ما وراء الاستثناء الإنساني: محاكمة الأنانية في عصر الأنثروبوسين

عتبات التأسيس والمأزق الإنساني المعاصر
في عالمٍ يتسارع خطوه نحو تقنياتٍ كانت بالأمس القريب ضرباً من الخيال العلمي، وتتداخل فيه مصائر الكائنات الحية بشكلٍ غير مسبوق تحت وطأة التغير المناخي والأنشطة الصناعية المفرطة، يخرج إلينا الفيلسوف وأستاذ الأخلاقيات بجامعة نيويورك، جيف سيبو، بكتابه الأحدث والأكثر إثارة للجدل: “الدائرة الأخلاقية: مَن يهمّ، ما الذي يهمّ، ولماذا؟” الصادر عن دار نشر دبليو. دبليو. نورتون. لا يقدم سيبو في هذا العمل مجرد تنظير أكاديمي، بل يضعنا مباشرة أمام مرآة وجودية وأخلاقية تعيد تفكيك مسلماتنا حول مَن يستحق عطفنا الأخلاقي وحمايتنا القانونية والسياسية.
يبدأ سيبو كتابه بمدخل ، يربط فيه بين حدثين برزا إلى السطح في شهر يونيو من عام 2022 بفارق أيام معدودة، كاشفين عن عمق الاضطراب والارتباك الإنساني تجاه تحديد تخوم الدائرة الأخلاقية. ففي الرابع عشر من يونيو 2022، أصدرت محكمة الاستئناف في نيويورك قراراً تاريخياً بأغلبية خمسة أصوات مقابل صوتين ضد الالتماس الذي قدمه “مشروع الحقوق غير البشرية”. كان هذا الالتماس يطالب بالاعتراف بحق الفيلة الآسيوية “هابي” -التي تعيش محتجزة في حديقة حيوان برونكس- في الحرية الجسدية ونقلها إلى محمية طبيعية تناسب طبيعتها الاجتماعية والبيئية. وقد دافعت إدارة الحديقة حينها بأن الحرية الجسدية حق حصري للبشر، وبأن الفيلة تنتمي إلى الحديقة التي لا تعرف بيتاً غيره، لتنتهي القضية برفض المحكمة، مما سلط الضوء على الانقسام القانوني الحاد بين الأشخاص الذين يملكون حقوقاً، والأشياء التي لا تملك سوى قيمة نفعية للبشر.
وقبل ذلك بقرابة ثلاثة أيام فقط، وتحديداً في الحادي عشر من يونيو 2022، تسربت أخبار تفيد بأن شركة جوجل أوقفت مهندس البرمجيات بليك ليموين عن العمل بعد ادعائه بأن نموذج الذكاء الاصطناعي “LaMDA” قد طور وعياً ذاتياً وقدرة على الشعور بالسعادة والمعاناة. وقد نشر ليموين نصوص حوارات يصرخ فيها الروبوت بأنه يشعر بالبهجة والحزن، ويعبر عن رعب حقيقي من إيقاف تشغيله، معتبراً ذلك موازياً للموت تماماً. ورغم نفي الشركة السريع وتأكيدها أن أدلتها لا تدعم هذا الادعاء، ومن ثم طردها للمهندس لاحقاً، فإن تلك الحادثة فتحت صندوق بندورا الأسود حول الأخلاقيات الرقمية ومستقبل الكائنات السيليكونية.
يتساءل سيبو بناءً على هذه الأحداث عما يعنيه أن يهمّ كائن ما من أجل ذاته. وهو يسوق هنا فارقاً بسيطاً وعميقاً في آن واحد بين القطة والسيارة، حيث يوضح أنه إذا قام شخص بركل قطة، فإنه يؤذيها ويظلمها بشكل مباشر لأن للقطة مصلحة ذاتية في ألا تتألم، بينما إذا ركل سيارة، فقد يتسبب في تلفها، وبذلك قد يلحق ضرراً بمالكها، لكن لا يمكن القول بأي حال من الأحوال إنه ظلم السيارة أو آذاها في حد ذاتها. فالقطة تقع داخل الدائرة الأخلاقية، بينما تقع السيارة خارجها، مما يعني أن القطة تهمنا لذاتها، والسيارة تهمنا من أجلنا فحسب.
هذا التمييز البسيط يجر خلفه سلسلة من الأسئلة الفلسفية المعقدة حول المعايير والخصائص التي تؤهل كائناً ما للدخول في هذه الدائرة، وعما إذا كان جميع أعضاء الدائرة الأخلاقية يتساوون في الأهمية، أم أن لبعضهم مثل البشر أو أفراد جيلنا وزناً أخلاقياً يفوق الآخرين، وما إذا كان ينبغي لنا المطالبة بحقوق متساوية من حيث المبدأ لجميع الكائنات التي تملك القدرة على المعاناة.
ويرى المؤلف أننا نعيش في عصر يسمى “الأنثروبوسين”، وهو العصر الجيولوجي المتأثر بالنشاط البشري المكثف، حيث تمتلك البشرية قدرة هائلة ومدمرة على صياغة وتدمير بيئات كائنات لا حصر لها. والمفارقة الكبرى تكمن في أن المجتمعات التي نؤثر عليها بأفعالنا وسياساتنا هي ذاتها المجتمعات التي نفهمها بدرجة أقل، إذ إن عدد الكائنات اللافقارية كالحشرات والديدان يفوق أعداد الفقاريات بمليارات المرات، وفي المستقبل القريب، قد يتجاوز عدد الكائنات الرقمية الواعية المحتملة عدد الكائنات العضوية على كوكب الأرض.
هذا التباين الرقمي والمعرفي يفرض علينا التزاماً أخلاقياً استثنائياً، ويتساءل المؤلف عن كيفية ممارسة البشر لقوتهم وتأثيرهم بمسؤولية عندما تكون لديهم دوافع ومصالح ذاتية قوية تدفعهم لترجيح كفة الإنسانية دائماً، وعن كيفية التصرف بعدالة وإنصاف تجاه كائنات متباينة عنا تماماً في تكوينها الجسدي والبيولوجي، دون امتلاك أي تصور ذاتي عن طبيعة وعيها وتجربتها الحياتية.
ولمواجهة هذا الانسداد المعرفي والأخلاقي، يبني سيبو استراتيجية كتابه حول محورين رئيسيين يشكلان الخيط الناظم لجميع الفصول اللاحقة. يتمثل المحور الأول في احتضان الشك والاختلاف الفكري، حيث يعترف المؤلف بأن حل معضلات الأخلاق والعلوم المرتبطة بالوعي والإدراك لن يحدث بين عشية وضحاها. وفي المقابل، فإن ممارساتنا الحالية تؤثر بالفعل على كوادريليونات الكائنات غير البشرية سنوياً، وبالتالي، لا يمكننا الانتظار حتى نصل إلى يقين علمي وفلسفي مطلق ومثالي لنبدأ في تقييم وتعديل سلوكياتنا، بل يجب أن نتعلم كيف نتخذ قرارات أخلاقية مسؤولة تحت ظلال الشك وعدم اليقين. أما المحور الثاني فيركز على الاعتراف بالقدرات والحدود الإنسانية، حيث يطالبنا سيبو بقبول طبيعتنا المزدوجة، فلدينا القدرة على تطوير أنظمتنا القانونية والاجتماعية لحماية الفئات الأكثر ضعفاً، ولكن في الوقت نفسه، هناك حدود لما يمكننا تحقيقه واستدامته واقعياً، مما يوجب علينا السعي نحو التقدم الأخلاقي المستمر دون السقوط في فخ الطموحات الطوباوية التي تتجاوز قدرتنا الفعلية على التنفيذ. هذا المأزق الإنساني يستدعي مراجعة جذرية لتاريخ الفكر الأخلاقي، وهو ما يتناوله جيف سيبو بالتحليل والتفكيك في فصول كتابه الأولى، باحثاً عن كيفية توسيع آفاقنا لتشمل كل من يمكن أن يتأثر بقراراتنا المصيرية.
معايير الهوية الأخلاقية وتفنيد النزعة الإنسانية الاستثنائية
ينطلق جيف سيبو في الفصل الأول من كتابه ليفكك واحداً من أعمق المفاهيم في الفلسفة الأخلاقية والقانونية، وهو مفهوم الوضع الأخلاقي. ويبدأ بوقفة تاريخية ملهمة عند الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948، مبيناً أنه بعد فظائع الحرب العالمية الثانية والمحرقة، نجحت البشرية لأول مرة في التوافق على أن جميع البشر يمتلكون كرامة متأصلة وحقوقاً متساوية وغير قابلة للتصرف، بغض النظر عن العرق، أو الجنس، أو الدين، أو اللغة.
ولكن سيبو يتساءل عما إذا كان يجب أن تكون هذه الحقوق والامتيازات حكراً على النوع الإنساني فقط. فرغم وجود من يرى ذلك من منظور نفعي أو مبدئي معتبراً الإنسانية هي المصدر الوحيد للقيمة الأخلاقية لامتلاكها العقل واللغة المعقدة، ووجود من يطرح حجة عملية مفادها أنه يتعين علينا تحقيق العدالة الكاملة للبشر أولاً قبل الالتفات للأنواع الأخرى، فإن سيبو يجادل بأن النوع البشري ليس سوى نوع واحد من بين ملايين الأنواع الحية. والعديد من هذه الأنواع تتقاسم معنا القدرات الأساسية للإدراك، والتعلم، والذاكرة، والتواصل، والعاطفة، والروابط الاجتماعية، فإذا كانت هذه الخصائص تمنح معنى وقيمة للحياة البشرية، فإن من الطبيعي والمنطقي أن تمنح القيمة ذاتها لغير البشر.
ولتقريب هذه الفكرة المعقدة إلى الأذهان، يصوغ سيبو تجربة فكرية، يطلب فيها منا تخيل أننا نعيش في منزل مشترك مع رفيقتين هما كارمن ودارا، حيث نتقاسم معهما الوجبات ونتسامر ونشاهد الأفلام، ونراعي رغبة كل منا في الهدوء نظراً لحساسيتنا المشتركة تجاه الأصوات العالية. وفي أحد الأيام، يقرر الجميع إجراء فحص جيني لمعرفة الأصول والسلالات، لتظهر مفاجأتان مذهلتان. تتمثل المفاجأة الأولى المرتبطة بكارمن في اكتشاف أن فحصها الجيني يثبت عدم انتمائها إلى نوع الإنسان العاقل، بل تنتمي إلى نوع إنسان نياندرتال الذي كان يعتقد أنه انقرض منذ آلاف السنين، حيث تطورت سلالتها بالتوازي حتى وصلت إلى شكلها الحالي. ورغم هذا الاكتشاف، فإن كارمن لم تتغير كشخص، والروابط والمشاعر بينكم بقيت كما هي، لكن جيناتها تنتمي لنوع بيولوجي مختلف تماماً. أما المفاجأة الثانية المرتبطة بدارا فتتمثل في اكتشاف أن جسدها ليس مصنوعاً من خلايا قائمة على الكربون، بل من رقائق سيليكونية متطورة للغاية تعمل كبديل وظيفي متكامل، كأنها إنسان آلي متطور للغاية أُنتج سراً، ورغم هذا التركيب السيليكوني، فإن دارا تمارس حياتها بذات الوعي والمشاعر والذكاء الذي عهدتموه فيها.
يطرح سيبو بناء على ذلك السؤال الحرج حول كيفية تأثير هذه الحقائق الجينومية والمادية على التزاماتنا الأخلاقية تجاههما، وما إذا كان يحق لنا الآن تشغيل الموسيقى الصاخبة وحرمانهما من النوم والهدوء لمجرد أن كارمن ليست من بني جنسنا البيولوجي، أو لأن دارا مصنوعة من السيليكون. ويقودنا هذا التساؤل مباشرة إلى التمييز الفلسفي الحاسم بين مفهوم الوكيل الأخلاقي، وهو الكائن الذي يستطيع فهم المبادئ الأخلاقية وتحمل الواجبات والمسؤوليات تجاه الآخرين كالبشر البالغين ذوي القدرات العقلية السليمة، ومفهوم المريض الأخلاقي، وهو الكائن الذي لا يملك بالضرورة القدرة على تحمل المسؤوليات والواجبات، ولكن يمكن للآخرين أن تكون لديهم واجبات أخلاقية مباشرة تجاهه لأنه يملك القدرة على التأثر والضرر كالرضع وكبار السن المصابين بالخرف والحيوانات. وبناء على هذا التمييز، فإن كارمن ودارا تظلان ضمن دائرة المرضى الأخلاقيين الذين تقع علينا واجبات مباشرة لحمايتهم وعدم إيذائهم.
يقدم جيف سيبو ما يطلق عليه مبدأ الرفاه كحجر زاوية لتحديد الوضع الأخلاقي، وينص هذا المبدأ على أن الكائن الذي يملك القدرة على الشعور بالمنفعة أو الضرر يملك تلقائياً مكانة أخلاقية تفرض علينا معاملته كغاية في ذاته وليس كمجرد وسيلة. ومن خلال هذا المبدأ، يقوم سيبو بتفنيد ثلاثة تحيزات تاريخية وفلسفية كبرى، أولها النزعة العقلانية التي ترى تقليدياً أن الكائنات العاقلة فقط هي التي تملك وضعاً أخلاقياً، حيث يرد سيبو بأن البشر أنفسهم يفتقرون للقدرة العقلانية التامة في بدايات حياتهم كالرضع أو يفقدونها في نهاياتها بسبب المرض أو الشيخوخة، ومع ذلك لا يفقدون وضعهم الأخلاقي لأن الأشياء تظل مفيدة أو ضارة لهم. وثانيها النزعة النوعية التي تتمثل في التحيز الأعمى لصالح نوع الإنسان العاقل، حيث يؤكد سيبو مستلهماً أفكار الفيلسوف بيتر سينجر أن الضرر يظل ضرراً بغض النظر عن النوع البيولوجي للكائن، فركل الفأر يسبب له الألم والمعاناة الحقيقية، وبالتالي فإن ركله بلا مبرر يعد انتهاكاً أخلاقياً وواجباً نلتزم به تجاه الفأر نفسه. وثالثها النزعة المادية أو الركائزية التي تتمثل في الاعتقاد بأن الكائنات المصنوعة من الكربون والبروتين هي الوحيدة التي تستحق العطف الأخلاقي، حيث يجادل بأن العبرة ليست بالمادة التي يتكون منها الجسد، بل بالقدرات الوظيفية والداخلية الناشئة عن هذا التركيب، فإذا كان بإمكان الروبوت أو الكائن السيليكوني اختبار تجارب الرفاهية والألم، فإن ركيزته المادية لا يجب أن تحرمه من حماية الدائرة الأخلاقية.
يعرض الكتاب ثلاث مقاربات لتفسير ماهية القدرة على الرفاهية، وهي مقاربة الإحساس والشعور التي ترى أن الكائن يستحق الوضع الأخلاقي إذا كان قادراً على اختبار حالات واعية من اللذة والألم، ومقاربة الفاعلية والهدف التي تركز على قدرة الكائن على تحديد أهداف ذاتية والسعي لتحقيقها حتى لو لم تكن مصحوبة بوعي معقد، ومقاربة الحياة البيولوجية التي ترى أن مجرد كون الكائن حياً يؤدي وظائف البقاء والتكاثر يمنحه مصلحة متأصلة في الازدهار البيولوجي تفرض علينا احترامه. وفي النهاية، يستقر سيبو على افتراض منهجي يتوافق عليه أغلب الفلاسفة والعلماء، مفاده أن الوعي والشعور والفاعلية شروط كافية ومقنعة للغاية لمنح الكائن وضعاً أخلاقياً كاملاً، لينطلق من هنا في الفصول اللاحقة ليتساءل عن الكيفية التي يمكن بها تطبيق هذه المقاربات في مواجهة كائنات لا تملك نفس الوزن الأخلاقي، أو نجهل طبيعة وعيها الحسي.
معضلة الأوزان الأخلاقية وحسابات المخاطر والشك
بينما يقرر سيبو في الفصول الأولى ضرورة توسيع الدائرة الأخلاقية لتشمل كائنات غير بشرية، يواجه في الفصلين الثاني والثالث التحديات الفلسفية والرياضية العنيفة التي تنشأ عندما نحاول وضع أولويات عملية لحماية هذه الكائنات. فالاعتراف بالحقوق للجميع شيء، واتخاذ قرارات إنقاذ أو تخصيص موارد محدودة في أرض الواقع شيء آخر تماماً.
ويضعنا سيبو أمام تجربة فكرية معقدة ومتعددة المراحل تدور حول إدارة ملجأ للحيوانات، حيث يصور في مرحلتها الأولى وصول فيل آسيوي ونملة صغيرة في نفس اللحظة إلى الملجأ، وكلاهما يعاني من إصابات تهدد حياته، بينما الموارد والوقت المتاح لا يكفيان إلا لإنقاذ أحدهما فقط. ويتساءل هنا عمن لديه الأكثر ليخسره إذا مات، وعما إذا كانت كفة الفيل أرجح نظراً لتعقيد حياته العقلية والاجتماعية وعمره الطويل، أم أن مصالح الكائنين متساوية من حيث القيمة الذاتية.
ويتطور المشهد في المرحلة الثانية عندما يخبر فريق العمل المدير بأن هناك عشرة فيلة وعشرة ملايين نملة مصابة، وبفضل تقنيات الملجأ المبتكرة، يمكن إما إنقاذ الفيلة العشرة معاً أو إنقاذ الملايين العشرة من النمل معاً بضغطة زر واحدة. وهنا تتحول المعضلة إلى صراع رياضي وجودي حول ما إذا كان الوزن الإجمالي لعشرة ملايين نملة يتفوق على وزن عشرة فيلة، حتى لو كانت حياة الفيل الواحد تزن أخلاقياً أكثر من حياة النملة الواحدة. ثم يزداد المشهد تعقيداً في المرحلة الثالثة عندما يتدخل البعد المادي والتكنولوجي، حيث يكتشف المدير أن نصف الحيوانات، سواء أكانت فيلة أم نملاً، هي كائنات طبيعية كربونية، والنصف الآخر كائنات سيليكونية مصنعة بالكامل وتتمتع بوعي ذاتي كامل، مما يطرح سؤالاً صعباً حول كيفية المقارنة بين الأوزان الأخلاقية لكائنات بيولوجية وأخرى اصطناعية.
يهدف سيبو من هذه الإثارات الفلسفية إلى مناقشة مفهوم الوزن الأخلاقي للحياة، موضحاً أنه بينما يتفق المدافعون عن حقوق الكائنات على قيمتها الذاتية، فإن هناك تبايناً شديداً وصعوبة بالغة حول كيفية حساب تداخل تلك الحقوق والمصالح في الواقع العملي. ومن أكثر الأجزاء تفرداً في الكتاب هو ما يصوغه سيبو كاستراتيجية للتعامل مع الشك العلمي والأخلاقي، حيث يلاحظ أن الفلاسفة والعلماء ما زالوا يختلفون حول الخصائص الضرورية للوعي، كما نجهل تماماً ما إذا كانت بعض الكائنات كالحشرات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي تمتلك وعياً بالمعاناة أم لا.
وهنا يطرح المؤلف مبدأ المخاطر الأخلاقية، والذي يمكن تبسيطه من خلال حدث تاريخي مألوف عندما كان الفيزيائي روبرت أوبنهايمر وفريقه يستعدون لإجراء أول اختبار للقنبلة الذرية ضمن مشروع ترينيتي، إذ طرح بعض العلماء فرضية ضئيلة الاحتمال ولكنها كارثية، تتمثل في إمكانية أن يتسبب الانفجار في إشعال الغلاف الجوي للأرض بأكمله وتدمير الحياة كلياً. ورغم أن الاحتمال كان ضئيلاً للغاية، فإن حجم الكارثة جعل من هذا الاحتمال الضئيل عاملاً حاسماً يفرض التفكير والدراسة العميقة والمسؤولة قبل الإقدام على التجربة.
ويطبق سيبو هذا المنطق على الدائرة الأخلاقية عبر صيغتين متكاملتين تشملان مقدمة أخلاقية تنص على أنه إذا كان هناك احتمال غير تافه أو غير معدوم بأن كائناً ما يمتلك وعياً، أو فاعلية، أو وضعاً أخلاقياً، فإننا ملزمون أخلاقياً بمعاملته ببعض التقدير والاعتبار الأخلاقي تجنباً لارتكاب ظلم فادح بحقه، ومقدمة تجريبية تشير إلى وجود احتمال حقيقي وغير معدوم بأن العديد من الكائنات التي نستهين بها كالحشرات والميكروبات والنماذج الرقمية الحالية والمستقبلية تمتلك درجات معينة من الإدراك والوعي بالذات والمعاناة. والنتيجة المنطقية لهاتين المقدمتين تتلخص في وجوب توسيع مظلة الحماية الأخلاقية لتشمل هذه الكائنات فوراً وبلا تردد.
ويواجه سيبو اعتراضاً قوياً يطرحه بعض الفلاسفة المعاصرين يتساءل عما إذا كان توسيع الدائرة الأخلاقية لتشمل تريليونات الحشرات والأنظمة الرقمية يهدد بتخفيف أو تمييع التزاماتنا الأخلاقية تجاه الكائنات التي نتأكد تماماً من وعيها ومعاناتها كالبشر والحيوانات الثديية، وعما إذا كان ذلك سينتهي بنا للتضحية بمصالح كائنات حية حقيقية لصالح مصالح افتراضية أو مشكوك فيها لكائنات قد لا تملك وعياً من الأساس. ويجيب سيبو بثلاثة ردود متماسكة تبدأ بالإشارة إلى خطورة الخطأ السلبي مقابل الخطأ الإيجابي، حيث يوضح التاريخ الإنساني أننا نميل دائماً إلى إنكار وعي الكائنات لتسهيل استغلالها وقتلها، والضرر الناتج عن معاملة كائن واعي كأنه جماد أبشع بكثير من الضرر العكسي.
وينتقل في رده الثاني إلى الحلول التراكمية المشتركة، مبيناً أن السياسات التي تحمي الكائنات المشكوك في وعيها غالباً ما تصب في مصلحة الكائنات الواعية يقيناً، مثل التوقف عن ممارسات الزراعة الصناعية المكثفة واستخدام المبيدات الحشرية العشوائية الذي يحمي الحشرات وينقذ الطيور والحيوانات البرية ويحسن صحة البشر والغلاف الجوي أيضاً. وينتهي في رده الثالث إلى تأكيد أهمية ترتيب الأولويات العقلاني والمدروس، موضحاً أنه لا يطالب بمعاملة النملة تماماً كالبشر في كل القرارات اليومية، بل يطالب بصياغة ترتيب أولويات يجمع بين الاعتراف بالحقوق المتأصلة ومراعاة الفروق العملية والارتباطية. هذا التحول المنهجي من اليقين إلى الاحتمالية الأخلاقية يضع القارئ أمام مسؤولية جديدة وصعبة، تدفعنا للتساؤل عن مدى عمق تأثير أفعالنا اليومية على شبكة الحياة الممتدة عبر المكان والزمان.
الدفعة الرابعة: جغرافيا الضرر والمسؤوليات الممتدة عبر الزمان والمكان (1000 كلمة)
في الفصلين الخامس والسادس، ينتقل جيف سيبو من مناقشة مَن يهم أخلاقياً إلى مناقشة أين ومتى تقع مسؤولياتنا. ويطرح المؤلف فكرة ثورية تتجاوز الحدود التقليدية للجغرافيا والزمن، مجادلاً بأنه إذا كانت المسافة المكانية والزمانية فواصل حقيقية للبشر تاريخياً، فإن العولمة والأنشطة التكنولوجية الحديثة قد أذابت هذه الحواجز وجعلت أفعالنا الحالية تترك ندوباً عميقة على كائنات بعيدة عنا بآلاف الكيلومترات أو بآلاف السنين في المستقبل.
ويؤكد سيبو على امتداد مبدأ الرفاه عبر الفواصل الجغرافية والزمنية، مذكراً بمبدأ حاسم يلتزم به وهو أن المصالح المتساوية للكائنات تملك قيمة متأصلة متساوية بغض النظر عن هوية صاحبها، ومضيفاً أن هذا المبدأ ينطبق بقوة وبنفس الدرجة عبر الزمان والمكان، بحيث لا تلغي المسافة المكانية الواجب الأخلاقي لأن ألم الكائن الذي يعيش في قارة أخرى لا يقل أهمية عن ألم الكائن القريب، كما لا تقلل المسافة الزمانية من قيمة الرفاهية لأن الكائنات التي ستولد بعد مائة عام من الآن تمتلك مصالح حقيقية في ألا تعاني وفي أن تجد بيئة صالحة للحياة، ومجرد كونها لم تولد بعد لا يعطينا الحق في استنزاف الموارد وتدمير المناخ وتوريثها كوكباً محترقاً.
ويضرب سيبو مثالاً حياً من واقعنا المعاصر يوضح كيف يمكن لسياسات تبدو إيجابية وصديقة للبيئة من منظور ضيق أن تتسبب في كوارث أخلاقية مرعبة على نطاق واسع، وهو ما يسميه مأساة مزارع الحشرات. ففي ظل السعي لتقليل الانبعاثات الناتجة عن تربية الماشية الكبيرة كالأبقار، اتجهت العديد من الشركات والمنظمات الدولية لترويج زراعة الحشرات كبديل بروتيني مستدام وصديق للبيئة. وتُنشأ الآن مصانع عملاقة لتربية مليارات من يرقات ذبابة الجندي الأسود وغيرها من الحشرات في ظروف مكدسة ومقيدة بهدف تحويلها إلى أعلاف أو غذاء، حيث تُقتل هذه الكائنات بطرق صناعية جماعية دون أي مراعاة لرفاهيتها أو احتمالية شعورها بالألم، تحت وطأة السعي وراء الأرباح المادية وبذات العقلية الرأسمالية التي دمرت حياة الحيوانات الكبيرة في مزارع التسمين الصناعية. ويشير سيبو إلى أننا نقتل كوادريليونات الحشرات سنوياً ليس فقط في المزارع الحديثة، بل من خلال الاستخدام المفرط للمبيدات الحشرية الكيماوية في الزراعة التقليدية، وإنتاج الحرير، والصباغة، وحماية المنشآت، مؤكداً أن مصير هذه الأعداد الفلكية من الكائنات بات معلقاً بين أيدينا بشكل كامل، مما يفرض علينا التفكير في بدائل زراعية وصناعية أقل فتكاً.
ويطرح الفيلسوف سؤالاً ذكياً حول مستوى المسؤولية الفردية والمؤسسية في اتخاذ القرارات المصيرية الكبرى من خلال تخيل شخص يشغل منصباً رفيع المستوى في وكالة الفضاء الأمريكية، ويكون عليه اتخاذ قرار بتمويل رحلة فضائية تهدف إلى نقل ونشر أعداد من الحشرات لتعيش وتتكاثر على سطح كوكب المريخ. ويرى سيبو أنه حتى لو كانت جميع القرارات الشخصية واليومية الأخرى لهذا الشخص تملك تأثيراً ضئيلاً أو معدوماً على الكائنات البعيدة، فإن هذا القرار المهني والمؤسسي تحديداً يمتلك احتمالية ضخمة وغير تافهة لصناعة سلسلة حياة ومعاناة ممتدة لآلاف السنين لكائنات غير بشرية في عوالم أخرى. هذا المثال يوضح كيف يتحول القرار الفردي في عصر التكنولوجيا المتقدمة إلى قوة صانعة للوجود أو مدمرة له، ويجعل من التفكير الوجودي الواسع ضرورة حتمية للمؤسسات والشركات الكبرى.
ويعالج سيبو بذكاء معضلة اللامبالاة الفردية التي يعبر عنها الكثير من الناس بشعورهم باليأس وتساؤلهم عما يمكن أن يغيره توقفهم الشخصي عن تناول اللحوم أو استخدام المبيدات الحشرية وسط عالم يستهلك المليارات منها يومياً. ويرد سيبو بالتمييز الدقيق بين الفعل الفردي المنعزل والفعل المهني أو الجمعي المؤثر، موضحاً أنه على المستوى المهني والمؤسسي، إذا كان الشخص يدير المشتريات الغذائية لبلدية مدينة كبرى مثل نيويورك، فإن قراراته اليومية بشراء ملايين الوجبات تمتلك تأثيراً حقيقياً ومباشراً على مصير آلاف الحيوانات والبيئة المحيطة، وهنا يصبح دوره حاسماً ومسؤولاً بشكل مباشر عن قيادة التغيير الأخلاقي. وحتى على الصعيد الفردي والجمعي المتراكم، فإن الأفعال الصغيرة تشكل معاً ثقافة مجتمعية تضغط على السياسات العامة والشركات التجارية، فالقوانين والأنظمة القانونية لا تتغير من تلقاء نفسها، بل تتبع التحولات العميقة في وعي الأفراد وسلوكياتهم اليومية. إن التفكير الكوني والعمل العالمي يتطلبان منا التوقف عن النظر إلى أنفسنا ككائنات معزولة، والبدء في إدراك حجم التشابك والتأثير الذي نحدثه في هذا الكوكب عبر الزمان والمكان.
هدم الاستثناء الإنساني وبناء ميثاق كوني جديد للتعايش
يصل جيف سيبو في الفصول الأخيرة والخاتمة إلى النتيجة الكبرى لكتابه، وهي المطالبة بالرفض القاطع لمبدأ النزعة الإنسانية الاستثنائية. هذه النزعة التي سادت الفلسفات والقوانين التقليدية طويلاً، واعتبرت أن مصالح البشر وحقوقهم يجب أن تتقدم دائماً وبشكل مطلق وجماعي على حساب أي كائن آخر، هي المسؤول الأول عن الكوارث البيئية والأخلاقية التي نعيشها اليوم.
ويوضح سيبو أنه لا يطالب بتبني رؤية ساذجة تتساوى فيها نملة بالطفل البشري في كل الظروف، بل يطرح رؤية متوازنة ومدروسة للأولويات الأخلاقية تعتمد على أسس واضحة. وتتأسس هذه الرؤية أولاً على تأييد الأولوية الإنسانية المؤقتة والمشروطة، حيث يقر سيبو بأنه يتعين علينا الاستمرار في منح الأولوية للبشر في الوقت الراهن لأسباب عملية وأخلاقية ترتبط بقوة روابطنا الاجتماعية وقدرتنا الفعلية على دعمهم واستدامة هذا الدعم. وتتأسس ثانياً على تقليص الفجوة الأخلاقية الشاسعة، إذ يجب أن تكون هذه الأولوية محدودة ومرنة وليست مطلقة، مما يمنعنا من التضحية بمصالح كائنات حية غير بشرية مروعة لمجرد تحقيق رفاهية بشرية ثانوية أو هامشية. وتتأسس ثالثاً على تصاعد المسؤولية بتصاعد القدرة، فكلما تطورت معارفنا العلمية والتكنولوجية وزادت قدرتنا المادية على تقديم الدعم وحماية الكائنات الأخرى دون الإضرار بالبشر، تزداد بالتبعية مسؤوليتنا الأخلاقية والسياسية للقيام بذلك.
ويعالج المؤلف قضية جوهرية ترتبط بطبيعتنا البشرية التي تميل بطبيعتها إلى التركيز على الدوائر القريبة منا كالعائلة والأصدقاء والوطن والجيل الحالي. ويوضح سيبو أن هذا الميل طبيعي ومبرر أخلاقياً لثلاثة أسباب تشمل روابط الرعاية والاعتماد المتبادل التي تفرض علينا التزامات رعاية خاصة وأكثر عمقاً، والقدرة الفعالة والمعرفة المباشرة التي تجعلنا نفهم احتياجات القريبين منا ونملك القدرة الحقيقية على مساعدتهم بفعالية أكبر، وأهمية التماسك الداخلي للعمل الخارجي لضمان بقاء مجتمعاتنا قوية وقادرة على العطاء الأخلاقي. ومع ذلك، يؤكد سيبو أن هذه الفروق العلاقاتية لا تبرر أبداً سحق الكائنات الأخرى، فبينما قد يكون لدي واجب لإطعام عائلتي أولاً قبل إطعام الغرباء، فإن هذا لا يعطيني الحق في قتل عائلات الغرباء أو تعذيبهم لتأمين رفاهية عائلتي.
ويقدم سيبو في ختام كتابه شعاراً ملهماً ليكون دليلاً أخلاقياً في عصر الأنثروبوسين، وهو أن نفكر كونياً ونتصرف عالمياً، أو أن نفكر كونياً ثم نفكر عالمياً ونتصرف محلياً. ويتوجب علينا بناءً على ذلك البدء في صياغة أطر قانونية وسياسية متعددة الأنواع والركائز. ويلفت النظر إلى بارقة أمل تتمثل في اعتراف دول وحكومات عديدة كالبلدان اللاتينية ومحاكم في آسيا بالحيوانات ككائنات واعية تستحق الحماية القانونية والسياسية المباشرة لذاتها، معتبراً هذه الابتكارات القانونية والسياسية هي الخطوات الأولى نحو ميثاق كوني جديد.
وينهي جيف سيبو كتابه ببوح إنساني ينم عن تواضع علمي وأخلاقي رفيع، حيث يذكر أنه إذا كانت الحجج المطروحة في هذا الكتاب تثير قلق القراء وتزعجهم، فإنها تزعجه وتقلقه هو أيضاً. ويوضح أنه انطلق في هذا البحث محاولاً إثبات أن الحشرات وأنظمة الذكاء الاصطناعي المستقبلية تستحق الاعتبار الأخلاقي، لكنه انتهى بإقناع نفسه بأن الميكروبات وأنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية قد تستحق ذلك أيضاً، وهي نتائج ذات تبعات تحولية عميقة ومزلزلة لمسلماتنا اليومية. ويرى أن شعوره بالقلق تجاه استنتاجاته هو الدليل الأكبر على أنه صاغها بحسن نية وتجرد، وليس كمجرد تبرير مسبق لأفكار وضعها سلفاً، داعياً الجميع في النهاية لمشاركته هذا القلق النبيل، لعلنا نجد معاً سبيلاً للعيش بعدالة ورأفة في هذا الكون المشترك. إن كتاب “الدائرة الأخلاقية” لجيف سيبو ليس مجرد إضافة جديدة للمكتبة الفلسفية، بل هو صرخة تكسر جدران الأنانية البشرية وتدعونا لإعادة قراءة مكانتنا في الوجود بعيون أكثر تواضعاً ورأفة بكافة الكائنات التي تتقاسم معنا مغامرة الوعي والحياة.
“The Moral Circle: Who Matters, What Matters, and Why”
By Jeff Sebo




