قراءة في العقل الإستراتيجي الإثيوبي

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية، تقف منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل على صفيح ساخن، تتشكل ملامحه بناءً على توازنات القوى وتدافع الإرادات. في قلب هذا المشهد المعقد، تبرز وثيقة بالغة الأهمية تسلط الضوء على آليات التفكير وصناعة القرار في أديس أبابا. الكتاب الذي بين أيدينا، والمعنون بـ “الإستراتيجية الرئيسة للجسمين المائيين (حوض النيل والبحر الأحمر)” ، والصادر في أديس أبابا في مايو 2024، والذي عرّبه محمد جمال مختار ، ليس مجرد سرد أكاديمي، بل هو “مانيفستو” وبوصلة إستراتيجية صاغها معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي (IFA) لتوجيه دفة البلاد في المرحلة القادمة.
إن قراءة هذا الكتاب تشبه الدخول إلى غرفة العمليات الإستراتيجية للدولة الإثيوبية؛ فهو يضعنا أمام رؤية شاملة تتجاوز التكتيكات المرحلية لتغوص في عمق ما يسمى بـ “الإستراتيجية الرئيسة”. يُعرّف الكتاب هذه الإستراتيجية بأنها تلك التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكينونة وسيادة وأمن البلاد، وتركز في المقام الأول على تحديد وتحليل التهديدات القادمة من الخارج وتقليلها، مع تسخير كافة الطاقات الوطنية لتحقيق المصالح الدائمة.
عقيدة “المياهين”: شريان الحياة وساحة الصراع
ينطلق العقل الإستراتيجي الإثيوبي، كما تجليه هذه الوثيقة، من مسلمة حتمية مفادها أن وجود إثيوبيا وأمنها وسيادتها الوطنية مرتبطان ارتباطاً لا فكاك منه بـ “المياهين”، أي مياه حوض النيل ومياه البحر الأحمر. يتبنى الكتاب نبرة درامية صريحة تؤكد أن المحاولات والصراعات المستمرة للسيطرة على هذين الجسمين المائيين ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لصراع تاريخي مستمر يفرض ضغوطات أمنية وجودية على أديس أبابا.
تؤكد الوثيقة بقوة أنه لا يمكن تصور إثيوبيا ككيان جيوسياسي خارج إطار سياسة البحر الأحمر ومياه حوض النيل. فمن جهة، تساهم إثيوبيا بالنصيب الأكبر من مياه حوض النيل، ومن جهة أخرى، تعتبر نفسها دولة رئيسة ومهمة تقع على مقربة حاسمة من البحر الأحمر، رغم فقدانها لإطلالتها المباشرة عليه. هذا الارتباط المزدوج يجعل من التطلعات الإثيوبية مسألة حتمية؛ إذ يرى صناع الإستراتيجية هناك أن استعادة إثيوبيا لدورها البارز والفعال في الإقليم، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية ومواجهة التحديات الديموغرافية (كالتمدن والنمو السكاني وتوليد الطاقة)، مستحيل دون الاستفادة القصوى من هذين الموردين.
ثلاثية الردع وتحقيق المصالح
لا تقف الوثيقة عند حدود التشخيص والتذمر من القيود الجغرافية أو التاريخية، بل ترسم مسارات واضحة وعملية لتحقيق هذه “الإستراتيجية الرئيسة”. ولتحقيق هذه الأهداف الكبرى، تحدد الوثيقة ثلاثة خيارات وأساليب يجب على الدولة انتهاجها:
-
بناء القدرات الداخلية: ويتمثل ذلك في تعزيز الاقتصاد القوي والاستقرار الداخلي، مما يخلق قدرة فائقة في المجالين العسكري والدبلوماسي.
-
بناء قوة الردع العسكري: يشير الكتاب بصراحة تامة إلى ضرورة بناء قوة دفاعية جبارة، قد تصل في حدود تفكير الدول إلى خيار امتلاك “القوة النووية” لدرء التهديدات، أو العمل الجاد على بناء قوة رادعة توازي قوة الدول المنافسة للحفاظ على ميزان القوى.
-
الدبلوماسية وتكوين التحالفات: الاعتماد على التحركات الدبلوماسية لتحسين العلاقات الثنائية، والانخراط في علاقات متعددة الأطراف، وإيجاد مجموعات وتحالفات مؤقتة ودائمة تخدم الهدف الأسمى.
وعي بالتحديات: تعقيدات الجغرافيا وكثرة اللاعبين
يتسم الطرح الإثيوبي في هذا الكتاب بالواقعية السياسية (Pragmatism)، فهو يعترف بحجم المخاطر المترتبة على سعي أديس أبابا لتغيير الوضع القائم (Status Quo). يقر الكتاب بأن سعي إثيوبيا للاستفادة من مواردها سيشكل تهديداً إضافياً تستجلبه على نفسها من قبل الدول التي سبقتها في الاستفادة من هذه المياه (في إشارة واضحة لدول المصب، وخاصة مصر)، أو من قبل القوى الإقليمية والدولية ذات الأجندات الخاصة في البحر الأحمر.
ويحلل الكتاب أسباب هذه الصعوبات ببراعة صحفية وسياسية؛ فالبحر الأحمر ليس مجرد مسطح مائي، بل هو من أهم الممرات التجارية والعسكرية والسياسية في العالم. أما نهر النيل، فهو شريان حياة تحتاجه دول المصب بشدة، وكثرة اللاعبين، وتفاوت قدراتهم، والاختلافات الجغرافية والديموغرافية الهائلة بين دول منبع غنية بالمياه وأراضٍ صحراوية شاسعة حققت التنمية في دول المصب، تجعل من الصراع “شاقاً ومعقداً”.
أمام هذه التحديات الجسام، تضع الوثيقة القيادة والشعب الإثيوبي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التقاعس خوفاً من الصعوبات، أو المضي قدماً بعزم لمواجهتها بأساليب تعاونية حيناً، ودفاعية أحياناً أخرى. إنها دعوة صريحة للتحرك المنسق وتعبئة كافة الموارد الوطنية تحت راية “الإستراتيجية الرئيسة” لتحويل المنح الطبيعية إلى نفوذ جيوسياسي يحقق المصلحة الإثيوبية الدائمة.
في تشريحه المستفيض لمعضلة حوض النيل، ينتقل الكتاب من التحليل الجيوسياسي العام إلى تفكيك آليات “تسييس المياه” وتحولها إلى أداة للصراع. يوضح العقل الإستراتيجي الإثيوبي أن المياه تمر بمراحل متدرجة تبدأ من كونها مورداً طبيعياً لتصبح أجندة سياسية، ثم ترتقي لتتحول إلى قضية أمن قومي وخطر وجودي يستدعي اتخاذ إجراءات طارئة تتجاوز الحلول السياسية المعتادة. ويشير الكتاب إلى أن هذا التحول نحو “الأمننة” (Securitization) يجعل من مسألة إيجاد حلول سياسية أمراً بالغ الصعوبة، مما يفتح الباب واسعاً أمام احتمالات النزاع والصدام بين الدول المتشاطئة، خاصة عندما تقترن مسألة المياه بحق البقاء والسيادة.
ويُرجع الكتاب جذور هذا الصراع المستحكم على الموارد المائية العابرة للحدود إلى ثلاثة محددات رئيسية تصنع الفارق في ميزان القوى: الموقع الجغرافي الذي يمنح دول المنبع قدرة طبيعية على السيطرة، وامتلاك القوة الشاملة (العسكرية والاقتصادية والناعمة)، فضلاً عن القدرة التقنية والبنية التحتية لاستخدام تلك المياه. وفي تطبيق هذه النظرية على حوض النيل، تبرز الوثيقة مفارقة تاريخية تتلخص في أن إثيوبيا، التي تساهم بالنصيب الأكبر من مياه الحوض عبر أنهار عطبرة والنيل الأزرق وبارو-أكوبو، ظلت مهمشة، بينما قطعت مصر، التي لا تساهم بقطرة ماء واحدة في الحوض، شوطاً بعيداً في استخدام مياه النهر وفرضت هيمنتها عليه عبر قرون خلت باستخدام نهج وأساليب مختلفة.
يغوص الكتاب عميقاً في التاريخ ليكشف عن الجذور النفسية والسياسية لهذا التدافع، مبيناً أن النيل شكّل لمصر الهاجس الأكبر ومصدر التهديد الدائم. فقد سيطرت على المخيلة المصرية، منذ عهد الفراعنة وحتى اليوم، شكوك مستمرة بأن أي نقص في تدفق المياه ليس مرده لأسباب طبيعية، بل هو نتيجة فعل متعمد ومصطنع من جانب إثيوبيا لتحويل مسار النهر أو حجزه. هذا الخوف المتجذر دفع الإستراتيجية المصرية للبحث الدؤوب عن سبل السيطرة على منبع النهر، وهو حلم تولّد من رحم التبعية الجغرافية. ولم تقتصر الأدوات المصرية على التحركات العسكرية، بل امتدت لتشمل توظيف القوة الناعمة والدينية ببراعة، حيث استخدمت السلطات المصرية الكنيسة القبطية والمطارنة الذين كانت ترسلهم لترأس الكنيسة الإثيوبية كأداة ضغط سياسي فعالة. فمن خلال تعمد تأخير إرسال المطارنة في أوقات الأزمات الداخلية أو الاستحقاقات السياسية الكبرى، استطاعت مصر تأجيج النزاعات داخل البلاط الملكي الإثيوبي وإثارة الانقسامات، بل والتدخل في عزل وتتويج الأباطرة، مما ساهم في إضعاف السلطة المركزية الإثيوبية وتكريس حالة من التشرذم وعدم الاستقرار الداخلي.
في مواجهة هذا الاختراق المصري الممنهج، طور الأباطرة الإثيوبيون عبر سلالتي “زاغوي” و”السليمانية” إستراتيجية ردع جيوسياسية قوامها التهديد بـ “سلاح المياه”. وتشير المدونات التاريخية التي يوردها الكتاب إلى أن ملوك إثيوبيا استخدموا دبلوماسية التهديد ببناء سدود على مجرى النيل أو تحويل مساره للضغط على مصر، خاصة عندما يتعرض المسيحيون الأقباط للاضطهاد أو يتأخر إرسال المطارنة. وقد وصل صدى هذا التهديد إلى القوى الأوروبية إبان الحروب الصليبية، حيث طُرحت أفكار لعقد تحالفات مع إثيوبيا لحجز النيل وإبادة ممالك مصر عطشاً. ويورد الكتاب أمثلة متكررة لتوظيف هذا التهديد في عهود أباطرة مثل लालيبيلا وزرع يعقوب، ليؤكد أن النيل كان، ولا يزال، أداة للضغط المتبادل ومعياراً لتوازن القوى، بغض النظر عن القدرة الفعلية على التنفيذ التقني في تلك العصور الغابرة.
ينتقل التحليل الإثيوبي لاحقاً إلى تفكيك حقبة الاستعمار الأوروبي، والتي تعتبرها الوثيقة مرحلة تأسيسية لـ “الهيدرو-إمبريالية” التي غيرت قواعد اللعبة. فمع افتتاح قناة السويس والتحولات في سوق القطن العالمي، تعاظمت الأهمية الجيوسياسية لمصر في الاستراتيجية البريطانية، مما دفع لندن إلى صياغة سياسات مائية تخدم المصالح المصرية حصراً وتضمن تدفق النيل إليها بسلاسة. وفي هذا السياق، يشن الكتاب هجوماً قانونياً وتاريخياً كاسحاً على الاتفاقيات التي أفرزتها تلك المرحلة. فهو يرفض رفضاً قاطعاً اتفاقية عام 1902 المبرمة بين بريطانيا والإمبراطور منيليك الثاني، معتبراً إياها معاهدة غير متكافئة فرضتها ظروف الاستعمار وأهملت المصالح الإثيوبية بشكل صارخ. ويسوق الكتاب حججاً قانونية مستندة إلى عدم مصادقة الحكومات الإثيوبية المتعاقبة على الاتفاقية، ووجود اختلافات جوهرية بين النسختين الأمهرية والإنجليزية، فضلاً عن استدعاء مبدأ التغير الجذري للظروف (التزايد السكاني وتحديات التنمية) الذي يعطي إثيوبيا، وفقاً لمعاهدة فيينا، الحق في إلغاء هذه الاتفاقيات المقيدة من طرف واحد.
ولا يقف الرفض الإثيوبي عند اتفاقية 1902، بل يمتد لينقض الأساس القانوني لاتفاقيتي 1929 و1959. يصف الكتاب هاتين الاتفاقيتين بأنهما تكريس لعقلية الهيمنة وتجاهل متعمد لحقوق دول المنبع، حيث تم تقاسم مياه النيل بالكامل بين مصر والسودان مع استبعاد إثيوبيا تماماً. وبناءً على قاعدة القانون الدولي التي تنص على أن المعاهدات لا تُلزم طرفاً ثالثاً دون موافقته الصريحة، تعتبر إثيوبيا هذه الاتفاقيات باطلة ولاغية ولا ترتب عليها أي التزامات. هذا التأصيل التاريخي والقانوني المعمق يُستخدم في الوثيقة كمسوغ أيديولوجي صلب يشرعن التحركات الإثيوبية الحديثة، بدءاً من الانخراط في توقيع الاتفاقية الإطارية الشاملة (CFA) عام 2010 التي رفضتها مصر والسودان ، وصولاً إلى الشروع الأحادي في بناء سد النهضة العظيم، والذي يعتبره العقل الإستراتيجي الإثيوبي إعلاناً عملياً لنهاية عصر المقولات القديمة واستعادةً عملية لسيادة إثيوبيا وحقها الفطري في التنمية وتصحيحاً لغبن تاريخي طويل.
إن استيعاب العقل الإستراتيجي الإثيوبي لا يكتمل إلا بالانتقال من مياه النيل العذبة إلى مياه البحر الأحمر المالحة، حيث تبرز متلازمة “الانغلاق الجغرافي” كجرح غائر في الذاكرة السياسية الإثيوبية. ينقلنا الكتاب ببراعة سردية وأكاديمية إلى البعد الثاني من إستراتيجيته الرئيسة، مسلطاً الضوء على المفارقة الجيوسياسية الصارخة المتمثلة في كون إثيوبيا دولة محورية ذات كثافة سكانية هائلة، وتقع على مسافة لا تتجاوز ستين كيلومتراً فقط من البحر الأحمر، ومع ذلك تجد نفسها حبيسة ومخنوقة جغرافياً. تعتبر الوثيقة أن هذا الانغلاق ليس قدراً حتمياً أملته الطبيعة، بل هو نتيجة لتراكمات تاريخية وحروب متكررة وتدخلات لقوى خارجية سعت دائماً لعزل إثيوبيا عن محيطها البحري وتجريدها من مكانتها الجيوسياسية كدولة مشاطئة.
يتعمق الكتاب في تشريح التداعيات الكارثية لكون الدولة حبيسة (Landlocked)، مستشهداً برؤى خبراء الجغرافيا السياسية، ليؤكد أن فقدان المنفذ البحري يمثل لعنة جغرافية تعزل الدول عن ديناميكيات التجارة الدولية وتكرس تخلفها الاقتصادي. يقارن التحليل الإثيوبي بين القارة الأوروبية التي تتمتع بسواحل شاسعة أسهمت في نهضتها، وبين إفريقيا التي تعاني دولها الحبيسة من العزلة، لتبرز إثيوبيا كأكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان، مما يضاعف من حجم الأزمة. وتدفع إثيوبيا ضريبة هذا الانغلاق من خزينتها وسيادتها يومياً، حيث تضطر للاعتماد بشكل شبه كلي على موانئ دول الجوار، وعلى رأسها جيبوتي التي تمر عبرها النسبة الساحقة من تجارة إثيوبيا الخارجية. هذا الاعتماد يفرض على أديس أبابا تكاليف باهظة كرسوم للمرور واستخدام الموانئ، وهي أموال طائلة كان يمكن توجيهها نحو بناء البنية التحتية وتحقيق التنمية المستدامة وتقليص معدلات الفقر.
لا تقف الخسائر عند حدود الاقتصاد المنهك، بل تتجاوزها لتلامس صميم الأمن القومي. ترى الإستراتيجية الإثيوبية أن مرور المعدات العسكرية والواردات الإستراتيجية الحساسة عبر أراضي دولة أخرى يشكل ثغرة أمنية وتهديداً سيادياً خطيراً، ويجعل الأمن القومي الإثيوبي مرهوناً بالاستقرار السياسي في دول الجوار وبطبيعة التحالفات الدولية التي تنسجها تلك الدول. هذا الوضع يجعل إثيوبيا مكشوفة أمام الابتزاز السياسي والضغوطات الإقليمية، ويحد من قدرتها على بسط نفوذها كقوة إقليمية وازنة في منطقة القرن الإفريقي، مما يحول مسألة الحصول على منفذ بحري من مجرد تطلع اقتصادي وتجاري إلى مسألة وجود وسيادة لا تقبل المساومة.
يأخذنا الكتاب في رحلة تاريخية عميقة لاستنطاق الماضي، مبيناً أن إثيوبيا لم تكن دائماً بعيدة عن البحر. ففي عهد مملكة أكسوم القديمة، كانت السيطرة على البحر الأحمر وميناء أدوليس الإستراتيجي هي حجر الزاوية في بناء حضارة أكسوم وتوسع نفوذها الاقتصادي والعسكري حتى جنوب الجزيرة العربية. وتؤكد الوثيقة أن تراجع هذه المملكة وانهيارها بدأ فعلياً عندما فقدت سيطرتها على البحر الأحمر لصالح القوى العربية المتصاعدة في القرن السابع، مما أدى إلى عزل أكسوم عن خطوط التجارة العالمية وانكفائها على ذاتها. ومنذ ذلك الانهيار، تحول التاريخ الإثيوبي إلى سلسلة من المحاولات المضنية والحروب الدامية لاستعادة الإطلالة البحرية المفقودة.
وفي العصور الوسطى، واصل أباطرة سلالة زاغوي والسلالة السليمانية محاولاتهم الحثيثة للوصول إلى البحر، حيث دخل الأباطرة السليمانيون في حروب طاحنة وممتدة مع السلطنات الإسلامية للسيطرة على المنافذ البحرية وطرق التجارة الحيوية المؤدية إلى موانئ مثل زيلع وبربرة. وتصف الوثيقة كيف تحولت الأراضي الإثيوبية في تلك الحقبة إلى ساحة لحروب بالوكالة بين إمبراطوريات كبرى، حيث دعم البرتغاليون الأباطرة المسيحيين، بينما ساند العثمانيون السلطنات الإسلامية، مما أدى إلى إنهاك القوى الوطنية الإثيوبية وتكريس حالة الانعزال والانغلاق الجغرافي لقرون قادمة.
مع دخول إثيوبيا عصرها الحديث، اتخذ الصراع من أجل البحر أبعاداً جيوسياسية أعقد في ظل التكالب الاستعماري الأوروبي وتوسع الطموحات المصرية. يروي الكتاب كيف ساند الإمبراطور تيدروس البريطانيين أملاً في كسر ما أسماه “الحصار التركي” لموانئ البحر الأحمر، لكنه اصطدم بحائط التحالفات الدولية التي فضلت مصالحها الإستراتيجية مع العثمانيين على دعمه، مما أدى في النهاية إلى سقوطه المأساوي. ولم يكن حظ الإمبراطور يوحانس أفضل، إذ واجه خيانة سياسية كبرى عبر “اتفاقية حيوت” التي أمِل من خلالها استعادة ميناء مصوع، لتفاجئه بريطانيا بتسليم الميناء لإيطاليا لخدمة توازناتها الاستعمارية ضد فرنسا وألمانيا. وحتى الإمبراطور منيليك الثاني، بطل معركة عدوة، لم يتمكن من استثمار انتصاره العسكري الساحق سياسياً للحصول على ميناء، واضطر في النهاية لقبول الواقع والاعتماد على منفذ جيبوتي الذي وفرته فرنسا.
تعتبر الوثيقة أن نقطة الضوء الوحيدة في هذا التاريخ المظلم كانت في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، الذي أدار معركة دبلوماسية فائقة الذكاء في أروقة الأمم المتحدة، مستغلاً ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية لضم إريتريا في اتحاد فيدرالي، مما أعاد لإثيوبيا واجهتها البحرية وميناءي عصب ومصوع. إلا أن هذا الإنجاز التاريخي تبدد في لحظة مفصلية عام 1991 مع صعود الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (EPRDF) إلى سدة الحكم في أديس أبابا. يوجه الكتاب نقداً لاذعاً لهذه الحقبة، معتبراً أن القيادة السياسية آنذاك ارتكبت خطيئة إستراتيجية لا تغتفر عندما تعاملت مع مسألة الميناء والبحر الأحمر بمنطق تجاري بحت كسلعة تباع وتشترى، وليس كقضية سيادة وأمن قومي. وبموافقتها على استقلال إريتريا بحدودها الساحلية الكاملة، حُرمت إثيوبيا مجدداً من منافذها الطبيعية وعادت إلى مربع الدولة الحبيسة وسط صمت ورضا القيادة الحاكمة آنذاك، مما خلق أزمة مستدامة تدفع إثيوبيا ثمنها الباهظ حتى اليوم.
أمام هذا الإرث الثقيل، لا تعول الإستراتيجية الإثيوبية كثيراً على المثاليات القانونية الدولية لتصحيح وضعها. تستعرض الوثيقة الاتفاقيات والمعاهدات البحرية الدولية، مثل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، لتقر بأن هذه القوانين، ورغم إقرارها بحق الدول الحبيسة في الوصول إلى البحر، إلا أنها تجعل الممارسة الفعلية لهذا الحق مرهونة باتفاقيات ثنائية وحسن نوايا دول العبور الساحلية. ولأن حسن النوايا ليس عملة مضمونة في العلاقات الدولية المتقلبة، يخلص العقل الإستراتيجي الإثيوبي إلى أن استعادة المنفذ البحري تتطلب نهجاً شاملاً يتجاوز التوسل بالقانون الدولي إلى ممارسة النفوذ السياسي، والضغط الدبلوماسي، واستحضار المبادئ الإنسانية العليا ومفاهيم العدالة والإنصاف كمبررات أخلاقية وسياسية، إلى جانب تفعيل كافة أدوات القوة الشاملة لإثيوبيا لفرض واقع إستراتيجي جديد يعيد ربط الجسد الإثيوبي برئته البحرية المفقودة.
ينتقل الكتاب في فصله السادس والأخير من فضاء التشخيص التاريخي والتحليل الجيوسياسي إلى مربع الفعل وهندسة المستقبل. يضع معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي خارطة طريق براغماتية تعتمد على تحديد المصالح الوطنية الأساسية بوضوح تام لا لبس فيه لتوجيه بوصلة الدولة. تتلخص هذه المصالح في أربع ركائز استراتيجية مترابطة، تبدأ أولاً بضمان استمرارية الكينونة والوجود الوطني وحماية السيادة ووحدة الأراضي من المهددات الداخلية المتمثلة في الجماعات المسلحة، والمهددات الخارجية المتربصة. وتتمثل الركيزة الثانية في تحقيق نمو اقتصادي شامل يخرج البلاد من براثن الفقر، معتبراً استغلال الموارد الطبيعية والمائية ضرورة حتمية لا مساومة فيها ولا رجعة عنها. وتأتي الركيزة الثالثة لتؤكد على الهدف الوجودي المتمثل في الحصول على منفذ بحري سيادي يعيد ربط إثيوبيا بشرايين التجارة العالمية ويحررها من سجن الجغرافيا. وتكتمل هذه الرؤية بالركيزة الرابعة التي تدعو إلى تكريس الهيمنة الإقليمية ولعب دور قيادي ومحوري وملموس في سياسة القرن الإفريقي والقارة الإفريقية عموماً، لمنع أي فراغ قد تستغله القوى المعادية.
في مقاربتها لملف حوض النيل، تتبنى الوثيقة رؤية استراتيجية تتجاوز اختزال الصراع في أزمة “سد النهضة” لتقدم مشروعاً تنموياً وطنياً متكاملاً. تدعو الإستراتيجية إلى ضرورة استغلال الموارد المائية على نطاق واسع في مشاريع الري والزراعة لضمان الأمن الغذائي، وتطرح أفكاراً هندسية وتنموية طموحة تتمثل في ربط الأحواض المائية الإثيوبية ونقل المياه لمسافات طويلة من المناطق ذات الوفرة والمنسوب العالي إلى مناطق الشح المائي، لدعم التنمية الحضرية والريفية. ولتمويل هذه المشاريع العملاقة، يدرك العقل الإستراتيجي الإثيوبي خطورة الاعتماد الكامل على التمويل الخارجي الذي غالباً ما يكون مشروطاً سياسياً، ويدعو إلى بناء اقتصاد محلي قوي ومنتج قادر على توليد التمويل الذاتي المستدام. وفي التفاتة جيوسياسية بالغة الذكاء، تقترح الوثيقة استقطاب استثمارات أجنبية ضخمة في القطاع الزراعي الإثيوبي الواعد، مستهدفة تحديداً دول الشرق الأوسط والخليج العربي التي تمتلك رؤوس الأموال وتعاني من شح مائي. يهدف هذا التوجه الاستثماري، ليس فقط لجلب التكنولوجيا الحديثة والخبرات، بل لضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهو يقوي الاقتصاد الإثيوبي من جهة، ويخلق شبكة مصالح قوية مع تلك الدول العربية من جهة أخرى، مما يساهم في تحييد موقفها أو استقطابها، ويكسر بالتالي طوق “التعريب” الذي توظفه السياسة المصرية لحشد الدعم العربي في أزمة مياه النيل.
أما في معركة البحث عن منفذ بحري، فتتجلى أقصى درجات الواقعية السياسية (البرغماتية) التي تتجاوز العقائد الأيديولوجية لتبحث عن حلول عملية. ترفض الوثيقة الركون إلى خيار ميناء واحد والارتهان لدولة عبور وحيدة، وتدعو بقوة إلى تنويع الاعتماد على موانئ جيبوتي، وعصب، ومصوع، وبربرة، وزيلع، من خلال المساهمة في الاستثمار في بنيتها التحتية لخلق حالة من التنافسية السوقية تضمن لإثيوبيا خدمات مستدامة وتقلل من الضغوط السياسية والاقتصادية. وتطرح الوثيقة خيارات سياسية وجغرافية جريئة لكسر القيد الجغرافي، من بينها خيار “تبادل الأراضي”، حيث تقترح الدخول في مفاوضات مع دول الجوار الساحلية للتنازل عن أجزاء محددة من الأراضي الإثيوبية مقابل الحصول على ممر سيادي يربط إثيوبيا بالبحر الأحمر أو المحيط الهندي. كما تناقش الإستراتيجية خيار “السيادة المشتركة”، والذي يعني التوصل إلى اتفاق لإدارة ميناء أو منطقة ساحلية بالشراكة مع الدولة المالكة عبر مبدأ الأخذ والعطاء ، فضلاً عن إقامة مناطق تجارية حرة متكاملة على امتداد الخطوط التاريخية القديمة التي كانت تربط إثيوبيا بموانئها السابقة.
تدرك أديس أبابا أن الدبلوماسية والاقتصاد بلا مخالب عسكرية هي مجرد أمنيات قابلة للكسر، ولذلك يشدد الكتاب على حتمية بناء قدرات عسكرية رادعة ومتطورة تشمل القوات البرية والجوية لحماية السيادة الوطنية. وتبرز هنا المفاجأة الإستراتيجية الكبرى في الدعوة الصريحة للشروع الفوري في بناء “قوة بحرية إثيوبية” تتمركز مبدئياً في المياه الدولية، لتتولى حماية السفن التجارية الإثيوبية من الهجمات وعمليات القرصنة عن بعد، ريثما يتم تأمين منفذ بحري سيادي دائم.
وإلى جانب هذه القوة الصلبة، تطرح الوثيقة خطة طموحة لتعزيز القوة الناعمة والاقتصادية تتمثل في إعداد جيش من “البحارة الإثيوبيين”، مقتدية بالتجربة الناجحة لدولة الفلبين. تهدف هذه الخطة إلى تشجيع الشباب الإثيوبي على الانخراط في المهن البحرية لتوفير عمالة عالمية تدر العملة الصعبة على الخزينة الوطنية، وتخلق في الوقت ذاته مجتمعاً إثيوبياً مرتبطاً بثقافة البحر ومدركاً لأهميته الوجودية، فضلاً عن تهيئة كوادر بشرية مدربة يمكن دمجها لاحقاً لرفد القوات البحرية العسكرية عند الحاجة. وعلى الصعيد الجيوسياسي الإقليمي، تدعو الإستراتيجية الإثيوبية إلى ضرورة الارتقاء بمنظمة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية “الإيغاد” (IGAD) من مجرد منصة تنسيقية إلى كيان إقليمي قوي يشبه الكونفدرالية المتعددة الأبعاد. وتطمح الوثيقة أن تتركز مركزية هذا الاتحاد في إثيوبيا، ليتولى إدارة سياسات اقتصادية وخارجية وأمنية مشتركة، مما يضمن ربط مصالح دول الجوار بالمصالح الإثيوبية العضوية، ويجعل من استقرار إثيوبيا استقراراً للمنطقة بأسرها، ويحصن الإقليم من الاختراقات الخارجية، وخاصة تلك التي تسعى مصر لتمريرها عبر دول الجوار لإضعاف الموقف الإثيوبي.
في الخاتمة الإستراتيجية لهذا الكتاب العمدة، ينتقل العقل الإثيوبي من هندسة المشاريع الكبرى إلى صيانة “المحرك” الذي سيدير هذه التفاعلات المعقدة، وهو الجبهة الداخلية والوعي القومي الشامل. ترى الوثيقة أن نجاح “الإستراتيجية الرئيسة للمياهين” لا يتوقف فقط على ذكاء الدبلوماسيين أو قوة العسكريين، بل يرتكز في جوهره على مدى قدرة الدولة على صياغة “إجماع وطني” يتجاوز الانقسامات العرقية والسياسية الحادة. فبدون جبهة داخلية متماسكة، تظل أي إستراتيجية خارجية عرضة للاختراق والانهيار، ولذا يشدد الكتاب على أن قضيتي النيل والوصول إلى البحر يجب أن تتحولا إلى “عقيدة وطنية” عابرة للأحزاب والمكونات الاجتماعية، بحيث يرى كل مواطن إثيوبي في هذه الأهداف معركته الشخصية ومفتاح رفاهيته المستقبلية.
وتفرد الوثيقة مساحة معتبرة لما تسميه “دبلوماسية الشعب” و”دوافع القوة الناعمة”، داعية إلى تحويل الوجود الإثيوبي الكثيف في الخارج “الشتات” إلى جماعات ضغط (Lobbying) منظمة في العواصم العالمية المؤثرة. الهدف هنا هو خلق تيار دولي يتفهم الرواية الإثيوبية، ويدافع عن حق أديس أبابا في التنمية واستعادة مكانتها البحرية، ومواجهة ما تصفه الوثيقة بـ “البروباغندا المضادة” التي تقودها دول المصب. إنها دعوة للانتقال من الدبلوماسية الرسمية التقليدية التي قد تكون مكبلة بالبروتوكولات، إلى دبلوماسية هجومية وشعبية شاملة تستخدم كافة المنصات الإعلامية والأكاديمية لترسيخ “الحق الإثيوبي” في الوجدان العالمي.
وعلى صعيد القانون الدولي، يختتم الكتاب برؤية غاية في الجرأة والبراغماتية، حيث يصف القانون الدولي بأنه “كيان مطاطي” يتشكل ويتغير وفقاً لموازين القوى على الأرض. لا تدعو الوثيقة إلى التمرد على القانون الدولي، بل إلى “تطويعه” و”إعادة تفسيره” بما يخدم المصالح القومية، مؤكدة أن القوى العظمى عبر التاريخ لم تلتزم بالقوانين إلا عندما كانت تتوافق مع مصالحها، وعندما كانت تمتلك القوة الكافية لفرض تفسيرها الخاص. وبناءً على ذلك، ترى الإستراتيجية أن استمرار إثيوبيا في تعزيز قدراتها الشاملة هو الضمانة الوحيدة لجعل مطالبها “قانونية” في نظر المجتمع الدولي، فالقوة في هذا العرف الجيوسياسي هي التي تسبق الحق وتنتجه.
إن هذا الكتاب، بمجمله، يمثل “إعلان استقلال ثانٍ” لإثيوبيا، لكنه استقلال عن “القيود الجغرافية” و”التبعية المائية”. إنه لا يقدم مجرد خطة تقنية لبناء سدود أو إدارة موانئ، بل يطرح مشروعاً لبناء “إمبراطورية اقتصادية وجيوسياسية” حديثة في قلب القرن الإفريقي. ومن خلال تحليل فصوله، نجد أن العقل الإثيوبي قد حسم أمره بضرورة الخروج من “عزلة المرتفعات” إلى “رحابة المياه”، معتبراً أن العقد الحالي هو “العقد الحاسم” الذي ستتقرر فيه مكانة إثيوبيا للقرن القادم؛ فإما أن تكون دولة قيادية مهيمنة تدير مواردها وسيادتها بنفسها، أو تظل دولة حبيسة وتابعة للمتغيرات الدولية والإقليمية.
ختاماً، يمكن القول إن “الإستراتيجية الرئيسة للمياهين” هي وثيقة بالغة الخطورة والأهمية في آن واحد؛ فهي بقدر ما تعكس طموحات مشروعة لشعب يسعى للتنمية والرفاهية، إلا أنها تثير تساؤلات عميقة ومقلقة حول مستقبل الاستقرار في منطقة حوض النيل والبحر الأحمر. إنها تضع القوى الإقليمية، وخاصة مصر والسودان ودول الجوار الساحلي، أمام واقع إثيوبي جديد لا يعترف بالثوابت القديمة، ويمتلك خارطة طريق مفصلة للوصول إلى أهدافه. إن الصراع القادم، كما تصوره هذه الوثيقة، ليس صراعاً على أمتار مكعبة من المياه أو أرصفة في الموانئ فحسب، بل هو صراع إرادات لرسم ملامح نظام إقليمي جديد، ستكون إثيوبيا، وفقاً لهذه الرؤية، هي قلبه النابض وقوته المحركة. وبصدور هذا الكتاب، يكون العقل الإستراتيجي الإثيوبي قد وضع أوراقه بالكامل على الطاولة، معلناً بداية عهد “المياهين” الذي سيعيد تعريف الجغرافيا والسياسة في شرق القارة الإفريقية لسنوات طويلة قادمة.




