الخرطوم تنهض من تحت الركام

في صباح يوم من أواخر مارس 2025، وقف الفريق عبد الفتاح البرهان أمام ميكروفونات القصر الجمهوري في الخرطوم، وأعلن للعالم ما كان يحلم به ملايين السودانيين منذ عامين من الجحيم: تحرير العاصمة من قبضة قوات الدعم السريع. لم يكن الأمر مجرد انتصار عسكري، بل كان إيذاناً ببدء أطول وأشق مراحل النضال: إعادة بناء مدينة حوّلتها الحرب إلى أطلال، وإحياء حياة شعب سُرق منه كل شيء — الكهرباء والماء والمدرسة والسوق والمستشفى والشعور بالأمان.
منذ اليوم الأول لإعلان التحرير، شرع الجيش في عمليات تمشيط واسعة بالمناطق التي استعاد السيطرة عليها في مدينة الخرطوم، فيما أُفرج عن عشرات الأسرى السودانيين من سجون الدعم السريع بمنطقة جبل أولياء جنوب الخرطوم، وكان معظم المفرج عنهم يعانون من سوء التغذية الشديد بعد أن حُرموا من الأكل والشرب لأيام طويلة. كانت هذه المشاهد الأولى مرآةً صادقةً لحجم الكارثة التي خلّفتها سنتان من الاحتلال.
وفي العشرين من مايو 2025، أعلن الجيش السوداني رسمياً خلوّ ولاية الخرطوم من قوات الدعم السريع، بعد أكثر من عامين من سيطرتها على غالبية الولاية. كان ذلك الإعلان نقطة التحول الرسمية التي أطلقت رحلة إعادة الإعمار والتعافي بكل تعقيداتها وتحدياتها.
ما الذي تركه الجنجويد خلفهم؟
قبل الحديث عن عودة الحياة، لا بد من استيعاب عمق الدمار الذي خلّفه الاحتلال. لم تكن قوات الدعم السريع مجرد قوة عسكرية احتلت أرضاً ثم انسحبت، بل كانت آلة تدمير منهجية طالت كل مفصل من مفاصل المدينة.
تعرضت محطات توزيع وتحويل الكهرباء لتدمير واسع خلال سيطرة قوات الدعم السريع على الخرطوم، حيث نُهب معظم النحاس في المحولات، فيما تعرضت محطات أخرى لقصف عبر الطيران المسيّر. أما البنية التحتية للمياه، فقد وصفها المسؤولون بأنها في حالة كارثية؛ إذ تضررت مضخات المياه وخطوط الأنابيب في مناطق واسعة من العاصمة بمدنها الثلاث: الخرطوم وبحري وأم درمان.
وسط ركام السوق التجاري في العاصمة، كان تجار يحاولون إعادة ترتيب بقايا متاجرهم التي التهمتها الحرب؛ فجدران المحلات لا تزال تحمل كتابات تمجّد قوات الدعم السريع، في حين يخيم الظلام بسبب انقطاع الكهرباء. كانت هذه الصورة تختزل مشهد العاصمة بأسره: آثار المحتل لم تُمحَ، والحياة لم تعد بعد.
المستشفيات التي يفترض أن تكون أماكن للشفاء تحوّلت إلى أهداف للقوات المحتلة. المدارس التي يفترض أن تكون أماكن للعلم استُخدمت ثكنات عسكرية. المنازل التي كانت مأوى لملايين نُهبت وأُتلفت. والطرق التي كانت تربط المدينة ببعضها أصبحت مسرحاً للتخريب والحواجز المسلحة.
أثارت حالة الدمار التساؤل الجوهري حول إمكانية عودة سريعة للسكان، إذ عبّر أحد سكان وسط الخرطوم عن مخاوفه قائلاً: “في ظل انعدام خدمات الكهرباء والمياه لن يكون هناك أمل في عودة قريبة”. وكان هذا القلق مشروعاً تماماً، فمدينة يقطنها أكثر من سبعة ملايين نسمة في الأوقات العادية لا يمكن أن تُعمَّر في أسابيع.
ثمة تحدٍّ أمني آخر أضاف إلى تعقيدات المشهد: مخلفات الحرب. فقبل أيام قليلة من كتابة هذا التقرير، أغلقت السلطات منطقة شرق الخرطوم مؤقتاً مع نشر فرق فنية للبحث عن مخلفات حربية، عقب انفجار قذيفة بعد أن أشعل مواطنون النار في نفايات بموقع قريب. وأوضح مدير مكافحة الألغام اللواء ركن خالد حمدان أن نتائج التحقيقات الميدانية ترجح أن يكون الانفجار ناجماً عن صاروخ أو قذيفة قديمة من عيار 130 أو 155 ملم، داعياً السكان إلى عدم حرق النفايات داخل الأحياء التي تواجد فيها الدعم السريع لاحتمال احتوائها على أجسام متفجرة.
البنية التحتية: معركة أخرى بأدوات مختلفة
أدركت الحكومة السودانية منذ البداية أن إعادة الحياة إلى الخرطوم تمر عبر بوابة واحدة: الكهرباء والماء. فبدونهما، لا مستشفى يعمل، ولا مدرسة تفتح أبوابها، ولا مصنع ينتج، ولا حياة تعود.
في يوليو 2025، وعدت لجنة حكومية بإعادة الكهرباء إلى ولاية الخرطوم بنهاية سبتمبر، وذلك بعد يوم واحد من إعلان البنك المركزي توفير النقد الأجنبي لاحتياجات الكهرباء والمياه. وتتمثل مهام اللجنة في تفريغ القوات المقاتلة والكيانات المسلحة من الخرطوم، واتخاذ تدابير لاستتباب الأمن، علاوة على استعادة خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والأسواق، وإعادة تأهيل البنية التحتية.
غير أن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود. إعادة الكهرباء لمدينة بحجم الخرطوم تعني توفير محولات كهربائية ضخمة، وأسلاك نحاس سُرقت بالكامل، وقطع غيار باهظة الثمن، وتمويل دولار أجنبي نادر في ظل اقتصاد منهك. وفي أغسطس 2025، أعربت اللجنة العليا للطوارئ وإدارة الأزمة بولاية الخرطوم عن تقديرها للمجهودات التي بذلتها إدارتا الكهرباء والمياه في استعادة التيار الكهربائي لمنطقة وسط الخرطوم وتوصيله لجميع محطات المياه وهي محطات بحري والمقرن وسوبا والشجرة وجبل أولياء.
كانت هذه خطوة أساسية، لأن وصول الكهرباء لمحطات ضخ المياه يعني أن الماء سيعود للبيوت، وهذا يفتح الباب أمام عودة حقيقية للسكان. وشدد والي الخرطوم على أن إعادة خدمات الكهرباء والمياه تمثل مدخلاً رئيسياً لتهيئة البيئة العامة لعودة المواطنين، مؤكداً أن لجنة توزيع المحولات ستواصل اجتماعاتها وأعمالها الميدانية والفنية لمتابعة مراحل التنفيذ وتذليل العقبات.
في نوفمبر 2025، وصلت دفعات من محولات الكهرباء الجديدة القادمة من الخارج، لتُنعش آمال السكان. وأكدت اللجنة أن الأولوية ستكون للمستشفيات والمرافق الصحية، يليها تغذية مصادر المياه الرئيسية والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ثم مراكز الخدمات الأمنية. كان هذا الترتيب منطقياً وإنسانياً في آنٍ واحد: الإنسان قبل الصناعة، والصحة قبل الرفاهية.
وفي أواخر أكتوبر 2025، أكدت اللجان الفنية للقطاعات الوزارية بمجلس الوزراء إعادة تغذية جميع محطات الكهرباء بولاية الخرطوم بالوقود، مع استمرار المعالجات الفنية لضمان استقرار الإمداد الكهربائي في ظل التحديات الراهنة. لم يكن الإمداد مستقراً تماماً، لكنه كان بداية الطريق.
القطاع الصحي: من رفات إلى أمل
لعل أكثر ما يعكس حجم الدمار هو ما حل بالمنظومة الصحية في الخرطوم. فبعد عامين من الحرب، كانت مستشفيات نُهبت أجهزتها ودُمّر معداتها، ومراكز صحية حُوّلت إلى ثكنات، وكوادر طبية نزحت بعيداً عن العاصمة.
كشف وزير الصحة أن قطاع أم درمان الذي لم يشهد دخولاً كبيراً لقوات الدعم السريع خلال عامين من الاحتلال، جرى تأهيل قطاعه الصحي وإدخال خدمات نوعية لم تكن موجودة قبل الحرب. أما قطاعا بحري والخرطوم فوضعهما أكثر صعوبة، إذ لم تتجاوز الطاقة التشغيلية للمستشفيات فيهما نحو 60% و45% على الترتيب.
تكشف هذه الأرقام الفجوة الهائلة التي يتعين ردمها. مستشفى لا يعمل إلا بنصف طاقته أو أقل يعني مرضى يموتون في الانتظار، وعمليات جراحية تُرجأ، وأطفال يُحرمون من اللقاحات، ونساء يلدن في ظروف خطرة.
على صعيد الجهود الميدانية لإعادة تأهيل المنظومة الصحية، عادت مستشفى الذرة إلى الخدمة واستقبلت في يومها الأول 40 حالة، فيما جرت أعمال صيانة في مستشفيات الأسنان والشعب والأطفال، والتي سبقتها مستشفيات التميز بالامتداد والطوارئ بجبرة وإبراهيم مالك بالصحافة، إضافة إلى بن سينا بالعمارات ومركز القلب بأركويت.
لكن التحديات الصحية لا تقف عند حدود إعادة تشغيل المنشآت. فقد اجتاحت الكوليرا العاصمة في بدايات العام الماضي ووصلت أوجها في مايو مع عودة المواطنين، ما شكّل ضغطاً كبيراً على القطاع الصحي وكشف عن نواقص الخدمات الأساسية، إذ عانى السكان للوصول إلى مياه نظيفة، فيما عانت المؤسسات الصحية من انقطاعات الكهرباء التي لا تزال تضرب أنحاء الخرطوم.
إنها حلقة مفرغة مؤلمة: عودة المواطنين تزيد الضغط على المنظومة الصحية المتهالكة، والمنظومة المتهالكة لا تستطيع استيعاب هذه الأعداد دون دعم خارجي ضخم ومستدام. غير أن الإرادة الحكومية واضحة. فقد طُرحت ثلاثة عشر مشروعاً لتأهيل القطاع الصحي وتوفير الأجهزة والمعدات الطبية والكوادر المؤهلة.
التعليم: عودة الأجيال إلى الفصول
ربما لا يوجد مؤشر يعكس عودة الحياة الطبيعية أكثر من صوت ضحكات الأطفال في أفنية المدارس. لسنتين وأكثر، حُرم أطفال الخرطوم من هذا الحق الأساسي. المدارس التي دمّرها الاحتلال أو حوّلها إلى مقار عسكرية باتت الأولوية في خطط إعادة الإعمار.
أقرّت حكومة ولاية الخرطوم التقويم الدراسي للعام 2024-2025 بناءً على مقترح قدمه المدير العام لوزارة التربية والتعليم، وينص التقويم على بدء دوام المعلمين في المدارس اعتباراً من الرابع والعشرين من أغسطس، بهدف الإسهام في تهيئة البيئة المدرسية ومعالجة أوجه القصور، وانطلاق الدراسة في الفصول النهائية للمراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية في السابع من سبتمبر.
وأكد والي الخرطوم أن الاستعدادات جارية على قدم وساق لاستئناف العملية التعليمية وفتح المدارس بشكل كامل في كافة محليات الولاية، تمهيداً لعودة الحياة المدرسية إلى طبيعتها بعد انقطاع دام لفترات طويلة.
وتزامناً مع مطلع عام 2026 واقتراب شهر رمضان، شهدت الخرطوم عودة متسارعة للحياة إلى طبيعتها في محليات الولاية، في مشهد يعكس تعافي العاصمة واستعادة إيقاعها المعتاد، تزامناً مع بداية عام دراسي جديد يحمل آمالاً عريضة بمستقبل أكثر استقراراً وأمناً.
لكن إعادة فتح المدارس ليست مجرد قرار إداري. إنها معركة ضد التسرب الدراسي الذي تفاقم خلال سنوات الحرب، وضد الجيل الذي ضاعت سنوات من تعليمه وسط المتاريس والمخابئ. كثيرون من الأطفال الذين كانوا في الابتدائية حين اندلعت الحرب يجدون أنفسهم اليوم في سن المتوسطة دون أن يكملوا مرحلتهم الدراسية الأولى. هذه فجوة تعليمية ستحتاج إلى سنوات لمعالجتها.
عودة المواطنين: بين الشوق والحذر
في محطات القطار وعلى الطرق الرئيسية المؤدية إلى الخرطوم، كانت تشق طريقها قوافل العائدين. ملايين نُزحوا قسراً من منازلهم، فروا إلى المدن الآمنة كبورتسودان وكسلا ومدن خارج السودان كالقاهرة وأسمرة، يحملون ما استطاعوا حمله من ذكريات وأوراق ثبوتية ومخاوف.
سيّرت لجنة العودة الطوعية في منظومة الصناعات الدفاعية ثمانية قطارات حتى منتصف أغسطس 2025، ينقل كل منها نحو 1200 مواطن من القاهرة إلى أسوان قبل أن يتم توزيعهم عبر حافلات إلى مختلف الولايات.
تتصدر مصر قائمة الدول المستضيفة للسودانيين منذ اندلاع الحرب، لكن مؤشرات العودة منها إلى السودان تتزايد. وقد أعدت حكومة ولاية الخرطوم خطة طوارئ لثلاثة أشهر تستهدف الشرائح الضعيفة والأسر الفقيرة مع تزايد وتيرة العودة.
العائد إلى الخرطوم يواجه مشهداً مزدوجاً: من جهة، فرحة العودة ولمّ الشمل ورؤية الأزقة المألوفة والحي القديم. ومن جهة أخرى، صدمة ما فعلته الحرب بالمنزل الذي تركه: ربما وجد جدرانه مكتوبة عليها شعارات الميليشيا، أو سقفه مثقوباً من القصف، أو أثاثه منهوباً بالكامل. وتكشف الروايات الميدانية أن الحركة الأكثر وضوحاً للعائدين تتركز في أحياء غرب الخرطوم وأقصى شرقها، ولا سيما أحياء الشجرة والعزوزاب والرميلة والقوز والديم والسجانة، ومربعات محدودة في الصحافة والامتداد وأركويت وشرق الجريف والبراري وناصر.
هذا التوزع الجغرافي غير العشوائي للعودة يعكس منطق الأمان والخدمات: يعود الناس أولاً إلى الأحياء التي فيها ماء وكهرباء وأمن، وتبقى الأحياء الأكثر تضرراً مهجورة إلى حين استكمال التأهيل.
الأسواق والاقتصاد: نبض الحياة العائد
السوق ليس مجرد مكان للبيع والشراء. إنه ميزان الحياة الاجتماعية في المدينة العربية. وحين يعود السوق، تعود الحياة معه. في شوارع الخرطوم التي كانت مقفرة موحشة خلال سنتي الاحتلال، بدأت تظهر إشارات التعافي الاقتصادي شيئاً فشيئاً.
تشير الروايات إلى أنه لا يمر يوم على أحياء الخرطوم إلا وتنفتح أبواب لبقالة أو صيدلية أو مطعم أو محال تجارية. كما أعلنت محلية الخرطوم إعادة افتتاح سوق أبو حمامة للبيع المخفض كأول سوق يعود للعمل ضمن منظومة الأسواق المخفضة التي كانت حاضرة قبل الحرب، مع اعتماد التجار السابقين وتحديد أسعار تركيزية واضحة واستقطاب شركات ومنتجين لتوفير سلع مباشرة للمواطنين.
وأكد عدد من التجار أن التحسن في الحركة التجارية مدفوع بعودة المواطنين إضافة إلى عودة الخدمات الأساسية تدريجياً.
هذه العلاقة التكاملية بين الخدمات والتجارة والسكان هي محور عملية التعافي. كلما عاد سكان أكثر، ازداد الطلب على السلع والخدمات، وكلما ازداد الطلب، تحرّك التجار لفتح محلاتهم، وكلما فتحت المحلات، عادت الحياة والأمل إلى الأحياء.
غير أن الصورة ليست وردية تماماً على الصعيد الاقتصادي. فالحرب خلّفت تضخماً حاداً وارتفاعاً كبيراً في الأسعار يُثقل كاهل المواطن العائد بعد أن استنزف ما لديه خلال سنوات النزوح. بدأت موجة من الغلاء تضرب الأسواق السودانية بعد ارتفاع تكاليف النقل جراء الزيادة غير المسبوقة في أسعار الوقود والخبز. هذا الواقع يضع المواطن البسيط في مواجهة ضغوط متعددة الأوجه: ثمن إعادة تأثيث المنزل المنهوب، وثمن المواد الغذائية المرتفع، وغياب مصدر الدخل المنتظم.
عودة الحكومة: الدولة تعود إلى عرشها
لم تكن إعادة الخدمات مسألة تقنية فحسب، بل كانت أيضاً مسألة رمزية عميقة. عودة الدولة بمؤسساتها إلى العاصمة هي إعلان للعالم أن السودان لم ينهَر، وأن الدولة باقية.
في يناير 2026، أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس عودته للعمل من الخرطوم، وبعد أيام عُقد أول اجتماع لمجلس الوزراء الجديد في العاصمة، ودخلت خطة عودة الوزارات حيز التنفيذ.
وقد شملت المرحلة الثانية من خطة عودة الحكومة عودة الهيئات الحكومية، وعلى رأسها شركة الموارد المعدنية في ديسمبر 2025، والتي تُعد من أهم القطاعات التنفيذية في الدولة، إذ تعتمد خزينة الدولة حالياً على عائدات الذهب.
ونصّ قرار حكومي على نقل المقار الحكومية والوزارات التي تقع بين شارع النيل شمالاً حتى السكة الحديد جنوباً، ومن المقرن غرباً حتى القيادة العامة شرقاً، اعتباراً من أغسطس 2025، إذ جرى نقلها إلى مواقع بديلة في شرق وجنوب شرق الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان.
وفي خطوة ذات دلالة بالغة على المستوى الدولي، أعلنت الأمم المتحدة العودة رسمياً للعمل من العاصمة السودانية الخرطوم من مقرها الرئيسي في وسط المدينة، بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب. وأكدت الأمم المتحدة أنها تواصل دعمها للدولة والأفراد من أجل إنهاء الحرب وإعادة إعمار السودان.
هذا الحضور الأممي يحمل معنيين: أولهما الاعتراف بتحسن الأوضاع الأمنية بما يكفي لإعادة تشغيل المكاتب، وثانيهما ضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وجهود إعادة الإعمار بشكل منسق.
وعلى الصعيد الأمني، تشهد العاصمة استتباباً واسعاً مع انتشار مكثف لقوات الشرطة في مختلف المحليات عقب طواف أمني شامل أسهم في خفض معدلات الجريمة. وأعرب عدد من المواطنين عن ارتياحهم لانتشار الدوريات مؤكدين عودة الشعور بالأمان إلى الأحياء والأسواق.
استراتيجية المستقبل: خطة 2026-2036
لم يكتفِ المسؤولون بمعالجة الجروح الآنية، بل امتدت نظرتهم إلى الأفق البعيد. في مطلع 2026، تسلّم المسؤولون استراتيجية إعادة الإعمار والانتعاش لولاية الخرطوم للفترة 2026-2036، تشمل تعزيز النقل العام والتعليم والصحة والتمويل البيئي.
هذه الاستراتيجية العشرية ليست مجرد وثيقة حكومية، بل هي وعد بمستقبل مختلف. مدينة بحجم الخرطوم وتاريخها وموقعها لا يمكن إعادة إعمارها في موسم واحد. الأمر يحتاج إلى رؤية ممتدة، وتمويل مستدام، وإرادة سياسية راسخة، وشراكة دولية حقيقية.
وأشار مراقبون إلى أن عودة المؤسسات الحكومية إلى مقارها بالعاصمة تحمل دلالات مهمة تعكس الاستقرار وعودة الحياة إلى طبيعتها.
المشهد الأشمل: الخرطوم بمدنها الثلاث
لا يمكن فهم عودة الخرطوم دون فهم الفوارق العميقة بين مدنها الثلاث. فأم درمان، التي كانت أقل تضرراً نسبياً من الاحتلال، كانت الأسرع في التعافي. أما الخرطوم وبحري، بوصفهما مسرح المواجهات الرئيسي، فيحتاجان إلى جهد وزمن أكبر.
يُشير الوزير إلى أن قطاع أم درمان الذي لم يشهد دخولاً كبيراً لقوات الدعم السريع، تم تأهيل قطاعه الصحي وإدخال خدمات نوعية لم تكن موجودة قبل الحرب، في حين أن وضع قطاعَي بحري والخرطوم أكثر صعوبة إذ لم تتجاوز الطاقة التشغيلية للمستشفيات فيهما نحو 60% و45% على الترتيب، مع تأخر دخول المياه والكهرباء.
هذه الفجوة بين أجزاء العاصمة الواحدة تمثل تحدياً اجتماعياً وسياسياً، إذ قد تولّد إحساساً لدى سكان المناطق الأكثر تضرراً بالتهميش أو التأخير في معالجة أوضاعهم.
أصوات من المدينة الجريحة
في نهاية المطاف، الأرقام والخطط والإعلانات الرسمية ليست سوى قشرة فوق جوهر الحكاية الحقيقية: قصص البشر الذين عاشوا الجحيم ويحاولون الآن إعادة بناء حياتهم.
يقول أحد المسافرين في صالة مغادرة مطار الخرطوم الذي استأنف عمله: “عودة طائرات سودانير للإقلاع من الخرطوم تعيد إلينا الإحساس بأن المدينة تستعيد مكانتها كما كانت من قبل”.
وتاجر الأقمشة الستيني الذي عاد ليجد متجره محاطاً بكتابات قوات الاحتلال، لا يزال يحاول بعد أسابيع استجماع عزيمته لاستئناف العمل. وكثيرون مثله يقفون على عتبة الأمل والخوف في آنٍ واحد: الأمل في أن يعود ما كان، والخوف من أن يكون ما ضاع قد ضاع إلى الأبد.
الأطفال الذين ولدوا على وقع الرصاص، والطلاب الذين ضاعت سنوات دراستهم، والأطباء الذين داووا المرضى في ظروف شبه معدومة، والمعلمات اللواتي لم يتوقفن عن التعليم حتى في أحلك الأوقات — هؤلاء جميعاً هم الوقود الحقيقي لنهضة الخرطوم.
ما بين التحديات والمآخذ
لا تكتمل الصورة دون الإشارة إلى التحديات والمآخذ التي يُسجلها المراقبون والمعارضون. فثمة أصوات تقول إن وتيرة إعادة الإعمار بطيئة مقارنة بالحاجة الماسة، وأن الموارد الحكومية الشحيحة تُوزَّع بصورة غير عادلة.
وبينما يؤكد مسؤولون أن خطة عودة الحكومة تتمحور حول احتياجات المواطنين، يرى مسؤول سابق أن الخطوة قد تستنزف موارد الدولة الشحيحة بعيداً عن البنية التحتية والخدمات الأساسية، لصالح تهيئة مقار الحكومة.
هذا التوتر بين أولويات الدولة المؤسسية وأولويات المواطن الفردي يعكس معادلة صعبة: الحكومة التي تعود إلى مقارها في الخرطوم تحتاج إلى بنية تحتية تدعمها، لكن هل هذا يأتي على حساب الخدمات العامة؟
ثمة أيضاً تحدي الاستدامة المالية. السودان يمر بواحدة من أصعب مراحله الاقتصادية، وعائدات الذهب التي تشكل العمود الفقري للخزينة تكفي لتسيير الدولة لكنها لا تكفي وحدها لإعادة بناء عاصمة كاملة. الدعم الدولي ضرورة لا ترف.
الخاتمة: الخرطوم لم تمت
في خضم كل هذا، يبقى شيء واحد ثابتاً كالنيل الخالد الذي يشق العاصمة من جنوبها إلى شمالها: إرادة الحياة لدى سكان هذه المدينة. الخرطوم التي عاشت لقرون على ملتقى النيلين، والتي رأت في تاريخها احتلالات وثورات وإعادة بناء، لن تكون هذه المرة استثناءً من قاعدة صمودها التاريخي.
قد يبدو المشهد قاتماً حين تنظر إلى الأرقام: ملايين النازحين الذين لم يعودوا بعد، ومئات المستشفيات والمدارس التي تحتاج إلى ترميم، وبنية تحتية دُمّرت منهجياً. لكن حين تنظر إلى التاجر العجوز الذي يمسح الغبار عن رفوف متجره، والمعلمة التي تعيد تنظيم فصلها قبل عودة الطلاب، والطبيب الذي يعود من المنفى ليمارس مهنته في مستشفى متهالك — تُدرك أن هذه المدينة لم تمت.
أقرّت اللجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين برنامجاً متكاملاً لإعادة إعمار العاصمة يشمل استعادة خدمات الكهرباء والمياه وعودة عمل المستشفيات والجامعات وكافة المرافق الحيوية. هذا البرنامج ليس مجرد وثيقة، بل هو خارطة طريق لمدينة تصرّ على أن تكون.
الخرطوم تنزف، لكنها تنهض. تئن تحت ثقل الدمار، لكنها ترفع رأسها. خدماتها تعود ببطء شديد، لكنها تعود. ومن رحم هذه المعاناة العميقة، ربما تولد عاصمة أكثر عدلاً وأكثر إنسانية مما كانت.
ذلك وحده يكفي ليكون ثمناً للأمل.




