مقالات الرأي

الشريف محمد بن علي الحسني يكتب : الإطعامُ سرُّ الحياة وزكاةُ الوجود

الإطعامُ سرُّ الحياة وزكاةُ الوجود

بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس مؤسسة الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليس الإطعام في الإسلام فعلاً عابرًا يُؤدّى على هامش الحياة، بل هو قلبُ الحياة نفسها، وسرُّ بقائها، ونظامُ توازنها الخفي الذي به يستقيم معاش الناس ويُحفظ أمنهم وتُصان كرامتهم. فحين يُطعَم الجائع تُحقن فتنة، ويُدفع بلاء، ويُحفظ إنسان، وكأنما أُحييت به البشرية جمعاء؛ لأن الحاجة إذا مُسّت نفسًا واحدة فإن أثرها يمتد في نسيج المجتمع كله، وكذلك الرحمة إذا نزلت على محتاج واحد فإنها تتسع لتُصلح ما حوله من القلوب والأحوال.

ومن هنا لم يكن قول الله تعالى: {فمن أحيا نفسًا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعًا} بعيدًا عن مائدة الطعام، بل هو أقرب ما يكون إليها؛ إذ الإحياء ليس دائمًا بإزالة الموت، بل كثيرًا ما يكون بدفع الجوع، وصيانة الكرامة، وإقامة الحد الأدنى من العيش الذي به تستمر الحياة. ولذلك كان الإطعام زكاة الحياة، وكان أمانها، وكان شكرها الحقيقي الذي لا يُترجم بالألفاظ بل بالأفعال.

إن دين الإسلام في جوهره دينُ حياةٍ وعمران، لا يفصل العبادة عن الواقع، ولا يجعل التقرب إلى الله منفصلًا عن نفع الناس. فالصلاة تزكية للنفس مع الله، و الزكاة تزكية للنفس مع الناس، حين تتحول العبادة من حال فردي إلى نظام اجتماعي يضمن توزيع النعمة بين الناس. ولهذا ارتبطت عمارة البيت الحرام منذ نشأتها بمعاني الأمن والسقاية والإطعام؛ لأن البيت الذي جعله الله للناس جميعًا لا يُقام إلا على أساس الإشباع قبل الإقناع، والأمان قبل البيان.

وفي هذا المعنى تتجلى فلسفة الزكاة باعتبارها ليست مجرد مقدار مالي محدد، بل هي روح يومية تسري في حياة الإنسان؛ أن يكون للآخرين نصيبٌ في رزقه، وللمحتاجين موضعٌ في يومه، وللضعفاء حقٌّ معلوم في ماله وجهده وعلمه. فالزكاة بهذا المعنى هي تعميمٌ للرزق الرباني، وهي إقرار عملي بأن ما في يد الإنسان أمانةٌ لا ملكًا مطلقًا، وأن شكر النعمة لا يكون إلا بإيصالها إلى من حُرم منها.

ومن هنا فإن الإطعام يرتقي ليكون سنامًا من سنامات الدين، لأنه يباشر الحاجة الأولى للإنسان، ويعيد إليه توازنه، ويحفظ له إنسانيته. فإطعام البائس الفقير، والقانع والمعتر، ليس مجرد عمل خيري، بل هو إقامة لميزان الرحمة في الأرض، وإعلان أن المجتمع لا يقوم على فائض الأغنياء، بل على حق الفقراء في هذا الفائض. ولهذا كان الامتناع عن الزكاة سببًا في الخلل والاضطراب، لأنها ليست نقصًا في المال فحسب، بل نقص في فهم معنى الحياة المشتركة.

إن أعظم ما في هذا المنهج الرباني أنه لا يربط الخير بالمواسم وحدها، بل يجعله خُلقًا دائمًا؛ فـ«قليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع»، والإطعام اليومي – ولو كان يسيرًا – هو الذي يصنع مجتمعًا متماسكًا، لا تُترك فيه الحاجات حتى تتفاقم، ولا يُؤجل فيه المعروف حتى يبرد أثره. فكل يومٍ يمرّ دون أن يصل فيه الخير إلى مستحقه هو خلل في دورة الرحمة التي أرادها الله أن تسري بين عباده.

والزكاة بهذا الفهم ليست مالًا فقط، بل هي كل ما يُعطى: علمًا يُنفع به، وقوةً تُسخّر في خدمة الناس، ووقتًا يُبذل لقضاء الحاجات، ومكانةً تُستخدم لرفع الظلم، وكلمةً طيبة تُسند المكسور. فحين تتحول حياة الإنسان إلى سلسلة من العطاء المتصل، فإنه لا يزكي ماله فقط، بل يزكي نفسه، ويحقق معنى الاستخلاف في الأرض.

إن القربان الحقيقي إلى الله لا يكون في الانعزال عن الناس، بل في القرب منهم، وخاصة من ضعفاؤهم؛ لأن في حاجاتهم بابًا مفتوحًا إلى رضوان الله. فكل يدٍ تمتد إلى مسكين، وكل مائدة يُدعى إليها محتاج، وكل بيت يُفتح ليتيم، إنما هي جسورٌ تصل الأرض بالسماء، وتجعل من العمل اليومي عبادةً خالصة لا تنفصل عن واقع الحياة.

وهكذا يتبين أن الإطعام ليس مجرد تفصيل في الشريعة، بل هو أحد أعمدتها الكبرى، وركيزة من ركائز العمران الإنساني. فبه يُبنى الأمن، وتُحفظ النعمة، وتُزكى النفوس، وتُستجلب الرحمة، ويقوم المجتمع على ميزان العدل والكرامة. ومن أدرك هذا المعنى، جعل من يومه ميدانًا للعطاء، ومن رزقه طريقًا للنجاة، ومن حياته رسالةً تُحيا بها حياة الآخرين.

فالإطعام إذن هو سر الحياة، وزكاة الوجود، وأمان الإنسان في دنياه وأخراه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى