أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

كيف شكلت “الأسطورة اليهودية” السياسة الخارجية لليابان؟

مفارقة الوجود والمتخيل

في مطلع يناير من عام 2015، يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بجانب نظيره الياباني آبه شينزو، ليعلنا في مؤتمر صحفي عن الحقبة الذهبية والتحول غير المسبوق في مستوى التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين تل أبيب وتوكيو. تحدث نتنياهو بنبرة احتفالية عن “العبقرية المتبادلة” التي تجمع بين الشعبين، بينما رد آبه شينزو باستحضار إرث الدبلوماسي الياباني تشيوني سوجيهارا، الذي منح آلاف التأشيرات لإنقاذ اللاجئين اليهود من المحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، مؤكداً على وجود “روابط وأواصر قديمة وعميقة تجمع بين اليابان واليهود”.

تُظهر هذه المقولات الرسمية صورة منسجمة للتاريخ، تدعي وجود تواصل حضاري قديم وفهم متبادل بين أمتين تعيشان على أطراف قارتين متباعدتين. بيد أن الحقيقة التاريخية الأكاديمية الصارمة تكشف عن قصة مختلفة تماماً، قصة تغلفها الأساطير وتتحكم فيها التصورات النمطية المزدوجة.

يأتي كتاب الدكتورة سيلفيا بينجرز (Silvia Pingers) المنسق والشامل: “اليهود في اليابان: الوجود والتصور – معاداة السامية، الفيلوسامية والعلاقات الدولية” (Jews in Japan: Presence and Perception – Antisemitism, Philosemitism and International Relations)، الصادر حديثاً عن دار النشر الألمانية العريقة “دي جرويتر” (De Gruyter, 2024)، ليقدم أعمق وأدق دراسة تفكيكية لهذه العلاقة معقدة الأبعاد.

تطرح بينجرز في هذا العمل الموسوعي أطروحة مركزية تتلخص في أن الوجود الفعلي لليهود على الأراضي اليابانية كان دائماً هامشياً وضئيلاً للغاية من الناحية العددية، إلا أن “التصور المتخيل” لليهودي في المخيلة والوعي الجمعي والسياسي الياباني لعب دوراً هائلاً ومحورياً في تشكيل الهوية الوطنية اليابانية، وصياغة عقيدتها الإمبريالية، بل وحتى في توجيه قرارات سياساتها الخارجية تجاه القوى العظمى.

تظهر المفارقة التاريخية الشديدة التي يرصدها الكتاب في التعايش الفريد والغريب بين اتجاهين متناقضين ظاهرين: “معاداة السامية” (Antisemitism) و”الفيلوسامية” أو إعجاب وولع شديد باليهود (Philosemitism) داخل العقل الياباني. واللافت أن هذين المفهومين في السياق الياباني لا ينبعان من دوافع دينية أو عرقية ناتجة عن الاحتكاك المباشر أو الموروث المسيحي الأوروبي المناهض لليهود، بل ينبعان من مفهوم مظلي أشمل أسماه عالم الاجتماع “زيجمونت باومان” بـ “الآخرية اليهودية” (Allosemitism)؛ وهي حالة من الرؤية المزدوجة للآخر بوصفه كائناً استثنائياً يمتلك قدرات خارقة للنفوذ والمال والسيطرة، مما يجعل النظرة إليه تتأرجح بنحو مفاجئ بين الإعجاب الفائق والحذر الشديد دون الحاجة لوجود مادي حقيقي لأبناء هذه المجموعة.

البدايات الأولية: التجار واللاجئون في الموانئ المفتوحة

تعود بداية التشكل الفعلي للوجود اليهودي في اليابان إلى منتصف القرن التاسع عشر، وبالتحديد مع انتهاء فترة العزلة الوطنية اليابانية (الساكوكو) وتوقيع اتفاقيات التجارة والصداقة الناقصة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية عام 1858. فرضت هذه المعاهدات فتح موانئ ناغاساكي، ويوكوهاما، وكوبي أمام التجارة الدولية، وإقامة معازل سكنية تجارية للأجانب تتمتع بحقوق الامتيازات الأجنبية والخروج عن القانون المحلي (Extraterritoriality).

ضمن هذه الأفواج الأولى من التجار الأجانب الذين تقاطروا على الموانئ اليابانية بحثاً عن الفرص الاستثمارية والأسواق الجديدة، وصلت عائلات تجارية يهودية من خلفيات متعددة:

  1. شبكات العائلات البغدادية (Sephardi/Baghdadi Jews): برزت أسر تجارية جاءت عبر الخطوط التجارية القائمة في الهند وشانغهاي، مثل عائلة إيلياس ساسون (Elias Sassoon) الذي أسس فرعاً لشركته الممتدة في يوكوهاما، بالإضافة إلى عائلات “عزرا” و”يهودا” و”هاردون”. اعتمد هؤلاء على التجارة البحرية، والوساطة الماليّة، وتوريد المواد الخام.

  2. التجار الأوروبيون والبريطانيون: ظهرت شخصيات بارزة مثل الأخوان سامويل (Marcus & Samuel Samuel)، اللذان أسسا شركة “Samuel Samuel & Co” في يوكوهاما وكوبي. لعبت هذه الشركة دوراً حيوياً في النهضة الصناعية اليابانية خلال عصر ميجي (Meiji)، حيث قامت الشركة بشراء سندات حرب يابانية بقيمة 40 مليون ين عام 1897 لدعم الخزانة اليابانية. أسس ماركوس سامويل لاحقاً شركة “شيل” (Shell) النفطية العملاقة.

  3. اليهود الروس والمستوطنون في ناغاساكي: شهدت ناغاساكي تشكُّل أول مجتمع يهودي منظم ومستقر قانونياً ودينياً في اليابان. قاد هذا التأسيس شخصيات مثل “روبين هاسكيل جولدينبرج” الذي أقام سلسلة من الحانات الفندقية لخدمة البحارة الأجانب والأسطول الروسي، وخصص أرباحه لبناء أول كنيس يهودي في اليابان “بيت إسرائيل” (Beit Israel) عام 1896. كما برز اسم “سيجموند ديفيد ليسنر” الذي أسس الجمعية الخيرية اليهودية عام 1901 وجمعية صهيونية محلية عام 1906.

    ورغم هذا النشاط الاقتصادي الملحوظ، تؤكد بينجرز على أن السلطات والمجتمع الياباني لم ينظرا إلى هؤلاء الأفراد بعين التمييز الديني أو العرقي النوعي؛ بل جرى تصنيفهم ببساطة ضمن فئة “الأجانب” (Gaijin). كانت جنسياتهم الأصلية (بريطانية، روسية، أمريكية) هي المحدد الأساسي لهويتهم في الأوراق الرسمية. وبسبب غياب الجذور التاريخية للمسيحية في اليابان، لم تتشكل أي مشاعر كراهية شعبية تلقائية ضد اليهود، بل كان يُنظر إلى شعائرهم الدينية باعتبارها مجرد نمط آخر من أنماط التدين الغربي المسيحي أو التقاليد الشرقية الغريبة.

    صناعة الصورة: بين أسطورة العرق المشترك ورأس المال

    إذا كان الوجود المادي لليهود قد ظل محدوداً، فكيف تدفقت وتطورت الفكرة والتصور المتخيل لليهودي في الثقافة اليابانية الحديثة؟ ترصد الباحثة سيلفيا بينجرز ثنائية تحول الصورة عبر ثلاثة روافد رئيسية أثرت صياغة العقل الياباني في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين:

     أسطورة الأصل العرقي المشترك (The Common Ancestry Theory)

    بدأت هذه النظرية العجيبة على يد المبشر السكوتلندي نومان مكليود (Norman McLeod) الذي نشر في ناغاساكي عام 1879 كتاباً بعنوان “موجز التاريخ القديم لليابان: اليابان وأسباط إسرائيل المفقودة”. ادعى مكليود أن الشعب الياباني ليس سوى السلالة المباشرة لسبط “منسى”، أحد أسباط بني إسرائيل العشرة المفقودة التي تشتت عقب الأسر الأشوري عام 722 قبل الميلاد.

    غرابة هذه النظرية الاستعمارية الغربية كانت تهدف بدايةً لفسير كيف لشعب “ملون” وغير أبيض كاليابانيين أن يحقق نهضة وتطوراً صناعياً وعسكرياً باهراً؛ فكان التفسير الغربي العنصري يستكثر هذا النجاح على شعب آسيوي ما لم يتم ربطه بعرق سامي أو غربي قديم!

    ولكن المفارقة التاريخية تمثلت في كيفية إعادة تدوير هذه الأسطورة داخل اليابان نفسها. إذ لم يرفضها المفكرون القوميون والمسحيون اليابانيون (أمثال أويابي زينشيرو وسايكي يوشيرو)، بل أعادوا صياغتها لتأكيد الفوقية والقدسية الشعبية لليابانيين. واعتبروا أن الشعب الياباني يحتفظ بنقاء سلالي إلهي يجعله المكلف بإنقاذ العالم وإعادة بناء دولة بني إسرائيل في فلسطين تحت مظلة الإمبراطورية اليابانية.

     تجربة جيكوب شيف وتمويل الحرب الروسية-اليابانية (1904-1905)

    شكلت الحرب الروسية اليابانية نقطة تحول جيوسياسية فارقة في التاريخ الحديث. فعندما شنت اليابان حربها ضد الإمبراطورية الروسية، واجهت الخزانة اليابانية جداراً مسدوداً في الحصول على القروض القارية من البنوك الأوروبية. وهنا ظهر المصرفي اليهودي-الأمريكي البارز “جيكوب شيف” (Jacob Schiff)، رئيس مؤسسة (Kuhn, Loeb & Co) الماليّة في نيو يورك.

    قاد شيف كونسورتيوم مالي إنساني واقتصادي ضخم منح اليابان قروضاً متتالية بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 82 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل أكثر من 13 مليار دولار بقيمة اليوم)، وهي السيولة التي غطت أكثر من 68% من التكاليف المباشرة للمجهود الحربي الياباني الذي أدى لنصر توكيو التاريخي.

    قام دافع شيف المعلن على رغبته في الانتقام من النظام القيصري الروسي المعادي للسامية، والذي يرعى مذابح “البوغروم” ضد اليهود في أوديسا وباقي مدن الإمبراطورية الروسية. ولكن بالنسبة للنخبة المالية والسياسية اليابانية، مثل نائب حاكم بنك اليابان “تاكاهاشي كوريكيو”، كان تصرف جيكوب شيف إثباتاً قاطعاً ومباشراً على صواب الفكرة القائلة بأن “اليهود يمتلكون قوة مالية أسطورية عابرة للقارات، وأنهم قادرون على توجيه مصائر الدول والإمبراطوريات”. استقبل الإمبراطور الياباني ميثي جيكوب شيف في القصر الإمبراطوري عام 1906 ووالده وسام “الشمس المشرقة”، ليتحول شيف في المخيلة اليابانية إلى رمز “اليهودي القوي والمحسن والصديق”.

    تحولات الحرب وعقيدة “المؤامرة العالمية”

    مثلما كان قرض جيكوب شيف في حرب عام 1904 السبب الأساسي في ترسيخ أسطورة قوة المال اليهودي الخارقة في وجدان القادة العسكريين والسياسيين اليابانيين، جاءت التطورات العاصفة التي أعقبت ثورة عام 1917 البلشفية في روسيا لتقلب هذه الصورة رأساً على عقب، وتحولها من إعجاب وانبهار إلى حذر شديد وتوجس أمني. فقد وضعت “حملة سيبيريا” العسكرية، التي أرسلت فيها اليابان عشرات الآلاف من جنودها بين عامي 1918 و1922 لدعم القوات الروسية البيضاء المناهضة للبولشفية، الضباط اليابانيين على تماس مباشر لأول مرة مع الأدبيات الأوروبية الأشد شراسة في معاداة السامية.

    في أحراش سيبيريا المعزولة والمعسكرات المحاصرة، اختلط الضباط اليابانيون بقادة القوات الروسية البيضاء المعاديين للثورة البلشفية. وكان أولئك القادة الروس يحملون في حقائبهم نسخة مترجمة ومطبوعة بكثافة من وثيقة مزورة شائعة حينها تُعرف باسم “بروتوكولات حكماء صهيون”. ادعت هذه الكراسة وجود مؤامرة يهودية عالمية سرية تخطط للإطاحة بالأنظمة الإمبراطورية والملكية التقليدية في العالم عبر أداتين متناقضتين ظاهرياً: الرأسمالية المالية العالمية الاحتكارية من جهة، والحركات الشيوعية والبلشفية الثورية من جهة أخرى. بالنسبة للضباط اليابانيين الذين نشؤوا في بيئة تقدس الإمبراطور وتعتبر نظام الحكم الياباني “الكوتاي” كائناً مقدساً وفريداً، نزل هذا الطرح كالصدمة الكهربائية التي هزت عقيدتهم الأمنية والعسكرية.

    عاد أولئك الضباط اليابانيون إلى طوكيو وهم يحملون هذه النص الوهمي، وعلى رأسهم شخصيات عسكرية بارزة كالعقيد ياسوي نوريهيرو والمقدم إينوي كي . قام هؤلاء العسكريون بتشكيل ما عُرف داخل هيئة الأركان العامة اليابانية بـ “حلقة خبراء الشؤون اليهودية”. وبدلاً من أن تؤدي قراءة “بروتوكولات حكماء صهيون” إلى نشوء حركة إبادة أو كراهية شعبية ضد اليهود كما حدث في ألمانيا وحشيتها النازية، أنتج العقل العسكري الياباني قراءة برجماتية نفعية ومختلفة تماماً. لقد صدق هؤلاء القادة العسكريون كل كلمة وردت في كتاب البروتوكولات المزيف، ولكنهم بدلاً من الخوف من هذه “المؤامرة العالمية”، اتخذوا قراراً استراتيجياً غريباً يتلخص في: “إذا كان اليهود يسيطرون حقاً على الاقتصاد العالمي والأعلام والإدارة الأمريكية، فلماذا لا نستغل هذه القوة الهائلة لصالح الإمبراطورية اليابانية ونسخرها لبناء مشروعنا التوسعي في آسيا؟”.

    مشروع الفوغو: هندسة الاستغلال البراجماتي في مانشوريا

    بلغت هذه الرؤية البراجماتية أوج تطورها وتطبيقها العملي في أعقاب الغزو الياباني لإقليم مانشوريا بشمال شرق الصين عام 1931، وتأسيس دولة “مانشوكو” الصورية التابعة لتوكيو. واجهت الإمبراطورية اليابانية في مانشوريا أزمة اقتصادية واستثمارية حادة؛ إذ كانت المنطقة تحتاج إلى استثمارات ضخمة لبناء البنية التحتية، واستخراج المعادن، وتشييد خطوط السكك الحديدية، وتأمين الحدود الممتدة ضد الاتحاد السوفيتي. وهنا بلور خبراء الشؤون اليهودية اليابانيون، بالتنسيق مع رجال الأعمال الكبار وأقطاب الصناعة مثل أيوكاو جيسوكي مؤسس كارتل “نيسان” الصناعي، ما عُرف تاريخياً بـ “مشروع الفوغو” (Fugu Plan).

    تُشبه تسمية المشروع بسمك “الفوغو” السام الشهير في الثقافة اليابانية؛ فهذه السمكة تُعد طعاماً شهياً ولذيذ القيمة الغذائية، لكنها تحتوي على أحشاء سامة للغاية، وإذا لم يقم الطاهي الماهر بقطع السُم بحذر شديد ودقة متناهية، فإن من يأكلها سيموت مسموماً. كانت هذه الاستعارة تجسيداً دقيقاً للنظرة اليابانية لليهود في تلك الحقبة: فهم يمتلكون رؤوس الأموال والعقول الاستثمارية والروابط الدولية الهائلة (اللحم الشهي)، لكنهم يمتلكون أيضاً نفوذاً سياسياً وثورياً قد يهدد النظام الإمبراطوري الياباني إذا لم يُدار بحذر وبراعة (السُم القاتل).

    هدف مشروع الفوغو إلى توطين عشرات الآلاف من اللاجئين اليهود الفارين من بطش ألمانيا النازية وأوروبا الشرقية في إقليم مانشوريا، وتحديداً في مدينة هاربين وشنغهاي. وتلخصت الخطة في منح هؤلاء اللاجئين ملاذاً آمناً وحرية ممارسة الشعائر الدينية والحكم الذاتي الاقتصادي، مقابل استثمار رؤوس أموالهم وتطوير الصناعة في مانشوكو، واستغلال علاقاتهم المفترضة مع الإدارة الأمريكية والرئيس فرانكلين روزفلت لإقناع واشنطن بالاعتراف بالاحتلال الياباني لمانشوريا وضخ القروض الأمريكية في الاقتصاد الياباني. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، عقدت السلطات اليابانية سلسلة من المؤتمرات في هاربين بين عامي 1937 و1939 لجمع الشخصيات اليهودية البارزة في الشرق الأقصى، ووعدتهم اليابان بالعدالة والمساواة وتوفير الحماية الأمنية الكاملة من أي ممارسات عنصرية.

    ملعقة الشاي والدبلوماسية: إنقاذ اللاجئين بين التأشيرات والتحالفات

    شهدت هذه الفترة التاريخية المعقدة تجاذباً حاداً داخل مؤسسات القرار الياباني. ففي الوقت الذي كانت فيه وزارة الحرب والهيئة العسكرية تسعى لتطبيق مشروع الفوغو، كانت وزارة الخارجية اليابانية تقترب بخطى حثيثة من التوقيع على “الحلف الثلاثي” مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية عام 1940. أوجد هذا التحالف الجديد تناقضاً صارخاً بين الالتزام السياسي الياباني مع برلين وبين سياستها البراجماتية تجاه اللاجئين اليهود. ورغم الضغوط الدبلوماسية الألمانية المتكررة على توكيو لتطبيق القوانين العنصرية وتسليم اليهود المتواجدين في المناطق الخاضعة للسيطرة اليابانية، رفضت الحكومة اليابانية الامتثال التام للطلبات الألمانية، واستمرت في اتخاذ سياسة المداراة التي تعطي أولوية للمصالح الوطنية اليابانية فوق أي اعتبار إيديولوجي.

    في هذا الفضاء المتوتر، برزت المبادرات الفردية التي خلدها التاريخ، وعلى رأسها تصرف الدبلوماسي الياباني تشيوني سوجيهارا، القنصل الياباني في مدينة كاوناس بلتوانيا. في صيف عام 1940، ومع إغلاق كل المنافذ بوجه آلاف اليهود الفارين من القوات الممتدة للدولة النازية والاتحاد السوفيتي، قام سوجيهارا بخرق التعليمات المباشرة الصادرة له من وزارة الخارجية في طوكيو. وبدأ بكتابة وتوقيع آلاف تأشيرات العبور (Transit Visas) بيده على مدار الساعة، مما سمح لأكثر من ستة آلاف لاجئ يهودي بالركوب في القطارات عبر السكك الحديدية السوفيتية والوصول إلى ميناء تسوروغا الياباني ومنها إلى كوبي وشنغهاي.

    ولم يكن سوجيهارا الحالة الوحيدة؛ فقد سبقه الجنرال هيجوتشي كيشيرو في عام 1938، الذي سمح لآلاف اللاجئين اليهود بالعبور من الحدود السوفيتية إلى مانشوريا عبر محطة “أوتوبور” حينما كان قائداً عسكرياً محلياً، مخالفا الاحتجاجات الشديدة من السفارة الألمانية في طوكيو. ورغم أن هذه المبادرات تميزت بالبعد الإنساني الأخلاقي الشجاع من قبل أصحابها، إلا أن الدولة اليابانية ذاتها استغلت هذه الأحداث لاحقاً كأدوات في علاقاتها العامة لتلميع صورتها الدولية والدفاع عن موقفها الإنساني خلال الحرب، محاولة إظهار قدرتها على الاستقلال الفكري عن حليفها الألماني وسياسته الإبادية.

    معزل شنغهاي وإعادة التشكل بعد الهزيمة

    وصلت سياسة المناورة اليابانية تجاه الوجود اليهودي إلى لحظة الحقيقة الحاسمة عقب اندلاع حرب المحيط الهادئ وانقضاض الأسطول الياباني على ميناء بيرل هاربر في ديسمبر من عام 1941. أدى دخول اليابان والولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة ومفتوحة إلى انهيار الأسطورة الاستراتيجية التي بني عليها “مشروع الفوغو” بالكامل؛ إذ تبين للقادة العسكريين في طوكيو أن استمالة رأس المال اليهودي الأمريكي لم تفلح في منع واشنطن من إعلان الحرب والتضييق الاقتصادي الشديد على اليابان. وفي الوقت نفسه، تجددت الضغوط الألمانية الشديدة من قبل الحليف النازي، حيث أرسلت برلين ضباطاً من القوات الخاصة لمطالبة اليابانيين بتطبيق “الحل النهائي” والتخلص التام من آلاف اللاجئين اليهود الذين تجمعوا في ميناء شنغهاي الخاضع للسيطرة العسكرية اليابانية.

    رفض السلطات العسكرية اليابانية للاستجابة المباشرة للمطالب الألمانية بتصفية اليهود لم يكن نابعاً من صحوة أخلاقية مفاجئة بقدر ما كان استمراراً للتوجس الياباني من إغضاب قوة يظنون أنها تمتلك القدرة على الانتقام الاقتصادي بعد نهاية الحرب. وبدلاً من التسليم للنازيين، ابتكرت الإدارة العسكرية اليابانية حلاً وسطاً يضمن السيطرة والأمن دون الدخول في مجازر جماعية؛ أعلنت السلطات اليابانية في فبراير من عام 1943 عن تأسيس ما سمي بـ “المنطقة المقيدة لحركة اللاجئين بلا جنسية” في حي هونغكيو الفقير بمدينة شنغهاي، والمعروف تاريخياً بـ “معزل شنغهاي” (Shanghai Ghetto).

    أُجبر نحو عشرين ألف لاجئ يهودي فروا من أهوال أوروبا على الانتقال الفوري والسكن داخل هذه المنطقة المكتظة والمحدودة والمحاطة بالرقابة العسكرية الشديدة تحت إدارة الضابط الياباني كانوه إينوكوزو. عاش هؤلاء اللاجئون في ظروف معيشية وصحية وقاسية للغاية، حيث عانوا من نقص الغذاء والأدوية والتكدس السكاني والبرد القارس، وخضعوا لنظام تصاريح مرور صارم ومزاجي. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه المعاناة الإنسانية البالغة والانتهاكات اليومية، نجت الغالبية العظمى من سكان هذا المعزل من أهوال الإبادة الجماعية التي كانت تلتهم أبناء جلدتهم في معسكرات الموت في أوروبا، وظل المعزل قائماً حتى تحريره مع استسلام اليابان وانتهت الحرب العالمية الثانية في صيف عام 1945.

    أحدث الاستسلام الياباني المذل ودخول قوات الاحتلال الأمريكي بقيادة الجنرال دوجلاس ماك آرثر زلزالاً هائلاً في البنية الفكرية والسياسية للجمهور الياباني. فقد تم تفكيك العقيدة الإمبريالية، وفرض دستور جديد يلغي الجيش وسلاح الحرب، وألغيت المؤسسات العسكرية التي كانت ترعى “حلقة خبراء الشؤون اليهودية”. بيد أن الصور النمطية القديمة لم تختفِ، بل شهدت عملية إعادة صياغة جذرية تتناسب مع الحقبة الجديدة؛ حيث جرى التحول من الفيلوسامية العسكرية الاستغلالية إلى فيلوسامية سلمية ودبلوماسية تعتمد على السعي الجاد لإعادة اندماج اليابان في المجتمع الدولي وحوزة الأمم المتحدة.

    مع إعلان قيام دولة إسرائيل في فلسطين عام 1948، سارعت طوكيو للتعرف على هذه الدولة الجديدة كوسيلة لتقريب نفسها من واشنطن والدول الغربية. وفي عام 1952، أصبحت اليابان أول دولة آسيوية تقيم علاقات دبلوماسية رسمية وكاملة مع إسرائيل، وافتتحت سفارة لها في تل أبيب. غير أن هذه العلاقات الوليدة سُرعان ما تصادمت مع واقع جيوسياسي واقتصادي جديد ومؤلم بالنسبة لتوكيو، وهو حاجة اليابان الهائلة والمطلقة لنفط الشرق الأوسط لإعادة بناء اقتصادها الصناعي المدمر، مما جعلها تقف بين مطرق الرغبة في إرضاء الغرب وسندان الخوف من المقاطعة العربية.

    التوازن الحرج: النفط والمقاطعة العربية والسياسة الخارجية

    دخلت العلاقات اليابانية-الإسرائيلية مرحلة طويلة من الجمود والبرود الدبلوماسي الشديد الممتد لأكثر من ثلاثة عقود عقب اندلاع حرب أكتوبر عام 1973 وفرض الدول العربية المصدرة للنفط حظراً نفطياً على الدول الداعمة لإسرائيل. أحدثت هذه الصدمة النفطية الأولى كابوساً اقتصادياً وهلعاً عارماً في مجتمع الأعمال والمؤسسات الحاكمة في اليابان، حيث أدرك التكنوقراط اليابانيون أن انقطاع تدفقات النفط العربي يعني الشلل التام للشبكة الكهربائية والمصانع اليابانية في غضون أسابيع معدودة.

    تحت وطأة هذا التهديد الشديد، سارعت الحكومة اليابانية برئاسة تاناكا كاكوي في نوفمبر 1973 إلى إصدار بيان رسمي تاريخي عُرف بـ “بيان نيكايدو”، والذي أعلنت فيه طوكيو لأول مرة عن دعمها الصريح للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ودعت إسرائيل للانسحاب الكامل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها في حرب عام 1967 وفقاً لقرارات الأمم المتحدة. ولم تكتفِ اليابان بذلك، بل خضعت بشكل شبه كامل لقواعد “المقاطعة العربية لإسرائيل”؛ حيث امتنعت الشركات الصناعية والمالية اليابانية الكبرى، مثل “تويوتا” و”نيسان” و”سوني” و”باناسونيك”، عن إجراء أي تعاملات تجارية أو الاستثمار المباشر أو فتح فروع لها داخل إسرائيل خوفاً من إدراجها على القائمة السوداء وحرمانها من الأسواق العربية والنفط الخليجي.

    انعكس هذا الخضوع الاقتصادي على الدبلوماسية الرسمية اليابانية، حيث اتبعت وزارة الخارجية اليابانية سياسة “الدبلوماسية المنخفضة والباردة” تجاه إسرائيل. تم إرجاء زيارات الوزراء والمسؤولين رفيعي المستوى بين البلدين، وتجنبت طوكيو إبرام أي اتفاقيات تجارية أو تكنولوجية مهمة مع تل أبيب، في حين حرصت على تعزيز علاقاتها مع الدول العربية وإرسال المساعدات التنموية للشرق الأوسط. استمرت هذه حالة التوازن القسري المايل لصالح العالم العربي طوال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث فضلت اليابان تأمين أمن الطاقة واحتياجاتها الاقتصادية على حساب أي اعتبارات أخرى، تاركة العلاقات مع تل أبيب في زاوية التجميد الدبلوماسي الحذر.

    ظاهرة الأدبيات الشعبية وتحولات النظام الدولي

    في الوقـت الذي كانت فيه السياسة الخارجية الرسمية للحكومة اليابانية تخضع لحسابات برجماتية دقيقة وباردة توازن بين نفط الخليج ومقتضيات التحالف مع واشنطن، شهدت المطبوعات وسوق النشر المحلي في اليابان خلال الثمانينيات موجة عارمة وغير مسبوقة من انتشار الأدبيات الشعبية المعادية للسامية. أخذت هذه الظاهرة طابعاً تجارياً واسع النطاق؛ إذ تصدرت الكتب التي تتناول “المؤامرة اليهودية العالمية” قائمة المبيعات الوطنية، وبيع منها ملايين النسخ في المكتبات الكبرى والمحطات. كتب مؤلفون يابانيون بارزون مثل أونو ريوشو وأونو ياسوهيتو سلسلة من الأعمال الرائجة التي تحمل عناوين مثيرة مثل “إذا فهمت اليهود ستفهم العالم” و*”المؤامرة اليهودية للسيطرة على الاقتصاد الياباني”*.

    المثير في هذه الموجة الثقافية الشاذة هو أن انتشار هذه الكتب لم يكن مقترناً بظهور مظاهر كراهية ميدانية أو ممارسات عنف ودعوات إقصائية ضد الأفراد اليهود المقيمين في اليابان. فقد استمر النمط الذهني القائم على مفارقة “الآخرية الاستثنائية” في العمل بنفس الآلية التقليدية؛ إذ نظر القارئ الياباني العادي إلى هذه المؤامرات المتخيلة بكثير من الذهول والإعجاب والتهيب، وليس بالضرورة بالكره الحاقد. جرى تفسير الفورة الاقتصادية التي شهدتها اليابان في عصر “اقتصاد الفقاعة” وارتفاع قيمة الين وتفوق الشركات اليابانية على المنافسين الأمريكيين باعتبارها تهديداً دفع “القوى المالية اليهودية السريّة” في نيويورك وواشنطن للتآمر والتخطيط لضرب الاقتصاد الياباني وتقويض نهضته عبر اتفاقيات صspace المالية وإعادة هيكلة الأسواق.

    غير أن هذا المشهد الفكري والسياسي المعقد سرعان ما تعرض لعملية زلزال واعادة هيكلة جذرية شاملة مع بداية التسعينيات؛ إذ تضافرت ثلاثة تحولات تاريخية كبرى لتعيد صياغة المسار بالكامل. تجسد التحول الأول في انفجار “فقاعة الاقتصاد الياباني” ودخول البلاد في مرحلة الركود الطويل المسماة “العقد المفقود”، مما أدى إلى تراجع اندفاع حركة النشر الشعبية وافتقاد أطروحات المؤامرة الجماهيرية لبريقها السابق. أما التحول الثاني فتمثل في الانهيار المدوي للاتحاد السوفيتي وانهاء الحرب الباردة، مما أدى إلى بروز النظام الدولي أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، واضطرار اليابان لإعادة تقييم تموقعها الجيوسياسي ودورها الدولي في شرق آسيا والعالم.

    أما التحول الثالث والأهم على صعيد الشرق الأوسط، فكان انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 والتوقيع على اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993. أتاح هذا التطور الدبلوماسي التاريخي لليابان مخرجاً مثالياً للتحلل التدرجي من ضغوط المقاطعة العربية وتجاوز عقدة بيان نيكايدو لعام 1973. رأت طوكيو في عملية السلام الإقليمية غطاءً سياسياً وقانونياً يسمح لها ببناء روابط اقتصادية وسياسية مباشرة ومفتوحة مع إسرائيل دون الخوف من التعرض لحظر نفطي جديد أو إغضاب الدول العربية المصدرة للطاقة.

    أحدث هذا التغير النوعي تحولاً سريعاً ومفاجئاً في سلوك مجتمع الأعمال والمؤسسات الاقتصادية اليابانية الكبرى تجاه تل أبيب. ألغت شركات عملاقة مثل تويوتا ونيسان وميتسوبيشي وسوني وحظرها المباشر، وبدأت في تصدير منتجاتها وضخ استثماراتها في السوق الإسرائيلي. وزاد من هذا الاندفاع التحول الهيكلي في طبيعة الاقتصاد العالمي نحو مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والبرمجيات؛ حيث وجدت الشركات اليابانية التي تعاني من بطء الابتكار الداخلي في بيئة “منظومة الشركات الناشئة” الإسرائيلية شريكاً حيوياً ومكملاً يقدم حلولاً تكنولوجية مرنة وسريعة، وهو ما مهد الطريق للانتقال نحو عصر جديد من الشراكة الاستراتيجية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.

    حقبة “آبه” والمقاربة الاستراتيجية الحديثة

    دخلت العلاقات اليابانية-الإسرائيلية مرحلة غير مسبوقة من الزخم والتقارب المؤسسي الشامل مع صعود رئيس الوزراء الياباني الراحل آبه شينزو إلى السلطة في ولايته الثانية عام 2012. تبنى آبه عقيدة سياسية وخارجية هجومية تُعرف بـ “الدبلوماسية القائمة على النظرة الشاملة للكرة الأرضية”، هدفها الفكاك من قيود العزلة السلمية التقليدية التي فرضت على اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتعزيز حضور توكيو الجيوسياسي في أرجاء العالم لمواجهة الصعود العسكري والاقتصادي المتنامي للصين. وفي هذا السياق الاستراتيجي الجديد، لم يعد يُنظر إلى إسرائيل مجرد نقطة توتر إقليمية في الشرق الأوسط يجب تجنبها لحماية تدفقات النفط، بل تحولت في الفكر السياسي الياباني إلى شريك تكنولوجي وأمني حيوي يمتلك مفاتيح الابتكار المتقدم في مجالات الفضاء، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا العسكرية المزدوجة الاستخدام.

    شهد عام 2015 نقطة الذروة التاريخية لهذا التحول الدبلوماسي الكبير؛ حيث قام آبه شينزو بزيارة رسمية تاريخية إلى تل أبيب على رأس وفد اقتصادي وتكنولوجي رفيع المستوى، رد عليها بنيامين نتنياهو بزيارات متكررة إلى توكيو. أثمرت هذه الزيارات عن توقيع حزمة من الاتفاقيات الاستراتيجية والتاريخية، شملت اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة، واتفاقية التعاون في مجال الدفاع والأمن السيبراني، وتسهيل حركة تبادل الخبراء والباحثين. أدى ذلك إلى قفزة هائلة في حجم الاستثمارات اليابانية المباشرة داخل قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، حيث تدفقت مليارات الدولارات من صناديق الاستثمار والشركات اليابانية الكبرى للسيطرة على حصص في الشركات الناشئة، وتأسيس مراكز بحث وتطوير مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والسيارات الذكية السير، والتكنولوجيا الحيوية.

    ومع ذلك، تظهر القراءة التي تقدمها الدكتورة سيلفيا بينجرز أن هذا التقارب الحديث لا يخلو من ظلال الأساطير والتصورات التاريخية القديمة التي لم تتغير جوهرياً، بل أعيد إنتاجها واستدعاؤها بأساليب دبلوماسية حديثة. فعندما يستحضر القادة اليابانيون والإسرائيليون في المؤتمرات الصحفية إرث الدبلوماسي “تشيوني سوجيهارا” أو يتحدثون عن “العبقرية الاستثنائية والتقاربات الحضارية”، فإنهم يمارسون توظيفاً سياسياً وانتخابياً لوثائق التاريخ. تعود الدولة اليابانية لاستخدام القصة الإنسانية لسوجيهارا لتأكيد وجهها التسامحي كدولة راعية لحقوق الإنسان وقيم السلام، بينما تستغل المؤسسة الإسرائيلية هذه الروايات لترسيخ مقولة إن إسرائيل تحظى بتفهُم وعاطفة تاريخية خاصة في أقصى الشرق، متجاهلة التعقيدات والسياقات البراجماتية الصلبة التي وجهت السلوك الياباني عبر العقود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى