شانغهاي: سيرة المدينة التي صنعت الصين الحديثة

السيرة التاريخية للمدينة والهوية النهرية قبل القرن التاسع عشر
في مدونة التاريخ الحضاري الإنساني، تقف المدن بوصفها مجهريات زجاجية تعكس التحولات الكبرى للأمم. ولكن قليلًا من مدن العالم استطاع أن يختزل متناقضات القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين بالشكل الملحمي الذي جسدته مدينة شانغهاي. في كتابه الصادر حديثًا عن دار نشر جامعة ييل لعام 2026، بعنوان «شانغهاي: قصة أكثر مدن الصين ديناميكية» (Shanghai: The Story of China’s Most Dynamic City)، يقدم المؤرخ والباحث البريطاني المتخصص في الشأن الصيني مايكل ديلون سردًا تاريخيًا واستكشافيًا موسعًا يغوص في أعماق هذه المتروبوليس الآسيوية العتيدة.
لا يتعامل ديلون مع شانغهاي بوصفها مجرد رقعة جغرافية تضم ناطحات سحاب زجاجية أو مراكز مالية عملاقة، بل يراها «مختبرًا حيًا» التقت فيه إرادات الاستعمار الغربي بطموحات التحديث الصيني، وتصادمت فيه أيديولوجيات القرن العشرين من رأسمالية متوحشة إلى شيوعية راديكالية، وصولًا إلى النموذج الصيني الهجين المتفرد في القرن الحادي والعشرين.
ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها أن شانغهاي، رغم أنها لم تكن قط مدينة صينية تقليدية بالمعنى النمطي المستكين للتاريخ، إلا أنها ظلت المحرك الذي دفع الصين بأكملها نحو العالم الحديث. إن اسم المدينة يتكون من حرفين صينيين: “شانغ” (Shang) وتعني “صعودًا إلى” أو “اتجاه”، و”هاي” (Hai) وتعني “البحر”. ومن هذا الاقتران اللغوي والمكاني البسيط، يرسخ ديلون في الفصول الأولى الرؤية الجغرافية والتاريخية للمدينة بوصفها «بوابة الصين نحو المحيط» والنافذة التي أطلت منها الإمبراطورية الوسطى على المد الحضاري والثقافي والتجاري القادم من وراء البحار.
يستغرق المؤلف في الجذور الأركيولوجية الصامتة للمدينة قبل تبنيها للنموذج الحديث. يصحح الكتاب الصورة النمطية الشائعة في الأدبيات الغربية القديمة – والتي كان يروج لها دبلوماسيون ومؤرخون أمثال هـ. ب. مورس وج. ك. فيربانك – والتي كانت تختزل شانغهاي في كونها مجرد «قرية صيد صغيرة قائمة على المستنقعات والوحول» حتى قدوم الإنجليز وتأسيس موانئ المعاهدة. يكشف ديلون عبر الوثائق والأبحاث الأثرية الحديثة أن شانغهاي ويمتدادها في “سونغزي” و”تشينغبو” يمتلكان تاريخًا حضاريًا يمتد لأكثر من 6000 عام، ينتمي إلى ثقافة نهر يانغتسي الخصبة، وهي ثقافة لا تقل أهمية وتطورًا عن ثقافة السهل الأوسط لنهر الأصفر.
منذ عصر سلالة سونغ (960–1279م) وسلالة يوان (1279–1368م)، كانت شانغهاي قد بدأت تتشكل كمركز إداري وتجاري إقليمي. ومع حلول عصر سلالة مينغ (1368–1644م)، وتحديدًا في عام 1553 خلال حكم الإمبراطور جياجينغ، شهدت المدينة بناء سورها الطيني المنيع لمواجهة هجمات “القراصنة اليابانيين” (Wokou) الذين كانوا يغيرون على الشواطئ الصينية. ولم تكن تلك السجلات المجردة سورًا عسكريًا حاميًا فحسب، بل كانت التأكيد الإداري الأول على فصل المدينة العتيقة عن محيطها الريفي، وتأسيس النواة لما أطلق عليه الغربيون لاحقًا “المدينة الصينية السورِيّة” (Walled Chinese City).
يعزز ديلون تحليله التاريخي بالتركيز على الاقتصاد المائي والتجارة البحرية الداخلية. فقد كانت شانغهاي نقطة التجمع الرئيسية لأسطول “سفن الرمل” (Shachuan) – وهي قوارب مسطحة القاع ذات ثلاثة أشرعة كانت تبحر عبر السواحل لتنقل الأرز والمنسوجات والقطن من الجنوب الخصب إلى العاصمة الشمالية. وفي القرن الثامن عشر، كانت آلاف القوارب تزدحم في ميناء شانغهاي، لتخلق مجتمعًا تجاريًا حيويًا ونظامًا نقابيًا فريدًا يضم “جمعيات المقاطعات” (Huiguan). إن هذا البناء الاجتماعي والاقتصادي المبكر هو الذي هيأ المدينة لتكون العصب التجاري للبلاد، حتى قبل أن تطأ أقدام الجنود البريطانيين سواحلها في أعقاب حرب الأفيون الأولى.
تحول الكتاب نحو نقطة الانعطاف الدراماتيكية: معاهدة نانجينغ عام 1842 ومعاهدة هومين عام 1843. كانت هذه المعاهدات – التي تصفها الأدبيات الصينية المعاصرة بـ “المعاهدات غير المتكافئة” – بداية حقبة جديدة كليًا. تحولت شانغهاي بموجبها إلى واحدة من ميادين المعاهدات (Treaty Ports) المفتوحة أمام التجارة الغربية. يروي ديلون بدقة تفاصيل وصول الكابتن جورج بالشور، أول قنصل بريطاني في شانغهاي، وتوقيعه عام 1845 لـ “لوائح الأراضي” مع الحاكم الصيني المحلي (الداوتاي) غونغ موجيو. هذه اللوائح لم تكن مجرد وثيقة عقارية، بل كانت الحجر الأساس لتأسيس الامتياز البريطاني، يعقبه الامتياز الفرنسي عام 1849، ومن ثم اندماج الامتيازات الأمريكية والبريطانية لتشكيل “المستوطنة الدولية” (International Settlement) في عام 1863.
يصيغ الكتاب هذا التحول بلغة تعكس الصدمة الحضارية: لقد اقتُطعت أجزاء واسعة من أراضي المدينة لتصبح “دولًا داخل الدولة” (Guozhong zhi guo). أصبح للامتيازات الغربية قوانينها الخاصة، وقوات شرطتها المتطوعة، ومحاكمها القنصلية، ونظامها الإداري المتمثل في “مجلس شانغهاي البلدي” (Shanghai Municipal Council). وكانت هذه الامتيازات تتمتع بمفهوم “الحصانة القضائية الإقليمية” (Extraterritoriality)، مما يعني أن الأجنبي الذي يرتكب جرمًا على الأراضي الصينية لا يخضع للقوانين الصينية بل لقوانين بلاده. أثار هذا الوضع المقيت حنق الوطنية الصينية المتصاعدة، وجعل من شانغهاي رمزًا مزدوجًا: رمزًا للحداثة والازدهار الاقتصادي من جهة، ورمزًا للإهانة القومية والسيطرة الاستعمارية من جهة أخرى.
تتجلى براعة ديلون في قدرته على نقل القارئ بين تفاصيل الحياة cotidiana العادية والتحولات الجيوسياسية الكبرى. فقد تسببت التمردات الداخلية العنيفة التي شهدتها الصين في القرن التاسع عشر – وعلى رأسها حركة “مملكة التاي بينغ السماوية” (Taiping Rebellion) وتمرد “جمعية السيوف الصغيرة” (Small Sword Society) عام 1853 – في تدفق مئات الآلاف من اللاجئين الصينيين من الأرياف المجاورة إلى داخل حدود الامتيازات الأجنبية بحثًا عن الأمان. هذا التدفق الديموغرافي المفاجئ غير طبيعة الامتيازات الغربية التي كانت مخصصة في الأصل للأجانب فقط، وتحولت شانغهاي إلى مدينة هجينة، يعيش فيها مئات الآلاف من الصينيين تحت إدارة وإشراف سلطات غربية، مما أدى إلى نشوء تركيبة اجتماعية فريدة لم تشهدها أي مدينة أخرى في الشرق الأقصى.
جغرافية الأحياء، الامتيازات الأجنبية، والمجتمع الهجين
يتناول ديلون التشريح العمراني والهيكلية الطبقية لأحياء شانغهاي المتمايزة. إن شانغهاي ليست مجرد كتلة اسمنتية متجانسة، بل هي موزاييك معقد من الأحياء التي تحمل كل منها ذاكرة تاريخية واجتماعية وسياسية مستقلة. ينتقل المؤلف بين هذه الأحياء ويرصد الملامح المعمارية والتغيرات البنيوية التي طرأت عليها عبر العقود.
يبدأ ديلون باستكشاف منطقة “البوند” (The Bund) أو ما يعرف بالصينية بـ “وايتان” (Waitan)، والتي تعني حرفيًا “الضفة الرملية الخارجية”. يمتد البوند لمسافة ميل تقريبًا على الضفة الغربية لنهر هوانغبو، ويزخر بـ 52 مبنى معماريًا تتنوع بين الطراز الكلاسيكي الحديث، والنهضة القوطية، والأرت ديكو (Art Deco). كان البوند واجهة السلطة المالية والسياسية للغرب في آسيا؛ حيث ضم مقر بنك هونغ كونغ وشانغهاي (HSBC)، ونادي شانغهاي الشهير، والقنصليات الأجنبية، والمقار التجارية الكبرى (“الهونغ”). ويرى ديلون أن البوند يمثل إحدى أكثر الإشكاليات الثقافية تعقيدًا في الوجدان الصيني الحديث: فهو من ناحية تذكير دائم بأسطورة “السيطرة الاستعمارية”، ولكنه من ناحية أخرى أصبح رمزًا فخورًا للمدينة ومدى قدرتها على التكيف مع مفاهيم الحداثة والمعمار العالمي.
بالتوازي مع البوند، يقف الجوار المباشر لـ “المدينة القديمة” (Old City) ليمثل القطب المعاكس. فبينما كان الأجانب يبنون ناطحات السحاب والمباني الحجرية الفخمة على طول البوند، ظلت المدينة القديمة – بسورها ومبانيها التقليدية ومعبد إله المدينة (Chenghuang miao) وحديقة “يو” (Yu Garden) – معقلًا للثقافة الصينية التقليدية، وللصناعات الحرفية، ولكنه كان أيضًا المكان الذي نشطت فيه الجمعيات السرية مثل “الترياد” (Triads). ينوه الكتاب إلى تلك التناقضات الصارخة التي لاحظها الرحالة والمؤلفون الغربيون في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، مثل إريك لينكلاتر وجون غونثر، اللذين وصافا شانغهاي بأنها “قرحة سياسية على وجه الصين” و”مدينة التناقضات الفجة”، حيث تجاور البنوك الرخامية الفاخرة أحياء أفقر العمال وسائقي “الريكشا” الذين لا تتجاوز أعمارهم الافتراضية بضع سنوات من شدة البؤس والإنهاك.
خصص ديلون مساحة واسعة للحديث عن “الامتياز الفرنسي” (French Concession)، الذي كان يتمتع بخصوصية ثقافية وإدارية منفصلة عن المستوطنة الدولية البريطانية-الأمريكية. تأسس الامتياز الفرنسي عام 1849 وكان يدار مباشرة من قبل القنصل الفرنسي. تحول هذا الحي إلى واحدة من أكثر المناطق جاذبية وأناقة في المدينة، بشوارعه المشجرة بأشجار الدلب ورصفه الأنيق، وعلى رأسها طريق “شارع جوفر” (Avenue Joffre – طريق هوايهاي الحالي).
لم يكن الامتياز الفرنسي مجرد مقاطعة للهندسة المعمارية الأوروبية، بل أصبح ملاذًا آمنًا للمنشقين السياسيين والمفكرين، ورجال العصابات على حد سواء. هناك عاش “دو يوشينغ” (Du Yuesheng)، زعيم العصابة الخضراء التحت-أرضية ورجل الجريمة المنظمة الأبرز في شانغهاي، الذي لعب دور الذراع العسكري الخفي لشيانغ كاي شيك. وفي الوقت نفسه، كان الامتياز الفرنسي يضم منازل عدد من رواد النهضة الصينية، والمنازل التاريخية التي شهدت تأسيس الحزب الشيوعي الصيني.
يعرج الكتاب بعد ذلك على منازل “الشيكومين” (Shikumen) المعمارية المتفردة. تعني كلمة شيكومين “بوابة المستودع الحجري”، وهي طراز معماري هجين ظهر في أواخر القرن التاسع عشر يدمج بين التصميم الإنجليزي للمنازل المتصلة (Terraced Houses) وفناء الدار الصيني التقليدي (Jiangnan style). أصبحت أحياء الشيكومين – مثل حي “شينتياندي” (Xintiandi) وحي “تيانزيفانغ” (Tianzifang) – الحاضن الاجتماعي للطبقة العاملة والطبقة المتوسطة الصغرى في شانغهاي. واليوم، وبعد عمليات التجديد والتطوير التراثي، تحولت هذه الأحياء من أزقة مظلمة ومكتظة إلى مناطق سياحية وفنية راقية تضم أرقى المطاعم والمقاهي، مما يعكس قدرة شانغهاي الفريدة على تسليع تراثها العمراني وإعادة إنتاجه لخدمة اقتصاد الاستهلاك الحديث.
لا يغفل ديلون التنوع الاجتماعي العرقي الاستثنائي الذي ميز شانغهاي في تلك الحقبة؛ فقد كانت المدينة مأوىً لمجتمعات شتات متعددة. يفرد الكتاب صفحات مهمة للحديث عن المجتمع اليهودي في شانغهاي، الذي قسمه ديلون إلى موجتين رئيسيتين:
-
الموجة الأولى (اليهود السفارديم): الذين وصلوا في منتصف القرن التاسع عشر قادمين من بغداد والهند تحت مظلة الإمبراطورية البريطانية، وعلى رأسهم عائلة ساسون (Sassoon) الشهيرة، والذين أصبحوا من كبار مالكي العقارات والتجار والفيسبوك الماليين في المدينة، وبنوا قصر “شيرمان” وفندق الكاثاي (فندق الفيرمونت حاليًا).
-
الموجة الثانية (اليهود الأشكيناز واللاجئون الفارين من النازية): الذين فروا من المذابح الجماعية في روسيا القيصرية بعد ثورة 1917، ثم عشرات الآلاف من اليهود الأوروبيين الذين فروا من المحرقة النازية (الهولوكوست) في ثلاثينيات القرن الماضي. فتحت شانغهاي أبوابها ودون الحاجة إلى تأشيرات دخول لما يقرب من 20 ألف لاجئ يهودي، حيث استقروا في حي “هونغكو” (Hongkou) وأسسوا مجتمعًا حافلاً بالنشاط الثقافي والتجاري والكنسي، والمجسد اليوم في “متحف اللاجئين اليهود” في موقع كنيث “أوهيل موشيه”.
كما يسلط ديلون الضوء على حي “هونغكو” بوصفه “المستوطنة اليابانية غير الرسمية” أو “طوكيو الصغيرة” (Xiao Dongjing)، حيث تراكم التواجد الياباني الاستيطاني والتجاري منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، لتتحول المنطقة لاحقًا إلى القاعدة العسكرية واللوجستية للجيش الإمبراطوري الياباني خلال غزوه لشانغهاي في ثلاثينيات القرن الماضي. وكذلك يذكر الكتاب التواجد الكوري النضالي؛ إذ شهدت شانغهاي تأسيس “الحكومة المؤقتة لجمهورية كوريا” عام 1919 لمقاومة الاستعمار الياباني.
عصر الثورة، الجريمة، والازدهار الثقافي في العشرينيات والثلاثينيات
مع الانتقال إلى العقود الأولى من القرن العشرين، يرسم مايكل ديلون لوحة بانوارامية لشانغهاي بوصفها بؤرة البركان السياسي والثقافي للصين الحديثة. كانت فترة العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي هي “العهد الذهبي” و”العهد الآثم” لشانغهاي في آن واحد؛ العصر الذي التقت فيه أقصى درجات الرخاء المادي والتحرر الثقافي بأقصى درجات الفساد السياساتي والجريمة المنظمة والتفاوت الطبقي الصارخ.
شهدت شانغهاي في هذه الحقبة ميلاد “الطبقة البرجوازية الوطنية” الصينية و”الكمبرادور” (Compradores) – وهم الوسطاء التجاريون الصينيون الذين عملوا كصلة وصل بين الشركات الأجنبية والسوق المحلي. أدى هذا النشاط التجاري المحموم إلى تأسيس بنوك صينية حديثة رائدة لتحدي الهيمنة المصرفية الغربية، وتأسيس “بورصة شانغهاي للأوراق المالية والبضائع” عام 1920. وبحلول ثلاثينيات القرن الماضي، كانت شانغهاي هي المركز المالي بلا منازع لشرق آسيا، وتستقطب رؤوس الأموال من جميع أنحاء العالم.
ولكن على الجانب الآخر من هذا الرخاء، كانت شانغهاي مرجلًا يغلي بالراديكالية السياسية والحركات العمالية. يشدد ديلون على حقيقة تاريخية أساسية: وهي أن شانغهاي، على الرغم من كونها معقل الرأسمالية الآسيوية، كانت هي المكان الطبيعي الذي شهد ميلاد الحزب الشيوعي الصيني. ففي 23 يوليو 1921، واجتمع 13 مندوبًا (من بينهم ماو تسي تونغ الشاب) في بيت تقليدي من منازل الشيكومين في الامتياز الفرنسي (شارع شينغيه حاليًا) ليعلنوا رسميًا تأسيس الحزب الشيوعي الصيني. وعندما داهمت الشرطة الفرنسية المكان، اضطر المندوبون لليلاذ بالفرار وإكمال اجتماعاتهم على متن قارب سياحي في “البحيرة الجنوبية” (South Lake) في مدينة جياشينغ المجاورة.
تطرق الكتاب بتفصيل عميق إلى الأحداث المأساوية لـ “حركة ثلاثين مايو” (May Thirtieth Movement) عام 1925. فعندما قتلت الشرطة البريطانية في المستوطنة الدولية عددًا من العمال والطلاب الصينيين المضربين احتجاجًا على مقتل عامل صيني في مصنع نسيج ياباني، انفجرت غضبة وطنية عارمة شلت الحركة الاقتصادية في شانغهاي وحفزت الوعي المناهض للإمبريالية في جميع أنحاء الصين. أثبتت هذه الأحداث السلطات الأجنبية على إجراء تعديلات شكلية في تركيب “مجلس شانغهاي البلدي” لضم عدد قليل من Representatives الصينيين لأول مرة.
تصل الدراما التاريخية قمتها في الفصل المخصص لـ “المجزرة التي وقعت في 12 أبريل 1927”. يروي ديلون كيف قاد تشو إن لاي (الذي أصبح لاحقًا أول رئيس وزراء للصين الشعبية) مليشيات العمال الشيوعيين في حي “زهاباي” (Zhabei) للسيطرة على المدينة والترحيب بقوات “الحملة الشمالية” التابعة للغوميندانغ بقيادة شيانغ كاي شيك. ولكن شيانغ كاي شيك، الخائف من نفوذ الشيوعيين المتزايد والمدعوم من البورجوازية المصرفية والكتل الأجنبية، عقد صفقة سرية مع “العصابة الخضراء” برئاسة دو يوشينغ.
في ليلة واحدة، شن رجال العصابات بالتنسيق مع جيش الغوميندانغ هجومًا دمويًا كاسحًا على المقار النقابية والشيوعية في شانغهاي، وقتلوا الآلاف من العمال والشيوعيين والنشطاء الميدانيين. أدت هذه الذبحة الشنيعة إلى القضاء تقريبًا على التنظيم الشيوعي الحضري في شانغهاي، وفرار من تبقى من القيادات – وعلى رأسهم ماو تسي تونغ – إلى القرى والأرياف النائية لتأسيس جيش الفلاحين، وهو التحول الذي غيّر مسار الثورة الصينية إلى الأبد.
على الرغم من هذه النزاعات الدموية، شهدت عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي تحول شانغهاي إلى العاصمة الثقافية والإعلامية والسينمائية للصين. يصف ديلون كيف أصبحت المدينة مهد الصحافة الحديثة من خلال صحف كبرى مثل شينباو (Shenbao)، التي أسسها البريطاني إرنست ماجور وحولها الصحفي والشهير شي ليانغ تساي إلى منبر صحفي مستقل وشجاع حارب الاستبداد السياسي وعنف السلطة حتى اغتياله على يد مخابرات شيانغ كاي شيك عام 1934.
كما كانت شانغهاي مهد “العصر الذهبي للسينما الصينية”. أنشأت شركات الإنتاج مثل شركة “ستار” (Mingxing) و”مونو بول” أفلامًا روائية تناولت القضايا الاجتماعية، وحقوق المرأة، والتحول الثقافي، من أبرزها فيلم Nanfu Naqi (الزوجان التعيسان) وفيلم The Blue Angel والروائع السينمائية الاجتماعية مثل Street Angel (ملاك الشارع) وThe Great Road (الطريق العظيم). وفي هذه البيئة الفنية والمسرحية، بزغ نجم ممثلة شابة ومطموحة تُدعى لان بينغ (Lan Ping) – وهي المرأة التي ستعرف لاحقًا باسم “جيانغ تشينغ” (Jiang Qing)، زوجة الزعيم ماو تسي تونغ، والتي ستلعب دورًا مرعبًا في قيادة الثورة الثقافية في ستينيات القرن الماضي.
كانت شانغهاي في تلك الحقبة تتنفس حداثة غربية هجينة: موسيقى الجاز تدوي في الملاهي الليلية، والسينما الهوليوودية تعرض في دور العرض الفخمة، والموضة الغربية تتمازج مع فستان “الشيونغسام” (Cheongsam) الصيني التقليدي، بينما كان المفكر الكبير لو شون (Lu Xun) يكتب مقالاته النقدية اللاذعة التي تشرح واقع المجتمع الصيني وتنتقد العبودية الفكرية والاستعمار الغربي على حد سواء.
من رماد الحرب إلى التحاق الجماهير: السيطرة الشيوعية وحقبة الثورة الثقافية
يستمر مايكل ديلون في غوصه التاريخي الدقيق ليأخذنا إلى الفصل الأكثر قسوة واضطرابًا في تاريخ شانغهاي: سنوات الحرب العالمية الثانية، الحرب الأهلية الصينية، وأخيرًا دخول الجيش الشيوعي للمدينة وما تلاه من تحولات جذرية تحت حكم جمهورية الصين الشعبية.
بدأت محنة شانغهاي الحديثة باجتياح الجيش الإمبراطوري الياباني للمدينة عام 1937 بعد معركة شانغهاي الشهيرة والمضنية التي استمرت ثلاثة أشهر وتسببت في دمار واسع لحي “زهاباي” وقصف الفنادق الكبرى في البوند. وعلى الرغم من أن المستوطنة الدولية والامتياز الفرنسي ظلا معزولين كـ “جزر محايدة” لعدة سنوات، إلا أن الهجوم الياباني على بيرل هاربر في ديسمبر 1941 أنهى هذا الوضع الاستثنائي؛ حيث احتلت القوات اليابانية الامتيازات الأجنبية بالكامل، وسجنت الرعايا الغربيين في مخيمات اعتقال، واستولت على المقدرات الاقتصادية للمدينة.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية واستسلام اليابان عام 1945، ألغيت المعاهدات غير المتكافئة رسميًا وسُلِّمت الامتيازات الأجنبية إلى الحكومة الوطنية (الغوميندانغ). ولكن فرحة المدينة لم تدم طويلاً؛ فقد اندلعت الحرب الأهلية الصينية بين الغوميندانغ والشيوعيين، وغرقت شانغهاي في موجة طاحنة من التضخم المالي المفرط، والفساد الإداري الحكومي، وشلل الحياة الاقتصادية.
في مايو 1949، حققت “قوات تحرير الشعب” الشيوعية انتصارًا حاسمًا ودخلت مدينة شانغهاي. يصف ديلون مشهد تحرير/سقوط شانغهاي: كان جنود الجيش الشيوعي قادمين من خلفيات ريفية وفقيرة، وكان العديد منهم يرون لأول مرة ناطحات السحاب والمياه التابعة للصنبور والمصابيح الكهربائية. ينقل الكتاب انضباط الجنود الشيوعيين الذين رفضوا النوم في منازل المواطنين أو الفنادق الفاخرة واختاروا النوم على أرصفة شوارع شانغهاي في البارد والملابس المبللة، مما أثار إعجاب واستغراب سكان المدينة والتجار الغربيين الباقين.
ومع ذلك، كان استلام شانغهاي بالنسبة للحزب الشيوعي بمثابة “صداع سياسي واقتصادي رهيب”. كانت القيادة الشيوعية العليا في بيكين، وعلى رأسها ماو تسي تونغ، تنظر بنوع من الريبة والتشكيك الأخلاقي لشانغهاي؛ حيث كانت تعتبرها “مستنقعًا للفساد الرأسمالي”، و”مركزًا للرذيلة الغربية”، ومعقلًا للمعارضين والشركات الإمبريالية. بل إن بعض القادة الراديكاليين اقترحوا هدم المباني الغربية في البوند وتدمير التراث العمراني للمدينة بالكامل لإعادة بنائها من الصفر كمدينة عمالية صينية (وهو الخيار الذي رُفض لحسن الحظ لصالح الحلول البراغماتية).
خلال خماسينيات القرن الماضي، خضعت شانغهاي لسلسلة من الحملات السياسية الشرسة القاسية التي شنها الحزب الشيوعي لاستئصال شأفة “المناهضين للثورة” (Counterrevolutionaries)، وتصفية شبكات الجريمة المنظمة، وإلغاء الرأسمالية الفردية. أسفرت حملات “الثلاثة ضد” و”الخمسة ضد” (Three-Anti and Five-Anti Campaigns) عن مصادرة ممتلكات رجال الأعمال والتجار والكمبرادور، وانتشار حالات الانتحار بين الصناعيين والماليين الذين عجزوا عن مواجهة التحقيقات والمحاكمات الجماهيرية. حُولت المصانع والمؤسسات التجارية إلى ملكية الدولة، وتم إجلاء أو فرار غالبية النخبة الرأسمالية الأجنبية والصينية إلى هونغ كونغ أو تايوان أو الغرب، مما أفقد شانغهاي بريقها المالي والجامعي لعدة عقود.
ثم وصلت النزاعات الأيديولوجية إلى ذروتها الكارثية خلال الثورة الثقافية (1966–1976). يخصص ديلون عدة فصول متعمقة ومفصلة لهذه الحقبة، مستندًا إلى مصادر صينية نادرة وتحليلات للخطاب السياسي الميداني. أصبحت شانغهاي القاعدة السياسية الصلبة لـ “عصابة الأربعة” (Gang of Four) وعلى رأسهم جيانغ تشينغ (زوجة ماو) وتشانغ تشون تشياو.
في يناير 1967، شهدت شانغهاي ما يُعرف بـ “عاصفة يناير” (January Storm)؛ حيث تحالف المتمردون العماليون في “المقر العام لثوار شانغهاي العماليين” (Workers’ Headquarters) مع الحرس الأحمر لتنفيذ إضراب عام شل الحركة في الموانئ والسكك الحديدية، وتطيح بالقيادة الإدارية والحزبية التقليدية للمدينة. وأُعلن لقيام “كومونة شانغهاي” (Shanghai Commune) على غرار كومونة باريس، قبل أن يتم استبدالها لاحقًا بـ “اللجنة الثورية”.
أصبحت شانغهاي في الثمانينيات والتسعينيات مسرحًا للصراعات الصارخة: الحرس الأحمر يجوب الشوارع، ويدمر الآثار والكتب القديمة، ويهاجم منازل المفكرين والفنانين والأشخاص المتهمين بـ “الاتباع للرأسمالية”. وفي المقابل، قام الحزب الشيوعي بترويج نموذج “فرقة الثمانية الصالحة” (Good Eighth Company) – وهي وحدة عسكرية من الجيش تم إبرازها إعلاميًا كرمز للزهد والتقشف والصلابة الأيديولوجية في مواجهة مغريات الحياة الحضرية في شانغهاي.
تسببت هذه السنوات العشر من الاضطرابات في شلل تنموي كامل للمدينة، وتراجع دورها الاقتصادي مقارنة بالعواصم الآسيوية الأخرى، وظلت شانغهاي ترزح تحت وطأة التسييس المفرط حتى وفاة ماو تسي تونغ عام 1976 واعتقال عصابة الأربعة، لتبدأ المدينة رحلة البعث من جديد.
الانبعاث الاقتصادي الحديث، دنيغ شياوبينغ، وشانغهاي اليوم وغدًا
في الجزء الأخير من مراجعته لكتاب مايكل ديلون، يتتبع المحلل المستجدات التنموية الجبارة التي حولت شانغهاي من مدينة تعاني من آثار الاضطرابات السياسية والبنية التحتية المتهالكة إلى واجهة التحديث الفائق للصين في القرن الحادي والعشرين، والمركز المالي الذي ينافس نيويورك ولندن وطوكيو.
بعد الانتهاء من محاكمة عصابة الأربعة ودخول الصين عصر “الإصلاح والانفتاح” (Reform and Open) تحت قيادة دينغ شياوبينغ في أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت شانغهاي متأخرة نسبيًا في التحاقها بالمناطق الاقتصادية الخاصة مقارنة بمدن الجنوب مثل شينزين وغوانغتشو. ولكن دينغ شياوبينغ سرعان ما أدرك أن نجاح تحديث الصين ككل لا يمكن أن يتم دون إيقاظ “التنين النائم” في دلتا نهر يانغتسي: مدينة شانغهاي.
لعب قياديان محليان باديان في حزب شانغهاي دورًا حاسمًا في هذه النهضة: جيانغ زيمين (Jiang Zemin) وتشو رونغجي (Zhu Rongji). تولى الرجلان قيادة شانغهاي في ثمانينيات القرن الماضي ونجحا في إحياء الروح الريادية للمدينة، وتجديد الثقة مع رجال الأعمال الدوليين، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية. وعندما انتقل جيانغ وتشو إلى أعلى هرم السلطة في بيكين (كأمين عام للحزب ورئيس للوزراء على التوالي)، حملا معهما “نموذج شانغهاي” التنموي وقاما بفرضه على مستوى الأمة بأكملها، فيما عُرف سياسيًا بـ “عصابة شانغهاي” أو (Shanghai Clique).
تتمثل نقطة التحول التاريخية في عام 1990، عندما أعلنت الحكومة المركزية رسمياً عن مشروع تطوير “منطقة بودونغ الجديدة” (Pudong New Area) على الضفة الشرقية لنهر هوانغبو. كانت بودونغ حتى ذلك الوقت عبارة عن أراضٍ زراعية ومستودعات قديمة ومقابر. وفي غضون ثلاثة عقود فقط، تحولت بودونغ إلى إحدى أكثر المناطق المستقبلية إبهارًا في العالم.
يشرح ديلون بالتفصيل المعماري والاقتصادي كيف أصبحت حي “لوجيازوي” (Lujiazui) في بودونغ العصب المالي والتكنولوجي للصين؛ حيث ارتفعت ناطحات السحاب العملاقة التي تشكل أفق المدينة الساحر اليوم:
-
برج لؤلؤة الشرق (Oriental Pearl Tower): بقممه الكروية الفتية.
-
برج جين ماو (Jin Mao Tower): المبتكر بطرازه المتناسق.
-
مركز شانغهاي المالي العالمي (Shanghai World Financial Center).
-
برج شانغهاي (Shanghai Tower): ثاني أطول مبنى في العالم بارتفاعه البالغ 632 مترًا والتواءاته الهندسة المعمارية التكنولوجية الفائقة.
لم تكن بودونغ مجرد عرض للهندسة المعمارية الشاهقة، بل كانت مقرًا لـ “منطقة التجارة الحرة بشانغهاي” (Shanghai Free Trade Zone) التي تأسست عام 2013، واستقطبت مئات الشركات العالمية والصناعات الاستراتيجية المتقدمة مثل الدوائر المباشرة والتكاملية (Integrated Circuits)، والطب الحيوي (Biomedicine)، والذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence).
ويستكشف ديلون في الفصول الأخيرة من الكتاب شانغهاي في عهد لي تشيانغ (Li Qiang) – الذي شغل منصب أمين الحزب الشيوعي في شانغهاي قبل أن يصبح رئيسًا لوزراء الصين في عهد الرئيس شي جين بينغ. تناولت هذه الفصول التحديات المعقدة التي واجهتها المدينة خلال جائحة كوفيد-19 والإغلاق الصارم الذي فرض على المدينة عام 2022، ومدى مرونة البنية التحتية والمجتمع المدني في شانغهاي في التعافي من تلك الصدمة الاقتصادية والاجتماعية.
على صعيد التنوع الديموغرافي والثقافي في القرن الحادي والعشرين، يبرز ديلون ظاهرة “العائدين من الخارج” أو ما يُعرف بالصينية بـ Haigui (وهي كلمة تعني حرفيًا العائدين عبر البحر، وتشبه في نطقها السلاحف البحرية التي تعود للمكان الذي ولدت فيه). تدفق الملايين من الشباب الصيني المتعلم في أفضل الجامعات الغربية، إلى جانب ملايين العمال المهاجرين من المقاطعات الصينية الأخرى، ليساهموا في بناء مجتمع كوزموبوليتاني منفتح وفائق الذكاء، يتحدث بلغة الابتكار التكنولوجي والتجارة العالمية.
ومع ذلك، يلاحظ المؤلف وجود نوع من الحنين والارتباك لدى السكان الأصليين لشانغهاي الذين يتحدثون “لهجة الوو” (Wu language) حيث يخشى البعض من اندثار هويتهم اللغوية والثقافية المحلية تحت وطأة سياسات التنميس اللغوي للغة الصينية القياسية (المندرين) والتدفق الهائل للمهاجرين.يمكن القول إذا أن شانغهاي ليست مجرد مدينة صينية كبرى، بل هي “نموذج صين المستقبل”. إنها المدينة التي تعيد صياغة العلاقة بين الدولة الصينية والرأسمالية العالمية؛ المكان الذي يتعايش فيه التراث الإمبراطوري مع الذاكرة الاستعمارية، والتسلط السياسي مع التحرر الاقتصادي والثقافي.




