أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“الحلولية ووحدة الوجود”.

سياق الصدور.. كتابٌ يولد بعد عقدٍ من رحيل صاحبه

تتحرك الأفكار الكبرى في التاريخ لا كخطوط مستقيمة، بل كامتدادات حلزونية تتكشف قيمتها كلما تعقدت أزمات الإنسان المعاصر. وفي هذا السياق المعرفي، يأتي صدور كتاب “الحلولية ووحدة الوجود” للمفكر  الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري (الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بتقديم الدكتورة هبة رؤوف عزت والدكتور عبد القادر مرزاق) ليمثل حدثاً فكرياً استثنائياً؛ ليس فقط لأنه يخرج إلى النور بعد قرابة عقد من وفاة صاحبه، بل لأنه يمثل “الخيط الناظم” والمصب النهائي الذي تتدفق فيه كل أطروحات المسيري السابقة حول العلمانية، والصهيونية، ونقد الحداثة الغربية.

إن هذا الكتاب، الذي ظل لسنوات طويلة مسودة تحت التطوير والتدقيق، حظي بعناية بحثية فائقة من رفيقة درب المؤلف الراحلة الدكتورة هدى حجازي، ثم من الباحث المغربي المتميز الدكتور عبد القادر مرزاق الذي تولى مراجعته وتخريج مراجعة وتدقيق نصوصه. هو ليس مجرد جهد أكاديمي بارد، بل هو ثمرة “قلق وجودي عميق” عاشه المسيري طوال حياته، وتعبير عن مشروع تأسيسي يروم إحياء الفضائل المدنية والقيم الإنسانية عبر بوابة عقيدة التوحيد، كإطار معرفي شامل يحدد مكانة الإنسان في الكون ويرسم حدود كينونته الفردية والاجتماعية.

معضلة التلقي المهزوم.. “صاحب الفكر” في مواجهة “ناقل الفكر”

يفتتح الدكتور عبد القادر مرزاق تقديمه للكتاب بتمييز جوهري وحاد يمس صميم الأزمة التي تعاني منها النخب الثقافية العربية المعاصرة؛ وهو التمييز بين “صاحب الفكر” و”ناقل الأفكار”. يرى مرزاق أن الأوساط الأكاديمية العربية استشرت فيها مدرسة معلوماتية تراكمية عقيمة، تعتمد على السرد المباشر، وتجميع الأرقام، وإجراء الاستبيانات السطحية، دون امتلاك إطار تحليلي جامع يسمح بفهم العالم أو نقد التحيزات القابعة خلف المعارف الوافدة.

ناقل الأفكار هو ذاك الباحث الذي يتبنى “الموضوعية المتلقية المهزومة”؛ ينقل النظريات الغربية بحياد زائف يشي بموت القلب والعقل والضمير والهوية، فتتعايش في ذهنه الأفكار المتناقضة جنبًا إلى جنب دون إدراك لنموذجها المعرفي الكامن أو تداعياتها التطبيقية. في المقابل، يبرز عبد الوهاب المسيري كطراز فريد من “أصحاب الفكر”؛ فالرجل لا ينقل بضاعة فكرية، بل يمتلك منظومة مفهومية مشحوذة تتسم بأعلى درجات الاتساق الداخلي والترابط بين الأجزاء. نقطة البدء عنده ليست الرغبة في التزيد الأكاديمي، بل هي معاناة حقيقية وسعي حثيث للوصول إلى الحقيقة وكيفية تحويلها إلى عدل.

لذلك، فإن قراءة هذا الكتاب لا تهدف فقط إلى تحصيل المعلومات، بل إلى استيعاب “طريقة التفكير” المركبة التي صاغها المسيري؛ طريقة تقوم على التفكيك وإعادة التركيب، وترفض الإذعان للأمر الواقع، وتحلل المفاهيم الهامشية لتردها إلى سياقها الحضاري والاجتماعي والفلسفي الشامل.

الحقل الدلالي للمفاهيم.. شبكة المصطلحات المتقاطعة

ينطلق المسيري في متنه من تفكيك الحقل الدلالي العريض للمصطلحات الفلسفية التي تتناول فكرة “الحلول”، ملاحظاً أن المعاجم اللغوية والفلسفية كثيراً ما تخلط بينها وتطمس الفوارق الدقيقة الكامنة وراءها. يستعرض الكتاب ثلاثة عشر مصطلحاً متقارباً تشكل في مجموعها البنية المعرفية للنظم الواحدية، ومن أبرزها: الحلولية (Infusion)، وحدة الوجود (Pantheism)، الكمون والمحايثة (Immanence)، الاتحاد (Union)، الفناء (Annihilation)، والفيضية (Emanatism)، وصولاً إلى الأيقونة والتأيقن، والمبدأ الحيوي (Animism)، وإسقاط الصفات الإنسانية على الكون (Anthropomorphism).

المسيري لا يهتم بالتحديد المدرسي الجامد لكل لفظ، بل يهدف إلى رصد القاسم المشترك الذي يجمعها؛ حيث تفترض هذه المصطلحات كافة أن الثنائيات الجوهرية في الكون (مثل: خالق/مخلوق، مطلق/نسبي، روحي/مادي، متعالٍ/كامِن) هي ثنائيات تنتمي إلى عالم الظاهر المحض، وأن ثمة لحظة يمتزج فيها طرفا الثنائية تماماً، فيذوب أحدهما في الآخر ويفنى فيه، ليظهر في الكون جوهر واحد مصمت متسق بالواحدية الصارمة.

ويفضل المسيري استخدام مصطلح “الحلولية” على مصطلح “وحدة الوجود” لسبب تفسيري وتصنيفي دقيق؛ فكلمة “وحدة الوجود” تشير إلى حالة نهائية، مثالية، سكونية وغير قابلة للتدرج، بينما “الحلولية” لفظ مرن يعبر عن عملية التدريج؛ أي درجات الحلول المتفاوتة التي تشكل وحدة الوجود آخر مراحلها وأكثرها غلواً وتطرفاً.

عبقرية “الكمونية”.. فك الاشتباك مع الزهد والدروشة

من الإضافات المفهومية البارعة التي يقدمها المسيري في هذا العمل، إلحاحه على إضافة كلمة “كموني” إلى كلمة “حلولي”، صائغاً تعابير من قبيل “النظام الحلولي الكموني” أو “المرجعية الكمونية”. هذا الاختيار ليس ترفاً لغوياً، بل هو مناورة معرفية ذكية للتخلص من الظلال العاطفية التي تحيط بمصطلحات مثل الحلول ووحدة الوجود في الذهن الثقافي العام.

فعندما يستمع القارئ التقليدي إلى عبارة “وحدة الوجود”، يستدعي عقله فوراً عالماً جميلاً، حالماً، وربما لاعقلانياً من التصوف، والزهد، وأحوال الدراويش، مما يسلب المصطلح قيمته التحليلية الصارمة ويحجبه عن التوظيف الفلسفي والسياسي. أما كلمة “الكمونية”، فإنها تنجز المهمة التفسيرية بكفاءة عالية؛ لأنها تشير مباشرة إلى معنى “المحايثة” والواحدية الصارمة؛ أي القول بأن العالم مكون من جوهر واحد مصمت، مكتفٍ بذاته، لا تتخلله أية مسافات، أو ثغرات، أو ثنائيات، ولا يخضع لأي معيار أو قانون يتجاوزه.

بهذا المعنى، تصبح الكمونية هي الحجر الأساس الذي تتأسس عليه الرؤية المادية الحديثة والعلمانية الشاملة؛ حيث يصبح مركز الكون كامناً في المادة نفسها، وتتحول الطبيعة إلى مرجعية ذاتها، مما يمهد الطريق لإنكار التجاوز، وإقصاء الغيب، ورد الظاهرة الإنسانية المركبة إلى مجرد قوانين حتمية آلية.

 من التنزيل إلى التأويل الباطني.. تجليات التجسد والحلول

يمضي المسيري في تشريح مصطلح “الكمون” (Immanence)، عائداً إلى جذوره اللغوية في العربية والفلسفية في اللاتينية، حيث يعني “البقاء في الشيء والتواري داخله كجزء لا يتجزأ من ماهيته”. حين يُقال في المنظومات الفلسفية إن الإله كامن في الكون، فمعنى ذلك أنهما كيان واحد، وأن القوانين الفاعلة في الطبيعة هي ذاتها جوهر الألوهية. ويستحضر الكتاب مقولة الفيلسوف الإيرلندي جون تولاند الذي نحت مصطلح “البانثييزم” عام 1705 ليؤكد أن الكون والإله حقيقة واحدة لا انفصام فيها.

هذا الكمون الكامل يلتقي مباشرة مع مفهوم “الباطن والباطنية”؛ فالقيمة الباطنية للشيء هي التي يستمدها من طبيعته الخاصة لا من إشارته إلى متعالٍ خارج عنه. ومن هنا، يربط المسيري بين الحلولية والنزعات الباطنية والسحرية عبر التاريخ؛ فالقبالة اليهودية، والغنوصية، والفرق الباطنية في التراث الإسلامي، تشترك جميعاً في ادعاء امتلاك “معرفة خفية” بأسرار البدايات والنهايات، وقدرة على قراءة ما وراء الظاهر عبر الحروف والأرقام والطلسمات.

الباطني، في التحليل المسيري، هو الإنسان الذي يلغي المسافة بين النص وقارئه، وبين الدال والمدلول، مدعياً أن الإله قد تجسد وحل في العالم أو في النص، مما يحول التأويل من أداة لفهم الرسالة المتجاوزة إلى عملية تفكيك واختراق تلغي حدود التكليف ومسافة التنزيه. إنها محاولة مستمرة للالتفاف حول الذات وإعلان الاكتفاء الذاتي الكامن، وهو ما يمهد لنهاية الإنسانية وسقوطها في قبضة الحتميات الطبيعية الصارمة.

لمنظومات المعرفية الثلاث.. المسيري يبني خريطته الإدراكية

لا ينطلق عبد الوهاب المسيري في قراءته للحلولية ووحدة الوجود من مجرد رغبة في رصد الأفكار الشاردة في بطون الكتب الفلسفية، بل يسعى إلى بناء نموذج تفسيري كلي قادر على استيعاب حركة التاريخ البشري برمتها. ولتحقيق هذه الغاية، يقسم المسيري الوجود المعرفي إلى ثلاث منظومات كبرى تتصارع وتتقاطع عبر العصور. المنظومة الأولى هي “المنظومة التوحيدية التجاوزية”، وهي الرؤية التي تؤمن بوجود مسافة وجودية حاسمة بين الخالق والمخلوق، حيث الخالق سبحانه وتعالى مطلق، منزه، ومتعالٍ عن الوجود المادي، بينما الكون إمكانٌ مخلوق خاضع لإرادته، والإنسان مستخلف فيه، يمتلك حرية الإرادة والمسؤولية الأخلاقية. في هذه المنظومة، لا يمكن للنسبي أن يذوب في المطلق، ولا يمكن للمادة أن تكتفي بذاتها، بل تظل الإشارة دائماً متجهة نحو الخارج، نحو التجاوز والغيب.

أما المنظومة الثانية، فهي “المنظومة المادية التفكيكية”، وهي الرؤية التي ترى العالم باعتباره مادة محضة، خاضعة لقوانين طبيعية آلية وحتمية، حيث لا مكان للغيب أو الروح أو المتجاوز، ويصبح الإنسان في ظلها مجرد ذرة غبار في آلة كونية ضخمة، بلا تميز وجودي وبلا رسالة أخلاقية متعالية. وبين هاتين المنظومتين، تقع المنظومة الثالثة التي يخصص لها المسيري هذا الكتاب بأكمله، وهي “المنظومة الحلولية الكمونية”. هذه المنظومة تمثل أخطر المقولات الفلسفية لأنها تطرح نفسها كحل وسط أو كصيغة توفيقية، بينما هي في حقيقتها الجسر المعرفي التمهيدي الذي يعبر بالبشرية من التوحيد والتجاوز إلى المادية الصارمة والتفكيك الكامل.

يرى المسيري أن المنظومة الحلولية تلغي المسافة بين الخالق والكون، وتدعي أن الإله قد حل في العالم وتجسد في تفاصيله، أو أن العالم قد صعد وحل في الذات الإلهية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى القول بوحدة الوجود. الخطورة الكامنة هنا، والتي يفجرها المسيري ببراعة صحفية وفلسفية، هي أن الحلولية حين تلغي المسافة والحدود، فإنها تلغي معها إمكانية المعيارية الأخلاقية؛ فإذا كان كل شيء في الكون هو جزء من الإله أو تجسد له، فإن الشر يصبح وجهاً آخر للخير، والقبح يصبح تنوعاً للجمال، والظلم يغدو جزءاً من الحتمية الكونية، مما يؤدي إلى سيولة أخلاقية شاملة تشرعن الاستبداد والعدمية.

شجرة النسب الفلسفي.. من أفلاطون إلى سبينوزا وهيغل

ليثبت المسيري تغلغل هذه الرؤية في الوعي الإنساني، يعود بنا في رحلة تاريخية معمقة إلى جذور الفكر الغربي، متبعاً شجرة النسب الفلسفي للحلولية. يبدأ من الفلسفة اليونانية القديمة، وتحديداً مع الأفلاطونية المحدثة التي صاغها أفلوطين من خلال نظرية “الفيض”. في هذه النظرية، لا يخلق الله العالم بفعل إرادة واعية ومتجاوزة، بل يفيض العالم عنه كما يفيض النور عن الشمس، أو كما ينبع الماء من العين. هذا الفيض المتدرج يعني أن المخلوقات هي امتداد متصل بالذات الأولى، مما يطمس فكرة الخلق من العدم ويؤسس لأولى صيغ الكمونية الشاملة حيث المادة والروح خيط واحد متصل.

تنتقل هذه العدوى المعرفية، حسب تشريح المسيري، عبر القرون الوسطى لتستقر في قلب الفلسفة الحديثة، وتصل إلى ذروتها النسقية مع الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا في القرن السابع عشر. صاغ سبينوزا معادلته الشهيرة التي تختصر الحلولية في أبهى صورها الفلسفية: “الله أو الطبيعة”. هنا يتم إعلان دمج الإله في المادة بشكل كامل؛ فالإله ليس كائناً مفارقاً للعالم، بل هو الجوهر الوحيد الكامن في كل الموجودات، والطبيعة ليست سوى تجلٍ مرئي لهذا الجوهر. المسيري يتوقف طويلاً عند سبينوزا، معتبراً إياه الأب الحقيقي للعلمانية الشاملة؛ لأنه بنقله المركز من التسامي إلى الكمون، أسس لعالم لا يحتاج إلى وحي أو أنبياء أو مرجعية خارجية، بل يستمد قوانينه وقيمه من ذاته المادية.

ولم يتوقف هذا المسار عند حدود المادية السبينوزية، بل تلقفته المثالية الألمانية مع جيورج فيلهلم فريدريش هيغل في القرن التاسع عشر. صاغ هيغل منظومة حلولية روحية، ادعى فيها أن التاريخ ليس سوى رحلة تطور “الروح الكلي” أو “العقل المطلق” وهو يتجلى في المؤسسات والدول والحضارات، ليعود في النهاية ويتعرف على نفسه من خلال وعي الإنسان. هنا يوضح المسيري كيف تلتقي المادية الصارمة مع المثالية المتطرفة في نقطة واحدة؛ كلاهما يرفض التجاوز، وكلاهما يحصر المطلق داخل حدود الوجود الزمني والمادي، وكلاهما ينتهي إلى إقامة نسق واحدي مصمت يلغي حرية الفرد الإنساني لمصلحة حركة المجموع أو حتمية القوانين الكونية.

جدلية “التأليه الشامل”.. عندما يبتلع الإنسان الطبيعة أو تبتلعه

في هذا الجزء من الكتاب، يقدم المسيري واحداً من أعمق تحليلاته السوسيولوجية والفلسفية، وهي جدلية تأليه الإنسان وتأليه الطبيعة الناتجة عن الرؤية الحلولية. يوضح المسيري أن إيقاع الحلولية يتحرك دائماً بين قطبين متناقضين في الظاهر، متطابقين في الجوهر المعرفي. القطب الأول هو “تأليه الإنسان” (الإنسانية المتطرفة أو النزعة الإنسية المغالية)؛ فبما أن الإله قد حل في العالم، وبما أن الإنسان هو أرقى كائنات هذا العالم وأكثرها وعياً، فإن الإنسان ينصب نفسه إلهاً ومصدراً وحيداً للقيمة والمعيارية. يغدو الإنسان هو سيد الكون المطلق، الذي يمتلك الحق في إعادة صياغة الطبيعة، وتعديل الجينات، وشن الحروب، وصياغة الأخلاق وفقاً لرغباته ومصالحه الذاتية، دون أدنى شعور بالمسؤولية أمام قوة متعالية.

لكن هذا التأليه المغالي للإنسان يحمل في أحشائه بذور فنائه؛ فالحلولية لا تعترف بخصوصية إنسانية مفارقة للمادة. ومن هنا، يرتد البندول فجأة نحو القطب الثاني وهو “تأليه الطبيعة” (أو الطبيعية الصارمة). في هذه اللحظة المعرفية، يكتشف الإنسان أن القوانين الطبيعية والمادية هي الجوهر الحقيقي الوحيد الكامن في الكون، وأن وعيه الإنساني، وأشواقه الروحية، ومنظوماته الأخلاقية ليست سوى إفرازات بيولوجية وتفاعلات كيميائية لا تميزه عن بقية الحيوانات أو الجمادات. هنا تبتلع الطبيعة الإنسان؛ يتحول من سيد للكون إلى مجرد مادة استعمالية، وكائن وظيفي خاضع لحتمية البقاء للأقوى، وتفكك خصوصيته الإنسانية تماماً لتتساوى مع أي كائن مادي آخر.

إن هذه الجدلية، كما يصوغها المسيري  هي التفسير العميق للاضطراب الذي تعيشه الحضارة الغربية الحديثة. فالإنسان الذي بدأ عصر النهضة بإعلان مركزيته وتأليه ذاته في مواجهة الكنيسة، ينتهي به المطاف في عصر ما بعد الحداثة إلى إعلان موت الإنسان نفسه، وتحويله إلى سلعة في سوق استهلاكية ضخمة، أو مجرد أداة في مصنع كبير، أو رقم في الأنظمة الخوارزمية الحديثة. إنها النتيجة الحتمية لإلغاء التسامي والتجاوز؛ فالحلولية التي بدأت بوعود كاذبة بتأليه كل شيء، انتهت عملياً بالوصول إلى مادية تفكيكية تدنس كل شيء، وتنزع القداسة عن الوجود، وتحول العالم إلى غابة إسمنتية تحكمها آليات السوق وحسابات القوة المحضة.

العلمانية الشاملة كصيغة حلولية متطرفة

لا يكتفي عبد الوهاب المسيري في مشروعه برصد الأفكار الفلسفية في سياقها النظري المعزول، بل إنه ينقل المعركة المعرفية إلى قلب الواقع السياسي والاجتماعي المعاصر. وهنا يربط الكتاب، برباط وثيق ومحكم، بين الحلولية وبين ما أسماه المسيري في أدبياته السابقة بـ “العلمانية الشاملة” تمييزاً لها عن “العلمانية الجزئية”. يرى المسيري أن العلمانية الجزئية هي مجرد إجراء إداري أو سياسي يتعلق بفصل الدين عن الدولة، وهو إجراء قد لا يمس بالضرورة الإيمان بالخالق أو المرجعية المتجاوزة في حياة الأفراد الأخلاقية والاجتماعية. أما العلمانية الشاملة، فهي رؤية معرفية كلية للعالم، تقوم في جوهرها على مبدأ الحلول والكمون؛ حيث يُفصل الدين عن الحياة برمتها، وتُنقل القداسة من الخالق المتجاوز إلى العالم المادي المحايث.

في ظل العلمانية الشاملة، تصبح الطبيعة/المادة هي المرجعية النهائية والوحيدة لذاتها، وهو ما يمثل التطبيق العملي الكامل لمذهب وحدة الوجود السبينوزي. لم يعد الإله في هذا النسق هو مصدر القوانين الأخلاقية والمعايير الإنسانية، بل أصبحت القوانين الطبيعية، وحسابات الجدوى الاقتصادية، وآليات السوق، ونوازع القوة، هي الآلهة الجديدة الكامنة في بنية المجتمع. يوضح المسيري بكثير من العمق كيف أن هذه الحلولية العلمانية لا تعلن إلحاداً صريحاً في بداياتها، بل تبدأ بإعلان أن الإله قد حل في القوانين الطبيعية والاجتماعية، ومن ثم، لم يعد هناك داعٍ لاستدعاء الوحي أو القيم المفارقة لتنظيم حياة البشر، فالمنظومة المادية قادرة على إدارة نفسها بكفاءة واكتفاء ذاتي كامل. هذا الانتقال من التنزيه إلى الكمون هو الذي شرعن تجريد العالم من أي مسحة روحية، وتحويل المجتمع الإنساني إلى مجرد مصنع كبير تحكمه أرقام الإنتاج والاستهلاك والمنفعة المادية المحضة.

تفكيك المركز ونهاية الخصوصية الإنسانية

إن النتيجة الحتمية الأولى لسيادة المنظومة الحلولية الكمونية في الفكر الحديث، كما يشرحها المسيري في فصول هذا الكتاب، هي تفكيك مفهوم “المركز” وتدمير الخصوصية الإنسانية. في المنظومة التوحيدية، يمتلك الكون مركزاً متجاوزاً هو الله سبحانه وتعالى، ومن هذا المركز يستمد الإنسان تكريمه واستخلافه، وتصبح الطبيعة مسخرة له كأمانة أخلاقية. أما في منظومة وحدة الوجود، حيث يذوب الخالق في المخلوق وتتساوى جميع الموجودات في جوهرها المادي، فإنه لا يعود هناك أي مبرر لوجود مركز أو تميز لأي كائن على الآخر. يتساءل المسيري هنا بمرارة فلسفية: إذا كان الإله كامناً في الشجرة، وفي الصخرة، وفي الحيوان، وفي الإنسان على حد سواء، فما الذي يجعل الإنسان أرقى من جمادات الكون أو حيواناته؟

هذا الغياب للمركز المتعالي يؤدي مباشرة إلى سيولة معرفية وأخلاقية شاملة، تتجلى بوضوح في فلسفات ما بعد الحداثة التي تعلن التفكيك الكامل والنهائي لكل الثنائيات واليقينيات. يفقد الإنسان في هذا الفضاء السائل هويته الثابتة، ويتحول إلى كائن بلا أبعاد، قابل لإعادة الصياغة المستمرة وفقاً لمتطلبات النظم الرأسمالية والتقنية. إن الحلولية التي ادعت في البداية أنها تريد تحرير الإنسان من القيود الميتافيزيقية وتأليه ذاته، تنتهي عملياً بنزع القداسة عن الإنسان نفسه، ومساواته بالحيوان والآلة، وإلغاء مسؤوليته الأخلاقية. يضرب المسيري أمثلة عديدة من الواقع المعاصر، مثل صعود الحركات البيئية المتطرفة التي تدافع عن حقوق الحيوان والنبات بالتساوي مع حقوق الإنسان، أو الأبحاث الجينية التي تتعامل مع الجسد البشري باعتباره مجرد خامة مادية للاستعمال والتعديل، وهي كلها إفرازات مباشرة لغياب المرجعية المتجاوزة وسقوط الوعي في فخ الواحدية المادية الصامتة.

 العالم كمادة استعمالية.. الهندسة الوراثية والإبادة التكنولوجية

يصل المسيري في تحليله إلى نقطة بالغة الخطورة، حيث يربط بين التصور الحلولي ووحدة الوجود وبين تحول العالم إلى “مادة استعمالية” (Utility) خالية من القيمة أو الأخلاقية الذاتية. حين يُقضى على المسافة بين الإنسان والطبيعة، وحين يُفرغ الكون من أي غائية إلهية أو روحية، فإن العالم يتحول في وعي الإنسان الحديث إلى مجرد مستودع ضخم للمواد الخام المعدة للاستهلاك الفوري. الطبيعة لم تعد تلك الآية الإلهية التي تستدعي التأمل والدهشة والترشيد، بل أصبحت خصماً يجب قهره واستنزافه وصياغته هندسياً لتلبية الرغبات اللامتناهية للإنسان المستهلك.

هذه النظرة الاستعمالية لا تتوقف عند حدود الغابات والمعادن والبحار، بل تمتد لتشمل الإنسان نفسه. يوضح المسيري بكثير من الصرامة المعرفية أن “الهندسة الوراثية” وتقنيات الاستنساخ البشري، والأنظمة الخوارزمية الشمولية التي تدار بها المجتمعات الحديثة، هي الثمار المرة للحلولية المادية. فالإنسان في هذه المنظومة لا يمتلك “حرمة” أو “قداسة” نابعة من نفخة الروح الإلهية فيه، بل هو مجرد تراكم بيولوجي معقد يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه، وتوظيفه لخدمة آلة الإنتاج. ومن هنا، يفسر المسيري ظواهر الإبادة الجماعية، والحروب التكنولوجية الحديثة، ومعسكرات الاعتقال النازية، والاستعمار الاستيطاني، باعتبارها تطبيقات عملية لمنطق المادة الاستعمالية؛ حيث يتم تصنيف بعض الجماعات البشرية كـ “فائض مادي” أو كـ “نفايات ديموغرافية” يجب التخلص منها أو توظيفها قسرياً لأنها لا تساهم في كفاءة النسق المادي الحاكم. إنها اللحظة المرعبة التي يلتقي فيها الشغف التقني الأعمى بالخلو الأخلاقي الكامل الناتج عن طمس معالم التسامي والتنزيه.

وهم “نهاية التاريخ” والحلولية السياسية

في نهاية هذا الجزء من  يتناول المسيري تجليات الحلولية في الفكر السياسي المعاصر، وتحديداً في الأطروحات التي تبشر بـ “نهاية التاريخ” أو بلوغ البشرية مرحلة الفردوس الأرضي النهائي. يرى المسيري أن النظم الأيديولوجية الكبرى في القرن العشرين، سواء كانت الماركسية اللينينية في صيغتها الشمولية، أو الرأسمالية الليبرالية في صيغتها العولمية الحديثة، تشترك جميعاً في بنية معرفية حلولية مغرقة في الكمون. هذه النظم تدعي أن هناك قانوناً حتمياً كامناً في حركة التاريخ والمنظومات الاقتصادية (سواء كان صراع الطبقات أو آليات السوق الحرة)، وأن هذا القانون سيقود البشرية حتماً إلى محطتها الأخيرة حيث يستقر العدل أو يتحقق الرخاء المطلق على الأرض.

هذا الزعم ببلوغ نهاية التاريخ، في التحليل المسيري، هو نوع من “الحلولية السياسية”؛ حيث يتم خلع صفات الإطلاق والكمال والخلود، التي تنفرد بها الذات الإلهية المتجاوزة، على مؤسسة زمنية بشرية مثل الدولة أو السوق أو النظام السياسي. وبسبب هذا التأليه للنسق السياسي، تصبح الدولة مستعدة لارتكاب أبشع الجرائم والتضحية بملايين البشر في سبيل الحفاظ على “قداسة النسق” وحتمية تطوره. إن غياب المسافة بين الواقع والمثال، وبين ما هو كائن وما يجب أن يكون، يلغي إمكانية النقد الأخلاقي؛ فإذا كان النظام السياسي القائم هو تجسيد للمطلق ونهاية للتاريخ، فإن أي معارضة له تصبح خروجاً عن العقل والكون، مما يفتح الباب على مصراعيه لظهور دكتاتوريات شمولية جديدة تتلفع بمسوح العقلانية والتقدم التقني، بينما هي غارقة في ظلمات الواحدية والعدمية الإنسانية.

اختراق الحلولية للنسق العبراني القديم.. من التسامي إلى التجسيد

لا يمكن فهم العبقرية التفكيكية التي ميزت مشروع الدكتور عبد الوهاب المسيري في دراسة الصهيونية دون العودة إلى جذورها المعرفية الكامنة في تطور الفكر الديني اليهودي، وهو ما يعالجه هذا الجزء من الكتاب بكثير من الإحكام والعمق الفلسفي. يوضح المسيري أن العقيدة اليهودية، في مسارها التاريخي الطويل، تعرضت لعملية إزاحة معرفية كبرى نقلتها من أفق “التوحيد والتسامي” إلى قاع “الحلول والكمون”. فبينما جاءت رسالات الأنبياء لتؤكد تسامي الخالق وتنزهه عن الوجود المادي وعن التحيّز العرقي، حدثت عملية “تجسيد” متدرجة ومستمرة، امتزجت فيها الذات الإلهية بعناصر المادة والعالم الزمني، وتحديداً بثلاثة عناصر تشكل المثلث المعرفي للحلولية اليهودية: الشعب، والأرض، والتاريخ.

يرصد المسيري هذا التحول من خلال تتبع رغبة العقل الحلولي في تقليص المسافة بين المطلق والنسبي. فالإنسان المعزول في محدودية المادة يضيق ذرعاً بالإله المتجاوز الذي يطالبه بالتكليف والأخلاق والمسؤولية، فيسعى إلى “أنسنة الإله” وتجسيده في شكل مرئي أو كائن محدد ليمتلك السيطرة عليه. في النسق اليهودي، لم يعد الإله رباً للعالمين وخالقاً لكل البشر، بل تحول في الوعي الحلولي الكموني إلى “إله قومي” أو “رب الجنود” الذي يحل في عرق محدد وفي بقعة جغرافية معينة. هذا الحلول القومي يعني أن الإله يذوب في الشعب، والشعب يصبح تجسيداً للإله على الأرض، مما يلغي التمايز بين ما هو مقدّس وما هو دنيوي، ويؤسس لنموذج معرفي يمنح العرق البشري صفات الإطلاق والقداسة المفارقة لأي محاسبة أخلاقية أو إنسانية عامة.

القبالة الباطنية كذروة للنظم الواحدية الصامتة

يمضي المسيري في تفكيك البنية الفلسفية لـ “القبالة” (أو التصوف اليهودي الباطني)، معتبراً إياها الصياغة النسقية الأكثر اكتمالاً وخطورة للحلولية ووحدة الوجود في التاريخ الغربي. يوضح الكتاب أن القبالة (وخاصة اللوريانية نسبة إلى إسحاق لوريا) ليست مجرد نصوص صوفية تدعو للزهد، بل هي منظومة ميتافيزيقية تفسر الكون بناءً على فكرة “الفيض والتجلي الكموني”. فالعالم وفقاً للقبالة لم يُخلق بفعل إرادة إلهية حرة ومتجاوزة من العدم، بل هو نتاج لعملية انكماش إلهي ذاتي سمحت للكون المادي بالظهور، ثم تلا ذلك فيض من الأنواره الإلهية التي انصبت في أوعية مادية، لكن هذه الأوعية لم تتحمل الضغط فتنكسرت (وهي الواقعة الميتافيزيقية المعروفة بـ “تحطم الأوعية”).

إن هذا التحطم، في التحليل المسيري، أدى إلى تناثر الشظايا الإلهية (المقدسة) واختلاطها بقشور المادة والشر في هذا العالم. ومن هنا، تصبح مهمة الشعب اليهودي وفقاً للوهوت القبالي هي جمع هذه الشظايا الإلهية المبعثرة عبر طقوس خاصة وسلوكيات محددة لإعادة التوازن للذات الإلهية نفسها (وهي عملية التيكون أو الإصلاح). يفجر المسيري هنا القيمة التفسيرية لهذا النموذج الباطني؛ حيث يتبين أن القبالة تلغي تماماً التنزيه الإلهي، وتجعل الإله معتمداً في كماله وإصلاحه على فعل المخلوق. والأخطر من ذلك، أن هذا المنظور يقسم البشرية جوهرياً إلى قسمين: شعب يمتلك في أصل تكوينه شظايا إلهية مقدسة، وبقية شعوب الأرض (الأغيار) الذين ينتمون إلى عالم القشور والمادة المصمتة الخالية من الروح. إنه التطبيق الفلسفي الصارم لوحدة الوجود العرقية، حيث يتحول التمييز العنصري من مجرد موقف سياسي عابر إلى حتمية وجودية وقانون كوني لا يمكن الفكاك منه.

العلمنة الصهيونية واستعارة الرموز المقدسة

يصل المسيري إلى العقدة المركزية في هذا التفكيك، وهي كيفية انتقال هذه البنية الحلولية الباطنية من فضاء الميتافيزيقيا الدينية إلى فضاء الأيديولوجيا السياسية الحديثة المتمثلة في الصهيونية. يرى المسيري أن الصهيونية، في جوهرها، حركة علمانية غربية ولدت في سياق الحداثة الاستعمارية في القرن التاسع عشر، وتبنت الرؤية المادية للحضارة الغربية. لكن العبقرية الماكرة للصهيونية تمثلت في أنها قامت بعملية “علمنة شاملة للحلولية اليهودية”، حيث أفرغت المصطلحات الدينية من مضمونها الغيبي المتعالي، وأبقت على بنيتها الكمونية المادية لتوظيفها كأداة للتعبئة السياسية والاستعمار الاستيطاني.

في هذا السياق، لم يعد “خروج اليهود من المنفى” يمثل انتظاراً لخلاص إلهي متجاوز يأتي في نهاية الزمان برضا الرب وتنفيذاً لأحكامه الأخلاقية، بل تحول إلى مشروع سياسي جيو-استراتيجي تديره قوى إمبريالية ودبابات عسكرية. ولم تعد “الأرض المقدسة” مكاناً للشوق الروحي والعبادة والتكليف، بل تحولت إلى “أرض الميعاد” الجغرافية التي تمتلك قداسة ذاتية كامنة فيها، تمنح الحق لمن يملك السيطرة المادية عليها بطرد سكانها الأصليين وإبادتهم. يوضح المسيري أن الصهيونية نقلت القداسة من الله إلى الأرض والدم؛ فأصبحت الأرض إلهاً يُعبد، وأصبح الدم العرقي معياراً وحيداً للحقيقة والعدالة. هذه الحلولية المفتتة والمسلحة ألغت أي إمكانية للتواصل الإنساني أو للالتزام بالقانون الدولي، لأن النسق الصهيوني يرى ذاته مكتفياً بمرجعيته الداخلية، مستمداً شرعيته من ذاته الكمونية، تماماً مثل المادة السبينوزية التي لا تخضع لأي معيار خارج حدود وجودها وحركتها الآلية.

 معضلة الكيان الوظيفي ونهاية الإنسانية في أرض الميعاد

ينهي المسيري هذا التشريح بالحديث عن المآل الحتمي للكيان الصهيوني باعتباره “جيباً استعمارياً وظيفياً” يعيش أزمة وجودية خانقة ناتجة عن طبيعة بنيته الحلولية. فالصهاينة الذين جاءوا إلى فلسطين مدفوعين بوعود الحلولية القومية التي توهمهم بأنهم شعب الله المختار الذي يعيد بناء مركزه الروحي، وجدوا أنفسهم يتحولون عملياً إلى مجرد “مادة استعمالية” في يد الإمبريالية الغربية. لقد وظفهم الاستعمار الغربي كمخفر أمامي لحماية مصالحه في المنطقة، مفرغاً خصوصيتهم الثقافية والإنسانية، ومحولاً إياهم إلى أدوات تقنية للقتل والدفاع عن نفوذ القوى الكبرى.

هذه المفارقة الوجودية هي ذاتها جدلية تأليه الإنسان وتأليه الطبيعة التي عانت منها الحداثة الغربية. فالإنسان الصهيوني الذي بدأ مسيرته بتأليه عاتقه ودمه والادعاء بأنه فوق البشر وفوق الأخلاق العالمية، ينتهي به المطاف ككائن وظيفي خاضع لحتميات الصراع العسكري الدائم، محاصراً بأسوار الإسمنت والحديد، وعاجزاً عن تحقيق الأمن أو الشرعية الأخلاقية. إن لاهوت الأرض والدم، كما يبين المسيري بصوت الصحفي المحلل الحكيم، ينتهي دائماً بتدمير إنسانية صاحبه قبل تدمير ضحيته؛ لأن إلغاء المسافة التجاوزية مع الغيب وإحلال القوة المادية مكان العدل الإلهي يحول المجتمع إلى ثكنة عسكرية مصمتة، تفقد بالتدريج مسوغات وجودها الإنساني وتتآكل من الداخل بفعل التناقضات الكامنة في البنية الحلولية نفسها.

أفق التجاوز.. إعادة بناء المسافة الوجودية بين الخالق والكون

بعد أن يفرغ الدكتور عبد الوهاب المسيري من رحلته الطويلة والمضنية في تشريح النظم الواحدية والحلولية الكمونية، وتبيان كيف تنتهي حتماً بموت الإنسان وتفكيك الأخلاق، يفتح في الفصول الختامية من كتابه نافذة الضوء والمعادلة البديلة. لا يقف المسيري عند حدود النقد السلبي البارد، بل يطرح “المنظومة التوحيدية التجاوزية” باعتبارها النموذج المعرفي الكفيل بإنقاذ البشرية من سيولة ما بعد الحداثة وعدمية المادية الصارمة. نقطة البدء في هذا البديل التأسيسي هي إعادة الاعتبار والاعتراف بـ “المسافة الوجودية الحاسمة” بين الخالق والمخلوق؛ أي الإيمان بالإله المنزه المتعالي الذي لا يذوب في المادة ولا يحل في التاريخ، بل يظل مطلقاً ومفارقاً لعالم الزمان والمكان.

هذه المسافة الوجودية، في التحليل المسيري، ليست ترفاً لاهوتياً أو مسألة كلامية جافة، بل هي الضمانة الوحيدة لوجود “المعيارية الأخلاقية”. فحين يكون الإله متعالياً ومتجاوزاً للكون، فإن القوانين الأخلاقية وقيم الحق والعدل والجمال تستمد قداستها وثباتها من هذا المصدر المطلق الخارج عن حدود المادة. الأخلاق في هذا النسق التوحيدي لا تخضع لتقلبات السوق، ولا لحسابات موازين القوى السياسية، ولا لأهواء النزعات العرقية، بل تظل معايير ثابتة تُحاكم الواقع ولا يُحاكمها. إن التسامي يعني وجود مركز ونقطة مرجعية ثابتة خارج النسق المادي، ومن خلال هذه النقطة الخارجية يستطيع الإنسان أن ينظر إلى واقع حياته ومجتمعه بعين ناقدة، فيرى الظلم ظلماً والشر شراً، لأنه يمتلك مسطرة معيارية مفارقة لا تذوب في تفاصيل الحدث المادي، مما يمنحه القدرة على الثورة ضد الأمر الواقع والسعي المستمر نحو العدل.

 إعادة تعريف الكينونة الإنسانية.. التكريم والاستخلاف في مواجهة التشيؤ

في ظل هذه الرؤية التجاوزية المبدعة، يعيد المسيري صياغة تعريف “الإنسان” لينقذه من مصير التشيؤ والتحول إلى مادة استعمالية رخيصة. في منظومة وحدة الوجود والمادية الشاملة، رأينا كيف يفقد الإنسان تميزه ويتحول إلى مجرد ترز حتمية بيولوجية أو رقم في خوارزمية رأسمالية. أما في المنظومة التوحيدية، فإن الإنسان كائن ذو طبيعة مزدوجة؛ فهو ينتمي بطلائع جسده واحتياجاته المادية إلى عالم الطبيعة، لكنه يمتلك في باطنه نفخة الروح الإلهية المتجاوزة التي تفصله عن هذا العالم وتمنحه خصوصيته الفريدة. هذا التركيب الإنساني المركب هو الذي يؤسس لمفهوم “الاستخلاف”؛ فالإنسان ليس إلهاً يمتلك الكون ويفسد فيه، وليس حيواناً تبتلعه الغابة الطبيعية، بل هو مستخلف مؤتمن، يحمل أمانة المسؤولية الأخلاقية والإرادة الحرة.

ويوضح المسيري أن هذا التكريم الإلهي للإنسان يمنحه “حرمة وجودية” ذاتية لا يمكن لأي نسق سياسي أو اقتصادي أن ينزعها عنه. فالإنسان مكرم لأنه إنسان، ولأنه نفخة من روح الله، وليس لأنه يمتلك طاقة إنتاجية عالية أو قوة عسكرية غاشمة. هذا الإطار المعرفي يبطل تماماً شرعية النظريات العنصرية، والاستعمار الاستيطاني، والحروب الإبادية؛ لأنه يساوي بين جميع البشر في أصل كرامتهم الإنسانية وفي خضوعهم لتكليف أخلاقي واحد. إن التوحيد، بهذا المعنى، هو الثورة الحقيقية الكبرى ضد العبودية وتأليه الحكام أو الأنظمة؛ فحين يؤمن الإنسان بإله واحد متعالٍ، فإنه يتحرر تلقائياً من عبادة أي قوة مادية على الأرض، ويصبح محمياً من غول التشيؤ الذي تحاول التقنية الحديثة فرضه عليه كل يوم.

تسخير الطبيعة لا قهرها.. نحو وعي بيئي وأخلاقي رشيد

يمتد البديل المعرفي الذي يطرحه المسيري ليشمل علاقة الإنسان بالكون والطبيعة المحيطة به، معالجاً واحدة من أعمق أزمات الحداثة الغربية وهي التدمير البيئي المستمر. يرى المسيري أن المنظومة التوحيدية تقدم مفهوم “التسخير” كبديل عبقري ومحكم لمنطق “القهر والاستنزاف” الحلولي أو المادي. ففي التصور التوحيدي، الطبيعة ليست إلهاً كامناً يُعبد ويوجه، وليست مجرد خامة مادية صامتة خالية من الروح تُستغل بلا كوابح؛ بل هي آية من آيات الله المخلوقة بإتقان وغائية، وسُخرت للإنسان لتعينه على أداء رسالة الاستخلاف، مما يفرض عليه التعامل معها بوعي أخلاقي يتسم بالرعاية والترشيد والأمانة.

هذا الفارق الدقيق بين التسخير والقهر هو الذي يحمي البيئة من الشغف التكنولوجي الأعمى. فالإنسان التوحيدي لا ينظر إلى الغابة أو النهر باعتبارهما مجرد أرقام في حسابات الأرباح والخسائر للشركات العابرة للقارات، بل يراهما جزءاً من معمار كوني متسق، يستدعي التأمل والتسبيح والحفاظ على توازنه. إن الوعي الرشيد بالبيئة، من هذا المنطلق، لا يأتي من خلال الحركات البيئية الحلولية المتطرفة التي تساوي بين الإنسان والحيوان وتلغي الحدود بينهما، بل يأتي من خلال التكليف الإلهي للإنسان بإعمار الأرض لا إفسادها، وهو ما يضع قيوداً أخلاقية صارمة على أبحاث الهندسة الوراثية، والتلوث الصناعي، والعبث بالجينات، مستعيداً التناغم المفقود بين الحضارة الإنسانية والبيئة الطبيعية.

عودة الفضائل المدنية ونهاية القلق الوجودي

يختتم المسيري مشروعه الفكري في هذا الكتاب بالحديث عن أثر التوحيد والتجاوز في بناء “الفضائل المدنية” وفي شفاء الروح الإنسانية المعاصرة من داء القلق والعدمية. يرى المسيري أن الأزمة النفسية والوجودية التي يئن تحت وطأتها إنسان عصر ما بعد الحداثة—المتمثلة في الشعور بالاضتراب، والاغتراب، والوحدة، وتفكك الأسرة والمجتمع—هي النتيجة المباشرة لسيادة نموذج وحدة الوجود الذي فرغ العالم من المعنى والغائية. فحين يعيش الإنسان في عالم مادي مصمت لا سماء له ولا غيب، يتحول وجوده إلى رحلة عبثية تنتهي بالفناء التام في المادة، مما يولد لديه قلقاً مزمناً يدفع به نحو الاستهلاك النهم أو الانتحار الروحي والجسدي.

في المقابل، تمنح الرؤية التجاوزية حياة الإنسان معنى كلياً وغائية تتجاوز حدود الزمن القصير. يصبح لكل فعل إنساني، مهما كان صغيراً، قيمة مطلقة وأثر ممتد في الدنيا والآخرة. هذه الغائية هي التي تحيي الفضائل المدنية مثل التضحية، والإيثار، والعدل، والرحمة، والتضامن الاجتماعي؛ وهي فضائل لا يمكن تفسيرها أو تبريرها منطقياً داخل حدود المادية الصارمة التي تؤمن بالمنفعة الفردية والبقاء للأقوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى