Uncategorizedأبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

سماءٌ من رماد وضميرٌ تحت الأنقاض

وهم السلاح المطلق وولادة العقيدة التدميرية

حين وقف الشاعر البريطاني جون بيتمان في عام 1940 يرقب الأفق الملتهب، لم يجد ما يواجه به عبثية المشهد سوى صرخة تهكمية مريرة خطّها في قصيدته الشهيرة: “يا لآلهة الجو الجواد! يا للعلم والتقدم! يا لهذا العالم الكبير الرائع! آه، ماذا صنعت بنا؟”. تلخص هذه الأبيات الفاجعة الكبرى التي يغوص فيها المؤرخ البريطاني الفذ ريتشارد أوفري في سفره الضخم والأشبه بملحمة تأريخية وثائقية تحمل عنوان “حرب القصف: أوروبا 1939-1945”. إننا هنا لسنا أمام مجرد كتاب تاريخ عسكري تقليدي يسرد أعداد الطائرات، وحمولات المتفجرات، وإحصائيات القتلى؛ بل نحن امام تحليل سياسي، واجتماعي لأحد أكثر الفصول خروجاً عن السيطرة في تاريخ البشرية الحديث. يقدم أوفري، عبر صفحات كتابه الذي يفكك الأساطير المستقرة حول سلاح الجو في الحرب العالمية الثانية، رؤية صحفية وتأريخية محكمة تبحث في السؤال الجوهري الحارق: هل حقق القصف الاستراتيجي أهدافه بالفعل، أم أنه كان التجسيد الأوضح لـ “الحساب الخاطئ الأكبر” في تاريخ الحروب الحديثة؟

تبدأ الرحلة المعرفية التي يأخذنا إليها المؤلف من نقطة بالغة الأهمية تشكل الأساس الفكري لكل ما تلاها من دمار؛ وهي الفترة التي سبقت اندلاع الشرارة الأولى للحرب في سبتمبر 1939. في هذا التمهيد الذي يسميه أوفري “القصف قبل عام 1940: المتخيل والواقع”، يكشف لنا كيف استبدت عقيدة القصف الجوي بعقول القادة العسكريين والمخططين الاستراتيجيين في فترة ما بين الحربين العالميتين. لقد ولدت الطائرة كأسيرة لنبوءة عسكرية تزعم أن الحرب المقبلة لن تُحسم في خنادق الطين والدم الشبيهة بحرب الجبهات في الحرب العالمية الأولى، بل ستحسم من فوق السحاب. كانت النظرية الرائجة، والتي صاغها جنرالات من أمثال الإيطالي جوليو دوهيه، تذهب إلى أن قاذفة القنابل سلاح هجومي مطلق لا يمكن إيقافه، وأن إسقاط كميات هائلة من المواد المتفجرة على المدن والمراكز الحضرية للعدو كفيل بتحطيم معنويات المدنيين وشل الإرادة السياسية للدول في غضون أيام أو أسابيع قليلة.

كان هذا “الوهم الاستراتيجي” يغذيه رعب جماعي انعكس في الأدب والسينما والصحافة طوال ثلاثينيات القرن العشرين. كان الناس يتخيلون سقوط غازات سامة وقنابل حارقة تمحو عواصم كبرى مثل لندن وباريس وبرلين في طرفة عين. غير أن المفارقة الصادمة التي يبرزها أوفري  هي الفجوة الهائلة بين ما استقر في المخيلة وبين الواقع التقني والعسكري الفعلي مع بداية الحرب. عندما دقت ساعة الحقيقة، تبين أن سلاح الجو لم يكن يمتلك الكفاءة التقنية ولا دقة التصويب ولا المدى الجغرافي الذي يتيح له تحقيق تلك النبوءات المرعبة. لم تكن القاذفات قادرة على العثور على أهدافها في عتمة الليل أو وسط الغيوم الأوروبية الكثيفة، وكانت الدفاعات الأرضية والمقاتلات الاعتراضية قادرة على إلحاق خسائر فادحة بالمهاجمين، مما جعل فكرة “الحسم الخاطف من الجو” تتبخر سريعاً، لتتحول بدلاً من ذلك إلى معركة استنزاف طويلة ومروعة امتدت لسنوات.

ينتقل بنا أوفري بعد ذلك إلى تفكيك “حرب القصف الألمانية” في الجزء الأول من الكتاب، مسلطاً ضوءاً كاشفاً على الهجوم الجوي الاستراتيجي الأول الذي شنه سلاح الجو الألماني (اللوفتفافه) ضد بريطانيا فيما عُرف تاريخياً بـ “البلتز” (The Blitz) بين سبتمبر 1940 ويونيو 1941. هنا، يعيد المؤلف قراءة المشهد متجاوزاً السردية البريطانية التقليدية التي ركزت على “صمود لندن” الأسطوري. يوضح أوفري أن القيادة الألمانية، بقيادة هيرمان غورينغ وبتوجيه من أدولف هتلر، لم تكن تملك استراتيجية واضحة بعيدة المدى للقصف. لقد أُلقي بسلاح الجو الألماني في معركة بريطانيا كأداة تكتيكية مرتجلة لإجبار لندن على التفاوض أو لتمهيد الطريق لغزو بري لم تكتمل خططه أبداً. وعندما فشل الألمان في تدمير المطارات العسكرية البريطانية، تحولوا بدافع الإحباط والانتقام إلى قصف المدن الحضرية والموانئ، مستهدفين أحياء لندن والمدن الصناعية مثل كوفنتري وليمبرتون.

في هذا السياق، يبدع أوفري في وصف التحول  الذي طرأ على المجتمعات تحت وطأة هذا النمط الجديد من الحروب الشاملة. في الفصل الذي يعنونه بـ “تحمل الألم؟ المجتمع البريطاني والبلتز”، يتجاوز المؤلف البروباغندا الحكومية التي كانت تظهر البريطانيين مسترخين يشربون الشاي وسط الأنقاض. إنه يغوص في الأرشيفات المحلية، والتقارير السرية لشرطة الرقابة، ومذكرات المواطنين العاديين ليقدم لنا صورة أكثر تعقيداً وإنسانية. نعم، كان هناك صمود، ولكن كان هناك أيضاً ذعر عام، وانهيارات عصبية، وسخط متزايد ضد النقص الحاد في الملاجئ الآمنة، وتوترات طبقية حادة بين سكان الأحياء الفقيرة في شرق لندن (East End) الذين تلقوا الصدمة الأكبر للقنابل الحارقة، وبين الأحياء الثرية التي كانت تنعم بحماية أفضل. يُظهر الكتاب كيف اضطرت الدولة البريطانية إلى إعادة تنظيم نفسها بالكامل، فخلقت جيشاً موازياً من فرق الإطفاء، والدفاع المدني، ومراقبي الغارات، وطواقم الإسعاف، مما أدى في نهاية المطاف إلى تعميق التماسك الاجتماعي لسبب لم يتوقعه المخططون الألمان: بدلاً من أن يؤدي القصف إلى دفع المدنيين للضغط على حكومتهم للاستسلام، أدى إلى توليد شعور مشترك بالقدر المشترك والعداء المطلق للمعتدي، مما ربط مصير الشعب بمصير القيادة السياسية بزعامة ونستون تشرشل.

ولعل القيمة المضافة الأبرز في هذا الجزء من كتاب أوفري هي التفاتته الذكية لما يصفه بـ “الفصل غير المروي: قصف المدن السوفيتية”. في أغلب الأدبيات التاريخية الغربية، تُختزل حرب القصف في المعارك التي دارت فوق سماء بريطانيا وألمانيا وإيطاليا. لكن أوفري يفتح وثائق الجبهة الشرقية ليثبت أن الآلة العسكرية النازية مارست قصفاً تدميرياً وحشياً ضد المراكز الحضرية السوفيتية منذ الأيام الأولى لعملية بارباروسا في صيف 1941. لم يكن القصف الألماني لمدن مثل ستالينغراد، ولينينغراد، وسيفاستوبول مجرد إسناد للقوات البرية، بل كان جزءاً من استراتيجية إبادة وتركيع شاملة. واجه المجتمع السوفيتي أهوالاً تفوق ما واجهه أي مجتمع أوروبي آخر؛ حيث اندمج القصف الجوي الكثيف مع الحصار التجويعي الخانق. ومع ذلك، وكما حدث في بريطانيا، فإن القسوة المفرطة للقصف الألماني لم تكسر إرادة المقاومة السوفيتية، بل تحولت إلى وقود ججّ الفكرة التعبوية لـ “الحرب الوطنية العظمى”، مما أثبت مرة أخرى أن العقيدة العسكرية التي قامت على فكرة أن المدنيين هم الحلقة الأضعف في سلسلة الحرب كانت عقيدة تشوبها عيوب قاتلة في فهم النفس البشرية وسلوك الجماعات تحت التهديد الوجودي.

صعود التنين والتحول نحو الحرب الإجمالية

لم يكد غبار معركة بريطانيا ينقشع وتتحول طائرات “اللوفتفافه” الألمانية نحو الشرق لابتلاع السهول السوفيتية، حتى بدأت لندن في صياغة ردها الخاص الذي كان مقدراً له أن يتجاوز في عنفه وتأثيره كل ما شهده القرن العشرون من دمار. في هذا المنعطف الحاسم من كتابه، ينقلنا ريتشارد أوفري إلى داخل أروقة وزارة الجو البريطانية وقيادة قاذفات القنابل (Bomber Command)، ليكشف عن التحول الروحي والتقني الذي طرأ على الاستراتيجية العسكرية الغربية. كان ونستون تشرشل يدرك تماماً أن بريطانيا، بعد خروج فرنسا من المعركة وتقوقعها خلف بحر المانش، لا تملك وسيلة عسكرية مباشرة لضرب قلب ألمانيا النازية سوى من خلال الجو. من هنا، تحول سلاح الجو الملكي من أداة دفاعية أنقذت البلاد في صيف 1940، إلى أداة هجومية ضخمة أُنيطت بها مهمة مقدسة ومخيفة في آن واحد: نقل أهوال الحرب إلى عتبات بيوت المواطنين الألمان.

يحلل أوفري  الجذور السياسية والنفسية لهذا التحول؛ حيث يوضح أن الهجوم الجوي البريطاني لم يبدأ كخطة تدميرية شاملة للمدن، بل بدأ محاولة لضرب أهداف عسكرية واقتصادية محددة مثل مصانع السلاح، ومصافي النفط، وعقد السكك الحديدية. غير أن تقارير الاستخبارات الجوية البريطانية في عام 1941، ولا سيما “تقرير بوت” الشهير، صدمت القيادة السياسية والعسكرية بحقيقة مريرة: لم تكن سوى ثلث القاذفات البريطانية تنجح في إسقاط قنابلها ضمن نطاق خمسة أميال من الهدف المحدد بسبب الظلام والطقس السيئ والدفاعات الأرضية الألمانية. أمام هذا العجز التقني الفاضح، وامتداداً لمنطق الحرب الشاملة التي فرضها الطرف الآخر، اتخذت بريطانيا قراراً غير مجرى التاريخ؛ وهو الانتقال من “القصف الدقيق” للأهداف العسكرية إلى ما عُرف بـ “قصف المناطق” (Area Bombing). كان هذا المصطلح المنمق يخفي وراءه استراتيجية واضحة المعالم: استهداف المراكز الحضرية بأكملها، وهدم الأحياء السكنية للمدن الألمانية لتدمير معنويات الطبقة العاملة وشل قدرتها على الإنتاج.

تبلور هذا التحول الجذري مع تعيين الجنرال آرثر هاريس، الذي اشتهر لاحقاً في التاريخ بلقب “هاريس المفوّض بالهدم” أو “هاريس القاذف”، رئيساً لقيادة القاذفات في أوائل عام 1942. يُفرد أوفري مساحة واسعة لتحليل شخصية هاريس وعقيدته العسكرية الصارمة. لم يكن هاريس يرى في القاذفة مجرد سلاح مساند للجيش أو البحرية، بل كان يؤمن، بيقين شبه ديني، بأن القصف الجوي الكثيف والمستمر للمدائن الألمانية كفيل وحده بإجبار الرايخ الثالث على الركوع دون الحاجة إلى شن غزو بري مكلف عبر القناة. بدأ هاريس في تطبيق نظريته عبر تنظيم غارات جماعية غير مسبوقة، كان أولها وأكثرها إثارة للذهول غارة “الألف طائرة” على مدينة كولونيا في مايو 1942. كانت هذه الغارة نقطة تحول رمزية وعملية؛ إذ أثبتت أن سلاح الجو البريطاني بات قادراً على حشد قوة تدميرية هائلة تركز في بضع ساعات آلاف الأطنان من المواد المتفجرة والحارقة فوق رقعة جغرافية ضيقة، مما يؤدي إلى إشباع الدفاعات الأرضية وشل فرق الإطفاء تماماً.

لكن أوفري لا يكتفي بالحديث عن الجانب البريطاني، بل يأخذنا في رحلة موازية ومثيرة للاهتمام عبر الأجواء لرصد رد الفعل الألماني. هنا يظهر الفصل المخصص لتشريح “أزمة الدفاع عن الرايخ”، حيث يكشف المؤلف كيف اضطرت القيادة الألمانية إلى إعادة توجيه ثقلها العسكري من الهجوم الخارجي إلى الدفاع الداخلي. تحولت سماء ألمانيا إلى ساحة لمعركة ليلية شرسة ومعقدة تكنولوجياً بين القاذفات البريطانية والمقاتلات الليلية الألمانية. استثمر الألمان موارد هائلة لبناء خط دفاعي متطور عُرف بـ “خط كامبريدج”، وهو شبكة معقدة من الرادارات، وكشافات الإضاءة، والمدافع المضادة للطائرات، والمقاتلات الموجهة لاسلكياً. يصف أوفري هذا الصراع التكنولوجي بأنه كان حرب عقول حقيقية، حيث كان كل طرف يطور ابتكارات إلكترونية وموجات رادار مضادة لإرباك الطرف الآخر. ونتيجة لهذا التطور الدفاعي، دفع الطيارون البريطانيون ثمناً باهظاً من دمائهم؛ إذ كانت نسب الخسائر في صفوف الطواقم الجوية ترتفع أحياناً إلى مستويات تجعل البقاء على قيد الحياة لإنهاء جولة الخدمة العسكرية أشبه بالمعجزة.

ومع دخول الولايات المتحدة الحرب بكامل ثقلها الصناعي والعسكري، شهدت حرب القصف تحولاً كمياً وكيفياً جديداً؛ حيث دخل سلاح الجو البري الأمريكي المعركة بعقيدة مختلفة تماماً عن العقيدة البريطانية. يوضح أوفري الفروق الجوهرية والصراعات المكتومة بين الحليفين الأنغلوسكسونيين؛ فقد رفض الأمريكيون تبني استراتيجية القصف الليلي العشوائي للمدن التي يتبعها البريطانيون، وتشبثوا بدلاً من ذلك بنظرية “القصف الاستراتيجي الدقيق في وضح النهار”. باستخدام قاذفاتهم الثقيلة الشهيرة بالحصون الطائرة ومنظومات تصويب متطورة للغاية، اعتقد الجنرالات الأمريكيون أن بإمكانهم ضرب شريان الحياة للاقتصاد الألماني عبر استهداف مصانع محددة بدقة، مثل مصانع رولمانات البلي وصناعات الطائرات ومصافي النفط الاصطناعي. أدى هذا التباين إلى ولادة ما سُمي بـ “الهجوم الجوي المشترك”، حيث باتت ألمانيا تتعرض للقصف على مدار الأربع والعشرين ساعة: الأمريكيون يضربون نهاراً والبريطانيون يمحون ليلاً.

غير أن هذه المثالية الأمريكية في وضح النهار سرعان ما اصطدمت بصخرة الواقع الدفاعي الألماني الشرس في عام 1943. يروي أوفري تفاصيل الغارات المأساوية التي شنها الأمريكيون على مدن صناعية مثل شفاينفورت وريغنسبورغ، حيث تمكنت المقاتلات الألمانية من تمزيق تشكيلات القاذفات الأمريكية غير المحمية بمقاتلات ذات مدى طويل، مما ألحق بها خسائر فادحة هددت بإيقاف الحملة الأمريكية برمتها. تظهر هذه الحوادث، في تحليل المؤلف، أن القصف الاستراتيجي ظل متعثراً وغير حاسم حتى تمكن الحلفاء من إدخال المقاتلة الأسطورية طويلة المدى لترافق القاذفات في رحلتها إلى عمق الأراضي الألمانية. عند هذه النقطة، انكسر ظهر سلاح الجو الألماني الذي استُنزف طياروه وخسرت مصانعه القدرة على تعويض الفقد، لتصبح الأجواء الأوروبية مستباحة بالكامل لآلة الدمار الحليفة، ممهدة الطريق لأقسى فصول الحرب عصفاً بالبشر والحجر، وهو ما سنتناول تفاصيله المروعة وتبعاته الإنسانية والاقتصادية.

القيامة الحارقة وتشريح الكفاءة الاقتصادية للرماد

مع حلول أواخر عام 1943 وبدايات عام 1944، تحولت سماء القارة الأوروبية إلى مسرح لما يمكن وصفه بـ “القيامة الصناعية الفائقة”، حيث بلغت حملة القصف المشتركة ذروتها التدميرية التي لم توفر أخضر ولا يابساً. في هذا الجزء المركزي من أطروحته، يتخلى ريتشارد أوفري عن الحياد البارد للمؤرخ العسكري التقليدي، ليغوص في الأعماق الإنسانية والمادية المظلمة لنتائج “قصف المناطق” الذي مارسته قيادة القاذفات البريطانية. يأخذنا المؤلف إلى قلب الكارثة التي حلت بمدن ألمانية كبرى مثل هامبورغ، وكاسل، ودوسلدورف، وصولاً إلى المأساة الكبرى في دريسدن. لم يعد القصف مجرد سقوط متناثر للمتفجرات، بل تحول، عبر مزيج مدروس تقنياً من القنابل شديدة الانفجار والقنابل الحارقة المعبأة بالفوسفور والنابالم، إلى ظاهرة فيزيائية مرعبة عُرفت بـ “العاصفة النارية” (Firestorm).

يصف أوفري  كيف كانت هذه العواصف النارية تتخلق في أزقة المدن القديمة ذات البيوت الخشبية المتلاصقة؛ حيث تتحد آلاف الحرائق الصغيرة بسرعة فائقة لتشكل حريقاً واحداً عملاقاً يرتفع لآلاف الأمتار في السماء. هذا الحريق الهائل كان يمتص الأكسجين من المحيط بقوة ميكانيكية جبارة، مما يؤدي إلى توليد رياح بلغت سرعتها سرعة الأعاصير، وتصل درجات الحرارة في مركزها إلى أكثر من ألف درجة مئوية. تحت وطأة هذا الجحيم، لم تكن المباني هي التي تنهار وتتفحم فحسب، بل كان البشر في الملاجون يموتون اختناقاً بسبب نقص الأكسجين أو غاز أحادي أكسيد الكربون، أو يذوبون حرفياً في الإسفلت الساخن للشوارع أثناء محاولتهم الفرار. يعيد أوفري قراءة السجلات الطبية والتقارير المحلية لتلك المدن ليؤكد أن الضحايا لم يكونوا مجرد أرقام في إحصائيات الحرب، بل كانوا مجتمعاً مدنياً كاملاً من النساء والأطفال والشيوخ والعمال الأجانب والسجناء الذين سُحقوا تحت أقدام عقيدة عسكرية اعتبرت أن الغاية تبرر الوسيلة تماماً.

 يطرح المؤلف سؤاله الجوهري الصادم: هل نجحت هذه التضحية الإنسانية والأخلاقية والمادية الهائلة في شل الاقتصاد الحربي الألماني؟ الإجابة التي يقدمها أوفري، بناءً على تحليل وثائق “وزارة التسلح الألمانية” بقيادة ألبرت شبير وتقارير مسح القصف الاستراتيجي بعد الحرب، جاءت مخيبة لآمال جنرالات الجو. يكشف الكتاب عن حقيقة مذهلة غابت عن أذهان الحلفاء طويلاً، وهي أن الإنتاج الحربي الألماني لم ينهار نتيجة القصف في عامي 1943 و1944، بل على العكس تماماً، فقد حقق ذروته التاريخية في صيف عام 1944، حيث تضاعف إنتاج الطائرات والدبابات والذخيرة عدة مرات مقارنة ببداية الحرب.

يفسر أوفري هذه المفارقة بقدرة المجتمع والدولة الشمولية في ألمانيا على التكيف السريع والارتجال المنظم. كانت المصانع الألمانية تمتلك فائضاً كبيراً في الطاقة الإنتاجية والآلات والمواد الخام التي لم تُستغل بالكامل قبل عام 1942. وعندما بدأت القنابل تسقط، قام شبير بإعادة تنظيم الصناعة عبر نظام “اللجان الصناعية”، ونقل الآلات الثقيلة من المصانع المتضررة إلى محاور فرعية، أو دفن خطوط الإنتاج الحيوية في أنفاق جبلية ومناجم تحت الأرض لا تصل إليها القنابل. علاوة على ذلك، استغلت الفاشية النازية ملايين العمال القسريين وأسرى الحرب لرفع الأنقاض وإصلاح السكك الحديدية والمصانع في غضون ساعات قليلة من انتهاء الغارات. يوضح أوفري أن القنابل كانت تدمر الجدران والسقوف، لكنها نادراً ما كانت تحطم الآلات المخرطة الثقيلة المصنوعة من الفولاذ الصلب، والتي كانت تُنظف من الركام وتبدأ العمل مجدداً في غضون أيام قليلة.

ومع ذلك، لا يتبنى أوفري النتيجة المتطرفة التي تقول إن القصف كان بلا فائدة عسكرية تذكر، بل يقدم قراءة متوازنة وعميقة الأثر. يجادل المؤلف بأن القصف الاستراتيجي، وإن فشل في تدمير الإنتاج كلياً، فإنه نجح في وضع “سقف” للنمو الصناعي الألماني؛ أي أنه منع الاقتصاد الحربي النازي من الوصول إلى مستويات الإنتاج الهائلة التي كان يمكن أن يحققها لو تُرِك يعمل في ظروف طبيعية. والأهم من ذلك، أن حملة القصف أجبرت القيادة الألمانية على خوض “معركة دفاعية ثانية” استنزفت موارد هائلة كانت الجبهات البرية، وخاصة الجبهة الشرقية ضد الجيش الأحمر، في أمسّ الحاجة إليها. يوضح أوفري أن الرايخ اضطر لتوجيه ثلث إنتاجه من المدافع، ونصف إنتاجه من الذخيرة، ومئات الآلاف من الجنود والعمال فقط لإدارة منظومات الدفاع الجوي الأرضي (الفلاك) والمقاتلات، مما حرم القوات البرية الألمانية من غطاء جوي ودعم مدفعي حاسم في معارك الدبابات الكبرى.

ينتهي هذا التشريح الاقتصادي والعسكري بالوصول إلى ربيع عام 1945، عندما تحولت سماء ألمانيا إلى ساحة استعراضية لقوة جوية حليفة مطلقة، في وقت كانت فيه الموارد البترولية للرايخ قد جفت تماماً نتيجة لتركيز الأمريكيين أخيراً على مصافي النفط الاصطناعي في المراحل الأخيرة للحرب. يعطينا أوفري في هذا السياق انطباعاً واضحاً بأن النصر الجوي تحقق في النهاية، ولكن بعد أن دفع العالم ثمناً باهظاً تمثل في تحويل القارة الأوروبية إلى حقل واسع من الرماد البشري والمادي، وهو ما يمهد لنا الطريق في الدفعات القادمة لاستعراض الجوانب الأخلاقية، والقانونية، والسياسية التي أحاطت بهذا الصراع المأساوي، وتأثيره على المدنيين في الدول المحتلة الأخرى مثل فرنسا وإيطاليا، والذين سقطوا بنيران صديقة سعت لتحريرهم فقتلتهم.

مفارقة النيران الصديقة وتكلفة التحرير من السماء

بينما كانت سماء ألمانيا تشتعل بنيران حملة القصف المشتركة، كان هناك فصل آخر على درجة عالية من المأساوية والتعقيد الأخلاقي والسياسي يفرد له ريتشارد أوفري مساحة واسعة في كتابه، وهو قصف الحلفاء للمناطق الخاضعة للاحتلال النازي في غرب وجنوب أوروبا، ولا سيما فرنسا وإيطاليا. هنا يجد القارئ نفسه أمام مفارقة تراجيدية كبرى؛ إذ تحولت الطائرات البريطانية والأمريكية، التي كان سكان هذه الدول ينتظرونها كطوق نجاة ورمز للتحرير، إلى أدوات للموت العشوائي والدمار الشامل الذي يأتيهم من فوق السحاب. يكشف أوفري من خلال وثائق الأرشيفات الفرنسية والإيطالية كيف تحولت المدن والموانئ وعقد المواصلات في هذه البلدان إلى أهداف مستباحة لآلة الحرب الجوية، تحت ذريعة حرمان الألمان من استخدام البنية التحتية المحلية أو شل حركتهم اللوجستية قبل الإنزال البري الكبير في النورماندي.

يركز المؤلف في تشريحه لحالة فرنسا على ما عُرف بـ “خطة النقل” (Transportation Plan) التي طُبقت في ربيع عام 1944 ممهدة لعملية الإنزال الحليف. كانت العقيدة العسكرية الأمريكية والبريطانية ترى أن نجاح الإنزال البري يتوقف كلياً على عزل جبهة القتال من خلال تدمير شبكة السكك الحديدية والجسور ومحطات الفرز في فرنسا برمتها. تسبب هذا القرار في موجات قصف عنيفة ومتواصلة ضربت مدناً فرنسية عريقة مثل روان، ونانت، وليون، وأحياء محيطة بباريس. يصف أوفري الذي يلامس النبض الإنساني حالة الذهول والأسى التي سادت بين المدنيين الفرنسيين؛ إذ لم تكن المنظومات التقنية للقاذفات قادرة على حصر الدمار في حرم محطات القطارات، بل كانت القنابل تسقط بكثافة على الأحياء السكنية المكتظة، مما أسفر عن مقتل أكثر من ستين ألف مدني فرنسي بنيران حلفائهم، وهو رقم يتجاوز إجمالي عدد المدنيين البريطانيين الذين قتلوا طوال فترة القصف الألماني لبريطانيا.

ولم تكن الأجواء السياسية المحيطة بهذه الحملة أقل تعقيداً؛ حيث يورد أوفري تفاصيل السجالات الحادة التي دارت خلف الكواليس بين تشرشل والجنرال شارل ديغول. كان ديغول، بوصفه رئيساً للحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية، يشعر بمرارة شديدة ويرسل احتجاجات صارمة إلى لندن وواشنطن محذراً من أن هذا التدمير الأعمى للمدن الفرنسية سيترك جراحاً غائرة في نفوس الفرنسيين وقد يدفعهم نحو التشكيك في نوايا الحلفاء وربما الارتماء في أحضان الدعاية النازية أو حكومة فيشي المتعاونة. لكن البرجماتية العسكرية الغربية، بقيادة الجنرال دوايت أيزنهاور، حسمت الأمر لصالح استمرار القصف، معتبرة أن إنقاذ حياة الجنود الحلفاء على الشواطئ يبرر التضحية بأرواح المدنيين الفرنسيين على خطوط السكك الحديدية، وهي المعادلة القاسية التي تظهر كيف تتلاشى الاعتبارات الأخلاقية والقانونية أمام حسابات الحسم العسكري في الحروب الشاملة.

وفي الجبهة الجنوبية، ينتقل بنا أوفري إلى المشهد الإيطالي الذي لم يكن أقل مأساوية؛ بل تميز بتداخل عجيب بين صراعات الهوية والتحولات السياسية. بعد سقوط نظام موسوليني الفاشي في صيف 1943 وتوقيع إيطاليا للهدنة مع الحلفاء، تحولت البلاد فوراً إلى ساحة معركة بعد أن سارعت القوات الألمانية لاحتلالها. وجد المدنيون الإيطاليون أنفسهم فجأة يتعرضون لقصف عنيف من الحلفاء الذين باتوا يعتبرون المدن الإيطالية مناطق مواجهة عسكرية مباشرة مع الفاشيين والنازيين على حد سواء. يحلل أوفري كيف عانت مدن مثل ميلانو، وتورينو، ونابولي، وفلورنسا من تدمير ممنهج طال المعالم التاريخية، والأحياء السكنية، والمصانع. ولم يقتصر الدمار على المنشآت الصناعية؛ بل امتد ليشمل قصف وتدمير دير “مونتي كاسينو” التاريخي العريق، والذي دمرته القاذفات الثقيلة الأمريكية بالكامل بعد الاشتباه في أن القوات الألمانية تستخدمه كنقطة مراقبة عسكرية، ليتبين لاحقاً أن الدير كان خالياً تماماً من الجنود ولم يكن فيه سوى الرهبان واللاجئين المدنيين.

يستنتج أوفري من هذه الفصول المؤلمة أن عقيدة القصف الاستراتيجي الحليفة كانت تحمل في طياتها نوعاً من “العمى الهيكلي” الذي يفصل بين الهدف المادي البحت وبين المحيط البشري والاجتماعي الذي يوجد فيه. لقد تعامل المخططون العسكريون في لندن وواشنطن مع المدن الأوروبية المحتلة بوصفها مجرد نقاط على خرائط جوية ومربعات تصويب، متناسين أن عملية التحرير من الجو كانت تتم عبر سحق المجتمعات التي جاءوا لإنقاذها. يُظهر الكتاب كيف أدت هذه التجربة المريرة إلى خلق حالة من الصدمة النفسية الجماعية والاقتراب من حافة التفكك الاجتماعي في تلك البلدان؛ حيث اضطر ملايين المواطنين إلى الهرب نحو الأرياف، وعاشوا لشهور طويلة في ظروف معيشية وصحية مزرية تحت وطأة الخوف المستمر من الطائرات التي تحمل علامات الحرية ولكنها تقذف الموت، وهو ما يعيد صياغة السردية التقليدية للحرب العالمية الثانية ليجعلها أكثر قتامة وأقرب إلى التقييم النقدي والمراجعة الأخلاقية الجسورة

الميزان الأخلاقي والإرث القانوني للمحاكمة الغائبة

عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها في مايو 1945، تركت وراءها قارة أوروبية مكللة بالسواد، تتصاعد من مدنها المهدومة رائحة الموت والرماد، وتطرح أسئلة فلسفية وأخلاقية وقانونية حارقة حول ماهية النصر وثمنه. في هذا الجزء الختامي والأكثر حساسية من أطروحته التاريخية الاستثنائية، يضع ريتشارد أوفري “حرب القصف” بأكملها فوق ميزان العدالة الدولية والتاريخية. يتجاوز المؤلف هنا السرد العسكري والتحليل الاقتصادي البحت ليناقش الإشكال الأخلاقي الأكبر الذي ما زال يؤرق الضمير الإنساني الحديث: كيف يمكن للحلفاء، الذين خاضوا حرباً عادلة ضد الفاشية والنازية دفاعاً عن قيم الحرية والإنسانية، أن يتبنوا وسائل قتالية تدميرية عشوائية تتطابق في وحشيتها مع الوسائل التي استخدمها أعداؤهم؟

فيما يتعلق بالمعايير المزدوجة التي سادت في مشهد ما بعد الحرب، وتحديداً خلال محاكمات نورمبرغ الشهيرة لجرائم الحرب النازية. يلاحظ المؤلف أن لوائح الاتهام التي وُجهت إلى القادة الألمان غاب عنها تماماً أي بند يتعلق بالقصف الجوي للمدن البريطانية أو السوفيتية أو استهداف المدنيين من الجو. لم يكن هذا الغياب نابعاً من تسامح الحلفاء، بل كان نتيجة إدراكهم القانوني والسياسي العميق بأن توجيه اتهام كهذا إلى غورينغ وجنرالات “اللوفتفافه” سيعني تلقائياً فتح الباب لمحاكمة قادة سلاح الجو البريطاني والأمريكي، وعلى رأسهم آرثر هاريس وكارل سبراتز، الذين مارسوا قصفاً تدميرياً للمدن الألمانية فاق في حجمه وتأثيره كل ما فعله الألمان بمراحل. لقد فرض “منطق المنتصر” حظراً مكتوماً على مناقشة شرعية القصف الاستراتيجي، وجرى إغفال هذا الملف قانونياً لتجنب إدانة الذات.

وينتقل أوفري بعد ذلك لتحليل البيئة القانونية الدولية التي سبقت الحرب وخلالها، ليكشف عن ثغرة هيكلية كبرى في القانون الدولي التقليدي آنذاك؛ إذ لم تكن هناك اتفاقية دولية صريحة وملزمة تنظم وتجرم القصف الجوي للمدنيين بشكل مباشر، على غرار اتفاقيات جنيف الخاصة بأسرى الحرب أو اتفاقيات لاهاي المتعلقة بالحروب البرية والبحرية. سعت الدول الكبرى طوال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى إبقاء القواعد الجوية فضفاضة ومبهمة، رغبة منها في عدم تقييد هذا السلاح التكنولوجي الجديد والواعد. استخدم المخططون العسكريون البريطانيون والأمريكيون هذا الفراغ القانوني لتبرير عملياتهم، متذرعين بأن المدن الألمانية بأكملها باتت تمثل “منشآت عسكرية وصناعية متكاملة”، وبالتالي فإن تدمير الأحياء السكنية المحيطة بالمصانع ليس جريمة متعمدة بل هو “أضرار جانبية حتمية” تفرضها طبيعة الحرب الإجمالية الحديتة.

غير أن أوفري يرفض هذا التبرير التقني البارد، ويؤكد أن الانتقال البريطاني نحو “قصف المناطق” كان قراراً سياسياً وعسكرياً واعياً استهدف المعنويات البشرية والبيئة الاجتماعية للمدنيين بشكل مباشر، وهو ما يخرق المبدأ الإنساني الأساسي المتمثل في ضرورة التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين. يُظهر الكتاب كيف أدت هذه الاستراتيجية إلى خلق حالة من “البلادة الأخلاقية” الجماعية لدى الرأي العام في الدول الديمقراطية؛ فالمواطنون الذين صدمتهم أهوال قصف مدينة كوفنتري البريطانية عام 1940، باتوا بعد سنوات قليلة يتقبلون ويصفقون لأخبار محو مدن ألمانية كاملة مثل هامبورغ ودرسدن من الخارطة ومقتل عشرات الآلاف في ليلة واحدة، مما يثبت أن الحرب الشاملة لا تدمر الحجر والمنشآت فحسب، بل تدمر أيضاً المنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمعات التي تخوضها.

وفي تقييمه الختامي للإرث التاريخي لهذه الحملة الجوية، يخلص ريتشارد أوفري إلى نتيجة مركزية مفادها أن حرب القصف الاستراتيجي الأوروبية بين عامي 1939 و1945 كانت تمثيلاً صارخاً لـ “الفشل الذريع للسلاح المطلق”. لم تنجح القنابل في تحقيق النبوءة الفاشية أو الديمقراطية بحسم المعركة من الجو دون تضحيات برية، ولم تفلح في كسر معنويات الشعوب أو دفعها للثورة ضد قياداتها، بل إنها خلفت دماراً إنسانياً واقتصادياً هائلاً تطلب عقوداً طويلة لإصلاحه، وأسست لعصر جديد من الرعب النووي والتقليدي المستند إلى فكرة التدمير المتبادل المؤكد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى