خطة «الفاو» لإنقاذ الريف السوداني من مقصلة الجوع والحروب

سيميولوجيا الأرض المحروقة وجغرافيا الجوع المنسي في السودان
تأتي وثيقة “خطة الطوارئ والصمود في السودان 2026-2028″، الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في روما عام 2026، لتشكل أكثر من مجرد تقرير إغاثي أو استراتيجية مؤسسية عابرة، إنها تقف كشاهد وثائقي بليغ، وكمقترح جراحي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في بلد يمر بواحدة من أعقد وأقسى الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث. منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل من عام 2023، تحول السودان تدريجياً، وبفعل وتيرة العنف المتصاعدة، إلى المسرح الأكبر عالمياً لأزمات النزوح القسري، والتشرد الداخلي، والجوع الحاد. إن القراءة المتعمقة في هذه الخطة، الممتدة على مدار ثلاثة أعوام، تكشف عن تشريح دقيق لبنية المجتمع الريفي السوداني الذي أُنهك تماماً بفعل الحروب، وضغوط التغير المناخي، والانهيار الاقتصادي المتسارع. لا تكتفي الوثيقة برصد الأرقام الصادمة، بل تحاول بناء جسر مفاهيمي وعملي يربط بين التدخل الإغاثي العاجل وبين بناء القدرة على الصمود مستقبلاً، محاولةً انتشال ثلثي السكان الذين يعتمدون على القطاع الزراعي والرعوي من وهدة الاعتماد المطلق على المساعدات الخارجية إلى آفاق الإنتاج المستدام.
يبدأ التقرير من قاع الأزمة الإنسانية، حيث يشير في مخرجاته ومقدماته التحليلية إلى أن التدهور السريع للأوضاع الأمنية جعل من السودان بؤرة الجوع الأشد تفجراً في شرق إفريقيا، بل وفي تاريخ التصنيفات الدولية للأمن الغذائي. ومع حلول الربع الأخير من عام 2025، دخلت مناطق سودانية بعينها مثل مدينة الفاشر في شمال دارفور ومدينة كادوقلي المحاصرة في جنوب كردفان طور المجاعة الكاملة، وهي المرحلة الخامسة والأشد فتكاً وفقاً للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي. ويمتد هذا البؤس السردي ليشمل بلدات أخرى مثل الدلنج التي تعاني ظروفاً مماثلة، لكن غياب البيانات الدقيقة وقسوة الحصار يمنعان المؤسسات الدولية من إدراجها رسمياً، مما يتركها في منطقة رمادية من الموت الصامت. تعكس هذه التفاصيل البنيوية في المقال طبيعة الأزمة السودانية بوصفها أزمة مركبة، لا تقتصر على شح الغذاء بل ترتبط انثقافياً بتدمير المسارات الجغرافية التقليدية التي كانت تضمن تاريخياً توازن الحياة بين المزارعين الحضر والرحل.
عند تأمل لغة الأرقام التي توردها الفاو في وثيقتها الاستراتيجية، تنجلي أمام القارئ ضخامة التحدي الذي يواجه المنظمات الدولية والدولة السودانية على حد سواء؛ ففي سبتمبر من عام 2025، بلغ عدد الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي ما يربو على واحد وعشرين مليوناً ومائتي ألف إنسان، وهو ما يمثل نحو خمسة وأربعين بالمائة من إجمالي السكان الكلي. ومن بين هذه الكتلة البشرية الهائلة، يعيش مئات الآلاف في حالة الكارثة المطلقة، بينما يرزح أكثر من ستة ملايين شخص تحت وطأة مرحلة الطوارئ الحرجة. وعلى الرغم من أن التقرير يتوقع تراجعاً طفيفاً في هذه الأعداد الإجمالية خلال فترات الحصاد اللاحقة لتصل إلى حوالي تسعة عشر مليوناً ومائتي ألف شخص، إلا أن هذا التحسن يظل هشا ومخادعاً. فالتحسن لا يشمل المناطق الأكثر تضرراً مثل شمال دارفور وجبال النوبة الغربية، حيث تلتهم نيران المعارك محاصيل المزارعين قبل نضجها، وتحول دون استفادة السكان المحليين من خيرات أرضهم.
التقرير يعامل القطاع الزراعي باعتباره العمود الفقري والقلب النابض للاقتصاد السوداني، ولكنه يراه في الوقت نفسه قلباً ينزف. فالزراعة في السودان، بشقيها النباتي والحيواني، لا تمثل مجرد نشاط اقتصادي، بل هي أسلوب حياة وثقافة مجتمعية توفر الغذاء لثمانين بالمائة من السكان، وتوظف ما يقارب ثلثي القوى العاملة في البلاد. ومن هنا، تنطلق فلسفة التدخل لدى منظمة الفاو من مبدأ جوهري مفاده أن إحياء الإنتاج الزراعي المحلي هو المدخل الوحيد الحقيقي والعملي لتحقيق الاستقرار طويل الأجل وتقليل الكلفة الباهظة للعمليات الإنسانية المستمرة. إن الاستثمار الذكي والموجه نحو الأنظمة الغذائية والزراعية المرنة والمقاومة للتغيرات المناخية يمثل، حسب الوثيقة، الفارق بين بقاء ملايين الأسر على قيد الحياة أو انزلاقهم نحو فوضى النزوح والتشرد والفقر الدائم.
تتأسس خطة الطوارئ والصمود على إطار عمل محكم مدفوع بالنتائج والمخرجات القابلة للقياس، حيث تدور الرؤية الاستراتيجية حول ثلاثة محاور أساسية ومتشابكة يكمل بعضها بعضاً. يتمثل المحور الأول في توليد بيانات وأدلة موثوقة وفي الوقت المناسب حول حالة الأمن الغذائي والزراعة، لتمكين صانعي القرار والشركاء الدوليين من صياغة برامج تدخّلية مستندة إلى واقع الأرض الحقيقي. أما المحور الثاني فيركز على حماية سبل العيش الريفية بشكل مباشر وسريع، لزيادة فرص الحصول على الغذاء وتحسين المستويات التغذوية للأسر الضعيفة، لاسيما تلك التي ترأسها النساء أو الأطفال والتي تحملت العبء الأكبر من ويلات التهجير والنزاع. وفي المحور الثالث والأخير، تتجه الجهود نحو تقليل المخاطر ونقاط الضعف البنيوية على مستوى الأسر والمجتمعات المحلية، من أجل خلق نسيج اجتماعي واقتصادي قادر على امتصاص الصدمات المستقبلية دون الانهيار الكامل.
إن الموازنة المالية التي رصدتها الفاو لتنفيذ هذه الخطة الطموحة تعكس وعياً حاداً بحجم الكارثة وتوزعها الزمني، حيث تبلغ الاحتياجات التمويلية الإجمالية للأعوام الثلاثة ما قيمته مائتان وثلاثون مليوناً وخمسمائة ألف دولار أمريكي. ويتضح من التقسيم المالي أن العام الأول، وهو عام 2026، يستأثر بحصة الأسد من التمويل المطلوب بواقع مائة وأربعة وستين مليوناً وثلاثمائة ألف دولار، وذلك لمواجهة الاحتياجات الطارئة والملحة للزراعة في ظل استعار النزاع. بينما تم تخصيص ثلاثة وثلاثين مليوناً ومائة ألف دولار لكل من عامي 2027 و2028 بشكل مرن وقابل للتحديث الدوري. وتهدف هذه الميزانية مجتمعة إلى استهداف أكثر من مليونين وأربعمائة وخمسة وستين ألف أسرة سودانية ريفية، تشمل صغار المزارعين، والرعاة، والنازحين داخلياً، والعائدين الذين يحاولون ترميم حيواتهم الممزقة وسط حقول الألغام وخراب البنية التحتية.
مراجعة هذه الوثيقة تدفعنا إلى إدراك الدور الفريد الذي تلعبه المنظمات الدولية في بيئات النزاع المعقدة، حيث لا يقتصر دور الفاو على توزيع البذور أو توفير اللقاحات الحيوانية، بل يمتد ليشمل تقديم الدعم المؤسسي الاستشاري وبناء القدرات المحلية. لقد حرصت المنظمة، عبر تاريخ عملها الطويل في السودان، على مد جسور التعاون مع وزارات الزراعة والأمن الغذائي، والثروة الحيوانية والسمكية، والموارد الطبيعية والبيئة، سواء على المستوى الاتحادي أو الولائي. وفي ظل الوضع الراهن المتميز بضعف أو غياب الهياكل الحكومية المركزية في بعض المناطق، يكتسب هذا الدور الاستشاري أهمية مضاعفة من خلال تفعيل المبادرات المحلية وإدماج مفاهيم الوقاية والتخفيف والاستعداد ضمن برامج الاستجابة والتعافي، ممهداً الطريق للانتقال التدريجي من الإغاثة الإنسانية الصرفة إلى التنمية المستدامة ضمن أبعاد جيل جديد من السياسات الدولية المرتبطة بالمركب المعرفي والعملي للإدارة الشاملة لمخاطر الكوارث .
تشريح الاقتصاد الريفي وانهيار المنظومة الإنتاجية تحت نيران الحرب
يقودنا التمعن في صفحات “خطة الطوارئ والصمود في السودان 2026-2028” إلى مربع محوري يتعلق بالاقتصاد الريفي السوداني، الذي تعرض لعملية تجريف ممنهجة فرضتها ظروف المعارك العسكرية وحالات النزوح الجماعي واسع النطاق. يتميز السودان جغرافياً بمساحة شاسعة تجعله ثالث أكبر دول القارة الإفريقية من حيث الرقعة الجغرافية، حيث يمتد على مساحة تقارب المليون وثمانمائة وسبعين ألف كيلومتر مربع، تتوزع إدارياً على ثماني عشرة ولاية تعيش النسبة الأكبر من سكانها، والتي تقدر بنحو خمسة وستين بالمائة، في المناطق الريفية النائية. ومنذ الاستقلال في عام 1956، عانى هذا البلد العريق من دورات متعاقبة من عدم الاستقرار السياسي والنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية المتواترة، مما كرس حالة الطوارئ الإنسانية المزمنة وأعاق مسار التنمية المستدامة والشاملة . جاء الانقلاب العسكري في أكتوبر من عام 2021 ليزيح مرحلة انتقالية هشة لتقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين، فاتحاً الباب لاندلاع شرارة الحرب الشاملة في أبريل من عام 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهي الحرب التي تسببت في انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان وانهيار تام للخدمات الأساسية، فضلاً عن تشريد أكثر من أحد عشر مليوناً وتسعمائة ألف شخص، من بينهم أكثر من سبعة ملايين وأربعمائة ألف نازح داخلي، بينما فر ما يزيد على أربعة ملايين إنسان صوب دول الجوار، لينتج عن ذلك أضخم أزمة نزوح شهدها كوكب الأرض في العصر الحديث.
ينتقل التقرير بعد ذلك لقطاع إنتاج المحاصيل الزراعية، موضحاً أن التنوع الإيكولوجي والمناخي الكبير في السودان يدعم زراعة مروحة واسعة من المحاصيل الغذائية والنقدية التي تشمل الذرة الرفيعة، والدخن، والقمح، والذرة الشامية، والأرز، فضلاً عن البذور الزيتية كالسمسم والفول السوداني وعباد الشمس، وصولاً إلى القطن وقصب السكر والمحاصيل البستانية المتنوعة كالبصل والطماطم والمانجو والموالح. ورغم هذه الإمكانات والمؤهلات الزراعية الهائلة والواعدة، فإن المساحة التي يتم استغلالها وبذرها سنوياً لا تتجاوز ستة وعشرين مليون هكتار فقط من أصل ثلاثة وسبعين مليوناً ونصف المليون هكتار من الأراضي الصالحة تماماً للزراعة والري. وتتوزع العمليات الإنتاجية عبر ثلاثة نظم رئيسية هي الزراعة المروية، والزراعة المطرية شبه المميكنة، والزراعة المطرية التقليدية التي تهيمن بوضوح على أقاليم دارفور الكبرى وكردفان الكبرى. وتشكل الزراعة المطرية عصب الأمن الغذائي القومي لكونها تستحوذ على نحو خمسة وتسعين بالمائة من إجمالي المساحات المزروعة سنوياً، وتتحكم بشكل مطلق في حجم المعروض الغذائي للبلاد. غير أن الاضطرابات الأمنية الراهنة وتفكك الروابط التجارية وانهيار الأسواق وتشريد المزارعين قد ألحق دماراً غير مسبوق بهذه النظم الإنتاجية، يضاف إلى ذلك انخفاض عام في معدلات الإنتاجية للمساحات المزروعة نتيجة تدهور التربة وشح الآليات والمعدات الزراعية الحديثة وصعوبة الحصول على الائتمان ورأس المال العامل، ناهيك عن الاعتماد على أصناف بذور رديئة وضعيفة الإنتاجية وغياب الأسمدة والمبيدات الكيماوية والوقوع في شرك الممارسات الزراعية التقليدية الضعيفة التي تعجز عن مكافحة الآفات والحشائش الضارة
تتجلى الفجوة الغذائية الكارثية عند النظر إلى البيانات الرسمية الصادرة عن بعثة الفاو لتقييم المحاصيل والإمدادات الغذائية لعام 2023، إذ تشير التقديرات إلى أن الإنتاج القومي من الحبوب انخفض إلى نحو أربعة ملايين ومائة ألف طن، مسجلاً تراجعاً حاداً بلغت نسبته ستة وأربعين بالمائة مقارنة بالعام السابق، وواحداً وأربعين بالمائة مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية. ومع أن الإنتاج شهد حالة من التعافي النسبي خلال عام 2024 بفضل الهطول الجيد والمبشر للأمطار ليصل إلى حوالي ستة ملايين وسبعمائة ألف طن، إلا أن الفاو تحذر من أن هذه المكاسب تظل هشة للغاية وتحت رحمة تقلبات الأسعار والتضخم الجامح وصعوبة الوصول إلى الأسواق والإمدادات، مما يجعل البلاد في حالة ارتهان دائم وشديد للاستيراد الخارجي، لاسيما وأن السودان يستورد سنوياً أكثر من مليونين وسبعمائة ألف طن من الحبوب، وعلى رأسها القمح، لتغطية العجز المزمن في سلة الغذاء الوطنية.
لا يقل مشهد الثروة الحيوانية قتامة عن قطاع المحاصيل، فالبلاد تمتلك تاريخياً تجمعاً ضخماً من المجتمعات الرعوية التي تستفيد من اتساع المراعي الطبيعية الصالحة لتربية الماشية. وقبل اندلاع الحرب الحالية، كان قطاع الرعي يسهم بنحو نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وبلغت أعداد الماشية في عام 2022 زهاء مائة وأحد عشر مليون رأس تشمل الإبل والأبقار والأغنام والماعز، والتي تعتمد كلياً على المراعي الطبيعية والحفائر المائية والأودية الموسمية والآبار للحصول على الكلأ والماء. وتتوزع نظم الإنتاج الحيواني بين الإنتاج المكثف للألبان والدواجن في الحواضر والمناطق شبه الحضرية، والنمط الرعوي الزراعي التقليدي المطري الذي تعتمد عليه الأسر الصغيرة لتربية الماعز والدواجن المحلية في مختلف الولايات، والنمط الرعوي البدوي الترحالي للأبقار والإبل الذي ينتشر في أقاليم السودان الغربية والشرقية والوسطى (p. 5). وقد أدى النزاع إلى قطع ممرات الترحيل التقليدية للماشية، مما ترتب عليه تكدس أعداد هائلة من الحيوانات في بؤر جغرافية محددة بدارفور وكردفان، مسبباً انهياراً حاداً في أسعارها المحلية واشتعال النزاعات الدموية بين الرعاة والمزارعين المقيمين حول الموارد الشحيحة، فضلاً عن تزايد مخاطر تفشي الأمراض الحيوانية العابرة للحدود. وفي المقابل، أدى هذا العزل الجغرافي إلى ندرة شديدة في اللحوم ومنتجات الألبان بالولايات ذات الكثافة السكانية العالية، مما قفز بأسعارها إلى مستويات فلكية وحرم ملايين المستهلكين من مصادر البروتين الحيواني الأساسية.
أما قطاع مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، فيمثل هو الآخر رافداً حيوياً لسبل العيش، حيث يعتمد على المسطحات المائية الداخلية كمجرى نهر النيل وروافده والسهول الفيضية الموسمية وأربعة خزانات مائية رئيسية، إلى جانب المياه الإقليمية للسودان في البحر الأحمر. ورغم هذا التنوع المائي، فإن نشاط استزراع الأسماك يظل محدوداً للغاية ومحصوراً في ولاية الخرطوم وبعض المدن الكبرى وبعض المجاري المائية الموسمية كمنطقة الرهد في شمال كردفان. وتوجه جل الأنشطة السمكية لدعم الاستهلاك الأسري وتوليد الدخل المحدود للأسر الريفية المحاذية للضفاف. تواجه الأسماك معضلات بنيوية تتمثل في الفاقد الكبير ما بعد الحصاد بسبب ضعف الروابط والاتصالات بين مناطق الصيد وأسواق الاستهلاك الرئيسية، وتخلف سلاسل القيمة المضافة لمنتجات الأسماك، ونقص القدرات الفنية وغياب البيانات الإحصائية اللازمة لإدارة هذا القطاع إدارة مستدامة. وقد جاءت الحرب لتوجه ضربة قوية للصيادين، إذ تسببت المخاوف الأمنية في شل حركة الصيد بقطاعات واسعة من النيل الأزرق والنيل الأبيض ومنطقة الخرطوم، وأُجبر الصيادون على ترك ضفاف الأنهار وهجر قواربهم وشباكهم، مما أفقد القرى النيلية مصدراً غذائياً وتجارياً لا يعوض، وفاقم من حدة الجوع وسوء التغذية في تلك المجتمعات .
محركات الانهيار الشامل، جحيم التغذية المنسي، وهندسة التغيير البنيوي
يتكشف للمحلل أن السودان لا يمر بأزمة غذائية عابرة، بل يمثل اليوم الأزمة الغذائية الأكبر والأشد حدة في منطقة شرق إفريقيا بأسرها، وهو واقع مأساوي يتأكد بحقيقة ظهور السودان في كل طبعة من طبعات التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية منذ عام 2016. إن هذا الحضور المزمن للبلاد ضمن القوائم العشر الأولى للأزمات الغذائية الأشد عالمياً يوضح بجلاء الطابع الهيكلي والممتد للمأساة السودانية، حيث تضاعف عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي بمقدار خمس مرات تقريباً بين عامي 2016 و2024، ليرتفع الرقم من نحو أربعة ملايين وأربعمائة ألف شخص إلى مستوى مرعب طال أكثر من خمسة وعشرين مليوناً وستمائة ألف إنسان، وهو ما كان يشكل أكثر من نصف سكان البلاد قبل الدخول في الربع الأخير من عام 2025 والبدايات الراهنة لعام 2026. وتشير التحليلات المعمّقة للفاو إلى وجود ثلاث وثلاثين محلية سودانية على الأقل ظلت تصنّف في مستويات الأزمة أو ما هو أسوأ لخمس سنوات متتالية منذ عام 2016، بل إن بعض المحليات مثل الجنينة والبرام في ولايتي غرب دارفور وجنو ب كردفان ترزح تحت تصنيف الطوارئ الحرج منذ ذلك التاريخ، وهو التصنيف الذي يعد بمثابة إنذار أخير قبل السقوط الكامل في هاوية المجاعة الجماعية.
إن تتبع المحركات الأساسية لهذه الكارثة الإنسانية يظهر بوضوح أن الصراع المسلح وانعدام الأمن يمثلان الديناميكية الأشد تدميراً، إذ تسببا في شل الحركة الزراعية، وبث الذعر وسط المنتجين، وحظر وصول المساعدات الإنسانية إلى بؤر النزاع النشطة. ولم تقتصر آثار الحرب على الجانب الأمني فحسب، بل امتدت لتخنق شرايين الاقتصاد الوطني، مما أدى إلى قفز أسعار السلع الغذائية الأساسية بمقدار ستة إلى سبعة أضعاف بحلول أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025 مقارنة بمستويات ما قبل الحرب في مارس من عام 2023. وتعود هذه الارتفاعات الفلكية إلى التصاعد الرهيب في أسعار الوقود وتدمير خطوط التجارة الداخلية، مما ضاعف كلفة الإنتاج والنقل بصورة تفوق القدرة الشرائية للمواطن العادي. وتتفاقم هذه المعضلة بفعل القيود الصارمة المفروضة على وصول المساعدات في مناطق العمليات العسكرية النشطة، مثل مخيم زمزم للاجئين، مما يجعل إيصال الدعم المنقذ للحياة بمثابة مهمة شبه مستحيلة في الأماكن التي تشتد فيها الحاجة إليه.
إلى جانب جحيم الحرب، برزت المتغيرات المناخية المتطرفة كمحرك إضافي للكارثة، حيث تسببت الأمطار الغزيرة والفيضانات العارمة خلال مواسم الهطول الأخيرة في إلحاق الضرر بنحو نصف مليون شخص، وجرفت في طريقها آلاف المزارع والمحاصيل القائمة. وتحذر الوثيقة من أن مخاطر الفيضانات والتقلبات الموسمية تظل قادرة باستمرار على تقويض مواسم الحصاد، وهو سيناريو تكرر سابقاً عندما تضافرت موجات الجفاف والنزاع لتؤدي إلى فشل كامل للمواسم الزراعية، مما دفع بالملايين إلى مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. هذه اللوحة القاتمة تكتمل بملف سوء التغذية الذي يضع السودان في مقدمة الأزمات التغذوية الأشد قسوة على مستوى العالم، حيث تشير التقديرات الرسمية لعام 2024 والسنوات اللاحقة إلى أن عبء سوء التغذية الحاد يطال ما يقرب من ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف طن من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وتسعة وخمسين شهراً، من بينهم مئات الآلاف يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، بالإضافة إلى أكثر من مليون ومائتي ألف امرأة من الحوامل والمرضعات. وقد بلغت معدلات سوء التغذية مستويات جنونية وصلت إلى أربعة وأربعين بالمائة بين النساء في شمال دارفور وجنوب وغرب كردفان، في حين تجاوزت ثلاث مناطق عتبة الثلاثين بالمائة المحددة للمرحلة الخامسة والأشد خطورة في تصنيفات سوء التغذية الحاد.
أمام هذا المشهد البائس والمعقد، تبرز خطة الطوارئ والصمود لتؤكد أن مواجهة هذه الدوافع البنيوية للجوع يتطلب تجاوز منطق الإغاثة التقليدية المؤقتة نحو صياغة تلاحم حقيقي بين الاستجابة الطارئة واستراتيجيات التنمية والصمود طويل الأجل. ومن هنا، تصوغ منظمة الفاو في وثيقتها “cd8123en.pdf” نظرية تغيير متكاملة ومحكمة ومصممة خصيصاً للمشهد السوداني، وهي هندسة ستراتيجية تحاول الربط السببي بين المشكلات وجذورها والحلول المقترحة والنتائج المتوقعة. تنطلق نظرية التغيير هذه من تشخيص دقيق للمشكلة البنيوية، المتمثلة في أن النزوح القسري الذي طال ملايين البشر، بالتزامن مع الحرمان الممنهج من الوصول إلى الأراضي والمدخلات الزراعية والأسواق، وفي ظل التغيرات المناخية العنيفة، قد أدى إلى انهيار المنظومة الإنتاجية الريفية. وتحدد الوثيقة الجذور العميقة للأزمة في ثالوث النزاع، والاضطراب المؤسسي، وانهيار الخدمات العامة، جنباً إلى جنب مع التطرف المناخي.
تبني الفاو استجابتها عبر ثلاثة مسارات تدخّلية متوازية تعبر عن المكونات الأساسية للخطة. يتجسد المسار الأول في قطاع الأدلة والبيانات، حيث تسعى المنظمة إلى جمع وإدارة البيانات المتعلقة بالمخاطر والأمن الغذائي والزراعة، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر ذكية ومتعددة المخاطر، والحرص التام على التقاط وتطبيق الدروس المستفادة لتطوير البرامج الإغاثية. ويقود هذا المسار مباشرة إلى النتيجة الأولى للخطة، وهي إنتاج وتوفير أدلة وبيانات موثوقة وعالية الجودة وفي الوقت المناسب لترشيد عمليات صنع القرار البرامجي للفاو ولشركائها الدوليين والمحليين. أما المسار الثاني فيتمثل في قطاع الطوارئ، وهو المكون الستراتيجي الأكبر الذي يهدف إلى تزويد الأسر الريفية بمدخلات زراعية عالية الجودة لزيادة الإنتاج الغذائي المحلي، وتوفير مساعدات نقدية وقسائم مشروطة وغير مشروطة لتمكين الأسر من تلبية احتياجاتها الأساسية والوصول إلى الخدمات الحيوية، فضلاً عن تقديم دعم مباشر لقطاع الثروة الحيوانية من خلال الرعاية البيطرية الطارئة وحملات التطعيم الشاملة، وحماية سلاسل التوريد الحيوية ومسارات التجارة العابرة للحدود للحد من اختلال الأسواق. وتفضي هذه التدخلات الطارئة إلى النتيجة الثانية المتمثلة في حماية سبل العيش الريفية، والتصاعد السريع في فرص الوصول إلى الغذاء، وتحسين المؤشرات التغذوية للأسر الضعيفة.
وفي المسار الثالث والأخير، المخصص لبناء الصمود والاستدامة، تركز الخطة على ترويج الممارسات الزراعية الحساسة للمخاطر والمقاومة للتغيرات المناخية، وربط صغار المنتجين بالأسواق عبر تطوير سلاسل القيمة المضافة، ودعم الإدارة المستدامة للأصول المجتمعية والموارد الطبيعية. كما تولي الخطة أهمية قصوى للحد من النزاعات القائمة على الموارد الطبيعية عبر تفعيل آليات الحوار بين المجتمعات المحلية وضمان التوزيع العادل والمنظم للوصول إلى الأراضي والمياه، مع تعزيز قدرات الحد من مخاطر الكوارث على الصعيدين المحلي والحكومي. ويقود هذا المسار الاستدامي إلى النتيجة الثالثة المتمثلة في خفض مستويات المخاطر ونقاط الضعف البنيوية على مستوى الأسر والمجتمعات. إن الأثر النهائي المستهدف من هندسة نظرية التغيير هذه، كما توضح الوثيقة، هو تحول المزارعين والرعاة الصغار في السودان، لاسيما الأسر التي ترأسها نساء أو أطفال، إلى مجتمعات أكثر أمناً غذائياً وأفضل تغذية، من خلال امتلاك سبل عيش زراعية مرنة وقادرة على امتصاص وصد الصدمات والضغوط المستقبلية دون السقوط مجدداً في حلقة البؤس والارتهان للمساعدات الخارجية العابرة .
هندسة المكونات التشغيلية والتدفقات المالية للإنقاذ الريفي
عند فحص الآليات التنفيذية التي وضعتها منظمة الفاو في وثيقتها الاستراتيجية “خطة الطوارئ والصمود في السودان 2026-2028″، يتضح أن تحويل الأطر النظرية ونظرية التغيير إلى واقع ملموس يعتمد على هيكلية تشغيلية ثلاثية الأبعاد، تم تصميمها لتعمل بالتوازي والتناغم الشديد. يتجسد المكون الأول في بناء منظومة صلبة لإنتاج الأدلة والبيانات الموثوقة حول حالة الأمن الغذائي والقطاع الزراعي في الوقت المناسب، وهي ركيزة أساسية في بيئة نزاع متقلبة تتسم بشح المعلومات الميدانية أو تضاربها. تسعى الفاو من خلال هذا المكون إلى تعزيز قدرات الرصد والتقييم، ليس فقط لتحديد بؤر الجوع الساخنة، بل لتوجيه التدخلات الإنسانية والبرامجية بكفاءة تمنع هدر الموارد المحدودة. أما المكون الثاني، فيمثل الذراع الإغاثية الضاربة للخطة، حيث يركز على حماية سبل العيش الريفية عبر تقديم مساعدات طارئة وفورية تضمن بقاء المنتجين في أراضيهم وقراهم، مما يسهم بشكل مباشر في زيادة المعروض الغذائي المحيط بالمجتمعات الضعيفة. وفي المكون الثالث، تتجاوز الخطة الطابع الاضطراري المؤقت لتغوص في معالجة نقاط الضعف ، مستهدفة تقليل المخاطر المحدقة بالأسر والمجتمعات المحلية، من خلال تعزيز قدرتها الذاتية على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمناخية والبيئية المتواترة.
إن استعراض التفاصيل المالية والتمويلية المخصصة لتنفيذ هذا المخطط الشامل يكشف عن حجم التحدي اللوجستي والميداني؛ فالخطة تتطلب تمويلاً إجمالياً ضخماً يبلغ مائتين وثلاثين مليوناً وخمسمائة ألف دولار أمريكي موزعة على مدى ثلاث سنوات. وتكشف قراءة الميزانية الموجهة لكل مكون عن فجوة مقصودة تمليها طبيعة الكارثة الراهنة، إذ يستأثر المكون الثاني الخاص بحماية سبل العيش والإغاثة الطارئة بحصة الأسد، مخصصاً مائة وثمانية وخمسين مليوناً وثمانمائة ألف دولار أمريكي، وهو ما يعكس رغبة المنظمة الدولية في التركيز الفوري على إنقاذ الأرواح وحقن دماء القطاع الزراعي المنهار. وفي المقابل، تم تخصيص اثنين وخمسين مليوناً ومائة ألف دولار للمكون الثالث المعني ببناء الصمود وتقليل المخاطر البنيوية، بينما نال المكون الأول الخاص بالبيانات والأدلة والإنذار المبكر ميزانية تفصيلية بلغت تسعة ملايين وستمائة ألف دولار أمريكي. ويتضح من التوزيع الزمني للتمويل أن السنة الأولى، وهي سنة 2026، تمثل عنق الزجاجة للخطة بأكملها، حيث تتطلب وحدها مائة وأربعة وستين مليوناً وثلاثمائة ألف دولار، تنخفض في السنتين التاليتين إلى ثلاثة وثلاثين مليوناً ومائة ألف دولار لكل من عامي 2027 و2028، في تقسيم مرن قابل للمراجعة الدورية بناءً على تطورات الوضع الأمني والسياسي في البلاد.
إذا انتقلنا لتفكيك الخطط القطاعية الموجهة لدعم إنتاج المحاصيل الزراعية، فإن الوثيقة تضع استراتيجية واضحة المعالم لتمكين المزارعين الصغار والنازحين داخلياً والعائدين من استعادة دورتهم الإنتاجية. تشمل التدخلات المقترحة توفير حزم متكاملة من بذور المحاصيل الحقلية الأساسية عالية الجودة والمقاومة للجفاف والآفات، مثل الذرة الرفيعة والدخن واللوبيا، والتركيز على الخضروات المغذية للأسر لضمان تنوع السلة الغذائية المنزلية. ولا تكتفي الفاو بتوزيع البذور، بل تدمج معها توفير الأدوات الزراعية اليدوية والميكانيكية الصغيرة، وتقديم الدعم الفني والإرشادي عبر مدارس المزارعين الحقلية التي تم تكييفها لتلائم ظروف الحرب والنزوح الصعبة والحرجة. كما تدعم الخطة إدخال تقنيات حصاد المياه، وتحسين ممارسات ما بعد الحصاد لتقليل الفاقد الكبير في الحبوب، وربط المزارعين بشبكات الأسواق المحلية عبر تفعيل القسائم والنظام النقدي المشروط، مما يحفز التبادل التجاري داخل المجتمعات الريفية ويعيد النبض للاقتصاد المحلي المحتضر.
وفي قطاع الثروة الحيوانية، الذي يمثل شريان الحياة لملايين الرعاة والمجتمعات الرعوية الزراعية، ترسم الخطة مساراً حمائياً وعلاجياً مكثفاً لمواجهة تداعيات الحرب وضغوطها. تضع الفاو على رأس أولوياتها في هذا القطاع تنفيذ حملات تحصين وتلقيح بيطرية طارئة واسعة النطاق لمكافحة الأمراض الحيوانية العابرة للحدود والحد من تفشي الأوبئة التي تهدد القطعان المتكدسة في مناطق النزوح واللجوء الداخلي. وتترافق هذه الحملات الطبية مع توزيع الأعلاف المركزة والمكملات الغذائية المعدنية لإنقاذ الماشية الهزيلة، وتقديم خدمات العلاج البيطري السريع عبر شبكة من شبان وشابات القرى المدربين كعاملين صحيين بيطريين مجتمعيين. كما تتضمن الخطة محوراً استراتيجياً يتعلق بإعادة تأهيل نقاط المياه والمشربات المخصصة للماشية، وتنظيم إدارة المراعي الطبيعية بالتعاون مع الإدارات الأهلية التقليدية لتفادي الصدامات الدموية بين الرعاة والمزارعين المقيمين، مما يسهم في الحفاظ على الأصول الحيوانية الوطنية التي تشكل صمام الأمان الأخير للأسر الريفية في مواجهة المجاعة الشاملة.
يمتد هذا التخطيط القطاعي المحكم ليشمل قطاع مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، حيث تسعى الخطة إلى إحياء هذا المورد الغذائي والبروتيني المهم والمغفول عنه في كثير من الأحيان. تركز التدخلات في هذا الصدد على تزويد الصيادين التقليديين في مناطق النيل الأبيض والنيل الأزرق وولاية البحر الأحمر بالمعدات الأساسية وأدوات الصيد الحديثة والشباك والقوارب الصغيرة لإعادة إطلاق أنشطتهم بسلام وأمان. كما تولي الفاو اهتماماً خاصاً بتحسين سلاسل القيمة المضافة للأسماك من خلال بناء قدرات المجتمعات المحلية، لاسيما مجموعات النساء، في مجالات تصنيع وحفظ وتجفيف الأسماك وتطوير طرق التبريد التقليدية والمبتكرة الصديقة للبيئة (p. 15). ويهدف هذا التوجه التنموي إلى خفض نسب الهدر الكبيرة التي تلي عمليات الصيد، وتحسين جودة المنتج المعروض في الأسواق المحلية، وخلق فرص عمل مدرة للدخل للأسر النازحة التي استقرت بالقرب من المجاري المائية، مما يحول قطاع الأسماك من مجرد نشاط معيشي هامشي إلى رافد حقيقي يدعم مرونة واستدامة المنظومة الغذائية الريفية في أوقات الأزمات الممتدة والحرجة.
إن التحليل المعمق لتوزيع هذه المخصصات المالية والقطاعية يكشف عن رغبة الفاو في خلق نموذج إغاثي يبتعد عن الاتكالية، ويستثمر في القدرات الكامنة للإنسان السوداني وثقافته المرتبطة بالأرض والماشية. فبينما تذهب الأموال لتأمين المدخلات الأساسية، فإن العائد الحقيقي يتمثل في الحفاظ على النسيج الاجتماعي الريفي من التحلل الكامل والوقاية من موجات نزوح جديدة صوب المدن الكبرى المثقلة أصلاً بالخراب والدمار وضيق الموارد البنيوية. إن التوازن الرقمي والنوعي بين برامج المحاصيل والثروة الحيوانية والأسماك يوضح وعي المنظمة بالطبيعة المتداخلة والمتكاملة لسبل العيش في السودان، حيث يزرع المزارع ويملك الراعي الماشية ويصطاد المقيم على النهر الأسماك، في دورة حيوية متكاملة تسعى هذه الخطة لترميمها بكل ما أوتيت من أدوات تمويلية وفنية دولية وإقليمية ومحلية مشتركة.
سيكولوجيا الاستهداف، خرائط النفوذ الجغرافي، وحوكمة الميدان المعقد
تضع الخطة على رأس أولوياتها الأسر الريفية الصغيرة التي يعتمد بقاؤها كلياً على الإنتاج الزراعي والحيواني المعيشي، مع تركيز خاص وعميق على الأسر التي ترأسها نساء أو أطفال أو كبار السن، نظراً لكون هذه المجموعات هي الأقل قدرة على حماية أصولها والأكثر عرضة للاستغلال وسوء التغذية الحاد في ظروف الحروب. ويمتد هذا الاستهداف الإنساني المنظم ليشمل ملايين النازحين داخلياً الذين أُجبروا على ترك ديارهم واستقروا في مجتمعات ريفية مضيفة، مما شكل ضغطاً هائلاً على الموارد الطبيعية والخدمات الشحيحة أصلاً، يضاف إليهم العائدون الذين يحاولون بشتى السبل إعادة بناء حياتهم المحطمة في مناطق استقرت أمنياً بشكل نسبي، فضلاً عن الرعاة الرحل والنساء الريفيات اللواتي يمثلن العمود الفقري غير المرئي لسلاسل القيمة الغذائية التقليدية في القرية السودانية.
إن ترجمة هذه الفلسفة الحمائية إلى واقع ملموس تطلبت رسم خريطة نفوذ جغرافية بالغة التعقيد، تتوزع على كافة ولايات السودان الثماني عشرة بناءً على مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد، وحجم النزوح، وفرص النجاح الميداني للعمليات الإنسانية. وتكشف البيانات الرقمية والتحليلية للخطة عن تركيز استراتيجي مكثف في أقاليم دارفور الكبرى وكردفان الكبرى، حيث تتداخل بؤر النزاع النشطة مع جغرافيا الجوع الأشد فتكاً وظهور المجاعة الكاملة في مناطق مثل الفاشر وكادوقلي. وتتحرك الفاو في هذه البيئات عبر مستويات استجابة مرنة تتراوح بين التدخل الإغاثي الطارئ المطلق في المناطق الساخنة لإنقاذ الأرواح، وبين برامج تعزيز الصمود واستعادة البنية التحتية الزراعية والأسواق في الولايات الأكثر استقراراً نسبياً مثل الولايات الشرقية والشمالية وبعض أجزاء الوسط، مما يخلق توازناً جغرافياً يمنع الانهيار الكلي للمنظومة الإنتاجية في البلاد ويحافظ على قنوات الإمداد الغذائي الداخلي بين الولايات المختلفة .
ومع ذلك، فإن التحرك في مثل هذه الجغرافيا الممزقة عسكرياً يضع المنظمات الدولية أمام تحديات لوجستية وتشغيلية غير مسبوقة، صاغت لها الفاو منظومة حوكمة ميدانية وإدارية صارمة ومتعددة المستويات لضمان الشفافية والمسؤولية تجاه المجتمعات المحلية والمانحين على حد سواء. تتأسس هذه الحوكمة على بناء شراكات استراتيجية وتنفيذية واسعة النطاق تشمل الوكالات الأممية الشقيقة مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة اليونيسف، لضمان التكامل والربط الوثيق بين توزيع الغذاء الطارئ وبين مدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني وبرامج التغذية العلاجية للأطفال والنساء. وتلعب منظمات المجتمع المدني السودانية والمنظمات غير الحكومية الوطنية دوراً محورياً كأذرع تنفيذية أساسية في هذه المنظومة، نظراً لقدرتها العالية على التحرك في المناطق التي يصعب على الموظفين الدوليين الوصول إليها، وفهمها العميق للديناميكيات الاجتماعية والقبلية المحلية، مما يقلل من مخاطر النزاع ويسهل قبول التدخلات الإنسانية من قبل المجتمعات المحلية.
ولحماية سلامة العمليات التمويلية ومنع انحراف المساعدات عن مسارها المحدد، أدخلت الفاو في استراتيجيتها حزمة من تقنيات الحوكمة الرقمية الحديثة لرقابة التدفقات النقدية ومدخلات الإنتاج، والتي تشمل استخدام أنظمة الهوية البيومترية لتسجيل المستفيدين وتوثيق استلامهم للمساعدات والقسائم النقدية بالتعاون مع المؤسسات المصرفية المحلية وشركات الاتصالات ومزودي خدمات الدفع الإلكتروني عبر الهاتف المحمول. وتتكامل هذه الرقابة التكنولوجية مع تفعيل آليات صارمة للمساءلة والشكاوى تتيح للمواطنين العاديين الإبلاغ عن أي تجاوزات أو نقص في توزيع الدعم بكل سرية وأمان عبر خطوط ساخنة ومكاتب مجتمعية مخصصة. كما تفرد الوثيقة مساحة واسعة لتطبيق مبادئ الحماية من الاعتداء والاستغلال الجنسيين، وإدماج اعتبارات النوع الاجتماعي في كافة مراحل التصميم والتنفيذ، لضمان ألا تقتصر الاستجابة على تقديم الغذاء والمدخلات فحسب، بل تسهم بوضوح في تعزيز كرامة المستفيدين وحماية حقوقهم الأساسية وسط أجواء الحرب القاتمة والمضطربة
تمتد حوكمة الميدان لتشمل التعاون المؤسسي والاستشاري مع الهياكل الإدارية المحلية والولائية المتبقية، ووزارات الزراعة والثروة الحيوانية والبيئة في المناطق المستقرة، لتقديم الدعم الفني وبناء القدرات المؤسسية التي تمكن هذه الجهات من قيادة عمليات الاستجابة والتعافي مستقبلاً. إن هذا التوجه الاستشاري يعكس نضجاً استراتيجياً في رؤية الفاو، التي تدرك تماماً أن غياب الدولة أو ضعف هياكلها المركزية لا يعفي العمل الإنساني من واجب الحفاظ على المؤسسات الفنية المحلية وبنائها، لكونها الضامن الوحيد لاستدامة البرامج والانتقال التدريجي والآمن من مربع الإغاثة الطارئة الصرفة إلى رحاب التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة الشاملة، ممهداً الطريق لتطبيق مقاربة جديدة تجمع بين العمل الإنساني والتنمية والسلام لإخراج السودان من نفق الأزمة المزمنة.




