الشريف محمد بن علي الحسني يكتب : من “إرهابي” إلى “شقيق”
كيف أعادت السياسة صياغة اللغة في الشرق الأوسط بين 2018 و2026

لم يكن التحول في وصف Benjamin Netanyahu من “إرهابي” إلى “شقيق” مجرد زلة لسان أو تناقض عابر في خطاب وزير أو مسؤول، بل هو مرآة صافية لتحول أعمق بكثير أصاب بنية الوعي السياسي العربي، حيث لم تعد الكلمات تعبّر عن قناعات ثابتة بقدر ما أصبحت أدوات تُعاد صياغتها وفق خرائط المصالح المتغيرة. ففي عام 2018، كانت المنطقة لا تزال تعيش على إيقاع ما بعد الربيع العربي، حيث بقيت القضية الفلسطينية معيارًا أخلاقيًا ضابطًا للخطاب، وكانت اللغة السياسية تُبنى على ثنائية واضحة: مقاومة واحتلال، شرعية وخيانة، وكان توصيف نتنياهو بعبارات حادة مثل “إرهابي” جزءًا من منظومة خطابية متماسكة تُخاطب الوجدان الجمعي وتستند إلى إرث طويل من الصراع. لم تكن تلك اللغة مجرد موقف سياسي، بل كانت تعبيرًا عن ترتيب إقليمي يرى في إسرائيل خصمًا مركزيًا، ويضعها في قلب التهديد.
غير أن ما حدث لاحقًا لم يكن تغييرًا في الألفاظ، بل انقلابًا في ترتيب الأولويات. مع صعود منطق التحالفات الجديدة، وتحوّل بوصلة التهديد في نظر بعض الدول، لم تعد إسرائيل تُقرأ بوصفها العدو الأول، بل أعيد إدراجها ضمن شبكة مصالح أوسع، وهو ما تُرجم عمليًا في اتفاقيات مثل Abraham Accords، التي لم تكن مجرد توقيع دبلوماسي، بل إعلانًا عن انتقال المنطقة من خطاب الهوية إلى خطاب المنفعة. هنا بدأت اللغة تتبدل قبل أن تتبدل الوقائع، فاختفت مفردات الإدانة الحادة تدريجيًا، وحلّت محلها مفردات التعاون والشراكة، ثم تطورت لاحقًا إلى لغة أكثر جرأة تصل إلى حد توصيف العلاقة بعبارات أخوية.
هذا التحول يكشف أن اللغة السياسية ليست ثابتًا أخلاقيًا، بل هي كائن مرن يتشكل وفق ميزان القوة والمصلحة، فالشخص ذاته الذي كان يُقدَّم كرمز للعدوان يمكن أن يُعاد تقديمه كشريك إذا تغيّر موقعه في الحسابات الاستراتيجية. لم يتغير نتنياهو بقدر ما تغيّر موقعه في الخريطة الذهنية لصانع القرار، ولم تتغير الوقائع بقدر ما تغيرت طريقة قراءتها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أن السياسة لا تنقض نفسها، بل تعيد تعريف الأشياء بحيث يبدو التناقض وكأنه تطور طبيعي.
إن عبارة “في 2018 إرهابي وفي 2026 شقيق” ليست حكمًا على شخص، بل توصيف لمرحلة انتقلت فيها المنطقة من خطاب قائم على الذاكرة والتاريخ إلى خطاب تحكمه الحسابات اللحظية، حيث لم تعد الكلمات تعكس موقفًا بقدر ما تعكس موقعًا، ولم تعد اللغة تُستخدم لوصف الواقع بل لإعادة تشكيله. وفي هذا التحول، يصبح السؤال الحقيقي ليس من تغيّر، بل كيف تغيّرت المعايير التي نحكم بها، وكيف أصبح الممكن لغويًا اليوم ما كان مستحيلًا بالأمس، لأن السياسة حين تعيد ترتيب أولوياتها، فإن أول ما يتغير ليس التحالفات، بل الكلمات التي نصف بها تلك التحالفات.




