مقالات الرأي

حوارات حول الأفكار ✍️ د. حيدر معتصم مدني النقابات بين الدور المهني والانحراف السياسي

من يقود من في معركة إعادة التأسيس ؟َََ

حوارات حول الأفكار

✍️ د. حيدر معتصم مدني

النقابات بين الدور المهني والانحراف السياسي: من يقود من في معركة إعادة التأسيس ؟

 

مركز الخرطوم للحوار

دكتور حيدر معتصم مدني

ليست كل المعارك التي تُخاض في الفضاء العام معارك صحيحة…
وليست كل المطالب العادلة تُدار بالضرورة بطريقة عادلة.

في السودان، درجت النقابات المهنية — وعلى رأسها نقابات المعلمين — على استخدام سلاح الإضراب تحت لافتات تبدو منطقية ومشروعة: تحسين الأجور، تحسين بيئة العمل، واستعادة كرامة المهنة. وهي مطالب لا يختلف عليها اثنان. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في عدالة المطالب، بل في الطريقة التي تُفهم وتُدار بها هذه المطالب داخل بنية دولة مختلة.ذلك أن النقابة، بوصفها مؤسسة مجتمعية، ليست مجرد كيان احتجاجي يرفع سقف المطالب عند كل أزمة، بل هي — في جوهرها — مؤسسة بناء، يفترض أن تضطلع بدور محوري في تطوير المهنة، والارتقاء بمعاييرها، والمساهمة في إصلاح القطاع الذي تمثله من الداخل قبل الخارج.
لكن ما حدث في التجربة السودانية هو انقلاب في هذا الدور، فبدلاً من أن تتحول النقابات إلى مراكز تفكير مهني تقود عملية إصلاح التعليم، وتعيد الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في نهضة المجتمع، انزلقت — في كثير من الأحيان — إلى مربعات الصراع السياسي، حيث أصبحت المواجهة مع السلطة هدفًا في حد ذاته، لا وسيلة ضمن مشروع إصلاحي متكامل.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة:
تتراجع جودة التعليم، ويتفاقم ضعف المؤسسات التعليمية، بينما تنحصر المعركة في تحسين الأجور فقط.
ليس لأن الأجور غير مهمة، بل لأن اختزال الأزمة في بعدها المادي يعكس غيابًا عميقًا للوعي البنيوي بطبيعة المشكلة. فضعف مرتبات المعلمين ليس سوى عرض من أعراض خلل أكبر، يتمثل في اقتصاد دولة هش، وسياسات تعليمية غير مؤسسة، وغياب رؤية وطنية تجعل من التعليم أولوية قصوى.
وبدلاً من أن تتجه النقابات لمعالجة هذه الجذور، تنخرط في صراعات جزئية، لا تنتج — في أفضل الأحوال — سوى مكاسب مؤقتة، سرعان ما تتآكل في ظل نفس البنية المختلة.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس فشله في تحقيق الإصلاح، بل مساهمته — دون وعي — في تعميق الأزمة. فالإضرابات المتكررة، حين تُدار خارج إطار مؤسسي واضح، لا تؤدي فقط إلى تعطيل العملية التعليمية، بل تُفقد النقابة نفسها تدريجيًا مشروعيتها المجتمعية، وتحولها من فاعل إصلاحي إلى طرف في صراع يستنزف الجميع.
ومن هنا يبرز السؤال التأسيسي الذي لا يمكن تجاوزه:
*من يقود من*… ؟

هل النقابات، بوصفها مؤسسات مجتمع مدني، تقود الدولة وتفرض عليها مساراتها؟
أم أن الدولة، بوصفها الإطار الجامع، هي التي تنظم حركة النقابات وتستوعب مطالبها ضمن رؤية كلية؟
الإجابة في الدولة الراشدة ليست ثنائية ولا صراعية، بل تكاملية. فالنقابات تؤثر، وتضغط، وتدافع عن حقوق أعضائها، لكنها لا تحل محل الدولة، ولا تقودها. وفي المقابل، لا تحتكر الدولة القرار، ولا تُفرغ النقابات من مضمونها، بل تنشئ منظومة مؤسسية تضبط العلاقة بين الطرفين، وتحوّل الصراع إلى تفاوض، والاحتجاج إلى شراكة.
أما في الحالة السودانية، فإن غياب هذه المنظومة هو ما حوّل العلاقة إلى صراع مفتوح، تسعى فيه كل جهة إلى فرض إرادتها، في ظل دولة لم تكتمل، ومجتمع مدني لم يترسخ بعد.
إن إعادة التأسيس الحقيقية تقتضي إعادة تعريف دور النقابات، لا بوصفها أدوات ضغط سياسي، بل كمؤسسات مهنية وطنية، تشارك في بناء الدولة من داخل تخصصاتها، وتسهم في معالجة جذور الأزمات، لا الاكتفاء بمواجهة أعراضها.
وفي قطاع التعليم تحديدًا، لا يمكن لأي إصلاح أن يتحقق دون أن تتحول نقابة المعلمين إلى شريك أساسي في صياغة السياسات التعليمية، وتطوير المناهج، وتأهيل الكوادر، واستعادة مكانة المعلم بوصفه الرقم الأصعب في معادلة النهضة.
فالسؤال لم يعد: كيف نزيد رواتب المعلمين؟
بل أصبح: كيف نبني نظامًا تعليميًا يجعل من المعلم ركيزة الدولة، لا ضحية أزماتها؟
عندها فقط، يمكن للإضراب أن يعود إلى مكانه الطبيعي كأداة مشروعة داخل منظومة عادلة…
لا كسلاح يُستخدم في معركة لا يربح فيها أحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى