مقالات الرأي

القبيلة والدولة في السودان: من شظايا التناحر إلى فسيفساء البناء ..!

البعد الاخر د. مصعب بريــر

البعد الاخر

د. مصعب بريــر

القبيلة والدولة في السودان: من شظايا التناحر إلى فسيفساء البناء ..!

 

تحية تقدير للدكتور محمد حسن محجوب على مقاله الشامل والعميق، بعنوان “اشكالية القبلية أثناء الفترة الانتقالية واثرها فى اعمار الدولة”، وعلى إضاءته الذكية التي لامست وتراً حساساً في حياتنا السياسية والاجتماعية. بصفتي مراقباً وممارساً في حقل الإدارة الأهلية والحكم الرشيد لأكثر من ثلاثة عقود، أضم صوتي لصوته؛ فنحن نقف اليوم أمام مفترق طرق مفصلي. لقد تم استغلال مفاهيم الهامش والمركز والمظالم التاريخية، وتفخيخها لتصبح قنابل موقوتة تهدد بنسف استقرار الدولة السودانية بالكامل.

القضية الأهم اليوم في مسار الانتقال وإعادة الإعمار ليست في كيفية محو القبيلة من الوجود، بل في كيفية فك الاشتباك المعقد بين الانتماء القبلي الضيق والولاء الوطني الشامل، وتحويل هذا التنوع البشري من أداة هدم وتناحر إلى طاقة جبارة للبناء.

الواقع الذي نعيشه مرير وقاسٍ. لقد تحولت الصراعات الطبيعية حول الموارد إلى حروب عبثية مدمرة، واصطدم العرف الأهلي بالقانون المدني في ظل تراجع هيبة الدولة، مما خلق بيئة خصبة للاستقطاب. لكن التمازج القبلي، كما أُشير في المقال، يحمل بذور الحل إذا أدرناه بحكمة.

إننا لسنا بدعاً من الأمم، فالتاريخ يخبرنا عن دول أفريقية واجهت ذات التمزق ونهضت من الرماد. لتكن لنا في تجربة رواندا عبرة، فقد خرجت من مستنقع أسوأ مذابح الإبادة لتبني هوية وطنية صارمة تُعلي من شأن المواطنة، واستخدمت آليات العدالة الأهلية العرفية المعروفة بـ “الغاكاكا” لرد الحقوق وجبر الضرر دون السقوط في فخ الانتقام الجماعي. دعونا ننظر أيضاً إلى بوتسوانا كنموذج أفريقي باهر؛ حيث دمجت نظام “الخوتلا” أو المجالس القبلية في هيكل الدولة الحديثة، فأنشأت مجلساً للزعماء القبليين يقدم المشورة للبرلمان، مما حول قيادات العشائر إلى حراس للتنمية والاستقرار تحت مظلة الدستور، لا إلى أمراء حرب.

لإسقاط هذه النجاحات على واقعنا السوداني وتحويل مجتمعنا إلى نسيج متجانس، نحتاج إلى خطوات عملية شجاعة. أولاً، يجب إصلاح مؤسسة الإدارة الأهلية لتستعيد دورها التاريخي كصمام أمان اجتماعي لفض النزاعات، مع تحصينها تماماً من الاختراق الحزبي والاستقطاب السياسي المقيت. ثانياً، لا مناص من ثورة شاملة في المناهج التعليمية لنزرع في عقول أطفالنا قيم المواطنة وتاريخنا الوطني المشترك، بدلاً من الروايات القبلية الانعزالية. ثالثاً، يجب تفكيك المحاصصات القبلية في الخدمة المدنية والقوات النظامية، واعتماد الكفاءة كمعيار أوحد، مع توجيه مشاريع التنمية بعدالة لكافة الأقاليم لقطع الطريق أمام من يستثمرون في المظالم.

بعد اخير:

خلاصة القول، الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب إرادة وطنية صادقة تؤمن بأن القبيلة هي مكون اجتماعي كريم، ومستودع للأخلاق والقيم الفاضلة، لكنها تعجز وتفشل تماماً إذا حاولنا إلباسها ثوب الدولة ومؤسساتها. إن بناء جيش قومي مهني واحد، وخدمة مدنية محايدة، هو حجر الزاوية الذي لا غنى عنه لضمان استقرار السودان وإعادة إعماره على أسس متينة.

وأخيرًا، دعونا نجعل من تنوعنا الإثني والثقافي لوحة فسيفساء جميلة تزين وجه السودان الجديد، لا شظايا زجاج تدمي أقدامنا وتعطل مسيرتنا. إن المسؤولية التاريخية تحتم علينا جميعاً، قيادات أهلية ومفكرين ومواطنين، أن نصيغ عقداً اجتماعياً متوازناً يحترم خصوصيات المكونات المحلية، ولا يمس بشعرة من وحدة الدولة وقوميتها، ليعود السودان وطناً يسعنا جميعاً، نعيش فيه بسلام، ونبنيه معاً للمستقبل.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأحد | 5 أبريل 2026م
musapbrear@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى