أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

كيف زيف أدولف هتلر قضية الحرية الهندية لحساب أوهام “الآرية”

هتلر والهند.. ما وراء الأسطورة

في تاريخ العلاقات الدولية والمنعطفات الكبرى للحرب العالمية الثانية، ظلت هناك سردية شائعة، تداعب الوجدان القومي في بعض أجزاء القارة الآسيوية، تزعم أن ألمانيا النازية كانت حليفاً طبيعياً للشعوب الخاضعة للاستعمار البريطاني. وفي قلب هذه السردية، تقبع قصة التعاون المفترض بين الزعيم النازي أدولف هتلر، والقائد القومي الهندي سوبهاش تشاندرا بوز. غير أن هذا المنظور السطحي ينهار تماماً عند إخضاعه للبحث الوثائقي الرصين والنبش في أضابير الأرشيفات السرية. هذا ما يفعله  الصحفي والمؤرخ الهندي المرموق فيبهاف بورانداري في كتابه الصادم والأحدث: “Hitler and India: The Untold Story of his Hatred for the Country and its People” (هتلر والهند: القصة غير المروية عن كراهيته للبلاد وشعبها).

يأتي هذا الكتاب ليزيل المساحيق عن وجه الفاشية الأوروبية في علاقتها بالشرق، ويقدم مراجعة تاريخية معمقة لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تغوص في البنية النفسية والأيديولوجية للنظام النازي. يأخذنا بورانداري في رحلة توثيقية تكشف أن الديكتاتور الألماني لم يكن يكنّ للهند وشعبها سوى الازدراء المحض، والنفور العنصري، والعداء الفكري الممنهج. إنها دراسة تفكيكية لـ “وهم التحالف” الذي نسجته الظروف السياسية المعقدة، وثيقة تكشف كيف تحولت البراغماتية السياسية إلى غطاء لأبشع صور الفوقية العرقية.

فلسفة الكراهية الممنهجة في “كفاحي”

يبدأ المؤلف رحلته من النواة الصلبة للفكر النازي: كتاب “كفاحي” (Mein Kampf). يوضح بورانداري أن هتلر لم يترك مجالاً للتخمين أو التأويل فيما يتعلق بنظرته للهند. ففي الصفحات التي صاغ فيها رؤيته للعالم وللتراتبية العرقية، كان واضحاً وحاسماً. بالنسبة لهتلر، كان العالم مقسماً بدقة بين “صانعي الثقافة” (وهم الجنس الآري النقي حسب زعمه) وبين “مدمري الثقافة” أو العاجزين عن إنتاجها. وللغرابة الشديدة، ورغم أن الأيديولوجيا النازية سرقت الرمز الهندي القديم “السواستيكا” (الصليب المعقوف) واستعارت مصطلح “الآري” من اللغويات والتاريخ الهندي القديم، إلا أن هتلر نزع عن الهنود المعاصرين أي صلة بهذا الإرث الحضاري.

يحلل الكتاب كيف نظر هتلر إلى الشعب الهندي كعرق “انحط” بسبب التمازج والاختلاط على مر القرون. في نظر الفوهرر، لم يكن الهنود سوى كتلة بشريّة عاجزة عن حكم نفسها، وكان يرى أن أي محاولة من جانب القوميين الهنود للتحرر من قبضة الإمبراطورية البريطانية هي نوع من الخروج على “الناموس الطبيعي” الذي يمنح العرق المتفوق حق السيطرة على العروق الأدنى. يورد بورانداري نصوصاً صريحة من “كفاحي” يعلن فيها هتلر بلا خجل أنه يفضل، وبمراحل، رؤية الهند تحت حكم التاج البريطاني على أن يراها حرة ومستقلة، معتبراً أن سقوط السيطرة البيضاء في آسيا سيكون كارثة على الحضارة الإنسانية (التي يراها متطابقة مع الحضارة الجرمانية).

النخبة النازية وازدواجية المعايير

لا يكتفي الكتاب بتشريح فكر هتلر وحده، بل يتتبع بدقة مواقف وتصريحات الدائرة الضيقة المحيطة به، مثل جوزيف غوبلز (وزير الدعاية) وهينريش هيملر (قائد القوات الخاصة والمهووس بالأنثروبولوجيا العرقية). يظهر بورانداري كيف كانت الماكينة الإعلامية النازية تعيش حالة من الفصام الأيديولوجي؛ فمن ناحية، أراد غوبلز استخدام الورقة الهندية كورقة ضغط ودعاية سوداء ضد بريطانيا خلال الحرب، ومن ناحية أخرى، كان عاجزاً عن إخفاء الاحتقار العرق العميق الذي تتبناه الأيديولوجيا الرسمية للدولة تجاه الشعوب غير الأوروبية.

يكشف المؤلف من خلال وثائق ومذكرات يومية لرجالات الحزب النازي، كيف كانت النخب الألمانية تسخر في مجالسها المغلقة من الآمال الهندية بالاستقلال. لقد كانت النظرة السائدة هي أن الهند بلد “يعج بالخرافات والتخلف”، وأن المهاتما غاندي وحركته القائمة على اللاعنف (الساتياغراها) ليست سوى مظهر من مظاهر الضعف الهيكلي والعجائب السلوكية للشرق التي لا تثير سوى ضحك الرجل الأبيض المتغطرس. يشير الكتاب إلى أن غوبلز وجه الصحافة الألمانية لسنوات طويلة بألا تضخم من شأن الحركة القومية الهندية، تجنباً لإثارة غضب لندن التي كان هتلر، حتى وقت متأخر، يأمل في عقد صلح معها يضمن تقاسم العالم: لألمانيا القارة الأوروبية والمجال الحيوي شرقا، ولبريطانيا بحار العالم ومستعمراتها وفي مقدمتها درة التاج البريطاني: الهند.

سرقة “السواستيكا” والسطو على الهوية

من أمتع الفصول ذلك الجزء الذي يناقش فيه بورانداري مفارقة “الصليب المعقوف”. يبين الكاتب كيف قام المنظرون النازيون، مدفوعين بعقدة النقص التاريخية والرغبة في إيجاد جذور ميثولوجية متفوقة للأمة الألمانية، بالسطو على الرموز والمصطلحات الشرقية. “السواستيكا” هي في الأصل رمز هندي هندوسي وبوذي قديم يرمز للسلام، والبركة، ودوران الشمس، وكلمة “آري” في السنسكريتية تعني “النبيل” وتطلق على السلوك والمكانة الروحية، لا على تصنيف بيولوجي أو عرق محدد.

لكن هتلر، كما يوضح بورانداري، قام بعملية “تطهير وعلمنة عرقية” لهذه المصطلحات، وجردها من معناها الروحي الشرقي، وحولها إلى أداة للقتل والإبادة. والمفارقة التاريخية الصادمة التي يبرزها العمل هي أن النازيين كانوا في الوقت نفسه يحتقرون الهند الحالية التي ولدت فيها هذه الرموز. لقد كان هتلر يرى أن “الآريين الأصليين” غادروا الهند أو تلوثوا بالدماء المحلية، وبالتالي فإن الهندي المعاصر لا حق له في هذا الإرث، بل هو أقرب في التراتبية النازية إلى العروق التي يجب إخضاعها. هذه القراءة الفلسفية والتاريخية التي يقدمها بورانداري تضع القارئ أمام حقيقة العقلية الفاشية: عقلية تسطو على ثقافة الآخر ثم تطالبه بالانحناء أمام النسخة المشوهة التي صنعتها.

سراب برلين والمناورة الكبرى: عندما اصطدم الطموح القومي بجدار الصلف النازي

يأخذنا المؤرخ فيبهاف بورانداري في هذا المنعطف من كتابه إلى واحدة من أكثر صفحات التاريخ دراماتيكية وإثارة للشفقة في آن واحد، وهي اللحظة التي قرر فيها القائد القومي الهندي سوبهاش تشاندرا بوز، المعروف بلقب “النتّاجي” أو القائد، أن يلقي بنفسه وبقضيته في أحضان المحور. كان بوز رجلاً مدفوعاً برغبة عارمة، تقترب من الهوس، لتحرير وطنه من ربقة الاستعمار البريطاني الذي جاثم على صدر الهند لقرون، ورأى في اشتعال الحرب العالمية الثانية فرصة تاريخية لا تتكرر لتطبيق القاعدة السياسية الأزلية القائلة بأن عدو عدوي هو صديقي. ومن هذا المنطلق، غادر بوز الهند في رحلة هروب أسطورية عبر أفغانستان والاتحاد السوفيتي، وصولاً إلى العاصمة الألمانية برلين في ربيع عام ألف وتسعمائة وواحد وأربعين، مدفوعاً بآمال عريضة في أن يجد لدى أدولف هتلر الدعم العسكري والسياسي الحاسم لإشعال ثورة مسلحة داخل الهند تطيح بالتاج البريطاني.

لكن ما تكشفه الوثائق السرية واليوميات الدبلوماسية التي نبشها بورانداري ، هو أن بوز لم يكن في نظر القيادة النازية سوى بيذق صغير في رقعة شطرنج جيوسياسية عملاقة، ولم تكن برلين بالنسبة له سوى مصيدة سياسية مغلفة بوعود براقة وعناية بروتوكولية زائفة. يصف الكتاب بدقة مذهلة كيف استُقبل بوز في برلين، حيث منحه وزير الدعاية جوزيف غوبلز ووزير الخارجية يواخيم فون ريبنتروب مكاناً للإقامة وميزانية مالية، وسمحوا له بتأسيس “مركز الهند الحرة” وإطلاق إذاعة موجهة للهنود، بل ومساعدته في تشكيل “الفيلق الهندي الحر” من بين أسرى الحرب الهنود الذين اعتقلهم الألمان في معارك شمال إفريقيا. غير أن هذه الحفاوة لم تكن نابعة من أي تعاطف مع تطلعات الشعب الهندي، بل كانت جزءاً من حرب نفسية ألمانية تهدف إلى إزعاج لندن وإرباك خطوط إمدادها الخلفية، في وقت كان فيه هتلر يضع اللمسات الأخيرة لغزو الاتحاد السوفيتي، ولم تكن لديه أي نية حقيقية للوصول إلى الهند أو تحريرها.

بورانداري يكشف عمق الفجوة بين ما كان بوز يتخيله وبين ما كان يدور فعلياً في ردهات المستشارية الألمانية. كان بوز يطالب بإلحاح بإعلان رسمي من دول المحور يضمن استقلال الهند بعد الحرب، وهو أمر ظل هتلر يماطل فيه ويرفضه بشدة وبشكل قاطع. والسبب في ذلك، كما يوضحه الكتاب عبر وثائق سرية ومحاضر اجتماعات، يعود إلى أن هتلر كان لا يزال يؤمن، حتى بعد اندلاع الحرب مع بريطانيا، بأن الإمبراطورية البريطانية هي ركيزة أساسية للاستقرار العالمي ولتفوق الرجل الأبيض. كان الديكتاتور الألماني يرى أن انهيار الإمبراطورية البريطانية في آسيا لن يخدم ألمانيا، بل سيصب في مصلحة اليابان أو الاتحاد السوفيتي، أو سيترك الهند غارقة في الفوضى لأن شعبها، حسب رؤيته العنصرية، غير مؤهل بيولوجياً وحضارياً لممارسة السيادة وحكم نفسه.

يستعرض المؤلف تفاصيل اللقاء الوحيد والتاريخي الذي جمع بين أدولف هتلر وسوبهاش تشاندرا بوز في أواخر مايو من عام ألف وتسعمائة واثنين وأربعين. كان هذا اللقاء، الذي انتظرته الأوساط القومية الهندية بكثير من الأمل، بمثابة صدمة قاسية ومروعة لبوز. يروي بورانداري، مستنداً إلى المحاضر الرسمية الألمانية للاجتماع، كيف تعامل الفوهرر مع الزعيم الهندي بصلف وغطرسة بالغة. بدلاً من أن يستمع هتلر إلى خطط بوز العسكرية لتحرير الهند، انطلق الديكتاتور في مونولوج طويل وممل استمر لأكثر من ساعة، راح فيه يشرح نظرياته حول العرق والتفوق الجيني، ومبرراً تفوق البريطانيين وقدرتهم على حكم مئات الملايين من الهنود بقبضة من حديد بفضل “نقائهم العرقي”.

وعندما تجرأ بوز وسأل هتلر عن العبارات المسيئة والمهينة للشعب الهندي التي وردت في كتابه “كفاحي”، وطالبه بحذفها أو تعديلها في الطبعات الجديدة كبادرة حسن نية تجاه الحلفاء الهنود، رفض هتلر الطلب باحتقار بارد، وتهرب من الإجابة، مشيراً إلى أن ما كتبه كان تعبيراً عن واقع تاريخي لا يمكن تغييره. ولم يكتفِ هتلر بذلك، بل صدم بوز بإبلاغه صراحة أن ألمانيا بعيدة جداً عن الهند من الناحية الجغرافية، وأن أي دعم عسكري مباشر سيكون مستحيلاً في الوقت الحالي، ونصحه بأن يتجه إلى اليابانيين لأنهم الأقرب إلى الحدود الهندية. كانت هذه الكلمات بمثابة إعلان وفاة للمشروع الهندي في برلين، ورسالة واضحة بأن الفيلق الهندي الذي جرى تشكيله وتدريبه على أيدي الفيرماخت (الجيش الألماني) لن يكون سوى أداة لحراسة الشواطئ الأوروبية أو للدعاية، وليس لتحرير نيودلهي.

يحلل بورانداري هذه المقابلة  مبرزاً الخيبة المريرة التي شعر بها بوز وهو يغادر مقر الفوهرر. لقد أدرك الزعيم الهندي، وإن كان متأخراً، أنه ارتكب خطيئة سياسية كبرى بالتحالف مع نظام يبني أيديولوجيته برمتها على كراهية الآخر واحتقار الشعوب الملونة. يوضح الكتاب كيف تحول “الفيلق الهندي الحر” داخل ألمانيا إلى مأساة حقيقية؛ حيث أُجبر الجنود الهنود على أداء قسم الولاء الشخصي لأدولف هتلر، وهو أمر لم يكن يخطر على بالهم عندما تطوعوا للقتال من أجل حرية بلادهم. وبدلاً من إرسالهم إلى جبهات الشرق، تم زجهم في مهام حراسة في فرنسا المحتلة وهولندا، ليجدوا أنفسهم يقاتلون في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، دفاعاً عن نظام يرى فيهم جنساً أدنى.

 يظهر بورانداري كيف كان غوبلز يوجه الماكينة الإعلامية لإنتاج مواد دعائية تظهر الجنود الهنود بالزي العسكري الألماني وهم يبتسمون، بينما كانت التقارير الداخلية السرية تصفهم بالكسل وعدم الكفاءة، وتعبر عن القلق من إمكانية تمردهم. لقد كان كل شيء في برلين زائفاً ومصنوعاً لأغراض الاستهلاك الإعلامي المؤقت. وبهذا يضعنا المؤلف أمام حقيقة تاريخية قاسية: وهي أن الحركة القومية الهندية في الخارج، بزعامة بوز، وقعت في فخ البراغماتية العمياء، وظنت أن بإمكانها ترويض الوحش الفاشي لاستخدامه لمصلحتها، لتكتشف في النهاية أن الوحش كان يستخدمها كوقود لمعاركه الخاصة، ودون أن يغير قيد أنملة من قناعاته العنصرية الراسخة ضد الشرق وأهله.

وعي الداخل وحسابات الجيوستراتيجية: غاندي ونهرو في مواجهة الوهم الفاشي

بينما كان سوبهاش تشاندرا بوز يطارد سراب الوعود في العاصمة الألمانية، كانت القيادات التاريخية للحركة القومية داخل الهند تعيش حالة من الوعي الحاد والرفض الحاسم لكل ما يمثله النظام النازي من قيم تدميرية وعنصرية فجة. يركز المؤرخ فيبهاف بورانداري في هذا القسم من كتابه على تفكيك المواقف الفكرية والسياسية للمهاتما موهانداس كرمشاند غاندي، ورفيقه القيادي الشاب جواهر لال نهرو، مستعرضاً كيف تمكنت هذه القيادات من رؤية الجوهر الحقيقي لأدولف هتلر خلف قناع العداء المشترك للإمبراطورية البريطانية. كان نهرو، بفضل أفقه الثقافي الواسع واطلاعه العميق على الشؤون الدولية، من أوائل القادة الآسيويين الذين أدركوا أن الفاشية والنازية لا يمثلان مجرد أنظمة سياسية عابرة، بل هما تهديد وجودي للحضارة الإنسانية برمتها، وأنه من الاستحالة بمكان المراهنة على طاغية أوروبي للتخلص من طاغية آخر.

يكشف بورانداري من خلال المراسلات والوثائق الداخلية لحزب المؤتمر الوطني الهندي، كيف قاوم نهرو بشدة أي تقارب أو غزل سياسي من جانب الوكلاء الألمان في ثلاثينيات القرن الماضي. ويروي الكتاب واقعة بالغة الدلالة عندما زار نهرو أوروبا في أواخر الثلاثينيات، حيث حاولت الدبلوماسية النازية جاهدة ترتيب زيارة له إلى برلين ولقاء كبار المسؤولين في الحزب الحاكم بهدف كسب وده واستغلال مكانته الشعبية في الدعاية ضد بريطانيا. لكن نهرو رفض الدعوة باحتقار شديد، مفضلاً زيارة الأقاليم التشيكوسلوفاكية التي كانت تعاني من التهديد والبلع النازي، ليعبر عن تضامنه مع الشعوب المضطهدة، ومؤكداً في كتاباته وتصريحاته أن الحرية التي يطلبها لشعبه لا يمكن أن تبنى على أنقاض حرية الآخرين، وأن انتصار ألمانيا في الحرب سيعني بداية عصر جديد من العبودية العنصرية التي ستكون أبشع بمراتب من الاستعمار البريطاني التقليدي.

أما المهاتما غاندي، فقد كان يتعامل مع الظاهرة الهتلرية من منظور أخلاقي وفلسفي فريد، وإن لم يخلُ من صدمات سياسية وتاريخية يستعرضها المؤلف بكثير من الجرأة والنقد. يتوقف بورانداري مطولاً عند الرسائل الشهيرة التي وجهها غاندي إلى أدولف هتلر، والتي كان يخاطبه فيها بعبارة “صديقي العزيز”. يوضح الكتاب أن هذه العبارة لم تكن نابعة من أي مودة أو تحالف، بل كانت أسلوباً أخلاقياً متجذراً في فلسفة اللاعنف (الساتياغراها) التي تبناها غاندي، والتي تقوم على مخاطبة الجانب الإنساني حتى في أعتى الطغاة. كان غاندي يحاول في رسائله تلك، التي منعت السلطات البريطانية وصولها إلى برلين في ذلك الوقت، إقناع هتلر بوقف الحرب وتجنيب البشرية دماراً شاملاً، مشيراً إلى أن الأساليب المسلحة لن تورث سوى الخراب والتنكيل.

لكن غاندي، كما يظهر بورانداري، تراجع سريعاً عن أي أمل في إمكانية تغيير السلوك النازي بعد أن تتالت الأنباء عن الفظائع الألمانية في أوروبا وعن معسكرات الاعتقال والإبادة الممنهجة. لقد أدرك غاندي أن هتلر يمثل نقيضاً تاماً لكل قيم السلام والحرية، وأن فلسفته القائمة على القوة المادية المحضة والتراتبية البيولوجية هي مذهب شيطاني لا يمكن للمؤمنين بحرية الهند أن يتلوثوا بالتحالف معه. ويشير الكتاب إلى أن غاندي، ورغم إطلاقه لحملة “ارحلوا عن الهند” الشهيرة في عام ألف وتسعمائة واثنين وأربعين ضد بريطانيا في أحلك ظروف الحرب، إلا أنه رفض بغضب أي تلميح من جانب بعض التيارات الراديكالية للاستعانة بالقوات اليابانية أو الألمانية، معتبراً أن استبدال مستعمر بآخر هو انتحار سياسي وأخلاقي للشعب الهندي.

في المقابل، يتتبع بورانداري النشاط السري للقنصلية والدبلوماسية الألمانية في الهند قبل اندلاع الحرب وخلال السنوات الأولى منها، مبرزاً كيف كانت الاستخبارات النازية تحاول اختراق المجتمع الهندي من بوابة الثقافة والتبادل الأكاديمي. يعرض الكاتب كيف وظفت برلين مستشرقين وأساتذة جامعات ألمان، ممن أتقنوا اللغات الهندية القديمة مثل السنسكريتية، لإقناع النخبة الفكرية الهندية بأن هناك “أخوة عرقية وحضارية” تجمع بين الألمان والآريين في الهند. وكانت هذه المحاولات تهدف إلى خلق تيار شعبي يضغط على الحكومة الاستعمارية ويعيق جهود المجهود الحربي البريطاني. غير أن هذه المناورات الثقافية النازية اصطدمت بجدار من الوعي لدى غالبية المثقفين الهنود الذين أدركوا سريعاً أن مصطلح “الآرية” في أفواه النازيين قد تم تحريفه وتفريغه من محتواه الإنساني ليتحول إلى مبرر للمجازر العنصرية وإبادة الأقليات في أوروبا.

فبينما كانت إذاعة برلين تشيد ببوز ورجاله، كانت الصحف الألمانية الداخلية الموجهة للشعب الألماني تستمر في تقديم الهند كبلد متخلف يرزح تحت الجهل والفقر، مستخدمة الصور النمطية الاستعمارية ذاتها التي كانت تستخدمها الصحافة البريطانية. يوضح المؤلف أن هذا التناقض الصارخ يعكس الطبيعة البراغماتية والنفعية الخالصة للعقلية الهتلرية؛ فالشرق في نظر الفوهرر ليس شريكاً ولا حليفاً، بل هو مجرد ساحة خلفية لتصفية الحسابات مع القوى الغربية المنافسة. وكان هتلر مستعداً للتضحية بكل الشعوب الآسيوية وقضاياها العادلة في أي لحظة إذا ما لاحت له فرصة لعقد صفقة كبرى مع لندن تضمن له الهيمنة المطلقة على القارة الأوروبية التي كانت تُمثل مركزه الحيوي والأوحد.

يرسم لنا بورانداري  صورة بانورامية معقدة لسيناريو مرعب كادت الهند أن تواجهه لو سارت الأقدار العسكرية لصالح المحور. فمن خلال خطط يورثها الأرشيف العسكري الألماني، يبين الكتاب أن هتلر لو تمكن من سحق الاتحاد السوفيتي والوصول إلى القوقاز، لم يكن يعتزم تسليم الهند لأهلها أو لبوز، بل كانت هناك خطط لتقاسم ثروات شبه القارة الهندية مع اليابانيين، وإخضاع الشعب الهندي لنظام تسخيري واقتصادي يخدم الماكينة الحربية الألمانية. هذا التحليل التوثيقي المعمق يضع حداً لكل الأوهام التاريخية، ويكشف أن وعي الداخل الهندي، بزعامة غاندي ونهرو، هو الذي حمی الهند من السقوط في هاوية التبعية لنظام بنيت ركائزه على الإبادة والكراهية المطلقة للآخر.

أفول الوهم وتفكك الفيلق: الهروب الكبير عبر أعماق المحيطات

مع حلول أواخر عام ألف وتسعمائة واثنين وأربعين وبدايات عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين، بدأت اللوحة العسكرية العالمية تتغير بشكل دراماتيكي، وبدأت موازين القوى تميل بوضوح لغير صالح المحور بعد الهزيمة الساحقة للجيش السادس الألماني في معركة ستالينغراد، والتراجع النازي في شمال إفريقيا. ينبش المؤرخ فيبهاف بورانداري في هذا الفصل الحاسم من كتابه ليوثق بأسلوب صحفي ممتع ومؤثر كيف انعكست هذه التحولات الجيوسياسية على وضع الجالية والحركة القومية الهندية في ألمانيا. لقد أدرك سوبهاش تشاندرا بوز، بكثير من المرارة والأسى، أن إقامته في برلين لم تعد تجدي نفعاً، وأن وعود المسؤولين الألمان لم تكن سوى مسكنات سياسية لإبقائه تحت السيطرة كورقة بروباغندا إعلامية مؤقتة، بينما كانت الحقيقة الصادمة هي أن هتلر قد شطب الهند تماماً من حساباته الاستراتيجية المباشرة بعد أن تكسرت نصال جيوشه على صخرة المقاومة السوفيتية في الشرق.

يصف بورانداري مأساة “الفيلق الهندي الحر” الذي تركه بوز وراءه في أوروبا. كان هذا الفيلق، الذي ضم بضعة آلاف من الجنود الهنود الذين وقعوا في الأسر، يعيش حالة من الفصام الهوياتي والعسكري؛ إذ أُجبروا على ارتداء الزي العسكري الألماني وحمل شارة “الهند الحرة” على سواعدهم، لكنهم كانوا في جوهر الأمر مجرد قطع غيار عسكرية في آلة الحرب النازية التي لا ترحم. يوضح الكتاب، مستنداً إلى تقارير عسكرية سرية ومذكرات الضباط الألمان الذين أشرفوا على تدريب الفيلق، أن الروح المعنوية للجنود الهنود انهارت تماماً عندما علموا أن زعيمهم بوز يخطط لمغادرة ألمانيا وتثبيت بوصلته نحو شرق آسيا. شعر هؤلاء الجنود بأنهم قد تم التخلي عنهم في قارة غريبة يلفها الموت من كل جانب، وأنهم أضحوا يقاتلون من أجل بقاء نظام لا يؤمن بإنسانيتهم، بل يراهم عرقاً أدنى لا يصلح سوى لمهام الحراسة الخلفية.

يواصل بورانداري ليكشف كيف تحول الفيلق الهندي من أداة دعائية براقة إلى عبء حقيقي ومصدر قلق للقيادة العسكرية الألمانية. ومع تزايد غارات الحلفاء الجوية واقتراب شبح الغزو الأوروبي، نُقل المجندون الهنود إلى جنوب فرنسا لحراسة التحصينات الساحلية، وهناك وقعت صدامات فكرية ونفسية حادة بين الجنود وبيئتهم الجديدة؛ إذ لم يكن لديهم أي دافع عقائدي أو قومي للدفاع عن الشواطئ الفرنسية ضد الجيوش الأمريكية والبريطانية. ويكتب الكاتب في عن الكتاب تقارير سرية صادرة عن المخابرات العسكرية الألمانية (الأبفير) تعبر عن الشك التام في ولاء هؤلاء الجنود، وتصفهم بأنهم غير مستعدين للتضحية بحياتهم من أجل الفوهرر، بل إن بعضهم بدأ يخطط للفرار أو للتواصل السرّي مع حركات المقاومة الفرنسية (الماكي) التي كانت تنشط في الغابات والأرياف، مما يعكس النهاية البائسة لمشروع عسكري بني على أساس واهن من التحالف الأيديولوجي المزيف والمصلحة التكتيكية الضيقة.

في هذه الأثناء، كان بوز ينسق سراً لعملية هروب لوجستية معقدة تعد واحدة من أغرب قصص الحرب العالمية الثانية، وهي الرحلة التي يستعرضها بورانداري بكثير من التشويق السينمائي والتوثيق التاريخي المحكم. ونظراً لأن الأجواء الأوروبية والبحار كانت تحت السيطرة شبه الكاملة للحلفاء، فإن الطريق الوحيد لإنقاذ بوز ونقله إلى اليابان كان عبر أعماق المحيطات. يروي الكتاب تفاصيل التنسيق الدبلوماسي والعسكري المعقد بين برلين وطوكيو لترتيب رحلة غواصة ألمانية من طراز خاص تلتقي في نقطة محددة من المحيط الهندي بغواصة يابانية، حيث نُقل بوز ومساعده الهندي في عرض البحر من غواصة إلى أخرى في رحلة استمرت عدة أشهر واجهوا فيها خطر الموت غرقاً في كل لحظة، وهي رحلة يرى فيها بورانداري تجسيداً مأساوياً لرجل كان مستعداً للتحالف مع قاع الجحيم للاستقواء به ضد الاستعمار البريطاني.

يكشف المؤلف من خلال الوثائق الدبلوماسية المتبادلة في تلك الفترة، أن هتلر ووزير خارجيته ريبنتروب تنفسا الصعداء بمغادرة بوز لألمانيا؛ إذ أصبحت القضية الهندية تمثل صداعاً سياسياً وإحراجاً مستمراً للنظام النازي الذي كان لا يزال يحمل، رغم كل شيء، أملاً خفياً ومجنوناً في التوصل إلى تسوية سلمية مع بريطانيا تحافظ على وجود الإمبراطورية مقابل إطلاق يد ألمانيا في القارة الأوروبية. لقد كانت مغادرة بوز بمثابة إسدال الستار رسمياً على أي طموح سياسي جاد للهند في برلين، وتحول ما تبقى من الفيلق الهندي إلى مأساة حية؛ إذ مع تقدم قوات الحلفاء وتحرير فرنسا، جرى سحب هؤلاء الجنود الهنود المعزولين نحو الداخل الألماني، ليجدوا أنفسهم وسط معارك تدميرية مرعبة دمرت العاصمة برلين، وانتهى الأمر بغالبيتهم إما بالقتل في شوارع غارقة بالدماء والأنقاض، أو بالوقوع في الأسر في أيدي القوات البريطانية التي عاملتهم كخونة ومتمردين يستحقون المحاكمة العسكرية السريعة والشنق.

يحلل بورانداري مشيراً إلى أن قصة الفيلق الهندي الحر في ألمانيا تمثل درساً بليغاً وقاسياً في تاريخ الحركات التحررية؛ حيث يثبت السقوط المروع لهذا المشروع أن الغايات النبيلة لا يمكن بحال من الأحوال أن تبرر الوسائل الفاسدة، وأن التحالف مع الأنظمة الشمولية والفاشية التي تقوم عقيدتها الأساسية على احتقار الإنسان وتصنيف البشر على أسس عرقية وبيولوجية لا يمكن أن ينتج حرية أو استقلالاً حقيقياً. ويضعنا بورانداري في نهاية هذه الدفعة الرابعة أمام الصورة القاتمة لبرلين وهي تحترق، كاشفاً أن كراهية هتلر للهند وشعبها لم تكن مجرد موقف شخصي عابر، بل كانت قانوناً أيديولوجياً ثابتاً حكم كل تحركاته وسياسته، مما جعل كل تضحيات الهنود الذين صدقوا الدعاية النازية تذهب أدراج الرياح وتتحول إلى مجرد هوامش منسية ومأساوية في سجلات الحرب الكبرى.

ينتقل بورانداري في خاتمة دراسته ليقدم قراءة نقدية لطريقة تعامل الذاكرة الجمعية الهندية مع شخصية سوبهاش تشاندرا بوز؛ فبينما يظل بوز بطلاً قومياً في نظر الكثيرين بفضل شجاعته وتضحيته المطلقة من أجل استقلال الهند، فإن الكتاب يطالب بإعادة تقييم حذر وموضوعي لخياراته السياسية والعسكرية. لا يسعى المؤلف إلى تخوين بوز أو الحط من وطنيته، بل يسعى إلى تعرية المأساة التي يقع فيها القائد عندما يفصل بين السياسة والأخلاق، وعندما يعميه العداء للمستعمر الحالي عن رؤية الخطر الأكبر والأسوأ الذي يهدد البشرية برمتها. إنها مرثية سياسية لرجل طارد السراب في برلين وطوكيو، وانتهى به المطاف غريقاً في بحار الأوهام الجيوسياسية، تاركاً وراءه آلاف الجنود الهنود الذين دفعوا ثمن هذا الوهم من دمائهم وحريتهم في قارة أوروبية غريبة كانت تحترق تحت وطأة الهوس الهتلري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى