تحقيقات وتقاريرأبرز المواضيع

جيبوتي:كيف تصنع الجغرافيا المعقدة “دبلوماسية العمالقة”؟

في عالم تتشكل فيه موازين القوى عادة بحجم الجيوش، وامتداد الرقعة الجغرافية، والكتلة الديموغرافية، تبدو الدول الصغرى غالباً على هامش التاريخ، مجرد بيادق على رقعة شطرنج تحركها القوى العظمى. لكن كتاب “جيبوتي: دبلوماسية عملاقة لدولة صغيرة” (Djibouti: la diplomatie de géant d’un petit État) للباحثة والأكاديمية المتخصصة في العلوم السياسية “سونيا لوغورييل” (Sonia Le Gouriellec)، الصادر عن مطابع جامعة سبتنتريون (Presses universitaires du Septentrion) في عام 2020، يقلب هذه المعادلة الكلاسيكية رأساً على عقب، ليقدم لنا دراسة رائدة واستثنائية حول الكيفية التي يمكن بها لدولة مجهرية أن تتحول إلى محور ارتكاز جيوسياسي عالمي.

مفارقة الحجم والتأثير: قوة الـ “لا قوة”

يبدأ هذا العمل الرائد من تساؤل جوهري ومحوري: كيف لدولة لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، ومساحتها بالكاد تتخطى 23 ألف كيلومتر مربع، وتُصنف ضمن الدول الأقل نمواً في العالم، أن تفرض نفسها رقماً صعباً وضرورياً في المعادلات الأمنية والسياسية لأكبر القوى العالمية؟

تطرح سونيا لوغورييل في هذا الكتاب فرضية جريئة، وهي ما تسميه “قوة من لا قوة لهم”. فجيبوتي، التي نالت استقلالها في 27 يونيو 1977، وجدت نفسها في واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالاً وتعقيداً: القرن الإفريقي. إنها منطقة تتسم بالهشاشة، وتعج بالصراعات المسلحة، والتهديدات الإرهابية، ناهيك عن تحديات القرصنة البحرية وموجات الهجرة المستمرة. وفي ظل هذا المحيط المضطرب، كان البقاء بحد ذاته يمثل التحدي الأكبر لهذه الدولة حديثة العهد بالاستقلال.

بدلاً من الانكفاء أو الانزواء خوفاً من العواصف المحيطة بها – سواء الصراعات في الصومال جنوباً، أو الحرب في اليمن شرقاً عبر مضيق باب المندب – أدركت القيادة الجيبوتية أن الجغرافيا هي قدرها، وأن هذا القدر يمكن تحويله من نقمة محتملة إلى “أصل استراتيجي” (Strategic Asset) بالغ الأهمية. لقد وظفت جيبوتي موقعها الاستراتيجي المطل على خليج عدن والبحر الأحمر لتخلق دبلوماسية براغماتية قائمة على “الانبساط للخارج” أو ما يُعرف باستراتيجية الانفتاح الخارجي (Extraversion).

تجارة القواعد العسكرية: تأجير الجغرافيا أم استئجار الحماية؟

تغوص الكاتبة في واحدة من أبرز تجليات هذه الدبلوماسية العملاقة، وهي سياسة استضافة القواعد العسكرية الأجنبية. لقد تحولت جيبوتي إلى ما يشبه “الثكنة العالمية”، حيث تتجاور فيها، منذ عام 2017، جيوش قوى كبرى قد لا تتفق بالضرورة في أي مكان آخر من العالم. نجد هناك الوجود العسكري الفرنسي التاريخي (الذي يوفر حماية للمجال الجوي الجيبوتي ويدر إيجاراً سنوياً يقدر بـ 40 مليون دولار)، إلى جانب القاعدة الأمريكية الحيوية، وأول قاعدة بحرية عسكرية صينية في الخارج، بالإضافة إلى القاعدة اليابانية (التي تخضع لشروط تجديد سنوية صارمة مدتها 12 شهراً)، وحتى الحضور العسكري الأوروبي.

تشير لوغورييل إلى أن هذا “التسويق” للموقع الجغرافي ليس مجرد صفقة عقارية دولية، بل هو شريان حياة اقتصادي وأمني. فالعوائد المالية المباشرة وغير المباشرة من هذه القواعد تعد هائلة مقارنة بحجم الاقتصاد الجيبوتي؛ إذ تتجاوز هذه العوائد حجم إيرادات الصادرات الوطنية التي بالكاد تصل إلى 104 ملايين يورو سنوياً. علاوة على ذلك، يوفر هذا الحضور العسكري الأجنبي آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للسكان المحليين في الخدمات المساندة لتلك القواعد.

ولكن، وكما يبرز المقال بوضوح، تضع الكاتبة يدها على الجرح عندما تتساءل عن ثمن هذه السياسة. إن هذا “التجارة” بالقواعد العسكرية يمثل فخاً مزدوجاً؛ فمن ناحية، يؤدي هذا التواجد المكثف للقوى الأجنبية إلى تقليص ومصادرة جزء من السيادة الوطنية الجيبوتية، لتصبح سيادة “متغيرة الأبعاد” تتأرجح تحت ظل القواعد العسكرية. ومن ناحية أخرى، ورغم أن الدولة الجيبوتية تحتفظ نظرياً وقانونياً بحق طرد هؤلاء “المستأجرين”، إلا أن ممارسة هذا الحق على أرض الواقع تبدو محفوفة بالمخاطر وشبه مستحيلة عملياً.

توازنات دقيقة في عين الإعصار

ما يجعل هذا الكتاب مرجعاً ضرورياً لفهم المنطقة، هو الطريقة التي تشرح بها لوغورييل كيف تدير جيبوتي هذه التناقضات. ففي الوقت الذي تتعاظم فيه الديون الجيبوتية لصالح الصين – التي أصبحت الدائن الرئيسي للبلاد بفضل مشاريع البنية التحتية العملاقة ومبادرة طرق الحرير البحرية – تظل فرنسا الحليف التقليدي والتاريخي الذي يلعب دور صمام الأمان.

إنها رقصة دبلوماسية دقيقة على حبل مشدود؛ حيث يدرك المسؤولون الجيبوتيون تماماً أن بلادهم، المزدحمة بالجيوش الأجنبية، “لا يمكن أن تكون ساحة للمواجهة” بين هذه القوى المتنافسة. بل على العكس، استطاعت جيبوتي أن تستخدم هذا التواجد الكثيف كدرع واقٍ ضد التهديدات الخارجية المتأتية من جيرانها، مثل الصومال أو اليمن، وحتى في إدارة توتراتها الحدودية، كما حدث في النزاع القصير مع إريتريا عام 2008 والذي جُمّد بفضل وساطة قطرية.

لقد أثبتت جيبوتي، كما توضح الكاتبة بجلاء، أن القوة في العلاقات الدولية ليست حكراً على المساحات الشاسعة أو الاقتصادات التريليونية. بل هي أيضاً القدرة على قراءة الخريطة الجيوسياسية بذكاء، وتحويل الحاجة الدولية للأمن والممرات المائية إلى عملة دبلوماسية صعبة، تجعل من دولة صغيرة رقماً لا يمكن تجاوزه في حسابات العمالقة.

محور التنين: الصين ترسم خريطة نفوذ جديدة من بوابة إفريقيا

لا يمكن قراءة السردية الجيوسياسية التي تقدمها سونيا لوغورييل في كتابها دون التوقف طويلاً، وبتحليل دقيق، أمام المتغير الأهم في معادلة القرن الإفريقي خلال العقد الأخير: الصعود الصيني المتسارع وتمدده الاستراتيجي. لقد التقطت جيبوتي بذكاء حاد التحولات العميقة في بنية النظام الدولي، وأدركت أن مركز الثقل العالمي يتحرك تدريجياً نحو الشرق. وهنا، لم تكتفِ الدبلوماسية الجيبوتية بمراقبة هذا الصعود الهادئ، بل قررت أن تكون منصة انطلاقه نحو القارة السمراء، محولة نفسها إلى حجر زاوية في الرؤية الاستراتيجية لبكين.

تكشف لوغورييل في تحليلها كيف أن افتتاح الصين لأول قاعدة عسكرية بحرية لها خارج حدودها في جيبوتي عام 2017 لم يكن حدثاً عابراً، بل هو إعلان صريح عن مرحلة جديدة في العقيدة العسكرية والسياسية الصينية. هذه القاعدة، التي تقع على مرمى حجر من معسكر “ليمونييه” (Camp Lemonnier) الأمريكي، تجسد فعلياً ملامح التنافس الاستراتيجي الجديد في ساحة دولية بالغة التعقيد. لقد اختارت الصين جيبوتي لتكون نقطة الارتكاز لحماية خطوط إمدادها الحيوية عبر مضيق باب المندب، ولتأمين مصالحها المتنامية في إفريقيا، ولتكون عقدة بحرية رئيسية ضمن مبادرة “الحزام والطريق” (طريق الحرير الجديد).

إن الكاتبة تضعنا أمام مشهد بالغ الدلالة: كيف تمكنت دولة مجهرية من استيعاب هذا التحول الجذري في موازين القوى العالمية واستثماره لصالحها. فالصين لا تدفع فقط إيجاراً سنوياً للقاعدة يقدر بعشرين مليون دولار، بل تضخ استثمارات هائلة في البنية التحتية، وهو ما ينقلنا إلى مستوى آخر من الدبلوماسية الاقتصادية.

مبادرة الحزام والطريق: التوازن الحرج بين التنمية وسيادة الديون

تنتقل لوغورييل  لتشريح الاقتصاد السياسي لهذه الشراكة. لقد مولت الصين سلسلة من المشاريع العملاقة التي أعادت رسم المشهد التنموي في جيبوتي: من خط السكة الحديدية الكهربائي الحديث الذي يربط جيبوتي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إلى بناء موانئ جديدة ومتطورة (مثل ميناء دوراليه متعدد الأغراض)، وصولاً إلى مشاريع المناطق الحرة الاستثمارية، وخطوط أنابيب المياه.

هذا التدفق الهائل لرأس المال الصيني جعل من بكين الممول الأول لجيبوتي، والدائن الأكبر لها في الوقت ذاته. وهنا تطرح الكاتبة إشكالية بالغة الأهمية حول مفهوم “السيادة في عصر الديون”. فرغم أن جيبوتي تستخدم هذه الاستثمارات لتكريس نفسها كمركز لوجستي إقليمي وبوابة رئيسية لإثيوبيا (التي تعتمد على موانئ جيبوتي في أكثر من 90% من تجارتها الخارجية)، إلا أن حجم الديون المستحقة للصين بات يمثل نسبة حرجة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

تفكك لوغورييل الخطابين المتناقضين حول هذا الوجود: الخطاب الغربي الذي يحذر باستمرار مما يسميه “فخ الديون” الصيني، محذراً من احتمالية مصادرة الأصول الاستراتيجية الجيبوتية إذا تعثرت في السداد، والخطاب الجيبوتي الرسمي الذي يرى في بكين شريكاً استراتيجياً لا يتدخل في الشؤون الداخلية، ويقدم بنية تحتية ملموسة لا تقدمها العواصم الغربية التي غالباً ما ترفق مساعداتها بشروط تتعلق بالحوكمة وحقوق الإنسان. تنجح الكاتبة في البقاء على مسافة نقدية من كلا الخطابين، مبينة أن القيادة الجيبوتية تلعب “لعبة بوكر” عالية المخاطر؛ فهي تراهن على العوائد المستقبلية لهذه البنية التحتية لتسديد الديون، وتستغل المخاوف الغربية من التمدد الصيني لابتزاز تنازلات أمنية واقتصادية من واشنطن وباريس.

فخ التنافس الدولي في مساحة جغرافية ضيقة

من أكثر فصول الكتاب إثارة، ذلك الذي يصف كيف تدار يوميات هذا التزاحم العسكري الاستثنائي. تخيل مساحة صغيرة جداً تتواجد فيها قوات المارينز الأمريكية، والفيلق الأجنبي الفرنسي، وقوات جيش التحرير الشعبي الصيني، وقوات الدفاع الذاتي اليابانية، إلى جانب قوات إيطالية وإسبانية. إنه تكثيف جغرافي غير مسبوق للنظام الدولي بأسره.

تشرح لوغورييل كيف تدير جيبوتي هذا التنافس المحموم لتتجنب الانزلاق في “فخ ثوسيديدس”؛ أي لتتجنب أن تصبح ساحة صراع مفتوح بين القوة المهيمنة (الولايات المتحدة) والقوة الصاعدة (الصين). الدبلوماسية الجيبوتية تتبع هنا تكتيك “تجزئة النفوذ”، حيث تمنح كل قوة امتيازات محددة في مناطق مدروسة، وتعمل كـ “وسيط حتمي” لا غنى عنه بين هذه القوى التي تراقب بعضها البعض عن كثب.

هذا الوجود العسكري المتعدد يمنح جيبوتي بوليصة تأمين غير مكتوبة ضد أي عدوان إقليمي. فمن يتجرأ على شن هجوم على دولة تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في إفريقيا، وأول قاعدة صينية في الخارج، والقاعدة الفرنسية الأهم؟ لقد تحولت المخاطر الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة إلى مظلة حماية لجيبوتي، وهو ما تعتبره الكاتبة ذروة النجاح لسياسة “الانبساط للخارج” التي تبنتها الدولة.

معمار السلطة: “نظام غيله” وهندسة الاستقرار

لا يمكن فصل النجاحات الدبلوماسية التي حققتها جيبوتي، كما تشرح سونيا لوغورييل، عن طبيعة النظام السياسي الداخلي الذي يقوده الرئيس إسماعيل عمر غيله منذ عام 1999. إن الكاتبة تأخذنا في رحلة خلف الكواليس لفهم كيف تدار هذه الدولة التي يصفها البعض بأنها “شركة مساهمة جيوسياسية”. لقد نجح الرئيس غيله في بناء نظام يتسم باستقرار استثنائي في منطقة لا تعرف سوى القلاقل، وهو استقرار يُعد العملة الأساسية التي تبيعها جيبوتي لشركائها الدوليين.

توضح لوغورييل أن الدبلوماسية الجيبوتية ليست مجرد نتاج لموقع جغرافي متميز، بل هي نتاج “رؤية مركزية” استطاعت توحيد خيوط اللعبة في يد واحدة. هذه المركزية سمحت بجعل جيبوتي “جزيرة من السلام” في محيط مضطرب، مما جعلها المقصد المفضل للجيوش الأجنبية التي تبحث عن بيئة آمنة وقابلة للتنبؤ. ومع ذلك، لا تغفل الكاتبة الجانب النقدي؛ إذ تشير إلى أن هذا الاستقرار السياسي يعتمد بشكل كبير على شخصية الرئيس وشبكات الولاء المعقدة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه الدبلوماسية في مرحلة ما بعد غيله، وكيف يمكن للمؤسسات الجيبوتية أن تحافظ على هذا “الإرث العملاق” دون الشخصنة السياسية.

دولة “الريع الجيوسياسي”: مفارقة الرفاه والفقر

تنتقل لوغورييل إلى تحليل بنية الاقتصاد الجيبوتي، واصفة إياه بـ “اقتصاد الريع الجغرافي”. فالدولة تعيش بشكل أساسي على عائدات تأجير القواعد العسكرية، ورسوم الموانئ، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة الإثيوبية. وهنا تبرز واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً التي يرصدها الكتاب: فبينما تضم جيبوتي أحدث الموانئ في إفريقيا وأكثر القواعد العسكرية تقدماً في العالم، لا يزال جزء كبير من السكان يعاني من معدلات بطالة مرتفعة وفقر مدقع.

تطرح الكاتبة تساؤلاً أخلاقياً واستراتيجياً: لمن تذهب ثمار هذه “الدبلوماسية العملاقة”؟ إن هذا النموذج التنموي “الفوقي” الذي يركز على المشاريع الضخمة والبنية التحتية العالمية لم يترجم بعد إلى تحسن ملموس في المعيشة اليومية للمواطن الجيبوتي العادي. تشير لوغورييل إلى خطر نشوء “اقتصادين متوازيين” داخل الدولة: اقتصاد العولمة العسكري واللوجستي الذي يدور في فلك القواعد والموانئ، واقتصاد محلي يكافح من أجل البقاء. هذا الخلل البنيوي، كما يحذر الكتاب، قد يمثل التهديد الأكبر للاستقرار الذي تفتخر به جيبوتي، إذ إن الفجوة الاجتماعية المتزايدة قد تتحول إلى وقود للاضطرابات الداخلية التي قد تزعزع صورة “الملاذ الآمن”.

جيبوتي كـ “وسيط حتمي” في القرن الإفريقي

بعيداً عن القواعد العسكرية، تبرز لوغورييل دور جيبوتي كلاعب إقليمي لا غنى عنه في تسوية النزاعات. فالدولة الصغيرة تستضيف مقر الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد – IGAD)، ولعبت دوراً محورياً في الوساطة بين الفرقاء الصوماليين، واستضافت مفاوضات سلام تاريخية. إن هذا الدور “الوساطي” ليس مجرد عمل خيري دبلوماسي، بل هو جزء من استراتيجية البقاء؛ فجيبوتي تدرك أن أمنها مرتبط عضوياً باستقرار جيرانها.

وتفرد الكاتبة مساحة واسعة لتحليل العلاقة العضوية والمعقدة بين جيبوتي وإثيوبيا. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة ذات المئة مليون نسمة، تعتبر جيبوتي رئتها التي تتنفس من خلالها، بينما تعتبر جيبوتي إثيوبيا عمقها الاستراتيجي وسوقها الأكبر. تصف لوغورييل هذه العلاقة بأنها “ارتباط مصيري” يتجاوز حدود السياسة التقليدية ليصل إلى مستوى التكامل الاقتصادي الشامل. ومع ذلك، تحذر الكاتبة من أن هذا الاعتماد المتبادل يجعل جيبوتي رهينة للتقلبات السياسية في أديس أبابا، كما ظهر جلياً في الأزمات الداخلية التي عصفت بإثيوبيا مؤخراً وتأثيرها المباشر على تدفق التجارة عبر الموانئ الجيبوتية.

تحدي “السيادة المتعددة”: هل يملك القزم توجيه العمالقة؟

في ختام هذا الجزء، تعود لوغورييل لتناقش مفهوم “السيادة” في ظل الوجود الأجنبي المكثف. هل جيبوتي دولة سيدة حقاً، أم أنها مجرد “مساحة مؤجرة”؟ تجيب الكاتبة  أن جيبوتي تمارس ما يمكن تسميته “السيادة التفاوضية”. فهي لا تملك القوة الصلبة لفرض إرادتها، لكنها تملك “قوة التعطيل” و”قوة الموقع”.

إن قدرة المفاوض الجيبوتي على اللعب بورقة التنافس الأمريكي-الصيني، أو الفرنسي-الأمريكي، تمنح الدولة هامشاً للمناورة أكبر بكثير مما توحي به مساحتها. ولكن، يظل السؤال الذي يطرحه الكتاب معلقاً: إلى أي مدى يمكن الاستمرار في هذه اللعبة الخطرة دون أن تبتلع إحدى القوى العظمى القرار الوطني الجيبوتي بالكامل؟

“رؤية جيبوتي 2035”: الحلم بتحول “سنغافورة إفريقيا”

في الفصول المتأخرة من كتابها، لا تكتفي سونيا لوغورييل بتوصيف الوضع الراهن، بل تغوص في “المختبر التنموي” الجيبوتي الذي يسعى لصناعة مستقبل مغاير. إن “رؤية جيبوتي 2035” ليست مجرد وثيقة حكومية، بل هي كما تصفها الكاتبة “مانيفستو” استراتيجي يهدف إلى نقل الدولة من ريع القواعد العسكرية إلى اقتصاد القيمة المضافة.

ترصد لوغورييل كيف تحاول جيبوتي محاكاة نموذج سنغافورة أو دبي في منطقة القرن الإفريقي. الفكرة تكمن في تحويل الموانئ من مجرد نقاط عبور (Transit) للبضائع الإثيوبية إلى مراكز معالجة وتصنيع وإعادة تصدير. وتبرز الكاتبة هنا أهمية “منطقة جيبوتي الدولية للتجارة الحرة” (DIFTZ)، التي تعد الأكبر في إفريقيا، كأداة لكسر التبعية الاقتصادية التقليدية. إن الرهان الجيبوتي، كما تحلله لوغورييل، هو في القدرة على إقناع الشركات العالمية بأن هذه البقعة الصغيرة ليست مجرد ثكنة، بل هي منصة انطلاق آمنة نحو سوق شرق إفريقيا الواعد الذي يضم مئات الملايين من المستهلكين.

سياسة “تعدد الأقطاب الصغرى”: دخول الأتراك والخليجيين

من أبرز الإضافات التي قدمتها لوغورييل في هذا العمل هو تحليلها لكيفية “تنويع المحفظة الدبلوماسية” الجيبوتية لتشمل قوى صاعدة جديدة تتجاوز الثلاثي التقليدي (فرنسا، الولايات المتحدة، الصين). نجد هنا فصلاً ممتعاً حول الصعود التركي في جيبوتي، حيث تتجاوز أنقرة الحضور العسكري نحو “القوة الناعمة”. من خلال بناء أكبر مسجد في شرق إفريقيا، وتقديم المنح الدراسية، والاستثمار في قطاع المياه، استطاعت تركيا أن تجد لها موطئ قدم ثقافي واقتصادي متيناً.

كما تشرح الكاتبة ببراعة العلاقة “الجدلية” والمعقدة مع دول الخليج العربي، لاسيما السعودية والإمارات وقطر. فجيبوتي، العضو في جامعة الدول العربية، تجد نفسها في قلب التجاذبات الخليجية-الخليجية أحياناً، والخليجية-الإقليمية أحياناً أخرى. ترصد لوغورييل كيف تدير جيبوتي علاقتها مع الرياض كحليف أمني واستراتيجي في مواجهة التهديدات عبر البحر الأحمر، بينما تحاول في الوقت ذاته موازنة علاقتها المتوترة أحياناً مع دبي (بسبب النزاع القانوني حول موانئ دوراليه). هذا “التوازن المتعدد” يثبت مرة أخرى فرضية الكتاب الأساسية: أن جيبوتي تتقن فن اللعب مع الكبار جميعاً في آن واحد، دون أن تسلم مفاتيح بيتها لأي منهم بالكامل.

أمن البحر الأحمر: في عين العاصفة الجيوسياسية

تنتقل لوغورييل إلى تحليل الفضاء البحري، معتبرة أن “باب المندب” هو رئه جيبوتي الحقيقية ولعنتها في آن واحد. تناقش الكاتبة دور جيبوتي في “مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن”، وكيف تحاول الدولة حجز مقعد دائم في أي ترتيبات أمنية مستقبلية لهذا الممر الحيوي.

وتلفت الكاتبة الانتباه إلى أن التهديد لم يعد يقتصر على القرصنة الصومالية التي تراجعت حدتها، بل انتقل إلى تهديدات أكثر تعقيداً ناتجة عن الحرب في اليمن واستخدام الطائرات المسيرة والألغام البحرية. هنا، تظهر جيبوتي كـ “برج مراقبة” عالمي؛ فكل القوى الموجودة على أرضها لها مصلحة حيوية في بقاء هذا الممر مفتوحاً. إنها حالة نادرة حيث تتقاطع مصالح المتنافسين (الصين وأمريكا مثلاً) عند نقطة واحدة وهي استقرار جيبوتي، وهو ما تسميه لوغورييل “الأمن بالاعتماد المتبادل”.

تحدي المناخ: العدو الذي لا تراه القواعد العسكرية

في قراءة نقدية لافتة، تشير سونيا لوغورييل إلى أن التهديد الوجودي الأكبر لجيبوتي قد لا يأتي من طلقات المدافع أو الأزمات الدبلوماسية، بل من التغير المناخي. جيبوتي، التي تعاني أصلاً من شح مياه حاد وطبيعة بركانية قاسية، تجد نفسها أمام تحدي ارتفاع منسوب مياه البحر وتصحر الأراضي الرعوية.

تنتقد الكاتبة، كيف أن الاستثمارات الدولية الهائلة الموجهة للأمن والدفاع لا يقابلها استثمار مماثل في الأمن البيئي والمائي. وتحذر من أن جفاف المناطق الريفية يؤدي إلى هجرة داخلية مكثفة نحو العاصمة، مما يزيد الضغط على البنية التحتية الهشة أصلاً، ويخلق توترات اجتماعية قد لا تستطيع “دبلوماسية العمالقة” حلها. إنها دعوة من الكاتبة لضرورة “أنسنة” الدبلوماسية الجيبوتية وتوجيه فوائض الريع الجغرافي نحو الاستدامة البيئية.

جيبوتي في ميزان المستقبل: بقاء الأذكى لا الأقوى

في الصفحات الختامية، تتركنا سونيا لوغورييل أمام سؤال مفتوح ومثير للقلق: هل يمكن لـ “نموذج جيبوتي” أن يستمر إلى الأبد؟ تخلص الكاتبة إلى أن نجاح جيبوتي كان ثمرة تلاقي فريد بين جغرافيا استثنائية ولحظة تاريخية اتسمت بـ “عولمة الأمن”. لكن العالم يتغير؛ فالتنافس الصيني-الأمريكي ينتقل من مرحلة “التعايش المتوتر” إلى “المواجهة المباشرة”، مما قد يجعل سياسة التوازن الجيبوتية مستحيلة في المستقبل. إذا اضطرت جيبوتي يوماً ما إلى “اختيار معسكر”، فإن مفهوم “دبلوماسية العمالقة” سيتعرض لاختبار وجودي قد يؤدي إلى انهياره.

ومع ذلك، تراهن لوغورييل على “المرونة الجيبوتية”. إن هذه الدولة التي ولدت في رحم الأزمات، تملك قدرة غريزية على التكيف. فالدبلوماسية الجيبوتية لا تبحث عن الهيمنة، بل عن “الضرورة”؛ أي أن تجعل وجودها ضرورياً للجميع بحيث يصبح انهيارها كارثة للجميع. هذا “التأمين المتبادل” هو الابتكار السياسي الأهم الذي قدمته جيبوتي للعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى