قوة الحركة وأثرها التنموي: تقرير أممي يرسم ملامح مستقبل الرياضة في خدمة السلام والاستدامة

يتناول تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، المقدم إلى الجمعية العامة في دوراتها الحادية والثمانين تحت بند “الرياضة من أجل التنمية والسلام”، الاستعراض الشامل والمنهجي للجهود الممتدة بين فبراير 2024 وجناير 2026 لتسخير الرياضة والأنشطة البدنية في خدمة التنمية والسلّم الدوليين، وتنسيق العمل وفق خطة عمل الأمم المتحدة الخاصة بهذا المجال. ويستند التقرير في مادة البحث والتحليل إلى البيانات والردود المدخلة عبر الدعوة الواسعة التي أطلقتها إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة، والتي استهدفت الدول الأعضاء والكيانات الأممية والمنظمات الإقليمية والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. وقد أثمرت هذه العملية التشاركية عن جمع خمس وثمانين مساهمة تفصيلية تغطي مئة وثماني وخمسين مبادرة ميدانية وسياستية، تم تحليلها بوسائل كمية ونوعية للوقوف على المنجزات المتحققة والعقبات الشاخصة. ويكشف هذا الرصد أن الرياضة تواصل نيل الاعتراف الدولي بوصفها مكملاً وممكناً عابراً للقطاعات يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وعلى وجه الخصوص في مجالات تعزيز الصحة الجيدة والرفاه، والمساواة بين الجنسين، والحد من أوجه عدم المساواة، وبناء السلام، وإقامة الشراكات الفاعلة.
إن القراءة التوزيعية للمبادرات المرفوعة تظهر تفاوتاً واضحاً في التركيز الميداني على أهداف التنمية المستدامة التسعة ذات الأولوية في منظومة الرياضة من أجل التنمية والسلام. فقد تصدر الهدف الثالث المتعلق بالصحة الجيدة والرفاه قائمة الأهداف المستهدفة بنسبة اثنين وستين في المئة من إجمالي المبادرات، تلاه الهدف الخامس الخاص بالمساواة بين الجنسين بنسبة ستة وخمسين في المئة. وجاء الهدف العاشر المتعلق بالحد من أوجه عدم المساواة والهدف السابع عشر الخاص بالشراكات لتحقيق الأهداف في المرتبة التالية بنسبة ثلاثة وخمسين في المئة لكل منهما، في حين حظي الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد بنسبة تسعة وأربعين في المئة، والهدف السادس عشر الخاص بالسلام والعدالة والمؤسسات القوية بنسبة خمسة وأربعين في المئة. وفي المقابل، أظهرت المعطيات تراجعاً ملحوظاً في حصة الأهداف الأخرى، إذ لم يستهدف الهدف الأول المتمثل في القضاء على الفقر سوى ثلاثة عشر في المئة من المبادرات، بينما سجل الهدف الثامن المتمثل في العمل اللائق والنمو الاقتصادي نسبة اثنين وعشرين في المئة، والهدف الثالث عشر المتعلق بالعمل المناخي نسبة ثلاثة وعشرين في المئة. ويعلل التقرير هذا التباين باستمرار التركيز التقليدي على المجالات التي تمتلك فيها الرياضة أثراً مجرباً ومثبتاً كالصحة والدمج الاجتماعي، مع الإشارة إلى وجود إمكانات واسعة لم تستغل بعد لتفعيل دور الرياضة في مواجهة التغير المناخي ودعم سبل العيش وتخفيف حدة الفقر.
على المستوى الصحي، تؤكد معطيات التقرير محورية النشاط البدني والرياضة في مواجهة تحديات الصحة العامة المعاصرة، استناداً إلى تقديرات منظمة الصحة العالمية التي تشير إلى أن حوالي واحد وثمانية أعشار المليار بالغ—أي ما يقارب ثلث سكان العالم من البالغين—بالإضافة إلى واحد وثمانين في المئة من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين إحدى عشرة وثماني عشرة سنة، لا يمارسون النشاط البدني بالمستويات الموصى بها. كما تحذر التوقعات من ارتفاع نسبة البالغين غير النشطين بدنياً إلى خمسة وثلاثين في المئة بحلول عام 2030، مما يفاقم من انتشار الأمراض غير السارية واعتلالات الصحة النفسية. ورداً على هذه التحديات، شهدت فترة التقرير توسعاً في إدماج الرياضة لتعزيز الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، حيث ركزت ثلاث عشرة مبادرة بشكل صريح على هذا البعد، مثل البرامج المندرجة ضمن مبادرة “الجيل المبهر” في دولة قطر، وبرنامج “احمِ نفسك وشارك” الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، والذي يسعى لبناء المهارات الحياتية والوقاية من الجريمة والعنف واستعمال المواد المخدرة بين الشباب. وتجلت الشراكات بين المؤسسات الدولية، مثل التعاون بين اللجنة الأولمبية الدولية ومنظمة الصحة العالمية والبرنامج المساعد للتكنولوجيا في الصحة والمجلس الدولي لعلوم الرياضة والتربية البدنية، فضلاً عن مبادرة الرياضة من أجل التنمية الحضرية المستدامة التي أطلقها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية بالتعاون مع اللجنة الأولمبية الدولية لتعزيز المدن الصحية والشاملة.
وفي ملف المساواة بين الجنسين، يبرز التقرير مفارقة ملموسة بين الاعتراف النظري والميداني بأهمية الرياضة كمنصة لتمكين النساء والفتيات وبين الاستمرار في مواجهة عوائق وممارسات تمييزية حادة. فبالرغم من الإنجازات البارزة المتمثلة في تحقيق المناصفة الكاملة بين الجنسين بين المشاركين في الألعاب الأولمبية الصيفية في باريس 2024، وتسجيل أعلى نسبة مشاركة للنساء في تاريخ الألعاب الأولمبية الشتوية في إيطاليا 2026، فإن البيانات العميقة تكشف عن اتساع الفجوة في ممارسة النشاط البدني اليومي، حيث تنخفض نسبة مشاركة النساء بمقدار خمس نقاط مئوية عن الرجال، وتزيد احتمالية عدم تلبية الفتيات للمستويات الموصى بها للنشاط البدني بنسبة عشرين في المئة مقارنة بالفتيان. وتظهر الدراسات المسحية الصادرة عن اتحاد اللاعبين العالميين أن واحدة وعشرين في المئة من الرياضيات النساء تعرضن لسوء المعاملة الجنسية خلال مرحلة الطفولة في القطاع الرياضي، دون أن تخضع أغلبيّة المتسببين للمحاسبة أو المساءلة. وتؤدي هذه البيئات غير الآمنة والتمييزية إلى تسرب الفتيات من الأنشطة الرياضية بمعدل يفوق معدل تسرب الفتيان بستة أضعاف بحلول سن الرابعة عشرة. ويتطرق التقرير في هذا السياق إلى الشراكات المبرمة من قبل هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع كيانات عدة كاليونسكو واليونيسف واللجنة الأولمبية الدولية والقطاع الخاص، إلى جانب برامج تمكين القيادات النسائية الشابة كبرنامج “صانعات التغيير” الناجم عن الشراكة بين معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث والدوري الإنجليزي الممتاز. كما توقف التقرير عند النقاشات الحقوقية والأنظمة التنظيمية المقيدة لمشاركة النساء ذوات الاختلافات في التطور الجنسي والنساء العابرات جنسياً، داعياً إلى تبني أطر تنظيمية شاملة قائمة على احترام حقوق الإنسان والكرامة والخصوصية وعدم التمييز.
أما بالنسبة للهدف العاشر المتعلق بالحد من أوجه عدم المساواة وإعمال مبدأ عدم ترك أحد خلف الركاب، يسلط التقرير الضوء على الوضع الراهن للفئات الأكثر عرضة للتهميش والإبعاد كالأشخاص ذوي الإعاقة، وكبار السن، واللاجئين والمهاجرين، والشعوب الأصلية. ورغم أن ثمانية وعشرين في المئة من المبادرات المرفوعة استهدفت كبار السن، وخمسة وعشرين في المئة منها شملت الشعوب الأصلية ضمن مستفيديها، إلا أن عدد البرامج المصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات المتخصصة لهذه الفئات ظل محدودة للغاية، حيث ركزت ثلاثة برامج فقط تحديداً على متطلبات الشعوب الأصلية. وتتفاقم هذه الفجوة بفعل الصعوبات المادية الناتجة عن التضخم وارتفاع تكاليف المعدات والمرافق ورسوم المشاركة والانتقال، مما يحرم الأسر ذات الدخل المحدود من العوائد الصحية والاجتماعية للرياضة. ويشدد التقرير على أن تجاوز هذه العقبات لا يتأتى بمجرد زيادة المشاركة الرقمية، بل يستلزم معالجة العوائق الشاملة وإدماج الرياضة الشاملة في خطط التخطيط الحضري والتعليم والحماية الاجتماعية.
تعد الشراكات ركيزة أساسية في تنفيذ خطة عمل الأمم المتحدة، حيث أوضح التقرير أن إحدى وثمانين في المئة من المبادرات المقدمة قامت على تعاون متعدد الأطراف بين الحكومات، والمنظمات الدولية، ومؤسسات المجتمع المدني، والأكاديميات، والقطاع الخاص. ومع ذلك، يلاحظ التقرير تحدياً تمويلياً بليغاً، إذ إن أقل من نصف المبادرات (خمسة وأربعين في المئة) تلقت تمويلاً خارجياً، مما يشير إلى قيود مالية قد تؤثر على استدامة البرامج وقدرتها على التوسع. ويستعرض التقرير أمثلة بارزة للتعاون المؤسسي، منها إطار العمل الخاص بالرياضة من أجل العمل المناخي التابع لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، ومبادرة “كرة القدم من أجل الأهداف” التي تضم أربعمئة وسبعين عضواً عبر مئة وثلاثة وعشرين بلداً لتسخير الانتشار العالمي للكرة المستديرة في خدمة أهداف التنمية، فضلاً عن مبادرة “أولمبياد 365” والشراكات التي تقودها المنظمة الدولية للهجرة ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة ومكتب الممثل الخاص للأمين العام المعني بالعنف ضد الأطفال لمكافحة الإتجار بالبشر وحماية الأطفال والرياضيين في الوسط الرياضي. ويؤكد التقرير أن جودة الشراكة تتطلب عدم الاكتفاء بالشكليات، بل التأسيس لحوكمة واضحة وتمويل مستدام وآليات قياس دقيقة للأثر.
وفي مجال التعليم الجيد والتربية البدنية المدرسية (الهدف الرابع)، أشار التقرير إلى أن المدارس توفر المنصة الأهم للوصول إلى الأطفال والشباب وترسيخ العادات الصحية والمهارات الحياتية. غير أن المنظومات التعليمية تواجه صعوبات ضخمة تتصل بالخسائر التعليمية المستمرة منذ جائحة كوفيد-19، حيث تظهر البيانات أن سبعين في المئة من الأطفال في سن العاشرة في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط غير قادرين على قراءة نص بسيط وفهمه. وقد انعكس هذا الوضع سلباً على الوقت المخصص للتربية البدنية وتوافر المرافق والتدريب اللازم للمعلمين. وتستعرض المادة المعروضة جهود اليونسكو في صياغة “خارطة طريق سانتياغو للرياضة والتعليم الشاملين” والمعايير العالمية للتربية البدنية الشاملة والآمنة لمساعدة الدول على سد الفجوات التنفيذية وإعادة الاعتبار للنشاط البدني المدرسي كجزء لا يتجزأ من جودة التعليم والتنشئة الاجتماعية.
وعلى صعيد تعزيز المجتمعات السلمية وشبكات العدالة والمؤسسات القوية (الهدف السادس عشر)، أوضح التقرير أن ستة وأربعين في المئة من المبادرات أفادت بالارتباط بهذا الهدف من خلال أنشطة الوقاية من العنف، وبناء السلام، وتدعيم التماسك الاجتماعي. وتشمل النماذج المذكورة مبادرة “الرياضة ضد الجريمة” المشاركة بين مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة واللجنة الأولمبية الدولية، ومبادرة “تجاوز اللعبة” الصادرة عن مكتب مكافحة الإرهاب، وحملة “الرياضة من أجل إنسانية واحدة” التابعة لمنظمة الأمم المتحدة لتحالف الحضارات، إضافة إلى نهج “الرياضة من أجل الحماية” الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ومع ذلك، يحذر التقرير من الافتراض البسيط بأن الرياضة تؤدي تلقائياً إلى السلام؛ إذ يتوقف الأثر الإيجابي على طريقة تصميم البرامج وطبيعة التفاعلات بين المشاركين والبيئة الاجتماعية الحاضنة. كما أن قضايا الفساد، والتلاعب بالنتائج، وسوء الإدارة، والجريمة المنظمة تعرقل دور الرياضة وتستوجب تطبيق تدابير مساءلة وحماية صارمة واستخدام أطر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وفيما يتعلق بآليات تنفيذ خطة عمل الأمم المتحدة بشأن الرياضة من أجل التنمية والسلام، يخلص التقرير إلى أن التحدي الجوهري لا يكمن في نقص المبادرات أو ضعف الالتزام لدى الفاعلين، بل في الحاجة إلى تعزيز آليات التنفيذ لجعل العمل أكثر اتساعاً واستدامة. وتشمل هذه المرتكزات تقوية التنسيق بين الكيانات الدولية، وتعميق التكامل السياساتي لدمج الرياضة في الخطط التنموية والصحية والتعليمية الوطنية—وهو ما أظهرته مساهمات إحدى وعشرين دولة عضواً عرضت استراتيجياتها وتشريعاتها الوطنية، مثل تعديل الدستور الإيطالي لتضمين الرياضة كحق وقيمة تعليمية وصحية، والاستراتيجيات الوطنية في السعودية وقطر والجزائر وفرنسا وفنلندا وغيرها. كما يدعو التقرير إلى تعزيز التمويل المستدام وبناء أنظمة رصد وتقييم رصينة وقائمة على الأدلة العلمية تتجاوز الاكتفاء بمؤشرات المشاركة العدديّة إلى قياس الأثر التنموي طويل الأمد. واختتم التقرير بالتأكيد على الدور المحوري لأمانة الأمم المتحدة، عبر إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، للتنسيق والدعوة ونقل المعرفة، مع التوصية بإجراء مراجعة شاملة وتحديث لخطة العمل الصادرة عام 2018 لضمان ملاءمتها للمستجدات العالمية وحاجة التنمية المستقبلية.




