أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“لماذا تنزع البشرية للحرب؟”

هوس النوع البشري بالدمار الذاتي

في عالمٍ يقف اليوم على أطراف أصابعه، مرتقباً بقلقٍ بالغ تصاعد بؤر الصراع الدولي، ومفتوناً -في الوقت ذاته- بتقنيات الفتك الحديثة، يعود السؤال القديم الملحّ ليفرض نفسه على طاولة النقاش الإنساني: لماذا يصنع البشر الحرب؟ لا يبدو هذا السؤال ترفاً فكرياً في زمنٍ تتداخل فيه الحروب السيبرانية بالمدفعية التقليدية، وتتحرك فيه الجيوش بمبررات تعود أحياناً إلى أساطير التاريخ وأحياناً أخرى إلى حسابات الجغرافيا السياسية المعقدة. إنها معضلة المعضلات، اللغز الذي حاول الفلاسفة، والعلماء، والشعراء، والمؤرخون تفكيكه على مر العصور دون الوصول إلى ترياق شافٍ يمنع النوع البشري من الانزلاق المتكرر نحو الهاوية.

في خضم هذا المشهد المضطرب، يأتي كتاب المؤرخ البريطاني البارز ريتشارد أوفري، الصادر حديثاً تحت عنوان حاسم ومباشر: “لماذا الحرب؟” (Why War?) ليقدم محاولة طموحة ومهيبة لإعادة قراءة الخرائط الفكرية التي حاولت تفسير هذا الجنون المنظم. وأوفري، لمن لا يعرفه، ليس غريباً على دهاليز الدمار الإنساني؛ فهو أحد أبرز المؤرخين العالميين الذين كرسوا عقوداً من البحث الأكاديمي لدراسة الحرب العالمية الثانية، وخصائص الأنظمة الديكتاتورية الشمولية، وصعود النازية والستالينية. غير أنه في هذا الكتاب الجديد، يخلع عباءة المؤرخ التقليدي الحبيس بين وثائق الأرشيف الدبلوماسي لقرنٍ بعينه، ويقتحم فضاءً أوسع يمتد لعشرات الآلاف من السنين، مستعيناً بأدوات العلوم الإنسانية والطبيعية على حد سواء.

إن القيمة الأساسية التي ينطلق منها أوفري في هذا العمل لا تكمن في تقديم سردية تاريخية جديدة للمعارك الشهيرة أو تحليل عبقرية القادة العسكريين، بل تكمن في محاولة فهم “البنية التحتية” للعنف الجماعي. إنه يسائل الجسد البشري، والعقل الباطن، والثقافة القبائلية، والبيئة المحيطة، وصولاً إلى منظومات العقائد والصراع على السلطة، ليصيغ في النهاية دليلاً نقدياً شاملاً يفكك كيف تحولت الحرب من مجرد أداة بدائية للبقاء إلى مؤسسة اجتماعية وسياسية وثقافية راسخة يعجز العالم المعاصر عن الفكاك منها.

 ظلال المراسلات التاريخية: أينشتاين وفرويد في شرك الحيرة

يبدأ أوفري رحلته المعرفية بالعودة إلى لحظة تاريخية فارقة تختزل حيرة العقل الحديث. ففي عام 1932، وتحت رعاية المعهد الدولي للتعاون الفكري التابع لعصبة الأمم، دارت مراسلة شهيرة بين اثنين من عمالقة الفكر في القرن العشرين: عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين، ومؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد. كان أينشتاين، المدفوع بنزعة إنسانية مضادة للحرب وبقلق عميق من نذر صراع أوروبي جديد، قد وجّه سؤالاً مباشراً إلى فرويد: “هل هناك طريقة لتخليص البشرية من خطر الحرب؟” ظن أينشتاين أن الرجل الذي أمضى حياته في سبر أغوار النفس البشرية يمتلك مفاتيح الفهم الكفيلة بكبح جماح هذا التدمير الذاتي.

لكن الجواب الذي جاء من فرويد كان مخيباً للآمال، بل ومغرقاً في سوداويته. جادل فرويد بأن العنف ليس طارئاً على الإنسان، بل هو خاصية أصيلة تميز الممالك الحيوانية بأسرها، بما فيها الجنس البشري. ورأى أن النزوع نحو القتال والتدمير ينبع من دافع غريزي متجذر في أعماق كل كائن حي، أطلق عليه اسم “غريزة الموت” (Death Drive)، وهي طاقة نفسية تدميرية لا يمكن إلغاؤها، بل يمكن في أفضل الأحوال توجيهها أو تحويرها.

يتخذ أوفري من هذه المراسلة غير الحاضنة لأي تفاؤل نقطة انطلاق ليؤكد أن الإجابة عن سؤال الحرب ما زالت، بعد قرن تقريباً من ذلك السجال، ممزقة، ومثيرة للإحباط، ومراوغة إلى أبعد الحدود. ويشير بذكاء صحفي ومحاكمة تاريخية إلى أن المعضلة الحقيقية قد تكمن في صياغة السؤال نفسه؛ فبالنظر إلى التاريخ الطويل والمليء بالصراعات الجماعية المنظمة، قد يكون السؤال الأكثر منطقية وإلحاحاً هو: “لماذا لا تحدث الحرب دائماً؟” بدلاً من “لماذا تحدث؟”.

 كسر أسطورة “المسالم البدائي”: ماذا يقول علم الآثار؟

لعقود طويلة، هيمنت على الأنثروبولوجيا وعلم الآثار سردية رومانسية تدافع عن فكرة “السلم البدائي” للإنسان. كانت هذه النظرية، التي تبناها باحثون كبار مثل برونيسلاف مالينوفسكي ومارغريت ميد، ترى أن المجتمعات البشرية الأولى التي عاشت قبل ظهور الدولة كانت مجتمعات مسالمة بطبيعتها، وأن العنف لم يكن يتعدى مشاجرات محلية أو طقوساً استعراضية غير قاتلة، وأن الحرب بصيغتها الوحشية هي اختراع حديث ارتبط بظهور الدول والملكيات والتنظيمات البيروقراطية المعقدة. كان مالينوفسكي يرى في الحرب الحديثة “انحرافاً عدمياً” لا يمت بصلة لطبيعة الإنسان البدائي النقية.

غير أن ريتشارد أوفري، مدفوعاً بالاكتشافات الأثرية والأنثروبولوجية الحديثة، يقوم في الفصول الأولى من كتابه بهدم هذه الرومانسية الفكرية هدمًا كاملاً. يوضح المؤلف أن فكرة “المسالم البدائي” لم تعد تصمد أمام سيل الأدلة التي تخرج من باطن الأرض. فالفحوصات الطبية الشرعية للهياكل العظمية التي تعود إلى العصر الحجري الحديث (Neolithic) وما قبله تكشف عن نمط مرعب من العنف الجماعي المنظم والمميت.

يستعرض أوفري أمثلة مروعة وتؤكد قدم الجريمة الجماعية البشري؛ ففي موقع “كرو كريك” (Crow Creek) في جنوب داكوتا بأمريكا الشمالية، عُثر على مقبرة جماعية تضم بقايا 415 هيكلاً عظمياً تعود إلى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي. أظهرت التحليلات العلمية الدقيقة أن 89% من هؤلاء الضحايا قد سُلخت فروات رؤوسهم، وأن جزءاً كبيراً منهم يحمل آثار ضربات فؤوس حجرية على الجماجم، ما يعكس مجزرة إبادة شاملة تعرضت لها الجماعة قبل قرون من وصول الرجل الأبيض بأسلحته الفتاكة.

ولا يقتصر الأمر على قارة أمريكا؛ ففي قلب أوروبا، وتحديداً في وادي الراين (موقع تالهايم) وبالقرب من فيينا (موقع أسبارن)، عثر علماء الآثار على مقابر جماعية لبقايا بشرية تعود لثقافات العصر الحجري المبكر. كانت الجثث ملقاة في خنادق دفاعية، وتحمل العظام آثاراً واضحة لسهام حجرية مغروسة في الفقرات وجماجم مهشمة بفؤوس قاطعة، مما يثبت أن المجازر الجماعية كانت جزءاً من أدوات التفاعل البشري منذ فجر التاريخ.

إن هذه المعطيات تقود أوفري إلى تبني تعريف إجرائي عريض للحرب، لا يحصرها في الجيوش النظامية والمعارك الكبرى، بل يرى الحروب في كل “عنف جماعي، مقصود، ومميت، يقع بين مجموعات بشرية متمايزة”، سواء اتخذ شكل غارات مباغتة، أو كمائن، أو مناوشات قبائلية، أو مجازر تصفية.

 خريطة الكتاب المنهجية: ثنائية الدوافع الحتمية والاختيارات الواعية

لكي يقدم أوفري تحليلاً متماسكاً دون الضياع في تفاصيل آلاف الحروب التي خاضتها البشرية، يقسم كتابه منهجياً إلى شقين رئيسيين يمثلان تيارين فكريين كبار في تفسير العنف:

  • القسم الأول: التفسيرات المعتمدة على القوى الطبيعية والثقافية (الحتمية البيولوجية والبيئية): ويبحث في كيف يقع الإنسان فريسة لآليات التطور، أو الضغوط النفسية غير الواعية، أو المحددات البيئية والايكولوجية الشديدة الوطأة التي تدفعه دفعاً نحو الصراع كاستراتيجية للبقاء والتكيف.

  • القسم الثاني: التفسيرات المعتمدة على الإدراك الواعي (الدوافع الغائية): وينظر إلى الحرب كاختيار واعي وثقافة يصنعها الإنسان بنفسه لتحقيق أهداف محددة وقابلة للقياس والتبدل عبر الزمن. ويختزل أوفري هذه الدوافع في أربعة محاور كبرى: الموارد (Resources)، العقيدة والإيمان (Belief)، القوة والسيطرة (Power)، والأمن (Security).

يؤكد أوفري أن هذين المسارين ليسا منفصلين تماماً في الواقع العملي، بل يتداخلان بطرق معقدة. فالإنسان الذي تحركه جيناته أو بيئته يبرر حروبه بأيديولوجيات دينية أو قومية، والدول الحديثة التي تخوض حروباً إستراتيجية معقدة من أجل الأمن أو الموارد لا يمكنها تفعيل هذه الحروب دون استدعاء سيكولوجية الحشد والتحريض القبائلي البدائي الكامن في أعماق الوعي البشري.

محاكمة الحتمية البيولوجية: هل ترث الجيوش جيناتها من الغابة؟

عندما يفشل السياسيون في تفسير كوارثهم، يميلون غالباً إلى إلقاء اللوم على الطبيعة البشرية، معتبرين أن الحرب قدر محتوم مدفوع بغرائز لا نملك السيطرة عليها. يفرد ريتشارد أوفري مساحة واسعة من الفصل الثاني لمحاكمة هذا الطرح الذي يتبناه رواد علم الأحياء الاجتماعي وعلم النفس التطوري. يجادل أنصار هذا التيار بأن الإنسان، في نهاية المطاف، ليس سوى حيوان ثديي متطور، يحمل في حمضه النووي إرثاً ثقيلاً من العنف الذي كان ضرورياً للبقاء في العصور السحيقة. يستند هؤلاء إلى دراسات سلوكية شهيرة أجريت على رئيسيات قريبة منا جينياً، مثل شمبانزي الأعماق، حيث وثّقت العالمة جين غودال في سبعينيات القرن الماضي ما عُرف بـ “حرب غومبي للشمبانزي”، والتي شنت فيها مجموعتان من القردة غارات منظمة ومميتة لإبادة بعضهما البعض بهدف السيطرة على الأرض والإناث.

لكن أوفري يرفض هذا الإسقاط المباشر والتبسيطي لسلوك الحيوان على التعقيد الإنساني. ويوضح أن المقارنة البيولوجية مغالطة علمية وتاريخية؛ فالإنسان يمتلك أيضاً في جينات قرابته الثديية فصيلة “البونوبو”، وهي رئيسيات شديدة القرب من الشمبانزي لكنها تعيش في مجتمعات قائمة على التعاون والسلام الكامل وحل النزاعات عبر التواصل الاجتماعي لا القتل. والأهم من ذلك، في نظر أوفري، هو أن العنف الحيواني يظل عنفاً غريزياً، آنياً، وفردياً أو شبه جماعي محدود، بينما الحرب البشرية هي عمل مؤسسي، يتطلب تخطيطاً طويلاً، وتمويلاً، وتطويراً للسلاح، وتنظيماً بيروقراطياً، وتقسيماً للعمل. الجينات قد تفسر الغضب أو رد الفعل الدفاعي الفوري عند التعرض للخطر، لكنها عاجزة تماماً عن تفسير كيف يجلس جنرال في غرفة مكيفة ليخطط لهجوم عسكري سينفذ بعد ستة أشهر في قارة أخرى. الحرب إذن، ليست إفرازاً بيولوجياً حتمياً، بل هي بناء ثقافي وتنظيمي معقد يتجاوز حدود الغريزة الحيوانية.

 مختبرات علم النفس: كيف يتحول الجار الطيب إلى قاتل محترف؟

ينتقل أوفري بعد ذلك من فضاء البيولوجيا والجينات إلى دهاليز النفس البشرية، متسائلاً عن الكيفية التي تنجح بها الأنظمة السياسية في تحويل أفراد مسالمين، يمارسون حياتهم اليومية بلطف، إلى آلات قتل جماعي في أوقات الحروب. هنا، يستحضر الكاتب المنجزات الكبرى لعلم النفس التجريبي في القرن العشرين، ولا سيما تجربتي ستانلي ميلغرام الشهيرة حول “الانصياع للسلطة”، وتجربة سجن ستانفورد التي قادها فيليب زيمباردو. أظهرت هذه التجارب المخبرية حقيقة مرعبة ومربكة للوعي الأخلاقي؛ وهي أن الكائن البشري يمتلك قابلية هائلة للتخلي عن بوصلته الأخلاقية الفردية بمجرد دمج في سياق جماعي منظم، أو عند تلقيه أوامر من سلطة يراها شرعية.

يحلل أوفري هذا التحول النفسي عبر مفهوم “تجريد الآخر من إنسانيته”، وهو التكتيك السيكولوجي الأهم الذي تتبعه البروباغندا الحربية في كل العصور. لكي يقتل الإنسان إنساناً آخر دون أن يسقط ضحية لعقدة الذنب أو الصدمة النفسية الحادة، يجب أولاً تصوير هذا العدو في صورة “جرذان”، أو “أوبئة”، أو “تهديد وجودي بربري” يهدد بقاء الجماعة. من خلال هذا التشويه المعرفي، تنجح الآلة الإعلامية والسياسية في إيقاظ السيكولوجية القبائلية الكامنة في العقل الباطن، حيث يُقسم العالم بحدة إلى “نحن” المطلقة في خيريتها، و”هم” المطلقة في شرها. تذوب الأنا الفردية داخل الأنا الجماعية، وتتحول التضحية بالآخر إلى واجب مقدس لحماية القبيلة أو الأمة، مما يفسر كيف شارك مواطنون عاديون، كانوا آباءً صالحين ومحبين للموسيقى، في فظائع الهولوكوست أو مجازر رواندا دون أن يرف لهم جفن.

 فخ العقل الجمعي واستراتيجية الهروب إلى الأمام

في هذا السياق النفسي، يرى أوفري أن الحرب تتغذى على نوع من العقلانية المشوهة أو “الجنون المنظم”. فالقادة العسكريون والسياسيون الذين يتخذون قرار إشعال الصراعات ليسوا بالضرورة سيكوباتيين أو مجانين بالمعنى الطبي، بل هم غالباً أفراد يتصرفون وفق منطق صارم ومغلق يفرضه عليهم موقعهم في السلطة وخوفهم من فقدان المكانة. يتحدث المؤلف عما يسميه “فخ العقل الجمعي للقادة”، حيث تحجب التقارير الاستخباراتية المضللة والرغبة في إرضاء الحاكم الحقائق العارية، مما يخلق بيئة من الغطرسة المعرفية التي تعمي أصحاب القرار عن عواقب أفعالهم.

وعندما تبدأ الحرب ولا تسير الأمور وفق الخطط الموضوعة، تدخل سيكولوجية القادة والمجتمعات في طور جديد من العناد التدميري يُعرف بـ “تكلفة التمسك بالقرار”. يصبح التراجع واعتراف المرء بالخطأ بمثابة انتحار سياسي واعتراف بذهاب دماء الضحايا سدى، مما يدفع الأنظمة إلى الهروب إلى الأمام، وتصعيد حدة العنف، وضخ المزيد من الموارد والأرواح في أتون معركة خاسرة، على أمل تحقيق نصر موهوم يبرر التضحيات السابقة. وهكذا، يتحول القرار الذي بدأ كحسابات استراتيجية واعية إلى دوامة نفسية وجودية تفقد فيها الدولة السيطرة على ديناميكية الحرب، لتصبح الحرب هي التي تقود المجتمع بدلاً من أن يقودها هو.

 خلاصة المواجهة الفكرية: الطبيعة مرنة والثقافة هي الحاضنة

يخلص ريتشارد أوفري  إلى دحض فكرة أن البشر محكومون بيولوجياً بالدمار الذاتي. إن الطبيعة البشرية، في جوهرها، تتميز بالمرونة الفائقة والقدرة العالية على التكيف؛ فهي تحتوي على بذور العنف التدميري وبذور التعاون الإيثاري في آن واحد. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كنا نمتلك غرائز عدوانية، بل في كيفية قيام الثقافة والمؤسسات السياسية بتوظيف هذه الغرائز أو كبحها.

إن الحرب، وفق هذا المنظور النقدي، ليست مرضاً جينياً يولد معنا، بل هي برمجية ثقافية واجتماعية اخترعناها لتلبية حاجات معينة، ومن ثم قمنا بمأسستها وتقديسها عبر التاريخ حتى خُيل إلينا أنها جزء من سنن الطبيعة. وبهذا الهدم المعرفي للحتميات البيولوجية والسيكولوجية، يمهد أوفري الطريق للانتقال إلى الشق الثاني من كتابه، حيث سيتخلى عن فحص الغرائز العمياء ليتفرغ لتشريح الدوافع الغائية الواعية، مستعرضاً كيف تحول الصراع على الأرض والموارد والماء إلى المحرك الأساسي الأول لقطارات الموت عبر العصور.

وهم الأرض المشاعة: عندما تحولت الجغرافيا إلى قفص حديدي

بعد أن يفرغ ريتشارد أوفري من هدم الحتميات البيولوجية والسيكولوجية، ينتقل في هذا الجزء من قراءته النقدية إلى تشريح المحرك المادي والأكثر وضوحاً في تاريخ النزاعات البشرية؛ وهو الصراع المستميت على الموارد والأرض. يبدد المؤلف هنا الفكرة الشائعة التي ترى في الأرض قديماً فضاءً مشاعاً واسعاً يتسع للجميع، مؤكداً أن الجغرافيا كانت على الدوام، ومنذ فجر التاريخ، بمثابة قفص حديدي محكم يحكم خيارات الجماعات البشرية ويحدد مصائرها. فالأرض ليست مجرد مساحة ترابية محايدة، بل هي المستودع الأساسي لوسائل البقاء؛ من ماء، وكلأ، وممرات تجارية، وثروات كامنة في باطنها، وهو ما يجعل السيطرة عليها مسألة حياة أو موت بالنسبة لأي مجتمع.

يوضح أوفري أن الانتقال التاريخي الحاسم من نمط حياة الصيد والجمع إلى نمط الزراعة والاستقرار في العصر الحجري الحديث، كان بمثابة نقطة التحول الكبرى التي مأسست للحرب من أجل الأرض. فبمجرد أن استثمرت الجماعات البشرية جهدها ووقتها في استصلاح قطعة أرض، وبناء قنوات الري، وتسييج الحقول، نشأت فكرة الملكية والحدود، ومعها ولدت الحاجة الملحة للدفاع عن هذا الاستثمار الوجودي ضد الجماعات الرعوية أو البدوية المجاورة التي قد تدفعها الندرة والمجاعات إلى الغزو. الجغرافيا إذن، لم تكن يوماً مجرد مسرح خلفي تُخاض عليه المعارك، بل كانت هي الجائزة والدافع والسبب الأساسي في صياغة استراتيجيات الهجوم والدفاع.

ندرة الموارد وديناميكية البقاء: دحض مالتوس وتأصيل أوفري

في معرض تحليله لكيفية إشعال الندرة لفتيل الحروب، يناقش أوفري الأطروحة الشهيرة للاقتصادي البريطاني توماس مالتوس، الذي جادل بأن الحروب والأوبئة والمجاعات هي وسائل طبيعية حتمية لإعادة التوازن بين النمو السكاني المتزايد وفق متوالية هندسية، وإنتاج الغذاء الذي ينمو وفق متوالية حسابية بطيئة. ورغم جاذبية هذا التفسير المالتوسي وبساطته، فإن أوفري يقدم رؤية أكثر عمقاً وتركيباً؛ إذ يرى أن الندرة التي تؤدي إلى الحرب ليست دائماً ندرة طبيعية مطلقة فرضتها الطبيعة، بل هي في كثير من الأحيان “ندرة مصطنعة” أو ندرة نسبية ناتجة عن سوء توزيع الموارد، أو الجشع السياسي، أو الرغبة في تأمين مخزونات استراتيجية للمستقبل على حساب الآخرين.

ويضرب المؤلف أمثلة حية من التاريخ القديم والحديث تكشف كيف أن الإحساس بالخوف من الندرة المستقبلية يكون محركاً أقوى بكثير من الندرة الفعلية الحالية. فالإمبراطورية الرومانية لم تكن تعاني مجاعة قاتلة عندما قررت التوسع في شمال أفريقيا ومصر، بل كانت تبحث عن تأمين “أهراء الغلال” الدائمة لضمان استقرار روما ومنع أي اضطرابات اجتماعية مستقبلية. وفي العصر الحديث، تجسدت هذه الديناميكية بشكل مرعب في المفهوم النازي عن “المجال الحيوي” (Lebensraum)، حيث برر هتلر خططه التوسعية الدموية في شرق أوروبا وروسيا بحاجة الشعب الألماني الصارمة إلى مساحات زراعية وموارد طاقة تضمن بقاءه وهيمنته في القرون القادمة، مما يثبت أن هاجس تأمين الموارد قادر على تحويل الأيديولوجيات السياسية إلى برامج إبادة جغرافية شاملة.

 من حقول القمح إلى آبار النفط: تطور السلع وتغير خرائط الدم

يتتبع أوفري كيف تطورت طبيعة الموارد المتنازع عليها بتطور الحضارة الإنسانية والقفزات التكنولوجية، دون أن يتغير الجوهر الصراعي نفسه. فإذا كانت الحروب القديمة والوسيطة تتمحور بشكل أساسي حول الأراضي الزراعية الخصبة، ومصادر المياه العذبة، والمراعي، وطرق القوافل الحريرية أو التوابل، فإن الثورة الصناعية قد أحدثت انقلاباً جذرياً في قائمة السلع التي تسيل من أجلها الدماء. تحول الاهتمام الإستراتيجي فجأة نحو مناجم الفحم، والحديد، والمطاط، وصولاً إلى السائل الأسود الساحر والمقلق: النفط.

يحلل أوفري كيف أصبحت الطاقة هي العصب الحركي للحروب الحديثة؛ فالجيوش اللوجستية الضخمة، والطائرات، والدبابات، والأساطيل لا يمكنها التحرك دون وقود، مما خلق حلقة مفرغة غريبة: تُخاض الحروب من أجل السيطرة على النفط، ويُستهلك النفط من أجل خوض الحروب. ويستعرض الكتاب كيف كانت حسابات النفط والمعادن الحيوية هي المحرك الخفي وراء الهجوم الياباني على بيرل هاربر والتوسع في جنوب شرق آسيا، مثلما كانت دافعاً أساسياً لخطط الحلفاء والمحور في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية. وحتى في عالمنا المعاصر، يرى أوفري أن النزاعات لم تتخلص من هذا الإرث المادي؛ بل إنها تتهيأ للدخول في أطوار جديدة من الصراع حول المعادن النادرة المستخدمة في التكنولوجيا الفائقة، أو حول السيطرة على مصادر المياه العذبة المهددة بالجفاف بسبب التغيرات المناخية.

 الموارد كذريعة: التغطية الأخلاقية للمصالح العارية

إن النتيجة الأهم التي يخلص إليها ريتشارد أوفري في تفكيكه لملف الموارد هي أن الدول والإمبراطوريات نادراً ما تعلن عن رغبتها في النهب والسلب بشكل سافر ومباشر. بدلاً من ذلك، تُغلف المصالح المادية العارية دائماً بأقنعة أخلاقية، أو دينية، أو حضارية منمقة لضمان حشد الجماهير وقبولهم بالتضحية. فالغزو الإسباني لأمريكا اللاتينية، الذي كان مدفوعاً بهوس محموم بالذهب والفضة لإنقاذ الخزانة الإسبانية المفلسة، جرى تقديمه للعالم كبعثة مقدسة لنشر المسيحية وإنقاذ أرواح السكان الأصليين “البرابرة”.

وكذلك فعلت القوى الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر عندما تقاسمت القارة الأفريقية ونهبت مطاطها ونحاسها وفوسفاتها تحت شعار “عبء الرجل الأبيض” ومهمة تمدين الشعوب المتأخرة. إن هذا التلاعب المعرفي المتكرر عبر التاريخ يؤكد، وفق قراءة أوفري، أن الموارد تظل هي الدينامو الخفي الذي يمد آلة الحرب بالوقود، بينما تكفلت الأيديولوجيات والعقائد بصناعة الشرعية الأخلاقية اللازمة لتشغيل هذه الآلة دون شعور بالذنب، وهو الرابط المعقد والمثير الذي يفتح الباب واسعاً أمامنا للانتقال من عالم المادة المحسوس إلى فضاء الأفكار والعقائد المطلقة.

عندما تصبح الفكرة سلاحاً: قوة الميتافيزيقا في مواجهة الحسابات العقلانية

حين نلتفت إلى التاريخ البشري، نجد أن الحروب الأكثر ضراوة والأشد قسوة لم تكن تلك التي خيضت من أجل حقول قمح أو آبار نفط، بل تلك التي أشعلت جذوتها الأفكار المجردة واليقين العقائدي. يفرد ريتشارد أوفري فصلاً محورياً من كتابه لتفكيك هذه الظاهرة، محذراً من اختزال الحرب في أبعادها المادية الصرفة. فالإنسان، على عكس الحيوان، كائن يصنع الرموز ويعيش في عالم من المعاني؛ وهو مستعد للتضحية بحياته وحياة الآخرين ليس فقط دفاعاً عن جسده، بل دفاعاً عن مفهوم، أو معتقد، أو رؤية كونية يراها مطلقة الحقيقة. يرى أوفري أن العقيدة، سواء كانت دينية غيبية أو علمانية وضعية، تمتلك قدرة فريدة على تحطيم كوابح العنف الفردية وتحويل الصراع من مواجهة سياسية يمكن تسويتها بالدبلوماسية إلى ملحمة وجودية لا تنتهي إلا بفناء أحد الطرفين.

تكمن خطورة الحرب العقائدية في أنها تلغي منطق الربح والخسارة المادي؛ فالجندي الذي يحركه الإيمان المطلق لا يكترث بالتكلفة الاقتصادية أو البشارية للحرب، لأن الجائزة التي يسعى إليها ليست من هذا العالم، أو لأن اليوتوبيا التي يبشر بها تستحق في نظره التضحية بجيل بأكمله. هنا، تتحول الميتافيزيقا إلى قوة حركية هائلة، وتصبح الأفكار أدوات فتك لا تقل تدميرياً عن القنابل، حيث تمنح المحاربين شعوراً بالطهارة الأخلاقية والسمو الإلهي أو التاريخي وهم يمارسون أبشع أنواع التنكيل بأعدائهم، الذين يُصنفون في هذه الحالة كمرتدين، أو كفار، أو أعداء للشعب والتقدم التاريخي.

 الحروب الدينية وإرث التطهير: عندما يتكلم الله عبر فوهات المدافع

يستعرض أوفري تاريخ الحروب الدينية في الشرق والغرب، متوقفاً عند الحروب الصليبية وحروب الدين الأوروبية في القرن السابع عشر كنموذجين فاقعين لكيفية تدمير المجتمعات باسم الحق الإلهي. ويوضح المؤلف أن الدين في حد ذاته قد يحتوي على نصوص سلام وتسامح، لكن المأسسة السياسية للدين وتحالف السدنة مع الأباطرة والملوك يحول الإيمان الفردي إلى أيديولوجيا حشد إقصائية. في حرب الثلاثين عاماً الأوروبية، على سبيل المثال، تحولت الخلافات اللاهوتية بين الكاثوليك والبروتستانت إلى محرقة بشرية التهمت ثلث سكان ألمانيا، ليس بسبب الرغبة في التوسع الجغرافي فحسب، بل لأن كل طرف كان يرى في الآخر تجسيداً للشيطان على الأرض، وبالتالي فإن إبادته أصبحت واجباً دينياً لتطهير العالم من الدنس.

إن السمة البارزة للحروب الدينية، كما يحللها أوفري، هي غياب مفهوم “العدو الشرعي” الذي يمكن التفاوض معه. في الحروب التقليدية، يكون العدو خصماً يمتلك مصالح يمكن مقايضتها بالأرض أو المال؛ أما في حرب العقائد، فالعدو هو شر مطلق يجب استئصاله أو إجباره على الإذعان الكامل والتحول عن معتقده. هذه الشمولية الإقصائية تفضي حتماً إلى ممارسات التطهير العرقي والديني، حيث لا يقتصر القتل على المقاتلين في ساحات المعارك، بل يمتد ليشمل النساء والأطفال والشيوخ، تدميراً للمجتمع الإنساني الذي يحمل فكر الخصم، وضماناً لعدم انبعاث هذه “الهرطقة” مرة أخرى من الرماد.

 الأيديولوجيات العلمانية الحديثة: بدائل مقدسة في ثوب علمي

ومع تراجع سلطة الدين التقليدي في عصر الأنوار وصعود الدولة القومية الحديثة، ظن الكثير من الفلاسفة أن البشرية ستميل إلى السلام بفضل عقلانية العلم والقانون. لكن ريتشارد أوفري يبدد هذا الوهم بجرأة المؤرخ الذي عاين كوارث القرن العشرين؛ إذ يبين أن العصر الحديث لم يتخلص من الحروب العقائدية، بل قام بـ “علمنة المقدّس”. حلت الأيديولوجيات الشمولية الكبرى، كالقومية الشوفينية، والنازية، والستالينية، محل الأديان القديمة، واكتست بعباءة العلم والتاريخ لتبرير فظائع تفوق ما شهده العصر الوسيط. تحولت “الأمة”، أو “العرق النقّي”، أو “البروليتاريا واليوتوبيا الشيوعية” إلى آلهة جديدة تُقدم لها القرابين البشرية بالملايين.

يحلل أوفري الأيديولوجية النازية ليس كشذوذ تاريخي طارئ، بل كذروة مرعبة لتحول الفكرة الزائفة إلى برنامج إبادة ممأسس؛ حيث دمجت النازية الأساطير القومية بالداروينية الاجتماعية المشوهة لتصنع عقيدة ترى في الحرب وسيلة حتمية لضمان سيادة العرق الأقوى. وفي المقابل، حركت الستالينية ملايين البشر تحت شعار الحتمية التاريخية والصراع الطبقي، مبررة تصفية ملايين “الـكولاك” والمناهضين للثورة كإجراءات ضرورية للوصول إلى الفردوس الشيوعي الموعود. إن هذه الأنظمة، وفق قراءة الكاتب، تبنت عقائد خلاصية أرضية، ورغم ادعائها العقلانية والعلمية، إلا أنها أديرت بعقلية تفتيشية دينية لا تختلف في جوهرها السيكولوجي عن محاكم التفتيش في القرون الوسطى.

 الحرب الباردة وما بعدها: صراع السرديات الكبرى والديمقراطية المسلحة

ولا يفوت أوفري في هذا السياق أن يشرح كيف اصطبغت الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي بطابع عقائدي خالص؛ فلم تكن مجرد منافسة جغرافية بين واشنطن وموسكو، بل كانت حرباً بين رؤيتين كليتين ومختلفتين للعالم، وللإنسان، وللاقتصاد، وللحرية. كان كل طرف يرى في نفسه حاملاً لشعلة الهداية البشرية، وفي الآخر تهديداً مدمراً للحضارة. هذا الاستقطاب الفكري جعل الصراع صفرياً، وبرر التدخلات العسكرية الدموية في فيتنام وكوريا وأفغانستان، حيث كان يُنظر إلى كل رقعة أرضية صغيرة كحجر دومينو قد يؤدي سقوطه إلى انهيار المنظومة العقائدية الكبرى.

وحتى بعد سقوط جدار برلين وإعلان البعض عن “نهاية التاريخ” وانتصار الليبرالية، يرى أوفري أن العقيدة لم تبارح مسرح الدمار. لقد برزت عقائد جديدة وتجددت قديمة؛ فنشأت أطروحات “صراع الحضارات”، وتحول مفهوم “نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان” في بعض الأحيان إلى أيديولوجيا هجومية تبرر الحروب الاستباقية وغزو الدول وإسقاط الأنظمة بالقوة المسلحة، مما يثبت أن العقل البشري يمتلك قدرة لا تنضب على ابتكار الذرائع الفكرية السامية لإشعال النيران. تظل الأفكار إذن، في المحصلة النهائية لكتاب أوفري، هي القالب المعرفي الذي يصهر الغرائز والمصالح المادية، ليخرج منها في النهاية ذلك الوحش المنظم الذي نسميه الحرب، والذي يتغذى على رغبة الإنسان الأزلية في فرض يَقينه على الآخرين بالقوة.

فخ ثوسيديدس ومعضلة الأمن: عندما يتحول الخوف إلى هجوم استباقي

في هذا الفصل الختامي، يتخلى ريتشارد أوفري عن رصد الدوافع الداخلية والخلفيات الفكرية، ليتفرغ لتشريح البيئة البنيوية والسياسية التي تصنع الحرب؛ ونعني بها هياكل السلطة وتوزيع القوة في النظام الدولي. ينطلق المؤلف من حقيقة تاريخية صاغها الفيلسوف الإغريقي ثوسيديدس في تحليله لحرب البيلوبونيز، والتي تتلخص في أن ما يجعل الحرب حتمية هو صعود قوة معينة وما يثيره هذا الصعود من خوف لدى القوى المهيمنة القائمة. يرى أوفري أن هذا “الفخ” الأزلـي ليس مجرد مصادفة تاريخية، بل هو نتاج مباشر لما يسميه علماء العلاقات الدولية بـ “معضلة الأمن”؛ حيث تدفع الفوضى الدولية وغياب سلطة مركزية تحمي الجميع كل دولة إلى السعي الدائم وراء تعظيم قوتها العسكرية لحماية نفسها.

لكن المأساة تكمن في أن الإجراءات الدفاعية الصرفة التي تتخذها الدولة (أ) للتأمين، تُفسر حتماً من قبل الدولة (ب) المجاورة كتهديد هجومي مباشر. هذا التوجس المتبادل يخلق سباق تسلح محموم ودوامة من الشك والتوتر، تنتهي غالباً بقرار إشعال حرب استباقية؛ ليس رغبة في التوسع أو النهب المادي، بل بدافع الخوف المحض والرغبة في ضرب الخصم قبل أن يصبح أقوى من أن يُهزم. يوضح أوفري ببراعة أن الخوف من فقدان المكانة أو التعرض للعدوان هو محرك للحروب لا يقل ضراوة عن الطموح الإمبراطوري، مما يجعل السعي وراء الأمن وسيلة مثالية لتدمير الأمن نفسه.

 السعي وراء السلطة المطلقة: سيكولوجية الهيمنة لدى القوى العظمى

لا يكتفي أوفري بتحليل الخوف البنيوي، بل يغوص في سيكولوجية السلطة ذاتها وكيف تصبح غاية في حد ذاتها تتجاوز منطق الحاجة والأمن. فالقوى العظمى عبر التاريخ، وبمجرد تفوقها المادي، تطور نوعاً من “نرجسية الهيمنة” أو الرغبة في صياغة العالم وفق صورتها الخاصة ومصالحها الضيقة. تتحول الحرب في هذه الحالة إلى أداة لترسيخ المكانة، وفرض القواعد، ومعاقبة المتمردين على النظام الدولي القائم. ويستعرض الكتاب كيف أن الإمبراطوريات لا تسقط عادة بسبب هجمات خارجية مفاجئة، بل بسبب “التمدد الإمبراطوري الزائد”، حيث تدفع غطرسة القوة والاعتقاد بالقدرة المطلقة الدول المهيمنة إلى خوض حروب متعددة في أوقات متزامنة لحفظ هيبتها، مما يستنزف مواردها ويعجل بنهايتها.

وفي هذا السياق، يبين أوفري أن النظام الدولي لا يمر بحالات حرب عبثية عشوائية، بل إن الحروب الكبرى غالباً ما تكون محطات تاريخية فاصلة لإعادة ترتيب موازين القوى وصياغة اتفاقيات دولية جديدة (مثل صلح وستفاليا، أو مؤتمر فيينا، أو توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية). الحرب إذن، وفق هذا المنظور التشريحي، هي المشرط العنيف الذي تستخدمه الجغرافيا السياسية لإعادة تشكيل الخرائط وتوزيع مقاعد القيادة في النادي الدولي، وهي آلية وحشية لكنها ثابتة لإنتاج نظام جديد يولد من رحم دمار النظام القديم.

 آفاق السلام ومستقبل الصراع: هل يمكن كسر الحلقة المفرغة؟

يطرح ريتشارد أوفري السؤال الوجودي الأصعب: هل البشرية محكوم عليها بالأسر الأبدي داخل هذه الحلقة المفرغة من الدمار؟ ورغم سوداوية المشهد التاريخي الذي استعرضه، إلا أن الكاتب يرفض الاستسلام لليأس المطلق. يرى أوفري أن التقدم المؤسسي والقانوني الذي أحرزته البشرية في القرن العشرين والواحد والعشرين، من خلال نشوء الأمم المتحدة، وتطوير القانون الدولي، وتعميق الاعتماد الاقتصادي المتبادل، قد أسهم بالفعل في جعل الحروب التقليدية بين القوى العظمى أكثر تكلفة وأقل جاذبية، لولا كابوس الردع النووي الذي يفرض “سلاماً مرعباً” يقوم على فكرة الدمار المتبادل المؤكد.

ومع ذلك، يحذر أوفري من أن بذور الصراع لا تموت، بل تغير قشرتها الخارجية؛ فالمستقبل قد لا يشهد جيوشاً مليونية تتواجه في حقول مفتوحة، بل حروباً سيبرانية صامتة، ونزاعات بالوكالة في مناطق النفوذ الرمادية، وصراعات مدفوعة بانهيارات مناخية وضغوط بيئية خانقة. إن السلام، في نظر أوفري، ليس حالة طبيعية مستقرة تنشأ تلقائياً، بل هو بناء صناعي هش يتطلب جهداً فكرياً وسياسياً ومؤسسياً متواصلاً للحفاظ عليه، وأي تراخٍ في صيانة هذه الكوابح الثقافية والقانونية سيعيد الشبح القابع في الآلة البشرية إلى ممارسة هوايته الأزلية في القتل الجماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى