مقالات الرأي

حين يتحول الإصلاح إلى مصدر قلق وعداء بين الشعب والحكومة بدر الدين اسحاق احمد 

حين يتحول الإصلاح إلى مصدر قلق وعداء بين الشعب والحكومة

بدر الدين اسحاق احمد

 

مخاوف السودانيين من تقليص العاملين بالدولة
في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أصعب مراحله السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يجئ قرار تشكيل لجنة فنية لحصر وتقليص العاملين بالدولة مثيرا حالة واسعة من القلق وسط العاملين في الخدمة المدنية خاصة مع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات النزوح وفقدان مصادر الدخل.
علما بأن الوظيفة العامة لم تعد مجرد مصدر راتب شهري بل أصبحت تمثل طوق النجاة الأخير لآلاف الأسر السودانية التي فقدت الاستقرار والخدمات الأساسية مما جعل أي حديث عن تقليص العمالة يثير مخاوف حقيقية بشأن المستقبل المعيشي والاجتماعي للعاملين.
ورغم الاتفاق على أن الخدمة المدنية السودانية تحتاج بالفعل إلى إصلاحات جذرية بسبب الترهل الإداري والفساد ووجود وظائف وهمية إلا أن الانتقادات تتركز حول غياب الوضوح والشفافية في القرار حيث لم تعلن بصورة واضحة معايير الاختيار أو الضمانات القانونية أو آليات التظلم وحماية الكفاءات الوطنية.
كما تتصاعد التساؤلات حول العدالة في تطبيق الإصلاح خاصة مع استمرار بعض القيادات والمسؤولين في مواقعهم لسنوات طويلة بعد تجاوز سن المعاش في وقت يطلب فيه من صغار الموظفين تحمل أعباء التقليص وإجراءات الهيكلة.
وتبرز الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون سابقا كنموذج تمت فيه هذه الاحالات خلال حقبة عمر البشير . يشكو كثير من العاملين من التهميش والإقصاء الوظيفي مقابل استمرار بعض القيادات في مواقعها دون مساءلة الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى التزام الدولة بمبدأ العدالة والمساواة في تطبيق القوانين.
أن أي عملية لتقليص العاملين دون معالجة الاختلالات البنيوية داخل مؤسسات الدولة قد تتحول إلى أداة للانتقائية والمحسوبية بدل من أن تكون مشروع حقيقي للإصلاح المؤسسي وإعادة بناء الخدمة المدنية على أسس مهنية عادلة.
كما يطرح القرار إشكالات قانونية وسياسية في ظل غياب المجلس التشريعي حيث ينطرح السؤال عن مدى أحقية مشروعية الحكومة الانتقالية في اتخاذ قرارات مصيرية قد تعيد تشكيل الخدمة المدنية السودانية لسنوات طويلة قادمة.
أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتخفيض أعداد العاملين وإنما بمكافحة الامتيازات غير المبررة وضبط التعيينات السياسية وتفعيل قوانين الخدمة المدنية بصورة عادلة تشمل الجميع دون استثناء.
وفي ظل هذه المخاوف يجب بذل الجهود نحو بناء الثقة بين الدولة والمواطنين عبر سياسات تقوم على العدالة والشفافية واحترام حقوق العاملين بدلاً من القرارات الغامضة التي قد تؤدي إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي وتفاقم الأزمات التي يواجهها السودان اليوم.

*بدر الدين إسحاق أحمد*
شمبات
١٧ مايو ٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى