعتين بالخوف من الفناء الاقتصادي والاضمحلال القومي إذا لم تملكا إمبراطوريات جغرافية، سمح لهما النظام الدولي الجديد بإعادة الولادة كدول وطنية منزوعة السلاح الإمبراطوري ولكنها محصنة بالاندماج في شبكة التجارة الحرة العالمية. لقد حققت ألمانيا الغربية واليابان في عقود ما بعد الحرب طفرات اقتصادية ومعجزات صناعية هائلة عجزت عن تحقيقها آلاتهما العسكرية الغاشمة في ظل طموحات “النظام الجديد”، مما أثبت عمليًا وتاريخيًا أن عصر الإمبراطوريات والسيطرة على الأرض والموارد بالقوة المسلحة قد ولى وانتهى إلى غير رجعة، وأن الرفاه القومي في العصر الحديث بات مرتهنًا بالابتكار التكنولوجي والتكامل الاقتصادي في عالم تسوده الدول السيادية.

في المحصلة الختاميةا، يضعنا كتاب “الدماء والخراب” لريتشارد أوفري أمام مرآة كاشفة للتاريخ البشري؛ فالجردة النهائية للحرب العالمية الثانية ليست مجرد أرقام لخمسة وثمانين مليون ضحية أو تلال من الأنقاض الفحمية التي غطت الحواضر الكبرى، بل هي قصة الانعطافة الأكبر والأنكأ قسوة في مسار العصر الحديث. لقد كانت الحرب الإمبريالية الأخيرة بمثابة المطهرة المؤلمة والمقبرة الجماعية لأوهام الهيمنة الكولونيالية التي استبدت بالعقل الأوروبي والعالمي لقرون، ومن فوق رماد تلك الإمبراطوريات المتفجرة، ولدت منظومتنا الدولية الحالية بعللها وصراعاتها وتطلعاتها. إن قراءة أوفري العميقة تذكرنا بأن السلام العالمي ليس معطى بديهيًا، بل هو بنية هشّة بنيت بدماء الملايين وتضحيات أجيال كاملة، وأن الحفاظ عليه يتطلب وعيًا دائمًا بجذور الأزمات الهيكلية التي متى ما انسدت قنواتها الدبلوماسية والاقتصادية، انفسح المجال مجددًا لخروج وحوش “الدماء والخراب” من مكامنها المظلمة لتعيث في الأرض فسادًا وتدميرًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى