أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

هل ينقذ الذكاء الاصطناعي ما أفسدته السياسة؟

في تفكيك “اليوتوبيا الرقمية” وصناعة الديمقراطية التشاركية

في اللحظة الراهنة من التاريخ البشري، يبدو أن الديمقراطية والليبرالية السياسية تعيشان واحدة من أحلك فتراتهما منذ الحرب العالمية الثانية. تتآكل الثقة في المؤسسات التقليدية، وتتصاعد موجات الشعبوية، ويتحول النقاش العام في الفضاء الرقمي إلى ساحات للمعارك الاستقطابية وتزييف الوعي. وفي المقابل، يندفع الائتلاف التكنولوجي العملاق، بقيادة وادي السيليكون، نحو فرض هيمنة خوارزمية كاملة على مفاصل الحياة اليومية وصنع القرار. في هذا المناخ المشحون بالتشاؤم والتوجس، يأتي كتاب البروفيسورة بيث سيمون نوفيك: “Reboot AI and The Race to Save Democracy” (إعادة تشغيل الذكاء الاصطناعي والسباق لإنقاذ الديمقراطية)، الصادر عن دار نشر جامعة ييل، ليقدم أطروحة مغايرة تماماً، تسبح عكس التيار السائد؛ أطروحة لا ترى في التكنولوجيا عدواً حتمياً للديمقراطية، بل طوق النجاة الأخير لها، بشرط إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والآلة وفق فلسفة جديدة تعيد السلطة إلى المجتمع.

لا تنطلق نوفيك في كتابها من برج عاجي؛ فهي ليست مجرد أكاديمية تنظر للمستقبل، بل هي خبيرة مارست العمل السياسي والتكنولوجي في أعلى مستوياته، حيث شغلت منصب أول مدير لتكنولوجيا المعلومات في البيت الأبيض في عهد الرئيس باراك أوباما، وأشرفت على مبادرة “الحكومة المنفتحة”. هذا المزيج الفريد بين الخبرة السياسية العملية والمعرفة التقنية العميقة يمنح كتابها نكهة خاصة؛ فهو يبتعد عن التفاؤل الساذج لرجال التكنولوجيا، ويتجاوز في الوقت نفسه السوداوية المطلقة لعلماء الاجتماع والسياسة الذين يرون في الذكاء الاصطناعي مسماراً أخيراً في نعش الحرية الإنسانية.

سياق الأزمة: عندما تلتقي الشيخوخة السياسية بالطفرة التقنية

تبدأ المؤلفة كتابها بتشخيص دقيق ومؤلم لحالة “الشيخوخة المؤسسية” التي تعاني منها الديمقراطيات الحديثة. تجادل نوفيك بأن آليات الحكم الحالية—من برلمانات ومجالس نيابية وبيروقراطيات حكومية—صُممت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لتناسب مجتمعات بطيئة الحركة وقليلة العدد ونسبية الأمية. هذه البنية المؤسسية باتت عاجزة تماماً عن مواجهة تعقيدات القرن الحادي والعشرين، حيث المشاكل مركبة وعابرة للحدود، من التغير المناخي والأوبئة إلى الأزمات الاقتصادية الهيكلية.

في المقابل، شهد العقدان الأخيران صعوداً صاروخياً لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، والتي وظفتها الشركات العظمى (مثل جوجل، وميتا، وأمازون) لتعظيم الأرباح، والتحكم في سلوك المستهلكين، وتوجيه الرأي العام من خلال خوارزميات التوصية التي تتغذى على الغضب والاستقطاب. هنا تضعنا نوفيك أمام المعضلة المركزية: لقد سمحنا للذكاء الاصطناعي بأن يُصاغ ويُوجّه لخدمة مصالح رأسمالية احتكارية ضيقة، في حين بقيت المؤسسات العامة التي تحمي الديمقراطية تعمل بأدوات “عصر الورقة والقلم”.

من هنا، تنبثق الأطروحة الأساسية للكتاب: إن السباق لإنقاذ الديمقراطية ليس سباقاً لتنظيم الذكاء الاصطناعي وتقييده أو كبحه فحسب، بل هو سباق لإعادة تشغيله (Rebooting) وتسخيره لخدمة المصلحة العامة. ترى نوفيك أن الذكاء الاصطناعي، إذا ما أُعيد تصميمه ودمجه بشكل صحيح في بنية الحكم، يمكنه أن يضاعف من قدرة المجتمعات على حل المشكلات، ويفتح الباب أمام عهد جديد من “الديمقراطية التشاركية الذكية” التي تتجاوز النيابية التقليدية.

نقد الثنائية الزائفة: ما وراء التفاؤل التكنولوجي والسوداوية السياسية

تخصص نوفيك فصولاً مهمة لتفكيك ما تسميه “الثنائية الزائفة” التي تحكم النقاش العام حول التكنولوجيا والسياسة اليوم. من جهة، هناك “الجمهورية اليوتوبية الرقمية” التي يبشر بها عمالقة التكنولوجيا، والتي تزعم أن ترك الخوارزميات تدير العالم سيؤدي إلى كفاءة مطلقة ونهاية للفساد البشري. وترى المؤلفة أن هذا التفكير ينطوي على خطورة بالغة؛ لأنه يلغي السياسة كمجال للتفاوض القيمي والأخلاقي بين البشر، ويستبدلها بـ “التكنوقراطية الموجهة بالبيانات” التي تعزز التحيزات القائمة وتخفيها وراء ستار من المحايدة الرياضية الزائفة.

ومن جهة أخرى، تقف “الديستوبيا الرقمية” التي يتبناها قطاع واسع من المثقفين والمشرعين، والذين يرون في الذكاء الاصطناعي أداة مراقبة شمولية حتمية، تشبه نموذج “الأخ الأكبر” في رواية جورج أورويل. وترى نوفيك أن هذا الموقف، رغم وجاهة تحذيراته، يؤدي إلى شلل الإرادة السياسية؛ لأنه يتعامل مع التكنولوجيا كقوة ميتافيزيقية مستقلة عن الإرادة البشرية، متناسياً أن الخوارزميات هي في نهاية المطاف انعكاس للبيانات التي نغذيها بها، وللأهداف التي يحددها مصمموها.

بدلاً من هاتين الرؤيتين، تطرح المؤلفة رؤية “الذكاء الاصطناعي التشاركي” أو “الذكاء الجمعي المعزز”. الفكرة هنا ليست استبدال الحاكم البشري بالآلة، ولا عزل الآلة عن السياسة، بل استخدام الذكاء الاصطناعي لتوسيع دائرة المشاركة الشعبية، وتحسين جودة القرارات الحكومية، وجعل الإدارة العامة أكثر استجابة واحتياجاً لآراء المواطنين وخبراتهم.

استعادة السيادة: البيانات كملك عام

أحد الخطوط العريضة التي يرتكز عليها النصف الأول من الكتاب هو مفهوم “السيادة على البيانات”. تجادل نوفيك بقوة بأن البيانات الضخمة التي تدربت عليها نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية هي نتاج إنتاج جمعي للمجتمعات البشرية بأسرها؛ فكل نقرة زر، وكل منشور، وكل بحث على الإنترنت هو جزء من هذه الثروة المشتركة. ومع ذلك، فقد تم “تسييج” هذه المشاعات الرقمية وتحويلها إلى ملكيات خاصة للشركات الاحتكارية.

لإنقاذ الديمقراطية، تدعو المؤلفة إلى “حركة إصلاح رقمي” تهدف إلى استعادة البيانات كملك عام. إن توفير البيانات الضخمة للمؤسسات العامة، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، سيمكنها من تطوير أدوات ذكاء اصطناعي مخصصة لحل مشاكل الصحة العامة، وتحسين التعليم، والتخطيط الحضري، ومكافحة الفقر، بدلاً من استخدامها الحالي لزيادة زمن بقاء المستخدم على الشاشة لعرض المزيد من الإعلانات.

تضرب نوفيك أمثلة حية من بعض الحكومات المحلية والبلديات (مثل برشلونة وتايبيه) التي بدأت بالفعل في تطبيق هذا النموذج، حيث تُستخدم منصات رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لجمع مقترحات المواطنين، وتحليلها، وفرزها لتحديد أولويات الميزانية أو تصميم خطط النقل العام. هذه النماذج الأولية الصغيرة هي، في نظر المؤلفة، بذور الثورة الديمقراطية القادمة.

معمارية “الذكاء الجمعي” وإعادة ابتكار المؤسسة السياسية

تنطلق نوفيك من فكرة فلسفية وسياسية بالغة الأهمية، وهي أن الديمقراطية في جوهرها ليست مجرد آلية للتصويت واختيار الحكام مرة كل بضع سنوات، بل هي نظام معرفي متكامل مصمم لجمع الأفكار، ومعالجة المعلومات، وحل المشكلات العامة. ومن هذا المنطلق، يصبح تراجع كفاءة الديمقراطية ناتجاً مباشراً عن عجز مؤسساتها التقليدية عن استيعاب واستخدام المعارف والخبرات الهائلة الموزعة بين ملايين المواطنين. هنا بالتحديد، يتدخل الذكاء الاصطناعي ليس كبديل عن الإرادة البشرية، بل كجسر تكنولوجي عملاق يربط بين عقول الجماهير ومراكز صنع القرار.

تجادل المؤلفة بأن البيروقراطية الحكومية التقليدية اعتمدت تاريخياً على مفهوم “الخبرة الضيقة المغلقة”؛ حيث يجتمع عدد محدود من المستشارين والخبراء في غرف مغلقة صياغة السياسات العامة، بناءً على تقارير ورقية وبيانات غالباً ما تكون قديمة أو ناقصة. هذا النموذج التكنوقراطي الكلاسيكي لم يعد قادراً على الصمود أمام تعقيدات العصر الراهن، حيث تتداخل الأزمات البيئية والاقتصادية والصحية بطرق لا يمكن لأي لجنة من الخبراء، مهما بلغت عبقريتهم، الإحاطة بها بالكامل. في المقابل، يمتلك المجتمع بمختلف فئاته—من علماء، ومهندسين، وأطباء، وعمال، ومواطنين عاديين يواجهون المشكلات اليومية في أحيائهم—مخزوناً لا ينضب من “الخبرة المحلية والعملية”. المشكلة طوال العقود الماضية لم تكن في غياب هذه الخبرة، بل في استحالة تجميعها، وتنقيحها، والاستفادة منها على نطاق واسع دون الغرق في فوضى إدارية عارمة. وهنا يكمن وجه الابتكار الحقيقي في أطروحة نوفيك؛ إذ ترى أن نماذج معالجة اللغة الطبيعية والذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة اليوم على القيام بهذا الدور التنظيمي الهائل، مما يسمح بالانتقال من “حكمة النخبة” إلى “حكمة المجموع المعززة تقنياً”.

لتوضيح هذه الرؤية بشكل عملي بعيداً عن التجريد النظري، تستعرض نوفيك سلسلة من الحالات الدراسية الملهمة لمدن وحكومات بدأت بالفعل في تجربة هذا التحول الجذري. تأخذنا المؤلفة إلى العاصمة التايوانية تايبيه، والتي تحولت في السنوات الأخيرة إلى مختبر حي لما يُعرف بـ “الديمقراطية الرقمية التشاركية”. هناك، وضعت الحكومة منصات رقمية مدعومة بخوارزميات ذكاء اصطناعي متطورة تحت تصرف المواطنين للمشاركة في صياغة القوانين وتنظيم قطاعات حيوية مثل النقل والاقتصاد الرقمي. عندما واجهت المدينة معضلة تنظيم خدمات النقل التشاركي، لم تلجأ إلى فرض قرارات فوقية، ولم تترك الأمر للشركات الكبرى لتفرض شروطها، بل فتحت نقاشاً عاماً عبر منصة رقمية متطورة. استخدمت المنصة خوارزميات خاصة لتصنيف مقترحات المواطنين وفرزها بناءً على نقاط الإجماع المشتركة بدلاً من تسليط الضوء على نقاط الخلاف والاستقطاب. كانت النتيجة صياغة تشريعات حظيت بقبول مجتمعي واسع لأنها نبعت من نقاش عقلاني موجه بالذكاء الاصطناعي، نجح في تحييد الصراخ الأيديولوجي والتركيز على الحلول العملية.

هذا النموذج، الذي تطلق عليه نوفيك اسم “الحوكمة الموجهة بالذكاء الجمعي”، يغير تماماً طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة. في الديمقراطية التقليدية، ينتهي دور المواطن بمجرد إلقاء ورقة الاقتراع في الصندوق، ليتحول بعدها إلى مستهلك سلبي للخدمات الحكومية أو متفرج غاضب على شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية. أما في نموذج “إعادة التشغيل”، فإن المواطن يصبح شريكاً مستمراً في عملية الحكم، يساهم بخبرته ومعرفته في تحسين مجتمعه. تشرح المؤلفة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كمرشح ذكي يقوم بقراءة آلاف المقترحات والملاحظات التي يرسلها المواطنون حول مشكلة محددة، مثل تطوير شبكة الصرف الصحي أو تحسين جودة التعليم في منطقة ما، ومن ثم يقوم بتلخيص هذه المقترحات، وتصنيفها بحسب قابليتها للتطبيق، وربطها بالبيانات المالية والجغرافية المتاحة للدولة. هذا التكافل بين القدرة التحليلية الخارقة للآلة والوعي القيمي والإنساني للبشر يخلق بيئة سياسية جديدة تماماً، تكون فيها القرارات أكثر كفاءة، وأكثر عدالة، والأهم من ذلك، أكثر شرعية في عيون المجتمع.

ومع ذلك، لا تبدو نوفيك غافلة عن المخاطر الجسيمة والاعتراضات المنطقية التي يمكن أن تواجه مثل هذا الطرح الطموح. تخصص المؤلفة جزءاً كبيراً من هذا المحور لمناقشة مسألة “الفجوة الرقمية” ومعضلة التمثيل العادل. فالقول بأن التكنولوجيا ستقود الديمقراطية قد يعني في السياسة العملية إقصاء الفئات الأكثر تهميشاً وفبراً، والتي لا تمتلك النفاذ إلى التقنيات الحديثة أو لا تحسن استخدامها، مما يؤدي إلى تحويل الديمقراطية التشاركية الجديدة إلى امتياز حصري للنخب الحضرية والمتعلمة رقمياً. تجادل نوفيك بأن هذا التحدي حقيقي ولكنه ليس حتمياً؛ فالذكاء الاصطناعي نفسه، وتحديداً واجهات التفاعل الصوتي المتقدمة القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة، يمكنه اليوم كسر حاجز الأمية الرقمية واللغوية. أصبح بإمكان المواطن البسيط في قرية نائية أن يتحدث إلى النظام الحكومي بلهجته المحلية الحكية، ليشرح مشكلته أو يقدم مقترحه، ويتولى الذكاء الاصطناعي تحويل هذا الخطاب الشفهي إلى بيانات منظمة ونص قانوني مفهوم للمسؤولين. بالتالي، فإن التكنولوجيا، إذا ما صُممت بروح ديمقراطية، يمكنها أن تكون أداة للإدماج الاجتماعي الشامل وليس للإقصاء.

تنتقل بنا بعد ذلك إلى تفكيك مفهوم “البيروقراطية المقاومة للتغيير”. فالمؤسسات السياسية والإدارية بطبيعتها تميل إلى المحافظة وحماية امتيازاتها واحتكارها للمعلومة، وترى في إشراك الجمهور والاعتماد على الخوارزميات المفتوحة تهديداً لسطوتها التقليدية. ترى المؤلفة أن كسر هذه المقاومة يتطلب ثورة ثقافية داخل الإدارة العامة، تبدأ من تدريب جيل جديد من الموظفين الحكوميين على مهارات علم البيانات والحوكمة التشاركية. إن الهدف ليس تحويل رجال السياسة إلى مبرمجين، بل خلق لغة مشتركة تسمح للمسؤول السياسي بفهم كيفية عمل الخوارزمية، ومعرفة الأسئلة الصحيحة التي يجب طرحها على البيانات، والقدرة على رصد الانحيازات وتصحيحها. إن “إعادة تشغيل الذكاء الاصطناعي” في نظر نوفيك هي في جوهرها عملية إعادة تشغيل للعقل البيروقراطي، ونقلة نوعية من ثقافة السيطرة والأسرار إلى ثقافة الانفتاح والتعلم المستمر من المجتمع. وفي نهاية هذا الفصل، نجد أنفسنا أمام رؤية متماسكة تجعل من التكنولوجيا شريكاً في التحرر، ومحركاً لتجديد شرعية الدولة الوطنية المعاصرة عبر إعادتها إلى جذورها الأولى: سلطة الشعب، وبأيدي الشعب، ولكن هذه المرة، بدعم من أذكى ما أنتجه العقل البشري من آلات.

تفكيك “الصندوق الأسود” وحرب الانحياز الخوارزمي

بعد أن شيدت بيث سيمون نوفيك في الفصول السابقة معالم يوتوبياها الواقعية القائمة على معمارية الذكاء الجمعي المعزز، تلتفت في هذا الجزء من كتابها نحو الجانب المظلم والأكثر تعقيداً في الطفرة التكنولوجية الراهنة. إنها تقف وجهاً لوجه أمام المعضلة التي تؤرق مضاجع الفلاسفة والمشرعين على حد سواء، والتي تُعرف في الأوساط التقنية بـ “مشكلة الصندوق الأسود” (Black Box). تجادل المؤلفة برصانة  تدقق في التفاصيل بأن الذكاء الاصطناعي، وخاصة نماذج التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية، قد وصل إلى درجة من التعقيد تجعل حتى المبرمجين الذين صمموا هذه الأنظمة عاجزين في كثير من الأحيان عن فهم الكيفية الدقيقة التي توصلت بها الآلة إلى قرار أو استنتاج معين. عندما تتبنى المؤسسات السياسية والحكومية هذه التقنيات لإدارة شؤون المواطنين، فإننا نصبح أمام خطر داهم يتمثل في حوكمة خوارزمية عمياء، تصدر قرارات مصيرية تتعلق بالعدالة، والصحة، والتوظيف، والضمان الاجتماعي، دون أن يمتلك الإنسان القدرة على مساءلتها أو فهم مبرراتها، مما يضرب مبدأ المحاسبة الديمقراطية في مقتل.

تأخذنا نوفيك في رحلة  لضحد الأسطورة الشائعة التي تروج لها شركات التكنولوجيا الكبرى، ومفادها أن الخوارزميات كائنات رياضية محايدة، منزهة عن الهوى البشري والتحيزات السياسية والأيديولوجية. تشرح المؤلفة بلغة مبسطة وعميقة في آن معاً أن الخوارزميات لا تنمو في فراغ، بل هي نتاج عملية تدريب شاقة تعتمد على كميات هائلة من البيانات التاريخية التي أنتجها البشر على مدى عقود. ولأن التاريخ البشري مثقل بالتحيزات العرقية، والطبقية، والجندرية، فإن ما تفعله الآلة في حقيقة الأمر ليس تحقيق العدالة المطلقة، بل أتمتة هذه التحيزات وإعادة إنتاجها على نطاق واسع وبسرعة فائقة، مغلّفة برداء زائف من الحياد العلمي والرياضي. إن البيانات التاريخية، في نظر المؤلفة، هي مرآة لماضينا بكل ما فيه من عيوب، وإذا ما تركنا الذكاء الاصطناعي يتخذ قرارات مستقبلية بناءً على هذه البيانات وحدها، فإننا نحكم على المستقبل بأن يكون مجرد نسخة مكررة ومشوهة من الماضي، مما يجهض أي أمل في التغيير والتقدم الاجتماعي الذي تشكل الديمقراطية أداته الأساسية.

لتجسيد هذا الخطر وتحويله من مجرد هواجس نظرية إلى واقع ملموس، تورد المؤلفة أمثلة حية وصادمة من واقع الأنظمة القضائية والأمنية في بعض الدول المتقدمة. تستعرض نوفيك تجربة استخدام خوارزميات “التنبؤ بالجريمة” وتحديد نسب العود الإجرامي لدى المتهمين قبل محاكمتهم. أظهرت الدراسات المستقلة أن هذه الأنظمة، وبسبب تدربها على بيانات أمنية تاريخية منحازة، كانت تصنف المواطنين من الأقليات العرقية أو الفئات الفقيرة كأفراد عالي الخطورة بنسب تضاعف الواقع، مما دفع القضاة إلى تشديد الأحكام وحرمانهم من السراح المؤقت، في حين كانت الخوارزمية تبدي تسامحاً مفرطاً مع متهمين من فئات اجتماعية أكثر نفوذاً ارتكبوا الجرائم نفسها. هنا، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة للمساعدة في تحقيق العدالة إلى مقصلة تكنولوجية تعمق عدم المساواة وتشرعن التمييز. وترى نوفيك أن خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في خطأ القرار الخوارزمي، بل في “هالة العصمة” التي يضفيها المسؤولون على الآلة، حيث يميل الموظف البشري إلى تصديق شاشة الكمبيوتر دون نقاش، تملصاً من المسؤولية الأخلاقية والسياسية لقراره.

من هذا التشخيص القاتم، لا تستسلم المؤلفة للعدمية التكنولوجية، بل تبدأ في بناء استراتيجيتها العكسية لإعادة التشغيل، من خلال صياغة مفهوم “الخوارزمية القابلة للتفسير والمساءلة”. ترى نوفيك أن مواجهة الانحياز الخوارزمي لا تتم عبر التخلي عن التكنولوجيا والعودة إلى الوراء، بل عبر فرض معايير صارمة وثورية للشفافية وتصميم الأنظمة الرقمية. تدعو المؤلفة إلى تشريع قوانين دولية تلزم الشركات المصنعة والمؤسسات الحكومية بكسر قفل “الصندوق الأسود”، وتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي تمتلك القدرة على تقديم تفسيرات واضحة ومفهومة للبشر حول الكيفية التي اتخذت بها قراراتها. يجب أن يكون من حق كل مواطن تأثر بقرار خوارزمي—سواء حُرم من وظيفة، أو رُفض طلبه للحصول على قرض، أو حُرم من إعانة صحية—أن يحصل على تعليل واجهي تفصيلي يوضح المعايير والبيانات التي استندت إليها الآلة، تماماً كما يحق له الطعن في قرار أي قاضٍ أو مسؤول بشري.

تنتقل بنا الرواية الفكرية للكتاب بعد ذلك إلى طرح حل مبتكر آخر يتجاوز الأطر القانونية التقليدية، وهو ما تسميه نوفيك “المراجعة الشعبية والمدنية للخوارزميات”. تقترح المؤلفة عدم ترك عملية تقييم ومراقبة الذكاء الاصطناعي حصراً في يد الشركات العظمى أو اللجان الحكومية المغلقة، بل فتح هذه العملية للمجتمع بأسره من خلال منصات تمكن العلماء المستقلين، ومنظمات المجتمع المدني، والصحفيين الاستقصائيين من فحص الكود البرمجي واختبار البيانات المستخدمة في تدريب الأنظمة العامة. تشبه المؤلفة هذه العملية بنظام “المصدر المفتوح” في عالم البرمجيات، حيث يتكامل وعي الجماعة لرصد الأخطاء والثغرات وتصحيحها. إن إشراك الجمهور في مراقبة الآلة يحول المجتمع من ضحية محتملة للتكنولوجيا إلى حارس يقظ على سلامتها الديمقراطية. هذا النهج التشاركي في الرقابة يساهم في نزع القداسة عن الخوارزميات، ويعيد التأكيد على أن الآلة مجرد أداة في خدمة الإنسان، وليست سلطة عليا فوق النقد والمحاسبة.

في ختام هذا المحور  تؤكد نوفيك على أن معركة الشفافية ومكافحة الانحياز الخوارزمي هي في جوهرها معركة سياسية وأخلاقية وليست مجرد مشكلة تقنية يمكن حلها ببعض الأسطر البرمجية الإضافية. إنها تتعلق بالقيم التي نريد صياغة مستقبلنا بناءً عليها؛ هل نريد عالمًا تحكمه الكفاءة الباردة والمؤتمتة التي تعزز الفوارق وتحمي الوضع القائم، أم نريد عالماً يطوع التكنولوجيا لخدمة العدالة الاجتماعية وتوسيع آفاق الحرية؟ إن “إعادة تشغيل الذكاء الاصطناعي” تعني أولاً وقبل كل شيء تسليح المجتمعات الديمقراطية بالوعي والمعرفة والأدوات القانونية التي تمكنها من إخضاع الآلة للقيم الإنسانية النبيلة، وضمان أن يظل العقل البشري، بضميره وأخلاقه وتعاطفه، هو المرجعية الأخيرة والوحيدة في إدارة شؤون الحياة الإنسانية، ليبقى السباق لإنقاذ الديمقراطية سباقاً نحو الأمل والعدالة والكرامة المشتركة.

الدستور الرقمي الجديد وتفكيك الإقطاعيات الخوارزمية الكبرى

بعد أن خاضت بيث سيمون نوفيك في مراجعتنا السابقة غمار المعركة الفكرية والتقنية لتفكيك “الصندوق الأسود” ومواجهة الانحيازات الخوارزمية، تنقلنا في هذا الجزء من كتابها “Reboot AI” إلى ساحة المعركة الحقيقية والأكثر شراسة؛ ساحة السياسة الدولية والتشريعات العالمية. ترى المؤلفة بنظرتها الثاقبة كمسؤولة سابقة في البيت الأبيض أن كل الأفكار الطموحة حول الديمقراطية التشاركية والذكاء الجمعي ستبقى مجرد أحلام طوباوية معلقة في الهواء ما لم يتم تفكيك البنية الاحتكارية الراهنة لأسواق التكنولوجيا العالمية. إننا نعيش اليوم، حسب وصفها الصحفي الدقيق، في ظل نظام يمكن تسميته بـ “الإقطاع الرقمي الجديد”، حيث تتركز الثروة المعرفية والبيانات ومفاتيح الذكاء الاصطناعي في أيدي حفنة صغيرة من الشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من وادي السيليكون وبكين مقراً لها. هذه الشركات تحولت إلى كيانات شبه سيادية تفوق ميزانياتها ونفوذها قدرات دول متوسطة، وباتت تمتلك سلطة غير خاضعة للمساءلة في تشكيل الفضاء العام، وتوجيه النقاش السياسي، وصناعة الوعي الجمعي للبشرية.

تجادل نوفيك بأن نموذج العمل الاقتصادي الحالي لعمالقة التكنولوجيا، والقائم على ما تطلق عليه عالمة الاجتماع شوشانا زوبوف اسم “رأسمالية المراقبة”، يتناقض بنيوياً وبشكل صارخ مع أساسيات الاستقرار الديمقراطي. إن هذه المنصات تحقق أرباحها الفلكية من خلال الإبقاء على المستخدمين في حالة استثارة عاطفية دائمة وتغذية مشاعر الغضب والاستقطاب لديهم، لأن هذا هو السبيل الوحيد لزيادة زمن بقائهم على الشاشة وبالتالي عرض المزيد من الإعلانات الموجهة. من هنا، ترى المؤلفة أن تدمير السلم الأهلية وتآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية ليس عرضاً جانبياً غير مقصود للذكاء الاصطناعي، بل هو النتيجة المنطقية والمباشرة لخوارزميات صُممت خصيصاً لتعظيم العوائد المالية على حساب السلم الاجتماعي. وبناءً على ذلك، فإن الاعتماد على النوايا الحسنة لقادة هذه الشركات أو مواثيق الشرف الأخلاقية الذاتية يعد نوعاً من السذاجة السياسية المفلسة، ويجب استبدال هذا النهج الرخو بسلطة القانون الصارمة وبأدوات حوكمة دولية جديدة تعيد للدولة الوطنية المعاصرة سيادتها المفقودة.

في هذا السياق، تتقدم المؤلفة بمشروع قانوني وثوري متكامل تعبر عنه بـ “الدستور الرقمي الجديد لإنقاذ الديمقراطية”. لا تدعو نوفيك إلى كبح الابتكار أو تأميم التكنولوجيا، بل تطالب بإعادة صياغة قوانين مكافحة الاحتكار الكلاسيكية لتناسب عصر البيانات والذكاء الاصطناعي. تشرح المؤلفة كيف أن القوانين الحالية، والتي صُممت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لمواجهة احتكارات النفط والسكك الحديدية، باتت عاجزة عن التعامل مع شركات لا تكمن قوتها في امتلاك الأصول المادية، بل في امتلاك “تأثيرات الشبكة” واحتكار البيانات الضخمة. تقترح نوفيك بجرأة تفكيك هذه الإمبراطوريات التكنولوجية من خلال فصل منصات التواصل الاجتماعي عن البنى التحتية للحوسبة السحابية ومختبرات تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، مما يفتح الباب أمام المنافسة الحقيقية ويسمح بظهور بدائل تكنولوجية محلية وإقليمية تخدم الصالح العام بدلاً من الأرباح الاحتكارية الفجة.

وينتقل الكتاب بعد ذلك نحو ركن أساسي آخر في هذا الدستور المقترح، وهو تحويل مبدأ “سيادة البيانات” من شعار سياسي إلى واقع تشريعي ملزم. ترى المؤلفة أن البيانات التي تجمعها الشركات يومياً عن سلوكنا وحياتنا وصحتنا وأفكارنا لا يجوز أن تُعامل كملك عام مستباح للشركات، بل يجب أن تُصنف كممتلكات شخصية وسيادية للمواطنين والمجتمعات. تدعو نوفيك إلى فرض تشريعات تمنح المواطن الحق الكامل في معرفة ما تحوزه الشركات عنه من بيانات، وحق نقل هذه البيانات بسهولة إلى منصات أخرى، والأهم من ذلك، حق سحب بياناته وحذفها نهائياً لمنع استخدامها في تدريب خوارزميات قد تُستخدم ضده مستقبلاً. إن استعادة السيطرة على البيانات هي الخطوة الأولى والضرورية نحو تجريد الإقطاعيات الرقمية من سلاحها الأساسي، ونزع فتيل الهيمنة المعرفية التي تمارسها على الحكومات والشعوب على حد سواء.

ولا تكتفي المؤلفة بالجانب الدفاعي والرقابي في أطروحتها، بل تؤكد  على ضرورة قيام الدول بمبادرات هجومية وبناءة من خلال الاستثمار الضخم في “البنية التحتية الرقمية العامة”. تجادل نوفيك بأن الديمقراطيات الحديثة أنفقت تاريخياً مليارات الدولارات لبناء الطرق، والجسور، والمطارات، وشبكات الكهرباء لأنها أدركت أن هذه المرافق حيوية لازدهار المجتمع ولا يمكن تركها للقطاع الخاص وحده. واليوم، يتطلب إنقاذ الديمقراطية نهجاً مماثلاً يتمثل في بناء مراكز حوسبة سحابية عامة، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي وطنية مفتوحة المصدر ومتاحة بالمجان للجامعات، والمؤسسات الصغيرة، ومنظمات المجتمع المدني، والحكومات المحلية. هذا الاستثمار العام سيكسر احتكار الشركات الكبرى، ويسمح بظهور ابتكارات تكنولوجية موجهة لحل مشاكل التغير المناخي والتعليم والصحة العامة، وهي مجالات لا تحظى بالأولوية في حسابات رأس المال الاستثماري في وادي السيليكون، مما يثبت أن الحل الحقيقي لمواجهة توحش الشركات هو تقديم بديل ديمقراطي متفوق إنسانياً وتقنياً.

تختتم البروفيسورة بيث سيمون نوفيك هذا الفصل برسم لوحة سياسية معقدة ومستشرفة للمستقبل، تحذر فيها من خطورة الفشل في هذا السباق التشريعي الدولي. إن التقاعس عن تنظيم سوق الذكاء الاصطناعي اليوم يعني طواعية التنازل عن السيادة الديمقراطية لصالح قلة تكنوقراطية غير منتخبة، ويعني تحويل المجتمعات الحرة إلى مجرد مستعمرات رقمية تستهلك حلولاً جاهزة صُممت لخدمة مصالح أجنبية أو رأسمالية ضيقة. إن الدستور الرقمي الجديد الذي يبشر به كتاب “Reboot AI” ليس ترفاً فكرياً بل هو طوق النجاة الأخير لإعادة التوازن المفقود بين الدولة والشركات، وللتأكيد على أن سلطة القانون الشعبي والمؤسسات الديمقراطية يجب أن تظل دائماً وأبداً أعلى وأسمى من سلطة أي خوارزمية، مهما بلغت درجة ذكائها أو حجم رأسمالها، حمايةً لمستقبل الحرية والكرامة الإنسانية في العصر الرقمي.

الأفق الجيوسياسي

ترى نوفيك أن العالم يمر بمنعطف خطير يشهد بروز نموذج تكنولوجي منافس شديد الجاذبية والخطورة في آن معاً، وهو نموذج “الاستبداد الرقمي الموجه بالبيانات” الذي تمثله الصين بشكل صارخ، حيث يُسخّر الذكاء الاصطناعي لبناء منظومة مراقبة شمولية فائقة الكفاءة، قادرة على التنبؤ بسلوك المواطنين، وقمع المعارضة قبل ولادتها، وإدارة المجتمع برأس مال تكنولوجي هائل يلغي السياسة ويستبدلها بالتحكم الخوارزمي المطلق.

تكمن المفارقة المأساوية التي يبرزها الكتاب في أن هذا النموذج الاستبدادي الرقمي يبدو اليوم، في عيون العديد من دول العالم النامي والمجتمعات التي تعاني من تعثر مسارها التنموي، أكثر كفاءة وجاذبية من النموذج الديمقراطي الغربي المترهل والمأزوم بفعل الاستقطاب والشلل المؤسسي. عندما يرى العالم أن الأنظمة الديمقراطية عاجزة عن حل مشاكلها الأساسية مثل الفقر، والجريمة، والتغير المناخي، في حين تقدم الأنظمة الاستبدادية حلولاً تكنولوجية سريعة وبراقة، فإن شرعية الديمقراطية كمنظومة حكم عالمية تصبح في خطر حقيقي. من هنا، تطلق نوفيك تحذيراً شديد اللهجة للمشرعين والنخب الفكرية في الغرب؛ إن مواجهة الصعود الجيوسياسي للاستبداد الرقمي لا يمكن أن تتم عبر فرض العقوبات الاقتصادية أو عبر تبني خطاب أخلاقي متعالٍ، بل تتم فقط وحصراً عبر تقديم بديل ديمقراطي متفوق يثبت عملياً وقرائنياً أن الحرية والمشاركة الشعبية يمكن أن تلتقي مع الكفاءة التكنولوجية الفائقة لحل مشاكل البشرية المعقدة.

هذا البديل، الذي تطلق عليه المؤلفة اسم “النموذج التكنولوجي الديمقراطي الثالث”، يجب أن يتجاوز كلاً من النموذج الاستبدادي الموجه من الدولة، والنموذج الرأسمالي المتوحش الموجه من الشركات في وادي السيليكون، والذي لا يقل خطورة في جوهره عن الاستبداد لتأسيسه لإقطاع معرفي أهدر السلم الاجتماعي. إن النموذج الثالث هو ذلك الذي يعيد صياغة الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية مشاعية عامة، تملكها المجتمعات وتديرها المؤسسات الديمقراطية بشفافية كاملة، ويوجه طاقاته التحليلية لخدمة التنمية الشاملة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتمكين المواطنين من صنع قراراتهم بأنفسهم. وترى نوفيك أن هذا الصراع الجيوسياسي المعرفي هو المعركة الكبرى لجيلنا الحالي، وأن انتصار النموذج الديمقراطي فيه يتطلب صياغة تحالفات دولية جديدة بين الدول التي تقاسم القيم ذاتها، لتبادل البيانات المفتوحة، وتنسيق السياسات التشريعية، وتطوير معايير أخلاقية موحدة للذكاء الاصطناعي العابر للحدود، مما يخلق جبهة عالمية موحدة قادرة على كسر طوق الاحتكارات الشركتية وتحدي النفوذ الاستبدادي الصاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى