أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

طبول تقرع في المضيق: زلزال “تايوان” وخريف الديمقراطية في زمن السلام الصيني

زلزال المضيق ونبوءة الجحيم الجيوسياسي القادم

تجلس البشرية اليوم على فوهة بركان جيوسياسي لا يكف عن الغليان، حيث تتحول المؤشرات السياسية والعسكرية في شرق آسيا إلى مادة خام لأكثر السيناريوهات قتامة في العصر الحديث. في هذا السياق المتخم بالتوتر، يبرز كتاب الباحث والخبير الاستراتيجي أندرياس فولدا، الصادر عن دار النشر الألمانية المرموقة سي إتش بيك، بعنوان يحمل في طياته نبرة تحذيرية حاسمة لا تقبل المواربة: “عندما تهاجم الصين: سيناريو متوقع”. لا يقدم فولدا في هذا العمل مجرد قراءة باردة في موازين القوى العسكرية، ولا يكتفي بسرد الأرقام والإحصاءات الحافة بقدرات جيش التحرير الشعبي الصيني في مواجهة ترسانة تايوان وحلفائها الغربيين، بل إنه يجترح أسلوباً يدمج فيه السيناريو الاستشرافي الروائي بالتحليل الأكاديمي، ليضع القارئ، وصانع القرار الغربي على وجه الخصوص، أمام مرآة المستقبل القريب الذي قد ينفجر في أي لحظة، وتحديداً في العام ألفين وسبعة وعشرين، وهو التاريخ الذي يتخذه الكاتب نقطة انطلاق لخطته السردية المحكمة.

يبدأ فولدا بقوة، متجاوزاً المقدمات التقليدية، ليعيد التذكير بمرونة التاريخ وقابليته للتحول الكارثي، مشيراً في تمهيده الاستهلالي إلى أجواء أزمة الصواريخ الكوبية في العام ألف وتسعمئة واثنين وستين، وكيف أن العالم كان قاب قوسين أو أدنى من حرب نووية شاملة، ليربط ذلك بالواقع الراهن في مضيق تايوان الذي يراه الكاتب بمثابة نقطة الارتكاز الأخطر في القرن الحادي والعشرين. إن القيمة الأساسية التي ينطلق منها هذا الكتاب هي تفكيك حالة الطمأنينة الزائفة التي تعيشها العواصم الغربية، وبخاصة برلين وباريس، حيث يرى المؤلف أن النخب السياسية والاقتصادية الأوروبية لا تزال غارقة في أوهام التجارة التي تجلب التغيير الديمقراطي، وهو المفهوم الذي ثبت فشله الذريع مع الصعود الشرس للنزعة القومية العسكرية في بكين تحت قيادة شي جين بينغ. يتحرك نص فولدا بسلاسة بالغة بين غرف العمليات العسكرية المظلمة في بكين، ومكاتب التخطيط الاستراتيجي في واشنطن، وشوارع تايبيه المزدحمة التي لا تدرك حجم العاصفة المحدقة بها، مشكلاً رواية واقعية للغاية تكاد تلفظ أنفاس الترقب مع كل صفحة من صفحاتها.

تتجلى براعة الكاتب في التقاط الشرارة الأولى للصراع، وهو لا يفترض هجوماً بربرياً مفاجئاً بلا سياق، بل يبني المشهد بالتدريج عبر حادثة روتينية تقع في الثامن والعشرين من فبراير من عام ألفين وسبعة وعشرين، عندما تنطلق مقاتلتان تايوانيتان من طراز إف ستة عشر من قاعدة عسكرية بالقرب من تايتونج في جنوب شرق الجزيرة، لصد توغل صيني معتاد في منطقة تحديد الهوية الجوية. هذا التماس العسكري البسيط يتحول، بفعل شحن الأجواء والقرار السياسي المسبق في بكين، إلى حادثة تصادم جوي تسفر عن سقوط مقاتلة صينية ومقتل طيارها، مما يمنح القيادة الصينية الذريعة الذهبية التي كانت تنتظرها لتحريك الآلة الحربية الضخمة التي جرى إعدادها على مدار عقود. يصف فولدا هذا التحول بلغة صحفية حية تحبس الأنفاس، مبيناً كيف تتحول وسائل الإعلام الرسمية الصينية في غضون ساعات إلى منصات للتحريض القومي الشامل، مطالبة بغسل العار واستعادة الجزيرة المتمردة بالقوة، لتنتهي بذلك مرحلة الصبر الاستراتيجي وتبدأ مرحلة التنفيذ الفعلي لسيناريو الغزو الشامل.

إن البنية التحليلية للكتاب تقسم الغزو الصيني المفترض إلى مراحل جدارية دقيقة، تبدأ بالمرحلة الأولى التي يطلق عليها الكاتب تسمية حرب المعلومات، والتي تنطلق في الأول من مارس من عام ألفين وسبعة وعشرين. هنا، ينقلنا فولدا إلى ما وراء الحجب في بكين، حيث الضباب الكثيف يلف المدينة والشوارع مزدحمة بالسيارات السوداء التابعة للمسؤولين، بينما تدير الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الصينية هجوماً سيبرانياً هو الأضخم في التاريخ الإنساني. لا يقتصر هذا الهجوم على شل البنية التحتية الرقمية لتايوان، بل يمتد بضربات استباقية دقيقة وموجهة إلى شبكات الاتصالات، ومحطات الطاقة، والأنظمة المصرفية في الغرب، لإحداث حالة من الفوضى العارمة والعمى الاستراتيجي الذي يعيق أي رد فعل سريع وممنهج من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. يؤكد الكاتب في هذه المساحة التحليلية أن القتال الحديث لا يبدأ بطلقات المدافع، بل ينطلق من لوحات المفاتيح ومراكز البيانات، حيث يسعى جيش التحرير الشعبي إلى عزل تايوان تماماً عن العالم الخارجي، وجعلها تعيش في ظلام رقمي دامس يمنع حتى وصول الحقائق والصور إلى شاشات التلفزة العالمية.

 المؤلف ينتقل إلى المرحلة الثانية من السيناريو، وهي مرحلة الحصار البحري والجوي الخانق، والتي تتبلور ملامحها في مطلع مايو من ذات العام. تبرز هنا شخصية نائب الأدميرال تشانغ، وهو أحد القادة العسكريين الصينيين الذين يعانون من قلة النوم وضغط المسؤولية التاريخية، ليعبر من خلاله فولدا عن عقلية القيادة العسكرية الصينية التي ترى في السيطرة على تايوان مسألة حياة أو موت للنظام الشيوعي ولشرعية الحزب الواحد. إن هذا الحصار، كما يرسمه الكتاب بدقة متناهية، لا يهدف فقط إلى منع الإمدادات العسكرية من الوصول للجزيرة، بل يسعى إلى خنق الترسانة الاقتصادية والصناعية لتايوان، وبخاصة قطاع أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية المتقدمة التي تمثل عصب الاقتصاد الرقمي العالمي. يبين فولدا بوضوح، في ثنايا هذه المناقشة الاستراتيجية، كيف أن العالم يبدأ في استشعار الكارثة الاقتصادية قبل الكارثة العسكرية، حيث تتوقف سلاسل الإمداد العالمية، وترتفع معدلات التضخم، وتعيش الأسواق المالية الدولية حالة من الانهيار الحر بسبب توقف الملاحة في أحد أهم المضايق البحرية الكونية.

إن الأطروحة المركزية التي يحاول أندرياس فولدا إيصالها عبر هذا العرض الدرامي المحكم هي أن الهجوم الصيني ليس مجرد نزاع إقليمي محلي يمكن احتواؤه، بل هو زلزال بنيوي سيعيد تشكيل خارطة القوة العالمية بالكامل، ممهداً الطريق لبروز سلام صيني مفروض بقوة السلاح والسيطرة المطلقة. يجادل الكاتب بأن الصين تحت حكم الحزب الشيوعي لا تبحث عن التعايش ضمن النظام الدولي الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة، بل تسعى بدأب وصبر إلى هدم هذا النظام واستبداله بنموذج محوري تكون فيه بكين هي المركز والجميع يدور في فلكها. يظهر الكتاب كيف أن القيادة الصينية وظفت الدروس المستفادة من الحرب الروسية الأوكرانية، وقامت بتحصين اقتصادها ونظامها المالي ضد العقوبات الغربية، مما يجعلها أكثر جسارة على اتخاذ قرار الغزو، معتمدة على ضعف الإرادة السياسية الغربية وانشغال واشنطن بصراعاتها الداخلية وأزماتها السياسية المتلاحقة.

 يوجه فولدا سهام نقده الحاد إلى السياسة الألمانية والفرنسية التي تصر على الفصل بين المصالح الاقتصادية والقيم الجيوسياسية. يرى الكاتب أن الاستمرار في الاعتماد التجاري على الصين يمثل انتحاراً استراتيجياً بطيئاً، لأن الأموال التي تتدفق من الأسواق الأوروبية إلى خزائن بكين هي ذاتها التي تمول بناء الأساطيل البحرية وتطوير الصواريخ الفرط صوتية التي ستُستخدم غداً لكسر الهيمنة الغربية وإخضاع تايوان. تتميز لغة فولدا في هذه الأقسام بالتدفق السلس والعبارات الرصينة التي تجمع بين لغة الصحافة الاستقصائية وعمق الفلسفة السياسية، مما يجعل المقال ينساب بمرونة عالية تنقل القارئ من تفاصيل المعارك والاشتباكات الجوية إلى أروقة الفكر الاستراتيجي الكلي، ليتضح أن ما يحدث في مضيق تايوان ليس مجرد حرب على جزيرة صغيرة، بل هو صراع وجودي لتحديد من سيقود العالم في القرن القادم، وهل ستظل الديمقراطية هي القيمة الحاكمة أم أن الاستبداد الرقمي الصيني هو الذي سيفرض شروطه على الجميع دون استثناء.

صدمة تموز والعمى الاستراتيجي في قلب العواصم الغربية

تتحرك عقارب الساعة الجيوسياسية في سيناريو أندرياس فولدا لتصل إلى نقطة الانفجار الكبير في السابع من يوليو من عام ألفين وسبعة وعشرين، وهي اللحظة التي تنهار فيها كل محاولات الدبلوماسية الدولية وتتحول الأزمة إلى صدام مسلح مباشر وواسع النطاق. يختار الكاتب هذا التاريخ بعناية فائقة ليرسم لوحة بالغة التعقيد والتناقض، حيث يبدأ المشهد من مدينة نيويورك في ساعات المساء الأولى، حيث يضج ميدان التايمز في مانهاتن بالحياة والحركة المعتادة، والسياح يتدفقون على المسارح والمطاعم، والموظفون يغادرون مكاتبهم في ناطحات السحاب، غافلين تماماً عن أن العالم الذي يعرفونه يتهاوى في تلك اللحظة بالذات على الجانب الآخر من الكوكب. يربط فولدا هذا المشهد النيويوركي الهادئ بالصدمة المروعة التي تضرب شبكات الاتصالات فجأة، عندما تنطفئ الشاشات الرقمية الضخمة في الميدان الشهير لتتحول إلى سواد تام، بالتزامن مع توقف مفاجئ للتيار الكهربائي وأنظمة الملاحة، في إشارة إلى بدء الهجوم الصيني الشامل والمنسق الذي لا يستهدف تايوان وحدها، بل يمتد بضربات سيبرانية مشلة لعمق الأراضي الأمريكية لتعطيل القدرة على الاستجابة الفورية وتشتيت انتباه الرأي العام الإجمالي.

في تلك الأثناء، تشن بكين هجومها العسكري المباشر تحت غطاء المرحلة الثالثة التي يسميها الكاتب مرحلة الهجوم الشامل، حيث تتدفق آلاف الصواريخ الباليستية والمجنحة من الساحل الصيني باتجاه القواعد العسكرية والمطارات ومراكز القيادة في تايبيه وجميع المدن التايوانية الكبرى. يصف فولدا المشهد بدقة صحفية تفصيلية، مبيناً أن جيش التحرير الشعبي الصيني لم يعد يعتمد على مبدأ المفاجأة التكتيكية بقدر ما يعتمد على كثافة نيرانية هائلة وغير مسبوقة تهدف إلى سحق إرادة الدفاع لدى الجانب التايواني في الساعات الأولى. تتساقط الصواريخ بدقة متناهية مستهدفة الرادارات ومنصات الدفاع الجوي ومراكز الاتصالات الحيوية، مما يتسبب في شلل كامل لمنظومة الدفاع الذاتي للجزيرة، ورغم استبسال بعض الوحدات التايوانية في استخدام صواريخ باتريوت والمنظومات المحلية، إلا أن الموجات المتتالية من الطائرات المسيرة والانتحارية الصينية تنجح في استنزاف الترسانة التايوانية بالكامل خلال وقت قياسي قصير، ممهدة الطريق لبدء أضخم عملية إنزال بحري وجوي عبر المضيق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ينتقل بنا الكاتب في التاسع من يوليو إلى الطابق الأرضي من البيت الأبيض، وتحديداً إلى غرفة العمليات الاستراتيجية المشهورة التي شهدت عبر التاريخ اتخاذ أخطر القرارات العسكرية الأمريكية، حيث تسود حالة من الفوضى العارمة والارتباك والذهول بين القادة العسكريين والمستشارين السياسيين المحاطين بجدران الخشب الداكنة وأحدث الشاشات والتقنيات الرقمية المتقدمة التي جرى تحديثها مؤخراً. يعرض فولدا هذا المشهد تحت عنوان المرحلة الرابعة التي يسميها المدافعون المتأخرون، ليسلط الضوء على الفجوة الكبيرة بين سرعة القرار العسكري في نظام استبدادي مركزي يقوده رجل واحد، وبين بطء وبيروقراطية واتخاذ القرار في النظم الديمقراطية الغربية التي تكبلها الحسابات السياسية والانتخابية. يجلس الرئيس الأمريكي ومستشاروه أمام تقارير استخباراتية متضاربة، في وقت تكون فيه القوات الصينية قد نجحت بالفعل في إقامة رؤوس جسور على الشواطئ الغربية لتايوان، وبدأت في إنزال الدبابات والمدرعات ومئات الآلاف من الجنود، بينما لا تزال واشنطن تبحث عن صيغة للرد لا تؤدي إلى مواجهة نووية مباشرة مع بكين.

يكشف الكتاب من خلال هذا التشريح السياسي  عن طبيعة المعضلة الاستراتيجية الأمريكية، حيث يجد القادة العسكريون في المحيط الهادئ أنفسهم أمام واقع عسكري جديد ومفروض بالقوة، فالصواريخ الصينية الفرط صوتية والمنظومات المضادة للوصول وحظر المنطقة قد نجحت في دفع حاملات الطائرات الأمريكية إلى التراجع لمسافات بعيدة خلف السلسلة الأولى من الجزر، مما يجعل تقديم دعم عسكري مباشر وسريع لتايوان أمراً بالغ الصعوبة ومكلفاً للغاية من الناحية البشرية والمادية. يحلل فولدا بمرونة فائقة كيف أن العمى الاستراتيجي الأمريكي لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة لعقود من التقليل من حجم الطموحات العسكرية الصينية، والاعتقاد الخاطئ بأن الاندماج الاقتصادي لبكين في الأسواق العالمية سيجعلها تحجم عن اتخاذ أي خطوة عسكرية قد تدمر مصالحها التجارية، وهو الوهم الكلاسيكي الذي سقط تحت أقدام المارنز الصينيين وهم يقتحمون شوارع تايبيه.

ولا ينسى المؤلف في هذا السياق رصد ردود الفعل الأوروبية التي جاءت أكثر ارتباكاً وهشاشة من الموقف الأمريكي، حيث سارعت العواصم الأوروبية الكبرى إلى إصدار بيانات الإدانة والقلق الدبلوماسي المعتاد، دون القدرة على اتخاذ أي إجراء عملي ملموس. يوضح فولدا أن الهجوم الصيني نجح في إحداث انقسام فوري وعميق داخل الاتحاد الأوروبي، بين دول ترى في الغزو تهديداً وجودياً للنظام الدولي القائم على القواعد ويجب الرد عليه بعقوبات اقتصادية وتجارية شاملة وقاسية حتى لو أدت إلى ركود اقتصادي أوروبي، وبين دول أخرى، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، التي حاولت التمسك بخيط معاوية مع بكين لحماية استثماراتها الضخمة ومصانعها الحيوية في السوق الصينية، معتبرة أن الحرب في شرق آسيا هي شأن أمريكي صيني بالأساس ولا ينبغي لأوروبا أن تحرق أصابعها في أتون هذه المواجهة الكونية.

إن السرد  الذي يتبعه فولدا يضع القارئ في مواجهة الحقيقة العارية، وهي أن تايوان تُرِكت في نهاية المطاف لتواجه مصيرها وحدها تحت وطأة الآلة الحربية الصينية الساحقة، وسط غياب إرادة سياسية غربية حقيقية لتقديم التضحيات المطلوبة لحماية ديمقراطية شابة وناشئة. يتنقل النص بسلاسة فائقة ليعرض مشهد الانهيار التدريجي للمقاومة التايوانية المنعزلة عن العالم، حيث تتدفق القوات الخاصة الصينية إلى المباني الحكومية والمراكز السيادية في تايبيه، ويبدأ الحظر الشامل للتجوال، وتتحول الجزيرة التي كانت رمزاً للازدهار التكنولوجي والديمقراطي إلى مقاطعة صينية محتلة وخاضعة للسيطرة المباشرة للحزب الشيوعي، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة وأكثر قتامة من تاريخ المنطقة، وهي مرحلة التصفية السياسية وهندسة المجتمع التايواني الجديد وفقاً للمقاسات الإيديولوجية لبكين.

تايوان المحتلة وهندسة الاستعباد في زمن “السلام الصيني”

تنتقل رواية أندرياس فولدا الاستشرافية الصادمة إلى مرحلة أكثر قتامة وعمقاً مع مطلع مارس من عام ألفين وثمانية وعشرين، حيث تنقشع سحب الدخان الكثيفة الناتجة عن القصف الصاروخي والعمليات العسكرية المباشرة، لتكشف عن واقع سياسي وإنساني مرير في تايوان بعد الضم. يعيد الكاتب صياغة هذا التحول التراجيدي  إلى ما وراء كواليس المحاكمات الصورية التي أقامتها سلطات الاحتلال الصيني في تايبيه. يقف نائب الرئيس التايواني السابق، الذي كان رمزاً للصمود والإرادة الحرة، في قاعة المحكمة بين شرطيين صينيين ضخام البنية، ليمثل أمام قضاة جلبوا خصيصاً من بكين ليحاكموه بتهمة الخيانة العظمى والانفصالية، في مشهد يعبر بدقة عن تصفية الهوية السياسية للجزيرة وسحق مؤسساتها الديمقراطية التي بنيت بجهد أجيال متعاقبة. يصف فولدا المفارقة المؤلمة عندما يرتجف المسؤولون السابقون وهم يرون رفقاء السلاح والسياسة يساقون إلى المعتقلات، في وقت تتحول فيه شوارع الجزيرة إلى مسرح لعملية تطهير أيديولوجي واسعة النطاق تشبه إلى حد كبير ما جرى في هونغ كونغ ولكن بزخم أعنف وأكثر شمولية.

إن جوهر الطرح الذي يقدمه المؤلف في هذه المرحلة يتجاوز مجرد رصد الانتهاكات الحقوقية، ليفكك آليات إعادة الهندسة الاجتماعية والقسرية التي يمارسها الحزب الشيوعي الصيني في تايوان. لم يعد الأمر مقتصراً على تغيير الأعلام والرموز السيادية، بل يمتد ليدخل إلى المناهج التعليمية، والمؤسسات الإعلامية، ودور العبادة، لفرض الرواية التاريخية لبكين التي تلغي تماماً وجود هوية تايوانية مستقلة وتعتبر الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من التربة الأم منذ الأزل. يحلل فولدا ببراعة كيف وظفت الصين قوانين التعبئة الوطنية الدفاعية لمصادرة ممتلكات الشركات التكنولوجية الكبرى، وبخاصة مصانع الرقائق الإلكترونية المتقدمة، لدمجها بالكامل في المجمع الصناعي العسكري الصيني. تظهر في هذه الأقسام الصارمة إشارات لافتة لتقييد حركة العلماء والأكاديميين التايوانيين والصينيين على حد سواء، حيث جرى سحب جوازات سفرهم ومنعهم من السفر إلى الخارج بذريعة حماية الأمن القومي والمحافظة على الأسرار التكنولوجية العليا، مما يبرز الوجه الحقيقي للاستبداد الرقمي الذي لا يكتفي بالسيطرة على الأرض بل يسعى لاحتجاز العقول والتحكم في تدفق المعرفة البشرية.

يرسم فولدا ملامح صعود الهيمنة الصينية المطلقة وبداية عهد ما يمكن تسميته بالسلام الصيني المفروض بقوة النيران الشاملة. يرى الكاتب أن سقوط تايوان أحدث زلزالاً استراتيجياً غير موازين القوى الكونية في المحيطين الهندي والهادئ بالكامل، مسبباً تراجعاً حاداً للهيمنة الأمريكية وحالة من الذعر والارتباك والعمى الاستراتيجي لدى الحلفاء الإقليميين مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا. أصبحت القواعد العسكرية الصينية الجديدة في تايوان بمثابة منصات متقدمة تتيح لجيش التحرير الشعبي محاصرة الممرات البحرية الحيوية والتحكم في حركة التجارة الدولية التي تمر عبر مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي، مما يضع دول المنطقة أمام خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع الكامل لإملاءات بكين السياسية والاقتصادية والانضواء تحت نظام “تيانشيا” أو كل ما تحت السماء بالمنظور الصيني التقليدي، أو مواجهة مصير مشابه لتايوان في حال التجرؤ على معارضة الإرادة المركزية الصينية.

يكشف فولدا أن الطموح الصيني لا يتوقف عند حدود الهيمنة الإقليمية، بل يستهدف تقويض أسس النظام الدولي القائم بالكامل، واستبدال القوانين والمواثيق الدولية التي صاغها الغرب بعد الحرب العالمية الثانية بأعراف وقواعد جديدة تخدم المصالح الجيواستراتيجية لبكين. تصبح المساعدات الاقتصادية والاستثمارات الضخمة ضمن مبادرة الحزام والطريق بمثابة أدوات ناعمة لفرض التبعية السياسية، حيث تجد الدول النامية نفسها مجبرة على تأييد المواقف الصينية في المحافل الدولية مقابل الحصول على القروض أو لحماية بنيتها التحتية المرهونة للبنوك الصينية. و كيف أن “Pax Sinica” ليس سلاماً قائماً على التوازن والمصالح المشتركة، بل هو سلام إمبراطوري يفرض الاستقرار عبر ترهيب الخصوم وإخضاعهم، مستغلاً غياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة لدى المعسكر الديمقراطي الغربي وانشغاله بصراعاته الهامشية وأزماته الاقتصادية الداخلية المتلاحقة.

مستعرضاً كيف يعيش المجتمع التايواني تحت الرقابة اللصيقة لمنظومات الذكاء الاصطناعي وكاميرات التعرف على الوجوه التي ترصد كل حركة وكل همسة. اختفت تماماً مظاهر الصحافة الحرة والإنترنت المفتوح، وجرى استبدالها بشبكة محلية مغلقة تسيطر عليها أدوات الرقابة الصارمة للحزب الشيوعي، ليتضح أن الثمن الذي تدفعه الشعوب عند سقوط الديمقراطية لا يقتصر على فقدان السيادة الوطنية فحسب، بل يمتد ليشمل سحق الكرامة الإنسانية والحرية الشخصية وتحويل الأفراد إلى مجرد تروس صغيرة في آلة الدولة الشمولية الضخمة.

تصدع البيت الغربي وخريف التضامن الأطلسي

تتحرك عقارب السيناريو الذي صاغه أندرياس فولدا لتصل إلى محطة بالغة الخطورة في الخامس والعشرين من يوليو من عام ألفين وثمانية وعشرين، حيث تنتقل بؤرة التوتر والاضطراب من مياه مضيق تايوان الدافئة إلى أروقة العواصم الأوروبية المكتظة بالهواجس التاريخية والسياسية الشائكة. يعيد الكاتب رسم هذا التحول الجيوسياسي القاسي بلغة صحفية مكثفة ومشحونة، تأخذنا إلى المؤتمر الصحفي العاصف الذي عقده رئيس الوزراء البولندي بعد منتصف الليل، حيث بدت عليه علامات الإنهاك والتوتر الشديد أمام حشد من الصحفيين والعدسات. يقتبس فولدا كلماته الصادمة التي ألقاها بنبرة غاضبة معلناً أن برلين أصبحت تمثل فطر الانقسام والتجزئة في جسد القارة الأوروبية، ليعبر من خلال هذه الحادثة المحورية عن الانهيار الكامل للتضامن الأوروبي والأطلسي في مواجهة الصعود الشرس للمارد الصيني وفرضه واقعاً جيوسياسياً جديداً بالنار والحديد. إن هذا الانقسام الحاد لم يكن وليد صدفة عابرة، بل جاء نتيجة مباشرة للشرخ العميق الذي أحدثته المبادرة الفرنسية والألمانية المشتركة لعرقلة فرض عقوبات اقتصادية وتجارية شاملة وقاسية ضد بكين، في محاولة مستميتة من عواصم غرب أوروبا لحماية مصالحها التنافسية واستثماراتها الصناعية الحيوية في السوق الصينية الممتدة.

مبيناً أن النصر العسكري الذي حققته الصين في تايوان تحول سريعاً إلى سلاح دبلوماسي واقتصادي فتاك نجح في فصل جبهة الحلفاء وتشتيت مواقفهم الكلية. تجد دول شرق أوروبا، وفي مقدمتها بولندا ودول البلطيق، نفسها في حالة من الذعر الوجودي، إذ ترى في تقاعس برلين وباريس عن اتخاذ موقف حاسم ضد العدوان الصيني مؤشراً خطيراً على هشاشة الضمانات الأمنية الأوروبية، وتخشى أن يتكرر ذات السيناريو التخاذلي في حال تعرضها لتهديدات جيوسياسية مباشرة من قوى إقليمية أخرى. يحلل فولدا بمرونة وبلاغة كيف تحولت المنظومة الأوروبية التي طالما تغنت بوحدتها وقيمها المشتركة إلى تكتلات متنافرة تتصارع على فتات المصالح التجارية القصيرة الأجل، حيث أصبحت القوة الاقتصادية للصين قادرة على شراء الصمت السياسي لبعض العواصم، وفرض فيتو غير معلن على قرارات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن المشترك.

وفي ذات السياق  يتتبع الكتاب الانعكاسات الكارثية لهذا الانقسام على العلاقات العابرة للأطلسي، حيث يتسع الجرح بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين التقليديين بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث. يشعر صانع القرار الأمريكي بمرارة الخيانة الخفية من قبل الشركاء الذين رفضوا الانخراط الكامل في حملة الضغط الاقتصادي والعسكري لردع بكين، مما يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في مجمل استراتيجيتها الكونية والتحول التدريجي نحو الانعزالية أو بناء تحالفات انتقائية ضيقة في منطقة الإندوباسيفيك بعيداً عن مظلة الناتو الكلاسيكية. يبين فولدا بعبارات محكمة وسلسة أن العمى الاستراتيجي الأوروبي شجع القيادة الصينية على المضي قدماً في سياسة خطوة بخطوة، مستغلة غياب الإرادة الجماعية الغربية لتثبيت ركائز “السلام الصيني” وتطويق ما تبقى من جيوب ديمقراطية في آسيا وخارجها. إن الاقتصاد العالمي الخاضع لسيطرة بكين يبدأ في فرض شروطه الحمائية الجديدة، حيث تجد الشركات الأوروبية نفسها مجبرة على الانصياع لمعايير الرقابة والتحكم الصينية إذا أرادت الحفاظ على خطوط إمدادها وأسواقها الحيوية.

 مؤكداً أن التراجع الغربي ليس ناتجاً عن نقص في القدرات المادية أو العسكرية، بل هو في المقام الأول أزمة إرادة وفقدان للبوصلة الأخلاقية والاستراتيجية المشتركة. لقد ظنت النخب السياسية والاقتصادية في غرب أوروبا أن بإمكانها ممارسة اللعب على الحبال والاحتفاظ بعلاقات دافئة مع الديكتاتوريات الصاعدة دون دفع ثمن جيوسياسي باهظ، لكن سيناريو الغزو أثبت أن الحياد في معارك تحديد مصير النظام الدولي هو ضرب من الوهم والانتحار البطيء. يصف الكتاب كيف تحولت العواصم الأوروبية إلى ساحات للنفوذ والاستقطاب الصيني غير المباشر، عبر شبكات المعاهد البحثية والروابط التجارية التي تروج لضرورة التكيف مع العصر الصيني الجديد وقبول الواقع المفروض، مما يوضح حجم الاختراق الفكري والسياسي الذي حققته بكين داخل المجتمعات الغربية حتى قبل أن تطلق رصاصة واحدة في المضيق.

 الرسالة التحذيرية النهائية التي يتركها فولدا بين يدي القارئ هي أن “السلام الصيني” أو “Pax Sinica” ليس مجرد بديل سلمي للهيمنة الأمريكية، بل هو نظام كوني بديل يقوم على التبعية المطلقة وإعادة صياغة المفاهيم الإنسانية الأساسية مثل الحرية وحقوق الإنسان والسيادة الوطنية وفق المنظور الأيديولوجي الشمولي لبكين. في هذا النظام الجديد، تتحول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من أدوات للتحرر المعرفي والتواصل البشري إلى وسائل متطورة للرقابة اللصيقة والتحكم الكامل في سلوك الأفراد والمجتمعات، وتصبح القوة العسكرية والاقتصادية الغاشمة هي المعيار الوحيد للشرعية الدولية وتحديد مصائر الشعوب الناشئة. يجادل الكتاب بقوة بأن التراجع الغربي أمام هذا المد الصاعد يمثل انتحاراً حضارياً بطيئاً، لأن التنازل عن تايوان اليوم لن يجلب الاستقرار المنشود، بل سيفتح شهية النظام الصيني للمزيد من التوسع وفرض شروطه الحمائية على خطوط الملاحة والتجارة الكونية، مما يجعل الصدام القادم أكثر كلفة وأشد تدميراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى