أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

هل الأسواق أخلاقية؟ حين تصبح المجتمعات ملحقة بالآلية الاقتصادية

عن السؤال المنسي في غمرة النهَم الرأسمالي

في الثالث والعشرين من مايو (أيار) عام 2013، شهدت إحدى قاعات مجلس اللوردات البريطاني في لندن حواراً فكرياً ونقدياً نادر المثال. لم يكن الاجتماع مجرد ندوة أكاديمية عابرة تضاف إلى سجّلات الندوات المعتادة، بل كان استجابة فكرية وأخلاقية حادة للزلزال المالي العالمي الذي هز أركان النظام الرأسمالي عامي 2008 و2009. نُظّمت هذه الندوة برعاية “مركز الدراسات العالمية” (Centre for Global Studies)، وجاءت بدعوة ومبادرة من المفكر والاقتصادي المرموق اللورد روبرت سكيدلسكي (المؤرخ الشهير لسيرة جون ماينارد كينز) ونجله الفيلسوف إدوارد سكيدلسكي. وكان الدافع المباشر لتنظيم هذا المحفل هو صدور كتابهما المشترك في الصيف السابق بعنوان “كم يكفي؟ الحاجة إلى كبح جشع الرأسمالية” (How Much is Enough?)، والذي قرعا فيه ناقوس الخطر إزاء تفاقم نزعة الاستحواذ والتراكم غير المحدود.

جمع هذا اللقاء حشدًا استثنائيًا من كبار الفلاسفة والمفكرين والاقتصاديين والعلماء الاجتماعيين—من أمثال بيري أندرسون، وستيفن لوكس، وروبيرت فرانك، وديفيد غرايبر، وجون ميلبانك، وفيلكس مارتن، وغيرهم—لتشريح سؤال جوهري وحديث الساعة: ماذا يحدث للأخلاق في مجتمع أصبحت فيه السيطرة المطلقة للمال، وتحولت فيه العلاقات البشرية برمتها إلى عمليات بيع وشراء للسلع والخدمات؟

صدرت أعمال هذا المؤتمر في كتاب مكثف وعميق يحمل عنواناً مستفزاً ومباشراً: “هل الأسواق أخلاقية؟” (Are Markets Moral?)، بتحرير روبرت وإدوارد سكيدلسكي. ولا يكتفي الكتاب بتوجيه الاتهام التقليدي للرأسمالية بتغذية الجشع—وهو الجشع الذي يُعدّ paradoxically المصدر المحرك لإنتاجيتها وديناميتها في الوقت نفسه—بل يغوص في ظاهرة أكثر خطورة وتغلغلاً، وهي “تلوث القيم الأخلاقية” (contamination of moral values). لقد انتقل المجتمع المعاصر من صيغة “سوق مدمج داخل المجتمع” (embedded market)—كما كان يطمح رواد الفكر الاجتماعي التاريخي—إلى وضع أصبحت فيه “المجتمعات بأكملها مدمجة ومستعبدة داخل السوق”. أصبح عمل المجتمع الحديث هو “الأعمال التجارية” بامتياز، ومحيت الحدود الفاصلة بين القيمة الأخلاقية والقيمة المالية.

الجلسة الأولى: كبح “اللاإشباع” (Restraining Insatiability)

ينطلق الجلسة الأولى من الكتاب لمناقشة طبيعة النهم أو عدم القدرة على الإشباع (Insatiability) في الحياة الاقتصادية المعاصرة. يطرح المحررون أسئلة مفصلية: هل جذور هذا الشغف الذي لا يرتوي للمزيد مطبوعة في الفطرة البشرية (inborn)، أم أنها نتاج بنية اجتماعية وسياقية؟ وهل ينصبّ هذا النهم اليوم على استهلاك البضائع والسلع، أم على تراكم المال ذاته؟ والأهم من ذلك: ما هي الأدوات والمؤسسات والفاعلون (agency) القادرون على كبح هذا الزحف والتغيير؟

1. أطروحة روبرت سكيدلسكي: حب المال كـ “شهوة مجمدة” بلا نهاية

يفتتح اللورد روبرت سكيدلسكي النقاش بالعودة إلى التنبؤ الشهير الذي أطلقه الاقتصادي جون ماينارد كينز عام 1930، حين توقع أنه بحلول عام 2030 (بعد مائة عام)، ستكون الدول الغنية قد حققت وفرة كافية من الثروة بحيث يقل المجهود البشري المخصص للعمل إلى نحو 15 ساعة أسبوعياً. غير أن الواقع أثبت خطأ كينز؛ فعلى الرغم من ارتفاع متوسط الدخل القومي بما يتماشى مع توقعاته، فإن ساعات العمل لم تتراجع إلا بنسبة ضئيلة جداً. يعزو سكيدلسكي ذلك إلى أن كينز استخف بحجم “عدم الإشباع” البشري.

يقدم سكيدلسكي فرضية تحليلية تفصل بين نوعين من النهم: حب البضائع والسلع (Love of Goods)، وحب المال (Love of Money). يرى الاقتصاد التقليدي أن المال مجرد وسيلة لتبادل السلع، وأن الرغبة تكمن في استهلاك الخيرات المادية. لكن سكيدلسكي يجادل بأن المنفعة الحدية للبضائع تصطدم دائمًا بحدود الاستخدام والمنفعة العملية؛ فالمرء مهما بلغت ثروته لا يستطيع استخدام عدد غير محدود من السيارات أو تناول كميات لا حصر لها من الطعام.

أما المال، فهو الكيان الوحيد الذي لا تخضع منفعته الحدية لقانون التناقص. فالمال يمثل إمكانية مفتوحة ومطلقة لكافة أشكال القوة والاستهلاك دون الحاجة إلى الاتخاذ الفعلي لقرار الإنفاق. واستشهادًا بعبارة الفيلسوف شوپنهاور، يصف سكيدلسكي المال بأنه “رغبة مجمدة” (frozen desire). وفي أسطورة الملك ميداس (King Midas)، كان كل شيء يلمسه يتحول إلى ذهب حتى مات جوعاً، لأن الذهب في ذلك الزمان كان سلعة يتطلب الحصول عليها التضحية بإنتاج الطعام. أما في عالمنا المعاصر الذي تحكمه “النقود الائتمانية والورقية” (Fiat Money)، فإن البنوك المركزية والأنظمة المالية قادرة على خلق أرقام مالية بلا حدود مادية، مما أزال العائق الطبيعي أمام تراكم المال، وجعل التراكم المالي غاية في ذاته ومرضًا مؤسسيًا يجتاح المجتمع.

يخلص سكيدلسكي إلى أن الأزمة المالية لعام 2008 لم تكن سوى انفجار لـ “عبادة المال” وتراكم الثروات الوهمية البعيدة عن أي منفعة ملموسة. ومن ثم، فإن أي مشروع لإصلاح الرأسمالية وكبح النهم يجب أن يبدأ بـ تحديد هيمنة المال وتجريده من كونه غاية في حد ذاته، من خلال فرض ضرائب صريحة على الأموال المتراكمة التي لا تُوجه للاستهلاك الحيوي أو لتوسيع رأس المال الإنتاجي.

2. نقد بيري أندرسون: أين هو الفاعل التاريخي للتغيير؟

في تعقيبه الحاد والعميق، يقدم المؤرخ والمفكر الماركسي بيري أندرسون إشادة أولى بكتاب How Much is Enough? من حيث رصانته وتأكيده على “الحياة الطيبة” (The Good Life) القائمة على الاستجمام، الصداقة، احترام الطبيعة، والركائز الأخلاقية غير القابلة للقياس المالي. غير أن أندرسون يضع يده على فجوة تحليلية جوهرية في طرح سكيدلسكي.

يجادل أندرسون بأن التشخيص السياسي والأخلاقي المفصل في الكتاب يفتقر إلى تحديد “الفاعل التاريخي” (Agency). كيف يمكن للمجتمع المعاصر أن ينتقل من حالة “الإدمان على النمو والتراكم” (A) إلى حالة “التحدد والأخلاق والحرية” (B)؟ وما هي القوى الاجتماعية أو المؤسسية القادرة على إنجاز هذه التغيرات الهيكلية، مثل تقليص ساعات العمل وفرض ضريبة تصاعدية على الاستهلاك أو التراكم؟

يشكك أندرسون أولاً في فرضية سكيدلسكي حول شيوع “حب المال بذاته” بين كافة طبقات المجتمع، مؤكداً أن تراكم المال كغاية يقتصر على شريحة ضيقة جداً في قمة الهرم الاقتصادي (الـ 1%)، بينما تظل أغلبية الشعوب متحركة برغبة الحصول على السلع والبضائع للحفاظ على مستوى معيشي معين.

ثم يطرح أندرسون أربعة سيناريوهات محتملة للفاعلين التاريخيين للتغيير، مستخلصاً إياها من التاريخ المعاصر:

  1. ظهور حركة اجتماعية جديدة: تشبه الحركة العمالية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي أدت إلى إصلاحات الليبرالية الجديدة ورخاء الدولة (Social Democracy).

  2. الكوارث والأزمات الاقتصادية الكبرى: مثل كساد الثلاثينيات الذي أفرز الصفقة الجديدة (New Deal) في أمريكا ونظرية كينز في بريطانيا.

  3. الكوارث البيئية والمناخية: التي قد تجبر البشرية قسراً على إعادة التفكير في النمو غير المحدود.

  4. الصحوة الدينية أو الروحية الشاملة: التي تعيد إحياء القيم الأخلاقية وتكبح نزعة الاستهلاك المادي.

ويستحث أندرسون المؤلفين على تحديد أي من هذه الكوابح أو الفاعلين يراهنون عليه في الواقع، مشيراً إلى أن الطبقات المتوسطة المعاصرة تحولت في معظمها إلى شرائح استهلاكية (ceti medi rampanti) بدلاً من أن تكون شرائح تفكر بنقد وإصلاح (ceti medi riflessivi).

3. رؤية روبرت فرانك: الإطار المرجعي والضرائب التصاعدية على الاستهلاك

يقدم الخبير الاقتصادي الأمريكي روبرت فرانك مدخلاً تحليلياً يختلف عن التأملات الفلسفية التجريدية، حيث ينطلق من مناظراته المستمرة مع “الليبراليين المحافظين” (Libertarians) في الولايات المتحدة. يرى فرانك أن إقناع مجتمعات السوق بالتغيير لا يتطلب فرض رؤية معينة لـ “الحياة الطيبة” بل إثبات أن عدم المساواة المتزايدة والنهم الاستهلاكي يؤديان إلى كفاءة اقتصاديّة متدنية وهدر هائل للفيض المالي.

يعود فرانك إلى مقال كينز لعام 1931 ويستخرج منها إشارة إلى نوعين من الاحتياجات: الاحتياجات المطلقة (المأكل والملبس والمسكن)، والاحتياجات النسبية (الرغبة في الشعور بالتفوق على الجيران). بينما اعتقد كينز أن الاحتياجات النسبية ثانوية، يثبت فرانك أنها المحرك الأساسي للسلوك الاستهلاكي المعاصر.

يوضح فرانك أن التقييم البشري للرفاهية والممتلكات يعتمد كلياً على “الإطار المرجعي” (Frame of Reference) والسياق الاجتماعي. فالمنزل البسيط الذي عاش فيه فرانك أثناء خدمته في نيبال كان ممتازاً وسعيداً في سياقه المحلي، لكنه يصبح غير مقبول في بلدته الحالية “إيثاكا” بمدينة نيويورك. والسبب ليس الحسد أو الضغينة، بل لأن السياق هو الذي يحدد المعايير المقبولة وجودة الحياة.

يضرب فرانك مثلاً بـ “السلع التنافسية أو الوضعية” (Positional Goods)—مثل منازل Catchment areas القريبة من المدارس المتميزة. عندما تتزايد ثروات الطبقة العليا، ينفقون مبالغ طائلة على المنازل والاحتفالات، مما يؤدي إلى ما يسميه “شلالات الإنفاق” (Expenditure Cascades). تشعر الطبقة المتوسطة بالضغط لمجاراة هذه المعايير لتجنب إرسال أبنائها إلى مدارس متدهورة، فتضطر لتكثيف ساعات العمل واقتراض مبالغ ضخمة لمجرد الحفاظ على موقعها المادي.

لحلي هذه المعضلة دون التعدي على حريات الأفراد، يقترح فرانك بديلًا هيكلياً أيدته شخصيات اقتصادية متنوعة (بمن فيهم ميلتون فريدمان المحافظ): إلغاء ضريبة الدخل والاستعاضة عنها بـ “ضريبة تصاعدية على الاستهلاك” (Progressive Consumption Tax). يُحسب استهلاك الفرد عبر إجمالي دخله مطروحاً منه مجمل توفيراته واستثماراته. فإذا أُنفق المال في استثمارات إنتاجية لا تُفرض عليه ضريبة، أما إذا أُنفق على الاستهلاك الفاخر والمنازل الفارهة والاحتفالات الباذخة، فتفرض عليه نسبة ضريبية تتصاعد لتصل إلى 100% أو أكثر. يرى فرانك أن هذا التعديل البسيط سيعيد توجيه ترليونات الدولارات من البهرجة الاستهلاكية إلى الاستثمار النافع والبنية التحتية والبيئة.

4. حوار ومداخلات الجلسة الأولى: جذور النهم بين التاريخ والأنثروبولوجيا

شهدت المناقشات العاصفة للجلسة الأولى تقاطعات فكرية حادة تثري المضمون الأخلاقي للكتاب:

  • مداخلة ريتشارد سيفورد (Richard Seaford): كسر سيفورد الطرح الاقتصادي الشائع عبر العودة إلى تاريخ المجتمعات قبل ظهور النقود (Premonetary Societies) مثل المجتمع الهوميري في اليونان القديمة. وأكد أن “النهم” ليس فطرة بشرية مطلقة، بل هو وليد الاختراع التاريخي للنقود في القرن السادس قبل الميلاد. النقود هي التي أوجدت لأول مرة في التاريخ “نسق الفردانية الاستحواذية” (Acquisitive Individualism)، لأنها قابلة للتخزين والإخفاء والنقل، مما قطع التزامات العطاء والتبادل الاجتماعي والتضامني التي كانت سائدة في المجتمعات البدائية.

  • مداخلة فيلكس مارتن (Felix Martin): ردّ مارتن بتأكيد الحقيقة المزدوجة للنقود؛ فبينما أوجدت النقود التقييم المالي الشامل، فإنها هي التي أسبغت على المجتمعات “الديناميكية والحرية والقدرة على الحراك الاجتماعي”. ففي المجتمعات التقليدية لم يكن بوسع الفلاح أن يحلم بأن يصبح ملكاً، بينما أتاحت النقود تفكيك الطبقيات الصلبة.

  • مداخلة جون ميلبانك (John Milbank): شدد اللاهوتي جون ميلبانك على أن المعضلة الحقيقية اليوم ليست غياب المعاناة، بل تآكل فكرة الفاعل البشري (Agency). إن العمال والمواطنين المعاصرين استُدمجوا داخل الآليات البنيوية للرأسمالية بحيث يفكرون كعناصر فاقدة للقدرة على التغيير. ومن هنا يرى ميلبانك أن التغيير لن ينبع من القوى المادية المجردة بل من إعادة إحياء “البعد الروحي والأخلاقي” الذي يمنح الأفراد القدرة على الفعل والمقاومة.

حدود التسليع، وتلوث القيم، و السلعنة الشاملة

تتحول المناقشات الفكرية في الجلسة الثانية من مؤتمر مجلس اللوردات نحو مسألة لا تقل خطورة عن النهم المالي، وهي مسألة الحدود الأخلاقية والاجتماعية للأسواق، وكيف أدى التوسع المتواصل للرأسمالية إلى ما يُعرف بـ “تلوث القيم” أو تسليع كل ما هو إنساني. لم يعد النقاش ينحصر في الكفاءة الاقتصادية أو توزيع الثروة، بل امتد ليفحص التحول البنيوي الذي جعل العلاقات البشرية، والحقوق السياسية، والواجبات المدنية، وحتى العلاقات العاطفية والأسرية، مجرد موضوعات خاضعة لمنطق العرض والطلب والتسعير المالي.

يفتتح الفيلسوف وعالم الاجتماع ستيفن لوكس هذه الجلسة بتقديم قراءة تفكيكية عميقة للمنطق الذي يستند إليه دعاة “السوق الحر المطلق”. يلاحظ لوكس أن المدافعين عن الرأسمالية المتطرفة ينطلقون من فرضية مبسطة مفادها أن الحرية الفردية تتجلى في أبهى صورها عندما يُترك للأفراد خيار تبادل أي شيء مقابل المال، طالما أن التبادل يتم بالتراضي ودون إكراه مباشر. غير أن هذه الفرضية، بحسب لوكس، تغفل تماماً العواقب المباشرة وغير المباشرة لتغلغل المال في الفضاءات التي كانت محمية تاريخياً بقيم أخلاقية أو مدنية. فالمال ليس وسيلة محايدة للتبادل، بل هو قوة تحويلية تغير طبيعة الشيء المتبادل نفسه. وعندما نضع سعراً لخدمة أو قيمة معينة، فإننا لا نكتفي بتسهيل تداولها، بل نغير قيمتها الذاتية وننزع عنها طابعها الإنساني أو الأخلاقي.

يقدم لوكس أمثلة توضيحية لتفكيك أطروحة التسليع الشامل، مبيناً كيف أن إدخال الحوافز المالية في بعض المجالات تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً لما هو متوقع. يستشهد بالتجربة الشهيرة التي قارنت بين التبرع الطوعي بالدم في بريطانيا ودفع مقابل مالي للمتبرعين في الولايات المتحدة. أظهرت تلك التجربة أن إدخال المقابل المالي لم يؤدِّ إلى زيادة معروض الدم كما تتنبأ النظريات الاقتصادية التقليدية، بل أدى إلى تراجعه وانخفاض جودته، لأن التبرع بالدم كان يُعامل كواجب مدني وسلوك إيثاري يمنح المتبرع شعوراً بالمواطنة والمشاركة الأخلاقية. وبمجرد تحويله إلى صفقة تجارية، قُضِيَ على هذا الدافع الأخلاقي الأصيل، وأصبح المتبرعون من الفئات الأشد فقراً واحتياجاً، مما أثر سلباً على سلامة الدم المجموع. يُظهر هذا المثال بوضوح كيف يمكن لمنطق السوق أن يطرد القيم الأخلاقية ويحل محلها منطق المصلحة المادية المباشرة.

ويتطرق لوكس بعد ذلك إلى ظاهرة أكثر عمقاً يتناولها كتاب مايكل سانديل الشهير حول الحدود الأخلاقية للأسواق، وهي مسألة تسليع الخدمات الاجتماعية والسياسية، مثل بيع الأصوات الانتخابية، أو خصخصة السجون، أو استئجار الأرحام، أو شراء أولوية المرور في الطوابير العامة. يرى لوكس أن السماح بالمعاملات المالية في هذه المجالات يخلق نوعاً من الفساد الأخلاقي المؤسسي، لأنه يحول الحقوق والواجبات التي ينبغي أن تكون متساوية بين جميع المواطنين بغض النظر عن ثرواتهم، إلى امتيازات تُباع وتُشترى لمن يملك القدرة على الدفع. هذا التحول لا يؤدي فقط إلى تفاقم عدم المساواة الاقتصادية، بل يؤدي إلى تآكل مفهوم المواطنة المتساوية، حيث يصبح للمواطن الغني قوة ونفوذ أكبر ليس فقط في مجال الاستهلاك المادي، بل في المجالين السياسي والاجتماعي أيضاً.

وفي تعقيبه الفلسفي خلال هذه الجلسة، يذهب الفيلسوف غلين نيووي إلى أبعد من ذلك عبر مطاردة التناقضات البنيوية في الفكر الليبرالي المعاصر الذي يحاول الفصل بين الأخلاق والاقتصاد. يجادل نيووي بأن الرأسمالية الحديثة تزعم أنها منظومة محايدة أخلاقياً، تعتمد على قواعد الإجراءات والتنافس الشريف، لكنها في واقع الأمر تفرض عقيدة أخلاقية ضمنية تشجع على الفردانية الاستحواذية وتكافئ الجشع والأنانية. ويرى نيووي أن إتاحة كل شيء للبيع والشراء يعود بالأساس إلى هيمنة مفهوم خاص للحرية يُعرف بالحرية السلبية، والتي تُعرَّف فقط بغياب الموانع الخارجيّة أمام رغبات الفرد. وفي ظل هذا التعريف الضيق للحرية، يصبح من الصعب إيجاد حجة منطقية تمنع بيع أي شيء، طالما أن الأطراف المشاركة في الصفقة راضية بذاك.

ويرى نيووي أن المعضلة الحقيقية تكمن في أن منطق السوق يمتلك قدرة هائلة على ابتلاع النقد الفلسفي ذاته؛ فالسوق لا يكتفي بتسليع البضائع والخدمات، بل يستطيع تسليع الأفكار، والثورات، والمفاهيم الأخلاقية نفسها، وتحويلها إلى منتجات ثنائية تُستهلك في وسائل الإعلام والمطبوعات. ولذلك، فإن المحاولات التي تكتفي بالدعوة إلى إدخال “القيم الأخلاقية” إلى السوق دون تغيير البنية الاقتصادية والقانونية المحركة له، تظل محاولات سطحية وتجميلية. فالأسواق في شكلها الحالي ليست مجرد أدوات لتوزيع الموارد، بل هي أنظمة قاهرة تعيد تشكيل الرغبات البشرية وتحدد ما هو ممكن وما هو مستحيل في التفكير السياسي والاجتماعي.

تتواصل المناقشات في الجلسة الثانية لتسليط الضوء على الآثار المترتبة على تداخل السوق مع البنى الاجتماعية والتاريخية. ويبرز هنا صوت ديفيد غرايبر، الأنثروبولوجي والمفكر البارز، الذي يدفع النقاش نحو أفق تاريخي وأنثروبولوجي مختلف. يرى غرايبر أن النظرة التي تدعي أن الأسواق والتجارة هي الحالة الطبيعية للبشرية، وأن الأخلاق جاءت لاحقاً لكبح جماحها، هي قراءة تاريخية مغلوطة كلياً. فالأنثروبولوجيا تظهر أن المجتمعات البشرية عبر التاريخ أقامت علاقاتها الاقتصادية على أسس التبادل التضامني، والواجبات المتبادلة، والائتمان الاجتماعي، ولم تكن الأسواق المالية بصورتها المجردة القائمة على المصلحة الذاتية البحتة تنشأ إلا بالتوازي مع قيام الدول المركزية والحروب والأنظمة العسكرية.

يوضح غرايبر أن الرأسمالية الحديثة نجحت في فرض وهم مفاده أن كل الممارسات البشرية هي في جوهرها عمليات حسابية للمنافع والتكاليف، وأن الإنسان بطبعه فاعل اقتصادي يبحث عن المصلحة الشخصية فقط. ومن خلال هذا الوهم، استطاعت الأسواق أن تتوسع وتسيطر على المجالات الاجتماعية التي كانت تقوم سابقاً على الروابط الأخلاقية والالتزامات الأسرية والجامعية. ويحذر غرايبر من أن هذا التوسع المتواصل يؤدي إلى تدمير النسيج الاجتماعي الذي تعتمد عليه الأسواق نفسها؛ فالأسواق لا يمكنها الاستمرار في العمل دون وجود قدر أدنى من الثقة والصدق والأمانة بين المتعاملين، وهي فضائل أخلاقية لا ينتجها السوق بحد ذاته، بل يستنزفها من المخزون الأخلاقي والثقافي للمجتمع.

قضية أخلاقية الأسواق ليست مجرد رغبة في تقليل حدة الفقر أو توزيع الثروة بشكل أكثر عدالة، بل هي معركة حول طبيعة المجتمع الإنساني ذاته. فهل نريد مجتمعاً يضم اقتصاد سوق يعمل كأداة لتحقيق الرفاه المادي تحت سيطرة المجتمع وأهدافه الأخلاقية، أم نريد مجتمع سوق كاملاً تُقاس فيه قيمة الإنسان ومكانته وحقوقه بالقدرة المالية والملاءة الاقتصادية؟ هذا السؤال الجوهري هو الذي يمهد الطريق للدفعة القادمة، والتي ستغوص في تفاصيل أزمات النظم المالية الحديثة، وكيف أدى التجريد المالي واختراع المشتقات والديون إلى فك الارتباط النهائي بين الاقتصاد الحقيقي والأخلاق المدنية.

التجريد المالي، ووهم الديون، وتفتيت العقد الاجتماعي

تننتقل أعمال المؤتمر في محوره الثالث إلى تشريح إحدى أكثر الظواهر غموضاً وخطورة في الاقتصاد السياسي المعاصر، وهي ظاهرة التجريد المالي واسترخاء العبء الأخلاقي عن الديون والأدوات المالية المشتقة. لم تعد الرأسمالية المعاصرة محصورة في إنتاج السلع المادية وتداول الخدمات الملموسة، بل تحولت إلى رأسمالية مالية مجردة، تعتمد على خلق ثروات رمزيّة وهندسية أرقام عبر شاشات الحاسوب، مما أدى إلى فك الارتباط النهائي بين الثروة والعمل البشري النافع، وتسبّب في تآكل العقد الاجتماعي الذي صان تماسك المجتمعات لقرون طويلة.

يتناول المفكر والاقتصادي فيلكس مارتن هذه المسألة المعقدة بالعودة إلى الطبيعة الجوهرية للنقود والنظام المالي. يوضح مارتن أن الفهم التقليدي الشائع للنقود باعتبارها مجرد سلعة حيادية يُستعان بها لتسهيل المبادلات وتجاوز صعوبات المقايضة المباشرة هو فهم قاصر ومضلل للغاية. فالنقود في جوهرها ليست سلعة، بل هي نظام مؤسسي واجتماعي قائم على الائتمان والديون المتداخلة؛ إنها علاقة سلطة والتزام أخلاقي وقانوني بين أفراد المجتمع. وعندما تنشأ النقود، فإنها تسجل التزامات واعترافات بالدين بين المدينين والدائنين. غير أن التحول التاريخي الخطير الذي أحدثته الرأسمالية المالية الحديثة يكمن في تحويل هذه الروابط الائتمانية الشفهية والاجتماعية المتبادلة إلى أدوات مالية قابلة للتداول والتسعير والمضاربة في الأسواق المفتوحة دون أي معرفة شخصية أو التزام أخلاقي بين أطراف المعاملة.

يشرح مارتن كيف أدى هذا التجريد إلى خلق حالة من الجهل الأخلاقي المنظم. فعندما يشتري مستثمر أو مؤسسة مالية في لندن أو نيويورك سنداً أو مشتقاً مالياً مستنداً إلى آلاف القروض العقارية المجمعة من أسر محدودة الدخل في مختلف أنحاء العالم، فإن العلاقة الأخلاقية المباشرة بين الدائن والمدين تتلاشى تماماً. لم يعد البنك المحلي يتأكد من قدرة المقترض على السداد أو يسعى لدعمه في أوقات الأزمات، بل أصبح يبيع الدين فوراً إلى أسواق المال العالمية ليتحول إلى مجرد أرقام إحصائية تُتداول بين المضاربين. هذا التفتيت والتعمية الهيكلية وجدا تعبيرهما الصارخ في كارثة الأزمة المالية لعام 2008، حيث تخلت المؤسسات الكبرى عن مسؤوليتها الأخلاقية والاجتماعية تجاه مجتمعاتها، واعتمدت على هندسة أدوات مالية معقدة كان هدفها الأساسي نقل المخاطر وإخفاء المخاطر بدلاً من تقديم خدمات إنتاجية حقيقية.

وفي السياق ذاته، يتدخل المفكر والأنثروبولوجي ديفيد غرايبر لإضاءة البعد الأخلاقي والسياسي للديون من منظور تاريخي مقارن. يرفض غرايبر المقولة التي تردك الديون إلى مجرد التزام مالي حتمي ينبغي تسديده بأي ثمن تحت شعار أن السداد فضيلة أخلاقية مقدسة. ويرى أن التاريخ الإنساني يظهر بوضوح أن الديون كانت دائماً أداة للسيطرة السياسية وإعادة إنتاج علاقات القوة والطبقية. فعندما تصبح الديون وسيلة لاستعباد الأفراد والدول الفقيرة، وتجريدهم من مقومات الحياة الأساسية لصالح الدائنين الأقوياء، فإنها تفقد مشروعيتها الأخلاقية وتتحول إلى شكل من أشكال الإكراه المؤسسي.

ويشير غرايبر إلى التناقض الصارخ في طريقة تعامل النظام المالي المعاصر مع مفهوم المسؤولية والمخاطرة؛ فعندما تصاب الأسر الفقيرة أو العمال بأزمات مالية وتتخلف عن سداد ديونها، تُطبق عليها أحكام القانون الصارمة وتُحرم من أبسط مقومات العيش وتُجبر على تحمل نتائج قراراتها under the banner of moral responsibility. بينما عندما تنهار البنوك الكبرى والمؤسسات المالية المضاربة بسبب جشعها وغياب مسؤوليتها، تهرع الحكومات والدول لرصد ملايين المليارات من أموال الضرائب لإنقاذها تحت ذرائع العجز عن الانهيار وشعار المؤسسات الأكبر من أن تفشل. هذه الازدواجية الأخلاقية الفاضحة هي التي أسهمت في نسف ثقة المواطنين بالنظام السياسي والاقتصادي، وأثبتت أن قواعد السوق والمسؤولية الأخلاقية تُطبق بحزم على الفئات الضعيفة، بينما يُعفى منها الكبار والنافذون.

وفي امتداد لهذه المناقشات حامية الوطيس، يطرح اللاهوتي والمفكر الاجتماعي جون ميلبانك رؤية نقدية جذرية تتجاوز الإصلاحات السياساتية السطحية للوصول إلى الجذور الميتافيزيقية والفلسفية للأزمة. يجادل ميلبانك بأن الرأسمالية المالية المعاصرة لا تمثل فقط فشلاً تنظيمياً أو أزمة كفاءة اقتصادية، بل تمثل انتصاراً للمشروع الحداثي السلبي الذي أفرغ الفضاء العام من أي غايات أخلاقية مشتركة وحول المجتمع إلى ساحة صراع بين إرادات فردية لا تجمعها إلا المصلحة المادية المباشرة. ويرى أن الرأسمالية تحولت إلى نفعية عامة تؤله النمو المادي المجهول، وتفرض على البشر القبول بنظام يعمل على تدمير المكونات الأساسية للوجود الإنساني السليم، مثل الأسرة، والمجتمع المحلي، والتضامن الإنساني، والتوازن البيئي.

يدعو ميلبانك إلى ضرورة إعادة الاعتبار لما يسميه الاقتصاد الأخلاقي أو الاقتصاد المدني القائم على الفضيلة والمفهوم الأرسطي والسكولائي للعدالة في التبادل. يوضح ميلبانك أن الأسواق قبل العصر الحديث لم تكن تعمل بمعزل عن الضوابط الأخلاقية والجامعية، بل كانت هناك مفاهيم ملزمة مثل السعر العادل والعدالة التوزيعية وتحريم الربا الفاحش الذي يستغل حاجة الآخرين. ولم تكن هذه المفاهيم مجرد تشريعات دينية قاهرة، بل كانت تعبيراً عن توافق مجتمعي يرى أن الاقتصاد يجب أن يكون خادماً للرعاية الإنسانية وللحياة الطيبة داخل المدينة. أما الوضع الراهن الذي جعل السوق حكماً مطلقاً على القيم والأخلاق، فهو وضع شاذ تاريخياً، وأدى إلى تفتيت المجتمع وإيقاع الأفراد في حالة من الاغتراب والقلق الدائم.

مواجهة الهيمنة المطلقة للرأسمالية المالية لا يمكن أن تتم عبر أدوات دقيقة داخل النظام المالي نفسه، بل تتطلب إعادة النظر في المفاهيم التأسيسية التي قامت عليها الحديثة الاقتصادية. إن تحرير المجتمع من قبضة التجريد المالي يستدعي استعادة السيطرة الديمقراطية والشعبية على أدوات الائتمان خلق المال، وتوجيه رأس المال ونشاط الأسواق نحو تلبية الاحتياجات الحقيقية للمجتمعات وتدعيم بنية الخدمات العامة والبيئة المادية، بدلاً من استنزاف ثروات الشعوب في دوامات المضاربة الوهمية والتراكم غير المحدود. وهذا الطرح .

في البحث عن بدائل هيكلية واستعادة فضيلة الرعاية والمواطنة

تصل المناقشات الأكاديمية والسياسية في الجلسة الأخيرة من المؤتمر المنعقد بمجلس اللوردات إلى ذروة اشتباكها الفكري؛ حيث ينقل المفكرون والاقتصاديون المشاركون عدسة التحليل من مرحلة تشخيص التشوه الأخلاقي والتجريد المالي إلى البحث عن المسارات العملية والحلول الهيكلية الكفيلة بإعادة وضع الأسواق في موقعها الطبيعي كأدوات مجتمعية خادمة للإنسان، لا كسادة مستبدين بالسياسات العامة والمصائر البشرية. وفي هذا السياق، لم تعد المقترحات المطروحة تكتفي بالتعديلات الهامشية أو الدعوات الوعظية المجرّدة، بل امتدت لتقدم إعادة بناء شاملة للمفاهيم التأسيسية التي تُدار بها السياسات الاقتصادية والاجتماعية في الدول الحديثة.

يبدأ هذا المحور بالتركيز على استعادة مفهوم “الحياة الطيبة” كمعيار رئيسي لقياس النجاح الاقتصادي، بدلاً من الاعتماد الشبه ديني على مؤشر الناتج المحلي الإجمالي. يوضح روبرت سكيدلسكي وإدوارد سكيدلسكي أن الاستمرار في جعل النمو الاقتصادي غاية في حد ذاته أدى إلى خلل هيكلي في ترتيب الأولويات الإنسانية. فالناتج المحلي الإجمالي يتصاعد ويكبر بفعل الأزمات والكوارث والحروب وزيادة الإنفاق على علاج الأمراض الناتجة عن التلوث والتصنيع الفاسد، ولكنه يغفل تماماً عن حساب القيم الفعلية التي تجعل حياة البشر جديرة بالعيش، مثل أوقات الراحة والتفكر، والصحة النفسية والبدنية، وقوة الروابط الأسرية والاجتماعية، واستقرار البيئة الطبيعية. ومن ثم، فإن الخطوة الأولى نحو اقتصاد أخلاقي تبدأ بجرأة سياسية تتجاوز هوس النمو المالي الصامت إلى وضع سياسات عامة تستهدف بوضوح توفير عناصر الحياة الطيبة وتيسير وصول كافة طبقات المجتمع إليها.

ومن هذه النقطة، تتشابك الرؤى السياسية والفلسفية حول كيفية ترجمة هذه المفاهيم إلى آليات تنفيذية ملموسة داخل الدولة والمجتمع المدني. يبرز هنا النقاش حول إصلاح ساعات العمل والإنتاجية، حيث يرى الباحثون أن تقليص ساعات العمل ليس مجرد رفاهية أو إنجاز نقابي قديم، بل هو ضرورة أخلاقية وثقافية قصوى لكبح جماح الاستهلاك والتنافس المادي الوهمي. فعندما يُجبر العامل والموظف على تقضية معظم ساعات يومه في العمل الشاق لمجرد الحفاظ على مستواه الاستهلاكي ومجاراة معايير الطبقات الأعلى، فإنه يُحرم تلقائياً من الطاقة والوقت اللازمين للمشاركة في الحياة المدنية والأنشطة الثقافية والأسرية. إن تقليص العمل وإعادة توزيع أوقات الفراغ بشكل عادل يعيدان للمواطن حريته الفعلية وفاعليته الأخلاقية، ويسمحان بنشوء أنشطة واقتصاديات تضامنية لا تخضع لضرورات الربح والتسليع.

كما تتطرق المداخلات إلى ملف السياسات الضريبية وتوزيع الثروة باعتباره الركيزة الثانية لأي إصلاح أخلاقي للأسواق. يشدد المشاركون على أن التفاوت الصارخ في الدخول والثروات الذي أفرزته  العقد الأخيرة من العولمة النيوليبرالية لا يمثل فقط مشكلة عدالة توزيعية، بل يمثل تهديداً مباشراً لتماسك النظام الديمقراطي ذاته. عندما تتمركز الثروات الهائلة في أيدي شريحة ضيقة من مالكي رؤوس الأموال والشركات العابرة للقارات، تحول هذه الثروة تلقائياً إلى نفوذ سياسي وقدرة على تشكيل التشريعات والتأثير على وسائل الإعلام وصناعة القرار. ولذلك، فإن إعادة فرض الضرائب التصاعدية على الاستهلاك الفاخر وعلى التراكمات المالية غير الإنتاجية تصبح أداة أسياسية لإعادة التوازن للعملية الديمقراطية، وحماية المرفق العام والخدمات الأساسية من التردي والتآكل.

وفي موازاة السياسات الضريبية، يمتد النقاش نحو التحديث المؤسسي وإعادة إحياء دور القطاعات التضامنية غير الروتينية. يُظهر المفكرون أنه ينبغي ألا نقع في الفخ الثنائي التقليدي الذي يحصر الخيارات بين “سوق حر جامح” أو “دولة بيروقراطية قاهرة ومستبدة”. فهناك فضاء واسع في الوسط تشغله المؤسسات التضامنية، والملاحظات التعاونية، والجمعيات غير الهادفة للربح، والشركات ذات الملكية العمالية والخدمات الاجتماعية المدارة محلياً. هذه المؤسسات أثبتت كفاءة عالية في تقديم الخدمات وإدارة الموارد دون السعي للربح الفاحش، لأنها تأسست على منطق الرعاية والالتزام الاجتماعي المتبادل. وإن دعم هذه البنى وتوسيع نطاق عملها يوفران للجمهور بدائل حقيقية ومحمية من تقلبات الأسواق واستغلالها.

ويتعمق المؤتمر في قراءة مسألة الفاعلية السياسية والاجتماعية التي أثارها المؤرخ بيري أندرسون في بداية اللقاء. يرى العديد من المشاركين أن التعويل على قيادات سياسية تقنوقراطية لإنجاز هذا التحول الأخلاقي هو وهم كبير؛ فالطبقات السياسية المعاصرةصبحت مدمجة في آليات السوق وتعتمد على تمويله لتغطية حملاتها وانتخاباتها. ومن ثم، فإن الشرارة الحقيقية للتغيير يجب أن تنبع من الحركات الاجتماعية القاعدة، والمبادرات الشعبية، والتحالفات المدنية التي تجمع النقابات العمالية مع الحركات البيئية والتنظيمات الأخلاقية والدينية. هذه الحركات هي الوحيدة القادرة على خلق ضغط سياسي واجتماعي يعيد رسم حدود الممكن والمستحيل في الفكر السياسي، ويجبر القوى الاقتصادية على الانصياع لإرادة المجتمع.

التحدي الأساسي الذي يواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين ليس نقص التكنولوجيا أو الموارد المادية، بل هو الشلل الأخلاقي والسياسي الذي يمنعنا من تنظيم مواردنا واستخدام طاقتنا الإنتاجية لصلاح الجميع. إن الإجابة على سؤال “هل الأسواق أخلاقية؟” تعتمد كلياً على قدرتنا كفرداء ومجتمعات على فرض سيادتنا الأخلاقية والسياسية على الآلية الاقتصادية، وإعادة بناء الاقتصاد ليكون خادماً للعدالة والكرامة الإنسانية بدلاً من أن يكون معبداً تُضحى على مذبحه القيم والروابط الإنسانية الأصيلة. وبهذا الطرح الشامل للحلول والبدائل.

نحو ميثاق مدني جديد واستعادة السيادة الأخلاقية على الاقتصاد

تتصل خيوط الأطروحات الفكرية والفلسفية التي أثيرت عبر جلسات مؤتمر مجلس اللوردات لتبلور رؤية ختامية نقدية وتركيبية لمستقبل العلاقة بين الأخلاق والأسواق. لقد أثبتت المناقشات الممتدة في كتاب “هل الأسواق أخلاقية؟” أن الأزمة الحقيقية التي تستبد بالرأسمالية المعاصرة لا تكمن في وجود تقلبات دورية في مؤشرات الأسعار أو في حالات الخلل العابر في آليات التمويل، بل هي أزمة وجودية وهيكلية ترتبط بعجز هذا النظام عن تقديم إجابة مقنعة ومستدامة للأسئلة الأخلاقية والإنسانية الكبرى. إن التحدي الأصيل يكمن في كيفية الخروج من هذا المأزق التاريخي الذي أصبحت فيه مجتمعاتنا مجرد ملاحق مسلوبة الإرادة لآلة اقتصادية تدار بالخوارزميات والمضاربات المالية المجرّدة.

تتلخص النتيجة الجوهرية لهذا السجال الفكري الفاخر في ضرورة إعادة التفكير في الحدود الفاصلة بين ما هو قابل للتسليع وما يجب أن يظل محمياً في الفضاء العام. إن القبول بالفرضية النيوليبرالية التي تزعم أن منطق الكفاءة والمصلحة الفردية ينبغي أن يسري على كليات الوجود البشري أدى بالضرورة إلى استنزاف القواعد الأخلاقية والاجتماعية التي بُنيت عليها الحضارة. وعندما تتخلى الدولة عن دورها الحارس للمرفق العام والضامن للتضامن الاجتماعي، وتحول المواطنين إلى مجرد مستهلكين للخدمات والتسهيلات، فإنها تعجل بتفكيك العقد الاجتماعي وتفتح الباب على مصراعيه أمام الفردانية المغتربة واستشراء الشلل الأخلاقي والنفعية الضيقة.

إن الخروج من هذه الشرنقة يتطلب الشروع في صياغة “ميثاق مدني جديد” يعيد الاعتبار لمفهوم التوزيع العادل وللعدالة التوزيعية في صورتهما الرصينة. هذا الميثاق لا يجب أن يقف عند حدود تعديل معدلات الفائدة أو تقديم معونات حماية اجتماعية طارئة للحد من الفقر الصريح، بل يقتضي إعادة صياغة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كحقوق أصيلة ومبدئية للمواطنة، غير خاضعة لتقلبات العرض والطلب ولا لمنطق القدرة المادية على الدفع. إن تمكين الأفراد من مجالات حيوية محمية قوامها التعليم المتميز، والرعاية الصحية الشاملة، والسكن الملائم، والتقاعد الكريمة، يعيد للفاعل البشري كرامته واستقلاليته، ويكسر طوق النهم والتنافس المادي الوهمي الذي استنزف طاقات المجتمعات لقرون.

كما يستدعي هذا التحول إعادة النظر في الركائز الميتافيزيقية والفلسفية التي يرتكز عليها التفكير الاقتصادي الحديث. يجب الانتقال من النظرة الأحادية التي اختزلت الإنسان في نموذج الفاعل الاقتصادي العقلاني والمستقل بحد ذاته (Homo Economicus)، إلى رؤية أنثروبولوجية وأخلاقية أكثر عمقاً تعترف بالإنسان ككائن اجتماعي متجذر في علاقات التضامن والرعاية والتكافل المتبادل. إن الفضائل المدنية من صداقة، وإيثار، واحترام للطبيعة، وحرص على الصالح العام ليست مجرد كمائيات أخلاقية تُضاف لتجميل الوجه القبيح للسوق، بل هي الشروط التأسيسية القبلية التي لا يمكن لأي اقتصاد أو مجتمع مستقر أن يستمر بدونها.

ويتحمل المفكرون والأكاديميون والمؤسسات الثقافية مسؤولية تاريخية في هذه اللحظة الاستثنائية، تتجلى في تفكيك الخطاب الاقتصادي الحتمي الذي يسعى إلى تصوير الوضع القائم باعتباره النتيجة الطبيعية الوحيدة للتطور البشري. إن إثبات وجود خيارات وبدائل مؤسسية واقتصادية أخرى—تتدرج من حوكمة السلع العامة وتوسيع قطاعات الملكية التضامنية إلى فرض القيود الهيكلية على المضاربات المالية وتقليص ساعات العمل—يعد خطوة ضرورية لاستعادة الأمل والفاعلية السياسية لدى الشارع والمواطنين. إن التغيير التاريخي لم يكن يوماً وليد القوانين الاقتصادية الصارمة الجافة، بل كان دائماً ثمرة للإرادة الاجتماعية والوعي الأخلاقي الصارم الحازم.

يختتم روبرت وإدوارد سكيدلسكي هذا المؤتمر والأعمال الفكرية المنبثقة عنه برسالة حازمة تشير إلى أن السؤال الجوهري الحاكم لمستقبل الرأسمالية لم يعد “كيف ننتج المزيد من الثروة؟”، بل أصبح بامتياز “كيف نعيش حياة طيبة وعادلة معاً في ظل ما حققناه من ثروة؟”. إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب شجاعة أخلاقية وسياسية لفرض حدود واضحة على السيطرة المالية، وإعادة ترتيب أولويات مجتمعاتنا بحيث تكون التنمية الاقتصادية في خدمة الرفاه الإنساني والكرامة البشرية، وليس العكس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى