نهائي بودابست وخداع المستطيل الأخضر.. هل تغسل “المليارات الرياضية” عار المؤامرات الإماراتية؟

في الوقت الذي كانت فيه أنظار الملايين شاخصة نحو العاصمة الهنغارية بودابست، تتابع ركض اللاعبين وصراع التكتيكات في نهائي دوري أبطال أوروبا، كانت هنالك مباراة أخرى شرسة تجري خلف الكواليس. معركة تجارية وسياسية كبرى تدور رحاها بين قطر والإمارات، حُشرت فيها الـ “تشامبيونز ليغ” كأداة نفوذ، وتحول فيها الساحر المستدير إلى غطاء لأجندات “غسيل السمعة” وبسط السيطرة.
صراع المليارات: من “عقدة باريس” إلى “شراء المجد اللندني”
لقد أنفق القطريون، ملاك نادي باريس سانت جيرمان الفرنسي، مئات الملايين من الدولارات لجعل النادي الباريسي قوة عظمى تخترق الحسابات الأوروبية التقليدية. وفي المقابل، وجد الإماراتيون ضالتهم في الرياضة كأسرع وسيلة لـ “الغسيل الرياضي” (Sportswashing) لسمعتهم الدولية؛ فضخوا مليارات مستمدة من آبار النفط لشراء مانشستر سيتي الإنجليزي وصناعة أمجاده، وتمددوا قبلها نحو العاصمة اللندنية عبر نفوذ مالي ضخم في نادي أرسنال، شمل بناء استاد حديث يحمل اسم “الإمارات”، ووضع شعار طيرانهم على أقمصة “المدفعجية”.
هذا الصدام الكروي يخفي وراءه مواجهة حامية الوطيس بين كبرى العلامات التجارية في مجال الطيران والسفر (الخطوط القطرية وطيران الإمارات)، وهو قطاع يقاتل اليوم بشراسة لاستعادة توازنه بعد أن تلقى ضربات موجعة وتأثراً هائلاً جراء النزاعات الإقليمية، لا سيما حرب إيران الأخيرة وتداعياتها على الأجواء والملاحة في المنطقة.
الوهم الإمارتي: “سويسرا الشرق الأوسط” المزيفة
لقد حاولت أبوظبي، عبر هذه البوابات الرياضية البراقة، أن تسوّق نفسها للعالم الغربي كـ “سويسرا الشرق الأوسط”؛ دولة ملهمة، متقدمة، ومحايدة تعيش في محيط ملغوم بالصراعات والحروب. أرادت من طيرانها، وملاعبها، وكؤوسها الأوروبية أن تكون الواجهة التي تبهر المواطن الغربي، ليعتقد أن الإمارات واحة للسلام وصناعة المستقبل.
ولكن، هل الحقيقة كذلك؟
إن أي متابع حصيف لأزمات الشرق الأوسط وإفريقيا خلال العقد الأخير، سيكتشف فوراً زيف هذه الواجهة البراقة. فاليد الإماراتية التي تزرع العشب الأخضر في ملاعب أوروبا، هي ذاتها اليد التي تزرع الألغام والخراب في جسد الأوطان العربية؛ بدأً من تمويل الفوضى وتفتيت الهوية في ليبيا، مروراً بتعميق المأساة الإنسانية في اليمن، وصناعة القلاقل في الصومال، وصولاً إلى الخطيئة الكبرى والجرح النازف في السودان عبر دعمها المباشر والعلني لمليشيا الدعم السريع التي مارست التطهير العرقي والإبادة بحق المدنيين.
المقصلة الأخلاقية: هل يغسل الذهب العار؟
تظن الإمارات أن هتافات الجماهير في مدرجات “البريميرليغ” أو “دوري الأبطال” يمكن أن تشوش على صرخات الضحايا في دارفور والخرطوم، وتتوهم أن لمعان الكؤوس الأوروبية قادر على حجب دماء الأبرياء التي سفكت بسلاحها وأموالها.
إن التاريخ يعلمنا أن “الغسيل الرياضي” له صلاحية تنتهي سريعاً عندما تصطدم الأوهام بصخرة الواقع والقانون الدولي؛ فالخناق يضيق، وملاحقات الإنتربول ومجلس الأمن لقادة مليشياتها باتت واقعاً. وبدلاً من أن تكون الرياضة طوق نجاة لأبوظبي، فإن دماء السودانيين وضحايا مؤامراتها في المنطقة ستحول هذه الاستثمارات الرياضية إلى وبالٍ ولعنة تطارد سمعتها وتكشف عارها أمام العالم، لتؤكد أن دماء الشعوب أغلى من كل ملاعب ومستطيلات أوروبا.


