الشريف محمد بن علي الحسني يكتب ..حين يُرفع بشر فوق القدرة… وتسقط العدالة
من ازدواجية المعايير إلى الفرعونية المعاصرة

ليست الكارثة في أن يخطئ إنسان، بل في أن يُقال الخطأ في مقامٍ عام ثم يُترك، أو يُلتمس له العذر، أو يُعاد تأويله حتى يفقد حدّه. هناك يبدأ الخلل الحقيقي، لا في اللفظ ذاته، بل في حمايته. وما قيل – وقد ثبت بالصوت والصورة – من عبارة يُفهم منها أن بشرًا “لا يقدر عليه الله”، ليس مجرد تجاوز عابر، بل قولٌ يصادم أصل التوحيد، ويكشف عن اختلال عميق في ميزان المعنى.
لقد قرر القرآن قاعدة لا يدخلها استثناء: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذه ليست عبارة وعظية، بل حدٌّ عقدي لا يُسمح بتجاوزه، لا تصريحًا ولا تلميحًا. فإذا جاء خطاب يوحي بأن إنسانًا – كائنًا من كان – خارج عن سلطان هذه القدرة، فإننا لا نكون أمام زلة لسان، بل أمام قول باطل في ميزان العقيدة، لأنه يرفع بشرًا إلى موضع لا يكون إلا لله.
وعندما سعى المستشار السياسي لحاكم أبوظبي إلى تمرير أطروحته خلال اللقاء المصوَّر الذي أجرته معه إحدى الصحفيات، لم يقف عند حدود التحليل السياسي، بل تجاوز إلى قولٍ خطير حين صرّح حرفيًا بأن “نتنياهو لا يقدر عليه الله”، وهي عبارة لا يمكن حملها على المجاز أو التهوين، لأنها تتضمن معنى نفي القدرة الإلهية، ورفع بشر إلى موضعٍ لا يكون إلا لله.
وهنا لا بد من تسمية الأشياء بأسمائها:
هذا خطاب منحرف في ميزان التوحيد، لأنه يضخم القوة البشرية حتى تُصوَّر وكأنها فوق القدرة، أو غير خاضعة لها، وهذا باطل قطعًا لا يقبل التأويل الذي يُبقي معناه على هذا الوجه.
وهذه هي الفرعونية الجديدة بعينها؛ التي لم تعد تُعلن بلفظها الصريح، بل تُمرَّر في صورة خطابٍ يرفع البشر فوق الحد الذي خُلقوا له، وهي ذاتها الحقيقة التي حاربها الأنبياء والرسل، وواجهها المصلحون عبر التاريخ، لأنها تقوم على تبديل ميزان الحق لصالح القوة.
غير أن الأخطر من العبارة ذاتها، هو السياق الذي يسمح لها أن تمر. وهنا تتجلى القاعدة النبوية العميقة: “إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد”. لم يكن الحديث عن السرقة وحدها، بل عن ازدواجية المعايير؛ حين يُدان الخطأ إذا صدر من الضعيف، ويُحتمل أو يُبرّر إذا صدر من صاحب مكانة. وهذا بعينه ما يجعل الخطأ يتحول من فعلٍ فردي إلى نظامٍ يحميه.
إن الإساءة إلى مقام الألوهية إن صدرت من مجهول، قامت الدنيا عليها، أما إذا صدرت من صاحب موقع، فإنها تُغلف بالصمت أو التأويل، وهنا لا تكون المشكلة في القول فقط، بل في حمايته، وفي الخلل الذي أصاب ميزان الحكم عليه.
والقرآن حين عرض نموذج فرعون لم يكن يسرد تاريخًا، بل كان يكشف نمطًا يتكرر: ﴿فقال أنا ربكم الأعلى﴾. ولم تكن هذه الكلمة مجرد دعوى لفظية، بل نتيجة مسار بدأ بتعظيم القوة، وانتهى بتجاوز الحد في حق الله. فالفرعونية ليست كلمة تُقال، بل منهج يبدأ حين تُرفع إرادة الإنسان فوق مرجعية الحق، وحين يُعاد تعريف القدرة وفق من يملك القوة، لا وفق من يملكها حقًا.
ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم ليس قولًا معزولًا، بل علامة على انزلاق أخطر: حين تُقدَّم القوة السياسية على المعنى العقدي، ويُعاد ترتيب القيم بحيث يُفهم أن من يملك القوة قد يخرج عن حدود القدرة، أو يُتوهم فيه ذلك. وهذا هو جوهر الانحراف الذي حذّر منه القرآن.
إن حرية التعبير لا تعني حرية التجديف، ولا تعني إعادة تعريف المقدسات وفق أهواء اللحظة. فالمقدس ليس مادة للسجال، ولا ساحةً للتجريب، بل هو الحد الأعلى الذي تُقاس به الكلمات، لا الذي تُقاس عليه.
وفي هذا المقام، فإن البراءة التي نعلنها ليست موقفًا سياسيًا، ولا اصطفافًا عابرًا، بل هي براءة عقدية صريحة: براءة من هذا القول، ومن معناه، ومن كل خطاب يرفع بشرًا إلى موضع لا يكون إلا لله. فالتوحيد لا يُجامل فيه أحد، ولا يُستثنى منه أحد.
إن المجتمعات لا تنهار حين يكثر الخطأ، بل حين تفقد القدرة على تسميته خطأ إذا صدر من “المحميّين”. وهناك يبدأ السقوط الحقيقي… لا حين يُقال الباطل، بل حين يُحمى، ويُعاد تعريف الحق على مقاسه.



