أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

اقتصاد تحت الركام :ثلاثية البقاء الاقتصادي للسودان

الوثيقة التي تقرأ التاريخ في لحظة اشتعاله

حينما يصدر بنك التنمية الأفريقي تقريره المخصص لبلد ما، فإن العادة جرت أن تنصرف الأنظار نحو الأرقام المألوفة: معدلات النمو المحتملة، ونسب العجز في الميزانية، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. غير أن التقرير الخاص بالسودان لعام 2026، الموسوم بعنوان لافت: “تعبئة التمويل التنموي للسودان على نطاق واسع في عالم متشرذم” (Mobilizing Sudan’s Development Financing at Scale in a Fragmented World)، يستدعي مقترباً مختلفاً للقرّاء والمحللين. إنه ليس مجرد مسح إحصائي يضاف إلى رفوف مكتبات التنمية الدولية، بل يمثل وثيقة تشريحية مريرة وعميقة تقع عند التقاطع الحرِج بين الجغرافيا السياسية المستعرة والأزمة الإنسانية الممتدة والشلل المالي الشامل.

إن قراءة هذا التقرير تفرض على الناقد الصحفي التخلّي عن المفاهيم التقليدية المعمول بها في تقييم الاقتصاديات النامية؛ فالسودان الذي يتناوله التقرير ليس اقتصاداً يمر بمرحلة تباطؤ دوري ضمن دورة أعمال طبيعية، بل هو كيان اقتصادي تعرّض لهزات متلاحقة أدت إلى تفكيك ركائزه الأساسية وشلّ قدرته على إعادة إنتاج ذاته. ومع ذلك، يحاول التقرير تقديم رؤية استشرافية تزاوج بين قسوة الأمر الواقع وإمكانية التعافي، متلمساً مسارات تقنية وسياساتية للإنقاذ في وقت تشهد فيه الساحة الدولية انقساماً واستقطاباً غير مسبوقين.

الفصل الأول: تعافي الشلل ومفارقات النمو الحذر

يسجل التقرير في فصله الأول تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسودان، مشيراً إلى حدوث انتعاش دوري طفيف بلغت نسبته 1.2% خلال عام 2025، وذلك بعد انكماش كارثي زادت نسبته عن 13.5% في عام 2024 (و37.5% في عام 2023). وتتوقع التقديرات أن يواصل هذا المنحنى صعوده الحذر ليصل إلى 2.1% في عام 2026، ثم 3.2% في عام 2027.

لكن هذه الأرقام ذات الإشارة الموجبة قد تعطي انطباعاً مضللاً إذا ما قُرئت بمعزل عن سياقها المتدهور. فالنمو المسجل في 2025 ينبع أساساً من تأثير “القاعدة المنخفضة” بعد الهبوط المريع في السنوات السابقة، ويتركز في قطاعات محددة كالزراعة المطرية والخدمات في الولايتين الشمالية والشرقية وبعض المناطق المركزية التي شهدت استقراراً نسبياً وأعمال ترميم محلية، إلى جانب تدفقات المساعدات الإنسانية. أما باقي أنحاء البلاد، وخاصة المناطق المتأثرة بالقتال المباشر، فما تزال تعاني من توقف شبه كامل للشريان الإنتاجي والتجاري.

إن هذه المفارقة تضعنا أمام نمو غير متكافئ جغرافياً وهش؛ إذ يتوقف استمراره على وتيرة الوضع الأمني وتوفر القدر الأدنى من البنية التحتية والموارد. وكما يوضح التقرير، فإن أي اضطراب جديد في سلاسل الإمداد أو تصاعد في أعمال العنف كفيل بإعادة هذه المعدلات الإيجابية إلى مربع الانكماش مجدداً.

التضخم وانهيار العملة: معركة البقاء اليومي

إذا كان نمو الناتج المحلي يمثل المحرك الكلي للاقتصاد، فإن التضخم وحجم التدهور النقدي يمثلان الشاشة التي ينعكس عليها واقع المواطن اليومي. يوضح التقرير أن معدل التضخم، وإن شهد تراجعاً نسبيّاً من مستواه القياسي المرتفع البالغ 170.1% في عام 2024 إلى 150.2% في عام 2025، يظل عند مستويات جامحة تحرق أجور المواطنين وتلتهم أي مدخرات متبقية. ومن المتوقع أن يستمر هذا التراجع الوشيك ليبلغ 78.3% في 2026 ثم 51.3% في 2027، شرط عدم وقوع صدمات خارجية إضافية وتراجع الاعتماد على التمويل التضخمي.

ولعل المتهم الأول في إذكاء نار التضخم هو ظاهرة “الهيمنة المالية” (Fiscal Dominance)، حيث تلجأ السلطات الحكومية نتيجة جفاف الإيرادات العامة واضمحلال القاعدة الضريبية إلى استسهال خيار التمويل المباشر من بنك السودان المركزي—أو ما يُعرف بطباعة النقود—لتغطية النفقات الحاكمة والأجور ومصاريف الطوارئ. هذا النمط من التمويل أدى إلى تضخم كتلة النقد بدون غطاء إنتاجي مقابل، مما أسفر عن فقدان الجنيه السوداني لنحو 90% من قيمته مقابل العملات الأجنبية بين عامي 2021 و2025.

هذا الانهيار المتواصل في القوة الشرائية أخرج فئات واسعة من الطبقة الوسطى ودفع بها إلى مسار الفقر المتقع. وتظهر أرقام التقرير ارتفعت نسبة الفقر من 64.6% في عام 2021 إلى 66.1% في عام 2022، لتسجل قفزة مؤلمة وتصل إلى 71% بحلول عام 2025 (مقارنة بـ 36% فقط قبل اندلاع النزاع المسلح). وهي أرقام تعكس حساسية المشهد الاجتماعي وتدهور مؤشرات التنمية البشرية، حيث يحتل السودان المرتبة 176 من بين 193 دولة في مؤشر التنمية البشرية لعام 2023.

أزمة الشرق الأوسط الصادمة: صدمة فوق صدمة

لا يكتفي التقرير بتحليل الأسباب الداخلية للأزمة، بل يخصص مربعاً تحليلياً شاملاً (Box 1) لبحث تداعيات الأزمة المشتعلة في الشرق الأوسط واضطرابات البحر الأحمر على الاقتصاد السوداني. السودان، بحكم موقع الجغرافي الممتد على الساحل الغربي للبحر الأحمر واعتماده الكثيف على واردات الغذاء والوقود، يقف في مقدمة الدول المتأثرة بهذه الصدمات الإقليمية.

يشير التقرير إلى أن أسعار الوقود والمواد الغذائية الأساسية شهدت ارتفاعاً بنسبة تصل إلى 30% بسبب اضطراب سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري. ويشكل هذا الارتفاع الضاغط عبئاً إضافياً على فاتورة الاستيراد الحكومية وعلى ميزانيات الأسر التي باتت تعجز عن تأمين القوت اليومي. علاوة على ذلك، يؤثر التوتر الإقليمي سلباً على تحويلات المغتربين السودانيين في دول الخليج العربي—والتي تمثل شريان حياة حيوياً لآلاف العائلات في الداخل—إذ تسببت الاضطرابات الاقتصادية الإقليمية وتقلبات أسعار الصرف في عرقلة انتظام هذه التدفقات النقدية.

ويرسم التقرير سيناريو بديلاً تحذيراً: إذا ما استمرت أزمة الشرق الأوسط وتفاقمت اضطرابات الملاحة، فإن معدل التضخم في السودان قد يرتفع بمقدار 6 نقاط مئوية إضافية في عامي 2026 و2027، مما يفاقم عجز الحساب الجاري الذي سجل 6.0% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 ويتيح الفرصة لاستنزاف ما تبقى من احتياطيات النقد الأجنبي، والتي هبطت إلى مستويات حرجة للغاية تبلغ نحو 1.17 مليار دولار أمريكي (ما يكفي لتغطية استيراد شهر واحد فقط).

مأزق الديون واختناق الحسابات الخارجية

يقدم التقرير تحليلاً مقارناً يظهر كيف تحول مأزق الدين الخارجي في السودان إلى حاجز يمنع النفاذ إلى أي تمويل دولي ميسر. في يونيو 2021، كان السودان قد وصل إلى “نقطة القرار” ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، حيث كان من المتوقع شطب وإعادة هيكلة أكثر من 50% من ديونه الخارجية البالغة 56 مليار دولار (والتي كانت تعادل 163% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020). لكن المسار توقف كلياً عقب الاستحواذ العسكري في أكتوبر 2021 وما تلاه من اندلاع للنزاع المسلح في أبريل 2023، مما أدى إلى تجميد المحادثات مع نادي باريس الدائن والدائنين المستقلين.

تراكمت المتأخرات، وصُنف السودان رسمياً ضمن الدول المتواجدة في حالة ضائقة ديون حادة (Debt Distress). هذا الوضع يمنع المؤسسات التمويلية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي وبنك التنمية الأفريقي، من تقديم قروض تنموية جديدة، ويقتصر التعاون الحالي على المساعدات الإنسانية الفنية والمنح المحدودة.

وفي المقابل، يوضح التقرير كيف أصبحت خدمة الدين المالي عبئاً يستنزف الموارد المحلية المحدودة؛ فعلى الرغم من أن السودان يوقّف فعلياً سداد معظم أقساط الديون الخارجية الدائنة بانتظار استئناف اتفاقيات HIPC، إلا أن مجرد تراكم الفوائد والمتأخرات يحرم الاقتصاد من استعادة تصنيفه الائتماني ويجعل تكلفة الاقتراض للقطاع الخاص مستحيلة عملياً.

خيارات السياسة المالية والنقدية: ترتيب الأولويات

أمام هذا المشهد المعقد، يعاد طرح السؤال المحوري: ما هي الخيارات المتاحة أمام صناع القرار لإدارة ما يمكن إدارته؟ يقدم التقرير مصفوفة من السياسات والتوصيات المتدرجة والمرحلية، منبهاً إلى أن فرض إصلاحات هيكلية قاسية دفعة واحدة في ظل الحرب والأزمة الإنسانية يعد خياراً غير واقعي ومحفوفاً بالمخاطر الاجتماعية.

  1. على صعيد السياسة المالية:

    يوصي التقرير بإجراءات عاجلة وقابلة للتطبيق، تركز على مراجعة وترشيد الإعفاءات الضريبية الشاسعة التي تُمنح دون جدوى اقتصادية مثبتة، إلى جانب ضبط الجباية الجمركية وتفعيل التحصيل الإلكتروني لكبار المكلفين في المناطق الآمنة. وعلى جانب النفقات، يجب إعادة توجيه الموارد المتاحة نحو شبكات الحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي، وصيانة خدمات الصحة والتعليم الأساسية، مع إحكام الرقابة لمنع التسرب في النفقات غير الأساسية.

  2. على صعيد السياسة النقدية وسعر الصرف:

    يتعين على البنك المركزي وضع حد حاسم للتمويل المباشر لعجز الموازنة، وتوفير أدوية سياسة نقدية أساسية كإدارة السيولة وتقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر في السوق الموازي. ويتطلب هذا الأمر تدريجياً توحيد سوق الصرف وبناء الحد الأدنى من الاحتياطيات الوقائية لحماية العملة من الانهيارات المتتالية.

  3. على صعيد الإصلاحات المؤسسية والحوكمة:

    يشدد التقرير على أهمية بدء خطوات ملموسة لمكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية في إدارة موارد الثروات الطبيعية (وعلى رأسها الذهب)، بالإضافة إلى تفعيل الرقابة المالية الأساسية على المؤسسات المملوكة للدولة. إن استعادة ثقة المواطن والدائنين تبدأ من إثبات كفاءة وحوكمة إدارة المال العام.

تشريح فجوة الاحتياجات التنموية

تتضاعف قسوة القرءة النقدية للتقرير حين ينقلنا بنك التنمية الأفريقي من رصد المؤشرات الماكرواقتصادية العامة إلى قياس الفجوة المالية الفعلية اللازمة لإعادة بناء ما دمرته الأزمة السودانية. ففي ظل بيئة دولية متشرذمة تتسم بالتكتلات الاقتصادية المتنافسة، وتراجع حساسية المانحين التقليديين تجاه الأزمات الممتدة، وتصاعد نزعات الحماية المالية، يواجه السودان معادلة رياضية شبه مستحيلة. إن التقرير يكسر حاجز التكتم الإحصائي ليصارح المجتمع الدولي بحجم الأموال المطالب بتقديمها لإنقاذ بلد يتهاوى عند مفارق الطرق الاستراتيجية في أفريقيا والشرق الأوسط.

إن السؤال الذهبي الذي يفرضه التقرير في نسخته لعام 2026 ليس متعلقاً فقط بمدى قدرة الاقتصاد السوداني على امتصاص الصدمات، بل يتعلق بمدى واقعية الآليات التي صُممت لتقديم التمويل التنموي على نطاق واسع في ظل تعطل الأدوات المالية التقليدية وشلل الجهاز المصرفي التجاري والتنموي داخل البلاد.

تشريح الفجوة المالية: 13.3 مليار دولار سنوياً من العجز المتراكم

يكشف التقرير عبر مسح مالي دقيق أن السودان يواجه فجوة تمويل تنموي سنوية تقارب 13.3 مليار دولار أمريكي، وهو رقم يعكس حجم الهوة بين ما هو متاح فعلياً من إيرادات محلية ومنح إنسانية محدودة، وبين ما يتطلبه تحقيق أهداف التنمية المستدامة واستعادة الحد الأدنى من الخدمات العامة والأساسية. وتتوزع هذه الفجوة الهائلة على قطاعات حيوية تشمل البنية التحتية، وإعادة بناء المستشفيات والمدارس، ودعم السلع الغذائية والزراعية، وترميم محطات المياه الكهرباء التي خرجت عن الخدمة.

إن هذه الفجوة المالية لا تمثل مجرد رقم في جدول محاسبي، بل تعكس الشلل الهيكلي الذي أصاب شريان التمويل العام. فمع تراجع الإيرادات الضريبية الحكومية إلى أدنى مستوياتها التاريخية نتيجة لتوقف النشاط التجاري والصناعي في مناطق النزاع، انكمش الوعاء الضريبي وتلاشت الجباية الجمركية في العديد من منافذ البلاد الحيوية. وهذا التراجع الحاد جعل الدولة غير قادرة على تدبر أمر مصروفاتها التشغيلية الأساسية، ناهيك عن رصد أي اعتمادات مالية للتنمية والاستثمار الرأسمالي.

وتتفاقم المشكلة عند مقارنة هذه الفجوة بحجم الاقتصاد الكلي؛ إذ أصبحت الاحتياجات التمويلية تشكل نسبة ضخمة جداً من الناتج المحلي الإجمالي المعطل أصلاً. وتظهر التحليلات النقدية للتقرير أن يعتمد السودان بالكامل تقريباً على التمويل الخارجي لردم هذه الهوة يمثل مجازفة غير محسوبة، لا سيما أن المساعدات الدولية المتدفقة حالياً تتجه بنسبة تزيد عن 85% نحو الإغاثة الإنسانية العاجلة (كالأغذية والمخيمات)، بينما لا يحظى التمويل التنموي الهيكلي سوى بنسارة ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع التنمية ومشاريعها الآجلة.

فخ الديون المتأخرة وتجميد مبادرة “الهيبك”

يشكل ملف الدين الخارجي العقبة الكأداء والأكثر تعقيداً أمام تيسير تدفقات مالية جديدة للسودان. يعيد التقرير تسليط الضوء على المسار المتوقف لمبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، مشيراً إلى أن السودان كان يسير بخطى حثيثة نحو الوصول إلى “نقطة الإكمال” التي كانت ستتيح له إلغاء ما يصل إلى 50 مليار دولار من ديونه المتراكمة التي تجاوزت 56 مليار دولار في السنوات الماضية. ولكن التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد أدت إلى تعليق التزامات الدائنين الدوليين وتجميد مسار المبادرة بالكامل.

هذا التجميد ترتبت عليه نتائج كارثية على المركز المالي للسودان؛ حيث تراكمت المتأخرات الفائتة على أقساط الديون والفوائد المركبة، مما أدى إلى تصنيف السودان ضمن فئة الدول المتواجدة في حالة ضائقة ديون حادة (Debt Distress). وبحسب القواعد التنظيمية للمؤسسات المالية الدولية، فإن هذا التصنيف يضع حظراً تلقائياً على تقديم قروض جديدة أو تقديم تسهيلات ائتمانية مباشرة للحكومة.

والنتيجة العملية لهذا الوضع هي أن المؤسسات التنموية الكبرى، وعلى رأسها البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي وصندوق النقد الدولي، باتت ممنوعة بحكم أطرها القانونية من ضخ أي أموال تنموية مباشرة في ميزانية الدولة. واقتصر تدخل هذه المؤسسات على تقديم المنح الفنية المحدودة، أو تمويل بعض المشاريع عبر المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة كوسطاء لتفادي التعامل المباشر مع الأجهزة الرسمية، وهو ما يقلل من كفاءة الإنفاق ويرفع التكاليف الإدارية والتشغيلية لتلك المشاريع بشكل ملحوظ.

بيئة التمويل الدولي المتشرذمة: تحديات العصر الجديد

لم يغفل التقرير التحول الجذري في المشهد المالي العالمي، حيث أفرزت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة حالة من التشرذم والتفكك في النظام المالي الدولي multi-polar order. هذا التشرذم بات يعوق التنسيق الدولي التقليدي الذي كان متبعاً في الأزمات السابقة، حيث كانت القوى الكبرى والمنظمات متعددة الأطراف تجتمع لتشكيل مجموعات دعم وتخصيص حزم تمويلية موحدة.

في العالم المتشرذم لعام 2026، يواجه السودان صعوبة بالغة في جذب الانتباه والتمويل؛ فالاهتمام العالمي بات متوزعاً على بؤر صراع متعددة، وتوجهات التمويل باتت تخضع للحسابات الثنائية والتحالفات الاستراتيجية المباشرة بدلاً من أطر العمل متعدد الأطراف. كما أن اشتراطات التمويل أصبحت أكثر قسوة وحسية، حيث تطالب الجهات المانحة والمؤسسات الدولية بتطبيق المعايير الصارمة لشفافية الحوكمة وإدارة الموارد، وهي معايير يصعب تلبيتها في ظل مؤسسات دولة يعيد النزاع تشكيلها وتشتيتها.

وتتجلى خطورة هذا التشرذم في استقطاب الدعم المالي؛ إذ تميل بعض الأطراف الإقليمية والدولية إلى تقديم مساعدات مادية ومشتريات موجهة لخدمة أهداف ضيقة أو مسارات محددة، مما يحرِم الاقتصاد السوداني من نهج التمويل الشامل والمستدام الذي تتبناه مؤسسات مثل بنك التنمية الأفريقي. إن هذا الوضع يفرض على السودان البحث عن صيغ تمويل ابتكارية تتجاوز القنوات التقليدية التي أغلقتها الصدمات السياسية ومتاهات الديون المتأخرة.

تداعيات الشلل المصرفي على جذب الاستثمارات

لا تنحصر أزمة التمويل في القنوات الحكومية والدولية فحسب، بل تمتد لتضرب الجهاز المصرفي والمالي المحلي في مقتل. يوضح التقرير أن المصارف التجارية السودانية، التي كانت تمثل رأس الرمح في توفير التمويل للقطاع الخاص وحشد المدخرات الوطنية، تضررت بشكل بالغ جراء الأزمة. فقد تعرضت المقار الرئيسية للعديد من البنوك في العاصمة والمدن الكبرى لدمار مادي وهيكلي، وتوقفت نظم المقاصة والتسويات الإلكترونية لشهور طوال، مما أدى إلى فقدان نسبة كبيرة من السيولة وانهيار الثقة بين المودعين والجهاز المصرفي.

هذا الشلل المصرفي تسبب في تجميد خطوط الائتمان التجاري ومنع قطاع الأعمال المحلي من الحصول على التمويل اللازم لشراء التجهيزات والمواد الخام وإعادة تشغيل المصانع والشركات الزراعية. كما أن البنوك مراسلة الأجنبية قطعت علاقاتها مع الغالبية العظمى من المصارف السودانية بسبب تصاعد مخاطر الامتثال وتعثر إجراءات مكافحة غسيل الأموال في ظروف الحرب، مما جعل المعاملات المالية والتجارية مع الخارج عملية معقدة وتتم بتكاليف باهظة عبر وسائط غير رسمية.

وفي ظل هذه المعطيات، أصبحت فكرة جذب الاستثمار الأجنبي المباشر مجرد أمل مؤجل؛ فالشركات العالمية والمستثمرون لا يمكنهم العمل في بيئة تشهد تحويلات مالية معطلة، وأسعار صرف متقلبة، وغياباً كاملاً للضمانات التأمينية ضد المخاطر السياسية ومخاطر الحرب. وهو ما يعني أن القطاع الخاص، الذي كان يُؤمل عليه ليكون المحرك البديل للنمو، بات يصارع هو الآخر من أجل بقائه التشغيلي فقط.

البحث عن التمويل في أحشاء الاقتصاد المحلي

تأخذنا القراءة النقدية للتقرير في فصوله الوسطى إلى حقيقة صادمة يبسطها خبراء بنك التنمية الأفريقي بإصرار: حين تُغلق منافذ الاقتراض الدولي وتتحكم التعقيدات الجيوسياسية في تدفق المساعدات، فإن الاعتماد على الذات لم يعد مجرد شعار سياسي أو خيار أيديولوجي، بل يتحول إلى ضرورة وجودية لاستمرار الدولة ومؤسساتها. إن التقرير يشدد على أن مسارات التمويل التقليدية القائمة على الاستدانة الخارجي لن تسعف السودان في المدى القريب، مما يوجب البحث عن حلول مبتكرة لحشد الموارد من داخل الدورة الاقتصادية المحلية ومن كوامن الثروة التي أهدرت عقوداً طوالاً في أروقة الفساد والقطاع غير الرسمي.

ومع إدراك البنك الأفريقي لتعقد المشهد الميداني، فإنه يقدم في هذا الجزء من تقريره لعام 2026 طرحاً يتجاوز المسكنات المؤقتة، ليفكك بنية الاقتصاد غير الرسمي، ويعيد وضع تحويلات المغتربين في قلب الاستراتيجية المالية، ويبحث عن ميكانيزمات جديدة لتأميم وتنسيق عائدات الثروات الطبيعية، وعلى رأسها التعدين الذهبي الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى سلاح ذي حدين.

تفكيك “اقتصاد الظل”: دمج القطاع غير الرسمي في العجلة الرسمية

يكشف التقرير أن القطاع غير الرسمي في السودان لم يعد مجرد هامش اقتصادي بل بات يمثل الهيكل الأساسي والمحرك الرئيسي للأنشطة المعيشية للغالبية العظمى من السكان. وإذا كانت التقديرات قبل اندلاع النزاع تشير إلى أن القطاع غير الرسمي يسيطر على نحو 60% إلى 65% من النشاط الاقتصادي، فإن الظروف الحالية وضغط النزوح والانهيار المؤسسي رفعت هذه النسبة لتتجاوز 80% في العديد من الولايات. يضم هذا القطاع ملايين المزارعين الصغار، والباعة الجائلين، وأصحاب الحرف اليدوية، والوسطاء والتجار في الأسواق الموازية، والذين يعملون تماماً خارج مظلة المنظومة الضريبية والمالية الرسمية.

إن النظرة النقدية لتقرير بنك التنمية الأفريقي تبتعد عن التعاطي السلبي التقليدي مع القطاع غير الرسمي باعتباره بؤرة للتهرب الضريبي أو نشاطاً طفيلياً، بل تعتبره شبكة أمان اجتماعية واقتصادية تلقائية حمت المجتمع من الفناء الكامل خلال سنوات الصدمات المتتالية. ومع ذلك، فإن بقاء هذا القطاع ضخماً وغير منظم يحرم الدولة من موارد مالية سيادية هائلة يمكن أن تسهم في ردم الفجوة التمويلية إذا ما جرى إدماجه عبر سياسات تحفيزية متدرجة بدلاً من الإجراءات القسرية العقابية.

ويرى التقرير أن عملية الدمج هذه تبدأ بتوفير الحوافز الذكية، مثل تسهيل فتح الحسابات المصرفية المبسطة، وتوفير مظلة الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية لأصحاب المشاريع الصغرى، وإتاحة التمويل الأصغر عبر وسائط إلكترونية ومحفظة سيادية مخصصة. إن تحويل هذا الاقتصاد الخفي إلى النور من شأنه أن يوسع الوعاء الضريبي بشكل مستدام، ويعزز قدرة السلطات المالية على التنبؤ بالإيرادات، وتصميم سياسات كليّة أكثر فاعلية واستجابة للواقع الاجتماعي.

مغتربو السودان: شريان الحياة والبديل للاستثمار الأجنبي

يخصص التقرير حيزاً واسعاً لتحليل دور الجاليات السودانية في الخارج، والتي تقدر بالملايين المنتشرين في دول الخليج العربي، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، والدول المجاورة. تشكل تحويلات المغتربين حالياً العمود الفقري لمقومات صمود ملايين الأسر في الداخل، حيث تُقدر هذه التدفقات بمليارات الدولارات سنوياً، وتتجاوز في حجمها الكلي جميع المنح والمساعدات الإنسانية التي يقدمها المجتمع الدولي.

غير أن المعضلة الكبرى التي يبرزها التقرير تكمن في أن أكثر من 70% من هذه التحويلات تمر عبر قنوات غير رسمية أو ما يُعرف بشبكات “الحوالة”، نتيجة للشلل المصرفي وتفاوت أسعار الصرف بين السوق الرسمي والسوداء. هذا المسار الموازي يمنع البنك المركزي والمصارف المحلية من الاستفادة من هذه التدفقات بالعملة الأجنبية لبناء الاحتياطيات الوقائية وتغطية فاتورة الاستيراد الأساسية، لتذهب في المقابل لتمويل تجارة هامشية أو لتغذية المضاربات في سوق العملة.

ولتصحيح هذا المسار، يطرح تقرير 2026 حزمة من الأدوات التمويلية المبتكرة الموجهة للمغتربين، وفي مقدمتها إصدار “سندات المغتربين” (Diaspora Bonds) بضمانات مؤسسية إقليمية توفر عوائد مجزية وآمنة، وتوجيه حصيلتها نحو مشاريع تنموية محددة كالمستشفيات والمدارس والطاقة المائية والزراعة. كما يدعو التقرير إلى الاستفادة من تطبيقات التكنولوجيا المالية (FinTech) لخفض تكلفة تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية، وتقديم حوافز استثمارية للمغتربين تشمل الحصول على تسهيلات عقارية وزراعية في المناطق الآمنة، مما يحول المغترب من مجرد منفق عائلي للإغاثة إلى مستثمر استراتيجي في مستقبل بلاده.

حوكمة قطاع الذهب والتعدين: صياغة المعادلة المفقودة

يمثل الذهب المورد السيادي الأول القادر على رفد الخزانة العامة بالسيولة الأجنبية الفورية في المدى القصير والبرهنة على قدرة السودان على التعافي المالي الذاتي. يوضح التقرير أن التعدين الأهلي التقليدي يسيطر على أكثر من 80% من إنتاج الذهب في السودان، لكن النسبة الأكبر من هذا الإنتاج تتعرض للتهريب المنظم عبر الحدود، مما يحرم الدولة من مليارات الدولارات سنوياً كان يمكن أن تسهم في سداد متأخرات الديون أو شراء السلع الاستراتيجية كالقمح والوقود والأدوية.

يقدم التقرير تحليلاً هيكلياً لأزمة حوكمة الذهب، مشيراً إلى أن غياب الشفافية، وتعدد الجهات المشرفة، واختلال سياسات الشراء لدى البنك المركزي، كانت عوامل مشجعة على اتساع دائرة التهريب ونشوء أسواق موازية في دول الجوار. ويتطلب الخروج من هذا المأزق إنشاء بورصة محلية ومعتمدة دولياً للذهب داخل المناطق المستقرة، وتطبيق معايير الإفصاح والتتبع لتأكيد سلامة سلاسل الإمداد وموافقاتها لمعايير التعدين الأخلاقي والبيئي.

ويرى خبراء البنك الأفريقي أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تأسيس شركات امتياز حديثة للتعدين المنظم ستضمن رفع معدلات الاستخلاص، والحد من استخدام المواد الكيميائية الضارة كالزئبق، وحصول الخزانة العامة على حصتها العادلة من الإتاوات والضرائب. إن ضبط سوق الذهب وإعادته إلى القنوات الرسمية يعادلان تقديم حزمة دعم مالي دولية ضخمة، بل يمتاز عنها بكونه تمويلاً وطنياً خالصاً ومتحرراً من الاشتراطات والقيود الجيوسياسية.

التكنولوجيا المالية والنظرية الرقمية لإصلاح الشمول المالي

تتقاطع أزمة السيولة النقدية وتوقف الفروع المصرفية مع الحلول التقنية الحديثة التي يركز عليها التقرير بشكل مكثف. ففي الوقت الذي انقطعت فيه السبل بين الولايات والمراكز المالية الرئيسية، أثبتت نظم الدفع عبر الهاتف المحمول (Mobile Money) والمحافظ الرقمية أنها الأداة الأكثر مرونة وكفاءة لإدامة النشاط التجاري وتوصيل الدعم المالي المباشر للأسر النازحة والفقيرة.

يدعو التقرير إلى تسريع التحول الرقمي للجهاز المالي من خلال تسهيل الأطر التنظيمية للسماح لشركات الاتصالات ومؤسسات التكنولوجيا المالية بتقديم الخدمات المصرفية الأساسية، لا سيما في المناطق النائية وتلك التي تعاني من غياب الفروع البنكية التقليدية. إن إطلاق نظام موحد للمقاصة الرقمية وتوسيع نطاق الدفع بالهاتف سيؤديان إلى امتصاص السيولة الضخمة المتداولة خارج القطاع المصرفي، وإعادتها إلى دائرة الوساطة المالية الرسمية، بما يوفر للبنوك رؤوس الأموال اللازمة لتمويل القطاعات الإنتاجية ك الزراعة والصناعة التحويلية.

كما يسلط التقرير الضوء على إمكانية توظيف الهوية الرقمية في تنظيم توزيع الدعم الاجتماعي والمساعدات التنموية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين ومنع التسرب أو الفساد الإداري، وهو أمر يعزز من ثقة المنظمات الدولية المانحة ويجذب المزيد من الدعم الفني والمالي لصناديق الحماية الاجتماعية السودانية.

البنية المؤسسية كشرط شارح للتعافي

عند متابعة التحليل النظري والعملي الذي يطرحه بنك التنمية الأفريقي في تقريره لعام 2026، يتكشف للناقد أن ضخ الموارد المالية وحشد التمويل الداخلي، مهما بلغا من الجودة والابتكار، يظلان مجرد محاولات معلقة في الهواء ما لم تستند إلى حوكمة مؤسسية صلبة وهياكل تنظيمية قادرة على الصمود والامتصاص. إن التقرير يولي اهتماماً خاصاً لمسألة التداعي المؤسسي الذي أصاب أجهزة الدولة السودانية، مؤكداً أن الاستجابة للأزمة لا تقتصر على تقديم الإغاثة المالية العاجلة أو التفاوض على شطب الديون، بل تتطلب بالأساس إعادة صياغة العقود التنفيذية والتشريعية التي تدير الاقتصاد الوطني في أوقات المحن.

إن الانتقال من حالة الشلل الكامل إلى مرحلة البناء والترميم يمر عبر ترميم الأوعية التنفيذية وتطوير أدوات الرقابة المالية ومحاربة الفساد البنيوي، وهو ما يفرد له التقرير فصولاً تحليلية عميقة تستعرض كيفية الاستفادة من الخبرات الإقليمية والأفريقية لتشييد مؤسسات تتمتع بالحيدة والكفاءة والقدرة على التكيف مع متطلبات الاقتصاد الرقمي والعالم المتشرذم.

ترميم الحوكمة والقدرات التنفيذية للقطاع العام

يسجل التقرير بوضوح أن أحد أكبر التحديات التي تصطدم بها خطط التمويل التنموي في السودان يكمن في انهيار القدرة التنفيذية للمؤسسات الحكومية وتشتت الكوادر البشرية الماهرة نتيجة للنزوح واللجوء. إن مؤسسات التخطيط الاقتصادي، والوزارات الخدمية، وهيئات الإحصاء، واللجان المالية باتت تعاني من نقص حاد في البيانات الموثوقة ومن تضارب الصلاحيات، مما يعوق إمكانية رسم سياسات تنموية قصيرة أو متوسطة المدى، ويجعل متابعة وتقييم المشروعات عملية بالغة الصعوبة والتكلفة.

ويشدد التقرير على أن بناء القدرات المؤسسية لا ينبغي أن ينتظر الحسم النهائي والشامل للأزمة السياسية، بل يجب أن يبدأ فوراً في المناطق المستقرة عبر استراتيجية “المؤسسات المرنة” التي تعتمد على اللا مركزية الإدارية وتفويض السلطات المالية والتنموية للولايات والمحليات. هذا النهج يتيح للسلطات الولائية إدارة الموارد المتاحة بشكل مباشر والاستجابة لاحتياجات السكان والمستثمرين المحليين بسرعة أكبر، مع الإبقاء على الأطر السيادية العامة موحدة ومراقبة من البنك المركزي ووزارة المالية الاتحادية.

ويرى التقرير أن استعادة الشفافية والإفصاح المالي يمثلان الركيزة الأولى لبناء الثقة المفقودة بين الدولة والجمهور، وبين الدولة والجهات المانحة الدولية. إن إنشاء منصات رقمية موحدة لنشر بيانات الموازنة العامة، وتفاصيل الإنفاق الحكومي، وعقود المشتريات العامة، ومزاد الذهب، من شأنه أن يضع حداً لممارسات التجنيب والإنفاق خارج الميزانية، ويوفر بيئة مشجعة تضمن وصول كل دولار تمويلي إلى هدفه المحدد دون تسريب أو هدر.

الشراكات الإقليمية والتكامل الأفريقي: حبل النجاة الجيوسياسي

في ظل العالم المتشرذم والتجاذبات الدولية القاسية، يطرح التقرير فكرة التكامل الإقليمي كأداة حماية واستقرار للاقتصاد السوداني بدلاً من الاعتماد المفرط على القوى العظمى البعيدة جغرافياً وسياسياً. ويعتبر بنك التنمية الأفريقي أن السودان يمتلك موقعاً геоاستراتيجياً يجعله جسراً حيوياً بين شرق أفريقيا، وشمال أفريقيا، ودول الجوار غير الساحلية مثل تشاد وإفريقيا الوسطى، مما يمنحه ميزة تفضيلية في تشكيل شبكات تجارية ولوجستية قادرة على الصمود في وجه التوترات العالمية.

يدعو التقرير إلى تفعيل مشاركة السودان في منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) والمجموعات الاقتصادية الإقليمية مثل السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا)، للاستفادة من الإعفاءات الجمركية وتسهيل حركة البضائع ورؤوس الأموال. إن الربط التجاري الإقليمي، من خلال الاستثمار في الطرق المحورية والموانئ ومشاريع الربط الكهربائي والمائي مع دول الجوار كإثيوبيا ومصر ومصر وتشاد، سيمكّن السودان من إعادة تشغيل قطاعه الزراعي والحيواني لتلبية احتياجات الأغذية في المنطقة، مُميزاً نفسه كمركز محوري للأمن الغذائي الأفريقي والعربي.

وتتكامل هذه الرؤية مع دور المؤسسات التمويلية الأفريقية المتعددة الأطراف، مثل البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (أفريكسيم بنك) وبنك التنمية الأفريقي نفسه، حيث يوفر هذا الإطار الإقليمي شبكات أمان تمويلية وضمانات ائتمانية تتناسب مع خصوصية المخاطر الأفريقية، ولا تخضع لنفس الاشتراطات القاسية أو الاستقطابات الجيوسياسية التي تفرضها المؤسسات التمويلية الغربية في كثير من الأحيان.

الإصلاح التشريعي وحماية الاستثمار المتبقي

يمتد التحليل النقدية لتقرير 2026 إلى البنية التشريعية والقانونية المنظمة للاقتصاد في السودان، مؤكداً أن قوانين الاستثمار والعمل والضرائب الحالية باتت تقف عائقاً أمام تدفق رؤوس الأموال المحلية والإقليمية. فالقوانين القديمة صُممت لظروف استقرار افتراضية، بينما تقتضي الواقعية الحالية إيجاد أطر تشريعية مرنة ومحفزة تتناسب مع ظروف مخاطر النزاع والتعافي الوشيك.

يوصي التقرير بإصدار تشريعات طوارئ استثمارية تضمن للمستثمرين حماية عقودهم، وحرية تحويل الأرباح عبر القنوات الرسمية بأسعار صرف عادلة، وتقديم حوافز ضريبية وجمركية خاصة للمشاريع التي تُقام في مجالات الطاقة المتجددة، والزراعة، والبنية التحتية المتضررة. كما يشدد التقرير على ضرورة تفعيل آليات فض المنازعات التجارية والاستثمارية عبر التحكيم المستقل، لبث الثقة في نفوس رجال الأعمال المحليين والدوليين وتوفير ملاذ قانوني آمن ومستقر بعيداً عن التعقيدات القضائية الإدارية البطيئة.

بالإضافة إلى ذلك، ينبه التقرير إلى أهمية إصلاح قانون القطاع المصرفي والمالي لسمح بدخول مؤسسات التمويل الأصغر الشاملة، وبنوك الاستثمار، وشركات التأمين التكافلي على المخاطر السياسية، وهي أدوات قانونية ومالية أساسية لطمأنة المستثمرين وتوفير البيئة الملائمة للقطاع الخاص كي يستعيد زمام المبادرة الإنتاجية والتشغيلية.

سيناريوهات المستقبل حتى عام 2030: بين العبور والانهيار

يقدم بنك التنمية الأفريقي في الجزء الختامي من وثيقته الاستشرافية ثلاثة سيناريوهات بديلة لمسار الاقتصاد السوداني خلال السنوات القليلة القادمة، تتوقف جميعها على طبيعة التحولات السياسية، واستقرار الوضع الأمني، ومدى استجابة المجتمع الدولي والمالي.

  • السيناريو الأول (الإنقاذ والاستقرار التدريجي): يفترض هذا السيناريو نجاح الجهود الوطنية والإقليمية في تثبيت وقف إطلاق النار، وعودة الأجهزة التنفيذية للعمل بكفاءة، واستئناف المحادثات مع المؤسسات الدولية بشأن شطب الديون عبر مبادرة “الهيبك”. في هذه الحالة، يتوقع التقرير أن يتسارع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ليصل إلى 5.5% بحلول عام 2028 ثم 7.0% في 2030، مع هبوط التضخم إلى مستويات خانق أقل من 25%، وعودة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتدشين مشاريع البنية التحتية الكبرى.

  • السيناريو الثاني (حالة الاستقرار المعلق – الممر الضيق): وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً وفقاً للمعطيات الحالية، حيث يستمر التعافي بطيئاً وغير متكافئ جغرافياً، وتقتصر الأنشطة التنموية على مناطق محددة وآمنة، مع بقاء أزمة الديون متوقفة ودون شطب كامل. تحت هذا السيناريو، يدور النمو حول مستويات 2% إلى 3.5%، بينما يظل التضخم خانقاً عند حدود 40% إلى 50%، وتستمر الدولة في الاعتماد بشكل شبه كلي على حشد الموارد المحلية والتحويلات وإشراك القطاع الخاص المحلي للاستمرار في تقديم الخدمات الأدنى.

  • السيناريو الثالث (التفاقم والانقسام التمويلى): يجسد هذا السيناريو الرؤية التشاؤمية، حيث تتوسع رقعة النزاع، وينكفئ المجتمع الدولي على ذاته في ظل التشرذم العالمي، وتتوقف التحويلات الرسمية تماماً. ينجم عن هذا المسار عودة الانكماش الاقتصادي بمعدلات سالبة، وانهيار شامل للعملة الوطنية، واتساع رقعة اقتصاد الظل والأنشطة غير المشروعة، مما يحول البلاد إلى منطقة هشاشة مالية ممتدة معزولة عن المنظومة البنكية العالمية.

المصفوفة التجميعية للتوصيات: خارطة طريق من ثلاث مراحل

لتفادي السيناريو الكارثي، يصوغ التقرير مصفوفة توصيات عملية متدرجة زمنياً، تُشكل ملامح برنامج إصلاحي وتنموي يمكن للجهات الفاعلة والحكومة السودانية تبنيه فوراً وفق ترتيب الأولويات:

  1. المدى القريب جداً (من 6 إلى 12 شهراً – استجابة الطوارئ والتعافي التمويلى):

    • كبح جماح التمويل التضخمي وإيقاف طباعة النقود بدون غطاء إنتاجي فوراً من قبل البنك المركزي.

    • توسيع نطاق شبكات الحماية الاجتماعية والتوزيع الرقمي المباشر للمساعدات المالية والأغذية عبر المحافظ الإلكترونية.

    • إطلاق القنوات الرسمية السريعة والآمنة لتسهيل التحويلات المالية للمغتربين مع خفض تكلفة المعاملات.

    • فرض الرقابة الصارمة على منافذ تصدير الذهب وإلزام المصدرين ببيع الحصائل للنظام المصرفي الموحد.

  2. المدى المتوسط (من 1 إلى 3 سنوات – البناء الهيكلي وحشد التمويل):

    • إطلاق إصدارات “سندات المغتربين” التنموية للبدء في تمويل مشاريع المياه والكهرباء والزراعة المطرية.

    • دمج القطاع غير الرسمي عبر منح التسهيلات والائتمان للشركات الصغيرة والمتوسطة وربطها بالخدمات الرقمية.

    • إعادة تنظيم ومراجعة الإعفاءات الضريبية للجباية العامة وإحكام الحوكمة والممارسات الشفافة بالثروات الطبيعية.

    • استئناف المفاوضات الفنية غير المباشرة مع نادي باريس وصندوق النقد الدولي لوضع صيغة موقتة لإدارة متأخرات الديون.

  3. المدى الطويل (من 3 إلى 5 سنوات – التحول المستدام والتكامل الإقليمي):

    • الاستفادة الشاملة من اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) للربط اللوجستي والتجاري مع دول الجوار.

    • الاستثمار في البنية التحتية الخضراء، لا سيما الطاقة الشمسية والري الحديث لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني المعد للتصدير.

    • التوصل إلى نقطة الإكمال النهائية لمبادرة “الهيبك” وشطب غالبية الديون الخارجية لإعادة التصنيف الائتماني المالي للسودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى