مقالات الرأي

حرب ترمب أم حرب نتنياهو !!؟ كيف نفهم الحرب ضد إيران في سياقها الصحيح !؟. (١-٣)   صهيب حامد

حرب ترمب أم حرب نتنياهو !!؟

كيف نفهم الحرب ضد إيران في سياقها الصحيح !؟. (١-٣)

صهيب حامد

 

 

يدور الجدل في واشنطن الآن وفي خضّم الحرب الدائرة ضد إيران بين أنصار الرئيس ترمب (الجمهوريين من مجموعات ماغا) وأعداء الأخير من الديمقراطيين حول دوافع الحرب ، فيدفع فريق كبير (ضمنهم الديمقراطيون ومنشقو جماعة ماغا بقيادة المؤثر تاكر كارلسون) بأن مصالح إسرائيل هي من أجج (ترمب) بسببها الحرب. بينما يعتقد فريق كبير من مجموعات (MAGA) أن حرب إيران تحقق بالدرجة الأولى المصالح العليا للولايات المتحدة الأمريكية وهو الأمر الذي تقتنع به ٨٠ ٪ من قاعدة ماغا حيث تعني كلمة ماغا بالانجليزية (Make America Great Again) اي دعنا نجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى. وفي ثنايا هذا الجدل نحاول إختراق أضابير التقاطعات الجيوسياسية لمعرفة حقيقة ما إذا كانت الحرب ضد إيران هي حرب إسرائيل أم حرب الولايات المتحدة الأمريكية.. أم هي بالأساس حرب دونالد ترمب بمعزل من أي مصالح وطنية أو إسرائيلية ، حيث يهدف (ترمب) من خلال ذلك إختراق البناء المؤسسي للديمقراطية الأمريكية وتأسيس إمبراطورية ترمبية متجاوزة (Transcendental) لسقوف أوعية الممارسة السياسية الأمريكية ممثلة في (الجمهوريين والديمقراطيين) وتدشين ملوكية ترمبية تتيح له أن يصبح الملك (Monarch) الأول في تاريخ الدنيا الجديدة مقوضاً جمهورية (توماس جيفرسون)!!.

حسناً..ما هي الخاطرة الأولى التي داعبت فؤاد الرئيس (ترمب) بعد أدائه القسم رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في ٢٠ يناير ٢٠٢٥!!؟.. إن ما يمكن أن يعطي الرئيس ترمب أولوية ونفوذ على الممارسة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية هو قدرته على كبح جماح التسارع الإقتصادي والتكنولوجي لجمهورية الصين الشعبية (PRC) طيلة العقدين المنصرمين!!. فلقد إنشدهت أعين المراقبين والاستراتيجيين الأمريكان (خصوصاً داخل المؤسسة السياسية الأمريكية بما يشمل الحزبين الكبيرين) نقول إنشدهت أعين هؤلاء صوب التنين الصيني منذ أن تجاوز الدخل المحلي الإجمالي الإسمي للصين (china nominal GDP) اليابان في ٢٠١٠م ، وهكذا كي تعتلي الصين مذّاك الموقع الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة في مضمار التفوق الإقتصادي!!. لكن الأمر الأكثر دلالة والذي دقّ ناقوس الخطر في واشنطن هو تفوق الإقتصاد الصيني على نظيره الأمريكي نفسه في العام ٢٠١٦م بمعيار القوة الشرائية (PPP) وهذا الأخير هو معيار حجم الإقتصاد وفق القدرة الشرائية المحلية (أي ما يشتريه الدولار في البلد المعني وليس في أمريكا كما هو الحال في معيار الدخل الإجمالي الإسمي nominal GDP) ، حيث لا يخفى على مختص إقتصادي سبب الإنحياز داخل أروقة المؤسسات الإقتصادية العالمية (خصوصاً البنك الدولي الذي مقره واشنطن) لمعيار الدخل الإجمالي الإسمي سوى بدافع إبراز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة إقتصادية عظمى في العالم عبر إستخدام الدولار كمقياس لثروة الدول. ولكن كل ذلك لم يزعج مخططو السياسة بواشنطن إلّا حينما بدأت الصين مضمار التفوق الصناعي والتكنولوجي على الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد ، حيث تفوقت الدولة الصينية على الولايات المتحدة الأمريكية في ٦٦ من أصل ٧٤ تكنولوجيا حرجة (Critical technologies) خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي (AI) وصناعة الروبوتات (Robotics ) وحوسبة الكم (Quantum computing) ، مع إنتاج ١.٨ مليون براءة إختراع وهو أمر يتيح تفوقاً مستقبلياً للتنين الصيني على الولايات المتحدة بما لا يمكن تداركه.

ذلك في الجانب الإقتصادي ، ولكن كذلك على الجانب العسكري فلقد أحدثت الصين تفوقاً ملموساً في تحديث جيشها (PLA) فتجاوزت ميزانيته ٣٠٠ مليار دولار مع تفوق واضح في سلاح البحرية (٢٣٤ قطعة بحرية) مما مكّنها من تجاوز التفوق البحري الأمريكي في المسرح الإندوباسيفيكي على وجه الخصوص وقد إستفادت الصين من التطور الصناعي والتكنولوجي (خصوصاً في مجال العناصر النادرة) فرفدت القدرة العسكرية بذلك مما مكنها من إنتاج تكنولوجيا عسكرية تتيح لها دقة في الإستهداف لتدمير كافة القواعد العسكرية في المسرح الإندوباسيفيكي في أضيق ظرف زمني في حال إندلاع إي صراع بين القوتين العظميين.. يا للهول!!.إذن فلقد إرتكز رهان الرئيس دونالد ترمب ومنذ أدائه القسم في ٢٠ يناير ٢٠٢٥ على تحقيق الحلم الأمريكي الأعلى وهو كبح جماح التفوق الإقتصادي الصيني ، فإرتكزت إستراتيجية الرئيس (ترمب) في هذا المضمار على إستعادة التفوق الأمريكي وذلك بإلإزالة التدريجية للعجز في ميزان المدفوعات الأمريكي ليس مع الصين فحسب بل مع كافة دول العالم التي تقيم معها الولايات المتحدة علاقات تجارية تمهيدا لإزالة العجز في الموازنة الكلية التي ظلت تعاني من عجز سنوي وهو الأمر الذي أوصل الدين العام الأمريكي لرقم فلكي مهول (ما يقارب ٣٩ ترليون دولار) مما هدد مكانة الدولار كعملة تداول على المستوى المتوسط والطويل بله تهديد المكانة الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

وهكذا كي يصدر الرئيس ترمب أمره التنفيذي في الأول من فبراير ٢٠٢٥م القاضي بزيادة ١٠٪ على كافة الرسوم الجمركية على كافة الواردات للسوق الأمريكي ، ثم كي يردف زيادة تقدّر ب ٣٤٪ على الواردات الصينية بالذات كي تصل الرسوم الجمركية على السلع الصينية الواردة للسوق الأمريكي ل ٥٤٪ وذلك بعد الوضع في الإعتبار زيادة ال ١٠٪ التي فرضها الرئيس بايدن على الصين في آخر فترته!!.بالطبع ردت الصين بالمثل كي ترفع رسومها الجمركية على الواردات الأمريكية للسوق الصيني بنفس النسبة ٣٤٪. وهكذا كي تستعر حرب الرسوم الجمركية بين البلدين فيوصل الرئيس ترمب رسومه الجمركية على الصين ل ١٤٥٪ وكذلك الصين بدورها ترفع رسومها ل١٢٥٪ ، وليس ذلك فحسب بل كي تضيف الصين لعقوباتها على واشنطن بند ذا طابع إستراتيجي وهو حظر تصدير العناصر الأرضية النادرة للسوق الأمريكي ، وهكذا كي نقترب من معركة كسر العظم حيث تمثل العناصر الأرضية النادرة (REEs) المكون الإستراتيجي الداخل في الصناعة العسكرية الأمريكية إذ تتحكم الصين في ٦٠٪ من صناعة تعدينها و٩٠٪من صناعة تكريرها وهكذا كي يجد الرئيس ترمب أن لا مناص سوى الجلوس مع خصومه الصينيين في مفاوضات جنيف يوليو ٢٠٢٥م!!.

ليس فقط ما هدد ترمب هي العناصر النادرة ولكن توقف التجارة بين البلدين بسبب الرسوم الجمركية الفلكية أدّى لإنهيار في البورصة الأمريكية مما أفقد هذا السوق الكثير من قيمته السوقية (Market capitalization) ، كذلك فاقم الزيادة في الفوائد على سندات الخزانة (Treasury bonds yeilds) مما أدّى لإنهيار الدولار وتقليل الطلب عليه مع تصاعد في الطلب على الذهب وهي مؤشرات جميعها مدمرة للإقتصاد الأمريكي. وهنا أدرك الرئيس ترمب ضرورة التنازل التكتيكي لحين ميسرة كي يخفّض رسومه ل ٣٤٪(من١٤٥‰) مقابل تخفيض صيني بلغ ١٠٪ (من ١٢٥٪) مع إستمرار حظر صيني للعناصر النادرة المصدّرة للولايات المتحدة حيث مثّل هذا الحظر الأخير تحدياً جدياً إستراتيجياً للصناعات العسكرية الأمريكية الفائقة مثل الصورايخ بعيدة المدى والصواريخ الإعتراضية وطائرات الجيل الخامس (F35) وما دونها من الجيل الرابع ونصف ك (F15e)!!.وهكذا كي يحس الرئيس ترمب بالتحدي إزاء الهزيمة التجارية أمام بيكين وهو ما يهدد كامل خططه في السيطرة المطلقة على المجال السياسي الأمريكي وهو ما كان يأمله عبر تحقيق نصر كاسح وملحوظ على التنين الصيني يروي عطش النخبة الأمريكية في تجاوز الخطر الصيني. إذن من هنا فصاعداً لم يعد من محرك لكامل نشاط الرئيس ترمب سوى تسجيل النقاط التي تمكّنه من تركيع (بيكين) بأي ثمن وكان مجال ذلك هو حرمان الصين من عنصرين إستراتيجيين للإقتصاد الصيني وهما الطاقة الرخيصة التي تتمتع بها الصين اليوم ثم خنقها في مجال الرقائق الاكترونية نقطة ضعف بيكين الأخرى ولله المثل الأعلى!!..نواصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى