ماذا بقي من شغف مونديال 2026 في الشارع الأميركي؟

حين أُطلقت صافرة نهاية كأس العالم 2026، كان السؤال الذي شغل الأميركيين والمراقبين على السواء هو: هل بقي شيء من هذا الحماس بعد أن انطفأت الأضواء؟ الجواب في أكتوبر، بعد نحو ثلاثة أشهر على النهائي، أن شيئاً بقي فعلاً، لكنه أقل من «ثورة» وأكثر من «موجة عابرة».
تبدأ الحكاية من الأرقام التي صنعتها البطولة نفسها. فقد وصف مراقبون نهائي إسبانيا والأرجنتين، الذي انتهى بفوز الإسبان بهدف دون مقابل، بأنه أعلى نسبة مشاهدة لمباراة كرة قدم في تاريخ الولايات المتحدة. وتحدثت تقارير عن نحو 63 مليون مشاهد عبر شبكتي «فوكس» و«تيليموندو»، متجاوزين بفارق كبير رقم نهائي قطر 2022 البالغ 22.3 مليون. وتجدر الإشارة إلى أن الأرقام تختلف باختلاف طريقة القياس. فقد أعلنت «فوكس» أن متوسط مشاهدي نهائيها بالإنجليزية بلغ نحو 38.9 مليون مشاهد، بينما يجمع الرقم الأكبر الشبكتين معاً. وفي الحالتين، لم يسبق لمباراة كروية أن اقتربت من هذا الحضور على الشاشات الأميركية.
وفي المدرجات كانت الصورة مماثلة. فقد أظهر تحليل لوكالة رويترز استند إلى بيانات الفيفا أن الحضور تجاوز 2.85 مليون مشجع خلال 44 مباراة فقط، مع امتلاء الملاعب بنسبة 99.6%، رغم أسعار التذاكر المرتفعة والقيود على السفر. ولم تكن النسخة الجديدة بحجم سابقاتها، فقد ضمت 104 مباريات بدلاً من 64، وهذا وحده كان كفيلاً بتحطيم الرقم القياسي الذي صمد منذ مونديال 1994.
غير أن الحكاية الأهم تبدأ بعد انتهاء البطولة. فالمفارقة التي لفت إليها بعض الخبراء أثناء المونديال أن الإقبال الضخم لا يعني بالضرورة حباً أميركياً أعمق للعبة بحد ذاتها. فقد رأى أكاديميون أن ما شاهدوه يعكس شغف الأميركيين بالمناسبات الكبرى أكثر مما يعكس تعلقهم بكرة القدم. واستشهدوا بتقرير لنيلسن يفيد بأن عدد الأميركيين الذين يتابعون الدوري المكسيكي يفوق عدد متابعي دوريهم المحلي. وقال أحد خبراء اقتصاديات الرياضة إن المتوقع دائماً أن يرفع المونديال أرقام الدوري الأميركي، لكن ذلك لم يحدث حتى ذلك الحين. أما استطلاع إيبسوس الذي نشرته وكالة «أسوشيتد برس» مطلع يوليو، فيعطي صورة مماثلة، إذ تبين أن معظم الأميركيين ما زالوا يتابعون المباريات من بعيد، وأن الحماس لتأهل المنتخب الوطني إلى الأدوار الإقصائية بلغ نحو ستة من كل عشرة مشجعي كرة قدم، مقابل 25% فقط من الأميركيين عموماً. بمعنى آخر، الجمهور الأساسي متحمس جداً، لكن دائرته لم تتسع بعد إلى حد يغير موقع اللعبة بين الرياضات الكبرى.
ومع ذلك، فإن الأشهر التي تلت البطولة تحمل مؤشرات إيجابية لافتة. ففي مطلع أكتوبر نشرت نيلسن سبورتس بيانات تفيد بأن مشاهدة الدوري الإنجليزي الممتاز ارتفعت بنسبة 20% بين الأميركيين من 18 إلى 34 عاماً هذا الموسم، وأن شبكتي «إن بي سي» و«يو إس إيه» سجلتا متوسط نصف مليون مشاهد لمباريات الدوري، بزيادة 3%. وقال المدير العام العالمي لنيلسن سبورتس إن المونديال كان حافزاً قوياً، وإن القاعدة الجماهيرية تتوسع بسرعة بين الفئات الشابة والمتنوعة. وقفز الاهتمام بالدوري الأميركي للمحترفين بنسبة 23% بين من تتراوح أعمارهم بين 16 و34 عاماً. وبلغ الاهتمام بالمونديال ذروته عند 87 مليون مشجع في يوليو، وشكلت النساء 44% من القاعدة الجماهيرية، وهي نسبة تعكس جمهوراً أكثر تنوعاً مما اعتادته اللعبة تاريخياً.
ولا يمكن فهم هذا النمو دون العودة إلى جذوره. فقد غُرست البذرة مع استضافة مونديال 1994، الذي كان شرطاً لإطلاق الدوري الأميركي، وبدأ بعشرة أندية عام 1996 ليصبح اليوم دوري من 30 نادياً. وجاء ميسي في العقد الأخير ليمنح الدوري واجهة عالمية، إذ قاد إنتر ميامي إلى ثلاثة ألقاب. وقد ذكرت دراسة لمجلة «ذا إيكونوميست» أن كرة القدم باتت ثالث أكثر الرياضات شعبية في الولايات المتحدة، متفوقة على البيسبول، ومتخلفة فقط عن كرة القدم الأمريكية وكرة السلة. كذلك أعلن الدوري قبل المونديال أن المشاهدة ارتفعت 62% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من موسم 2026، وأن معدل الحضور تجاوز 22 ألف متفرج في المباراة. أي أن البطولة لم تأتِ من فراغ، بل صبت في مجرى كان يتسع أصلاً.
أما على المستوى الرمزي، فقد تحول المونديال إلى حدث ثقافي أوسع من الرياضة. فقد أشارت تحليلات إلى أن البطولة أصبحت جزءاً من النقاش اليومي في بلد لطالما اعتبر كرة القدم رياضة ثانوية، وأن النجم النرويجي إرلينغ هالاند جذب جمهوراً أميركياً جديداً بشخصيته القريبة من الصورة التي يحبها الأميركيون في رياضييهم. غير أن هذه التحليلات نفسها تحذر من أن اللعبة قد تنزلق تدريجياً نحو النموذج التجاري الأميركي، بما يحمله من فترات توقف وإعلانات، وهو ما يخشاه جمهور كرة القدم التقليدي.
وفي ما يخص المستقبل، لا يملك أحد ما يكفي من المعطيات للجزم. فقد قال مايكل برادلي، لاعب المنتخب الأميركي السابق ومدرب نيويورك ريد بولز، إن من المبكر الحكم، لكنه يتوقع تحسناً ونمواً مستمراً بعد المونديال. وهو تقدير يتفق مع ما توقعه خبراء الاقتصاد الرياضي قبل البطولة بسنوات، من أن المونديال سيمنح اللعبة دفعة إيجابية دون أن يحدث تحولاً جذرياً.
وخلاصة ما يمكن قوله اليوم، أن كرة القدم الأميركية بعد مونديال 2026 أكبر وأشبّ وأكثر تنوعاً مما كانت عليه، وأن ارتباطها بالدوريات الأوروبية والدوري المحلي يتعمق بين الشباب خصوصاً. لكنها ما زالت تنافس عمالقة كالفوتبول الأميركي وكرة السلة على مكان في الذاكرة اليومية، وما زال اختبارها الحقيقي هو الموسم المقبل: هل يعود الجمهور الذي ملأ المدرجات في الصيف إلى ملاعب الدوري حين يغيب النجوم الكبار وتخفت الأضواء؟
المصدر
وكالات




