مسلمو شرق إفريقيا بين مطرقة التهميش وسندان الدولة الوطنية
جذور الأزمة ومآلاتها

قراءة في كتاب: “الحوكمة والإسلام في شرق إفريقيا: المسلمون والدولة في كينيا وتنزانيا” تحرير: فاروق توبان، كاي كريس، إيرين إي. ستايلز، وحسن مواكيماكو.
على الساحل الشرقي للقارة السمراء، حيث تتلاطم أمواج المحيط الهندي محملةً بقرون من التبادل التجاري والثقافي، يقف المسلمون في كينيا وتنزانيا على مفترق طرق تاريخي وسياسي معقد. لطالما كانت هذه الجغرافيا حاضنة لثقافة “سواحلية” فريدة امتزجت فيها التقاليد المحلية بالدين الإسلامي. ولكن، مع بزوغ فجر الدول الوطنية الحديثة (ما بعد الاستعمار)، وجد المسلمون أنفسهم في مواجهة إشكاليات عميقة تتعلق بالهوية، والانتماء، والمشاركة السياسية.
من هذا المنطلق، يأتي كتاب “الحوكمة والإسلام في شرق إفريقيا: المسلمون والدولة في كينيا وتنزانيا” (الصادر عن مطبعة جامعة إدنبرة بالتعاون مع معهد دراسات الحضارات الإسلامية بجامعة الآغا خان)، ليقدم تشريحاً دقيقاً لهذه العلاقة الشائكة. الكتاب، الذي حرره نخبة من الباحثين المتخصصين، لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يغوص في البنى التحتية للصراع والتفاوض بين المجتمعات المسلمة والدول العلمانية في تلك المنطقة، مقسماً هذا المشهد المعقد إلى ثلاثة محاور رئيسية: السياسة، والمؤسسات، والقانون.
متلازمة “المركز والأطراف”: إرث الاستعمار الثقيل
يفتتح الكتاب مراجعته بتمهيد شامل يضع القارئ أمام حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها: إن علاقة المسلمين بالدولة في كل من كينيا وتنزانيا صيغت في أروقة الإدارات الاستعمارية (البريطانية والألمانية)، وتبلورت بشكلها الصدامي خلال فترة إنهاء الاستعمار في ستينيات القرن العشرين.
في كينيا، كان الشريط الساحلي (الممباسا) يخضع اسمياً لسلطنة زنجبار، ومع اقتراب الاستقلال، برزت حركات سياسية مثل حركة “موامباو” (Mwambao) التي طالبت باستقلال الساحل ذي الأغلبية المسلمة، خوفاً من تهميشهم تحت حكم حكومة مركزية تقودها أغلبية مسيحية في نيروبي. انتهى الأمر بضم الشريط الساحلي قسراً إلى كينيا المستقلة في عام 1963. هذا الحدث، كما يوضح الباحث جيريمي بريسثولدت في فصله حول السياسة الكينية، خلق شرخاً نفسياً وسياسياً جعل مسلمي الساحل يشعرون وكأنهم يعيشون “استعماراً داخلياً” جديداً.
أما في تنزانيا، فقد كانت ثورة زنجبار عام 1964، وما تلاها من اتحاد سريع ومفاجئ مع تنجانيقا (البر الرئيسي)، بمثابة زلزال سياسي. فقد سعت الحكومة الثورية الاشتراكية إلى طمس الهويات الدينية والعرقية لصالح هوية وطنية موحدة. وكما يحلل جيمس ر. برينان، أدى هذا التوجه إلى تهميش النخب المسلمة الحضرية وإخضاع المؤسسات الدينية لسيطرة الحزب الحاكم، مما خلق شعوراً دفيناً بالغبن استمر لعقود.
سياسات الاغتراب: من السلمية إلى الانفجار
لا يتوقف الكتاب عند حدود السرد التاريخي، بل ينتقل بنا إلى حقبة التسعينيات وما تلاها، حيث دخلت كينيا وتنزانيا عهد التعددية الحزبية. وهنا، يفكك الكتاب كيف تحول الإحباط المتراكم لدى المسلمين إلى حراك سياسي نشط، ولكنه محفوف بالمخاطر.
في كينيا، تسلط الفصول الضوء على ظهور “الحزب الإسلامي الكيني” (IPK) في أوائل التسعينيات في مومباسا. كان هذا الحزب صوتاً شبابياً غاضباً يطالب بالعدالة الاجتماعية والاندماج السياسي، ورغم أنه لم يتبن أجندة متطرفة، إلا أن نظام الرئيس الأسبق دانيال آراب موي رفض تسجيله واعتبره تهديداً، وقام بقمع قادته. هذا القمع العنيف أدى إلى وأد الحركة السلمية، ومهد الطريق لظهور حركات أكثر راديكالية وانفصالية لاحقاً، مثل “مجلس جمهورية مومباسا” (MRC) الذي رفع شعار “الساحل ليس كينيا” (Pwani si Kenya).
الأمور زادت تعقيداً مع بدء ما يسمى بـ “الحرب على الإرهاب” بعد تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998، ثم التدخل الكيني في الصومال عام 2011. يسجل الكتاب، بمرارة وواقعية، كيف أدت سياسات مكافحة الإرهاب التعسفية – من تصنيف عنصري، واختفاءات قسرية، وتصفيات خارج نطاق القضاء طالت دعاة مسلمين معتدلين وراديكاليين على حد سواء – إلى توسيع الهوة بين الدولة والشباب المسلم. هذه السياسات القمعية خلقت فراغاً استغلته جماعات متطرفة مثل “حركة الشباب” الصومالية لتجنيد الشباب الكيني المهمش عبر وعظيات بصرية وسمعية تعزف على وتر المظلومية التاريخية وتدعو للتمرد.
البحث عن مساحات آمنة: سرديات مضادة في وجه التطرف
ورغم قتامة المشهد السياسي، لا يسقط الكتاب في فخ التعميم أو تصوير المجتمعات المسلمة ككتلة صماء تميل بطبيعتها إلى التطرف. بل على العكس، يفرد الباحثون مساحات واسعة لإبراز المقاومة المجتمعية الداخلية.
يقدم الباحث هالكانو عبدي واريو نموذجاً مبشراً من خلال دراسته لبرنامج “حركة بناء المرونة ضد التطرف العنيف” (BRAVE) في كينيا. هذا الحراك الذي تقوده نخب إسلامية مدنية يسعى لاختطاف السردية من الجماعات المتشددة، مقدماً تفسيرات فقهية حديثة لمفاهيم مثل “الجهاد” و”الهجرة” و”دار الإسلام”. من خلال وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، يحاول هؤلاء النشطاء إعادة تعريف المواطنة للمسلم الكيني، مؤكدين أن التمسك بالهوية الإسلامية لا يتعارض مع الانتماء لدولة وطنية متعددة الأديان، رافعين شعار التسامح والاندماج كبديل للعزلة والعنف.
وفي سياق متصل، يبرز كاي كريس أهمية “الفضاءات الخطابية” مثل النشرات الأسبوعية (The Friday Bulletin) والبرامج الإذاعية الإسلامية (مثل راديو رحمة). هذه المنابر أصبحت متنفساً حيوياً للنقاش الداخلي الصريح، حيث يتم توجيه النقد المزدوج: نقد لسياسات الدولة القمعية، ونقد ذاتي للانحرافات المتطرفة داخل المجتمع المسلم.
هندسة “الإسلام الرسمي”: بين BAKWATA و SUPKEM
يسلط الكتاب الضوء على حقبة مفصلية في تاريخ العمل المؤسسي الإسلامي في شرق إفريقيا، وتحديداً تجربة “جمعية رعاية مسلمي شرق إفريقيا” (EAMWS) التي تأسست عام 1945 بدعم من الآغا خان الثالث وسلطان زنجبار. كانت هذه الجمعية نموذجاً للعمل الأهلي المستقل، حيث نجحت في بناء المدارس والمساجد ووفرت شبكة أمان اجتماعي للمسلمين.
ولكن، مع تنامي نفوذها السياسي بعد استقلال تنجانيقا (تنزانيا حالياً)، استشعرت الحكومة الاشتراكية بقيادة جوليوس نيريري الخطر. وكما يوضح الكتاب، تدخلت الدولة بقوة عام 1968 لحظر هذه الجمعية المستقلة، وصادرت ممتلكاتها، ورعت بدلاً منها تأسيس “المجلس الأعلى لمسلمي تنزانيا” المعروف اختصاراً بـ (BAKWATA). هذا الإجراء الجراحي ترك جرحاً غائراً؛ فقد نظر الكثير من المسلمين إلى BAKWATA منذ يومه الأول كصنيعة حكومية وأداة أمنية، واعتبروا أن وظيفته الأساسية هي ضمان بقاء الأنشطة الإسلامية متوافقة مع توقعات الدولة، وليس العكس.
المشهد ذاته تكرر في كينيا، وإن باختلافات طفيفة. ففي ظل نظام الحزب الواحد الذي منع تشكيل أحزاب سياسية على أساس ديني، ظهر “المجلس الأعلى لمسلمي كينيا” (SUPKEM) عام 1973. وكما يفصل الباحث حسن مواكيماكو في دراسته العميقة، لم يكن الهدف من قيادة هذا المجلس إصلاح الروحانية الإسلامية، بل ضمان خضوع وولاء السكان المسلمين المحليين للدولة، مقابل السماح لنخب المجلس بالوصول إلى بعض موارد الدولة وتوزيعها كشبكة محسوبية. لقد أُطلق على هذه المجالس تسمية “المنظومة التمثيلية الوظيفية”، لكن المعارضين والمهمشين من الشباب والعلماء المستقلين اعتبروها مجرد “بوق” للحكومات المسيحية في نيروبي.
المنظمات المانحة و”سوء الفهم الوظيفي”
لا يقتصر تدخل الدولة على إنشاء المجالس الإسلامية، بل يمتد إلى كيفية إدارة تدفقات أموال المساعدات الدولية (NGOs). هنا تطرح الباحثة فيليستاس بيكر مفهوماً بالغ الأهمية أسمته “سوء الفهم الوظيفي” (Working Misunderstandings).ففي حقبة ما بعد الاشتراكية والانفتاح الليبرالي في تنزانيا (منذ التسعينيات)، تدفقت أموال المنظمات الغربية المانحة لدعم برامج الصحة العامة، وخاصة مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (HIV/AIDS). هذه المنظمات بحثت عما يسمى بـ “المنظمات القائمة على الإيمان” (FBOs) لتوصيل خدماتها. وفي حين تأقلمت الكنائس المسيحية بسرعة مع هذه المصطلحات الغربية بفضل هياكلها المؤسسية الهرمية، وجدت الشبكات الإسلامية (التي تعتمد على الروابط الأفقية والعلماء المستقلين) صعوبة في التماهي مع مقاييس المانحين.
عندما قرر مجلس BAKWATA الدخول في هذه اللعبة عبر مشروع (BAK-AIDS)، وجد نفسه ممزقاً بين لغة المانحين التي تركز على التثقيف الجنسي وتوزيع العوازل الطبية، وبين الخطاب الأخلاقي الإسلامي المحافظ الذي يرفض هذه المقاربات. النتيجة كانت “سوء فهم وظيفي”؛ حيث تستخدم الأطراف (المانحون والمؤسسات الإسلامية) نفس المصطلحات ظاهرياً للحصول على التمويل، لكن كل طرف يفسرها ويطبقها بطريقته الخاصة بما يحفظ ماء وجهه أمام قاعدته الشعبية.
“الشيوخ” في خدمة التنمية.. تسليع السلطة الدينية
في ذات السياق التنموي، يقدم الباحث محمد يونس رفيق فصلاً شيقاً حول كيفية استغلال مشاريع الصحة العامة (مثل مشروع “الأم والطفل” للأسرة في الريف التنزاني) لرجال الدين المسلمين (الشيوخ) كمندوبين محليين لتمرير سياسات تنظيم الأسرة.
يوضح رفيق كيف تقوم المنظمات غير الحكومية بعملية “تبسيط” واختزال مخلّة لهوية “الشيخ”. فهذه المنظمات تتخيل أن الشيخ هو “قائد كاريزمي” (بالمعنى الفيبري) يمتلك سلطة سحرية على الجماهير ويمكنه بكلمة واحدة تغيير سلوكياتهم الصحية. بينما في الواقع الريفي، يجد الباحث أن هذا “الشيخ” قد يكون مجرد معلم بسيط للقرآن للأطفال، أو مستشاراً في قضايا الزواج، ولا يملك تلك السطوة الهرمية التي يتخيلها موظفو الإغاثة القادمون من المدن الكبرى. هذه الفجوة الإدراكية تعكس كيف تحاول الدولة والمنظمات الدولية “تطويع” الرموز الدينية وتحويلهم إلى مجرد أدوات لتنفيذ سياسات علمانية، متجاهلين التعقيد الثقافي والاجتماعي لدورهم الحقيقي.
وهم التنمية: ميناء لامو وسرديات المحو
من التنمية الصحية إلى التنمية العمرانية، تأخذنا الباحثة شارلوت كنوت إلى جزيرة “لامو” الكينية الساحرة ذات الأغلبية المسلمة والتراث السواحلي العريق. هناك، يواجه السكان مشروعاً حكومياً عملاقاً: بناء ميناء لامو (LAPSSET).
ورغم أن الحكومة في نيروبي تسوق المشروع على أنه سيحول الجزيرة إلى “دبي إفريقيا” ويجلب الرخاء ، إلا أن السكان المسلمين ينظرون إليه بعين الريبة القاتلة. المقابلات التي أجرتها الباحثة تكشف عن شعور عميق بالاغتراب؛ فالميناء لا يهدد فقط بدمار البيئة البحرية التي يعتمد عليها الصيادون ، بل يثير رعباً ديموغرافياً من تدفق مئات الآلاف من العمال الوافدين من الداخل الكيني (المسيحيين في الغالب).
يستحضر الأهالي سياسات التوطين السابقة في السبعينيات (توطين قبائل الكيكويو في أراضي الساحل)، ويرون في الميناء أداة جديدة لتهميشهم ديموغرافياً واقتصادياً، بحيث يتحول السكان السواحليون الأصليون إلى مجرد “قطرة في محيط” داخل أرضهم التاريخية. هنا، تصبح “التنمية” بالنسبة للمجتمع المسلم مرادفاً لـ “الاستعمار الداخلي” ومحواً للهوية، مما يعزز سرديات المظلومية ويغذي الشعور المستمر بأن الدولة لا تمثلهم.
في أروقة المحاكم.. صراع “العمامة” و”الدستور” ومحنة الميراث
إذا كانت السياسة في شرق إفريقيا هي ساحة “التفاوض على القوة”، فإن القانون هو الساحة التي تُحسم فيها “ماهية الهوية”. في هذا القسم المحوري من الكتاب، يفتح الباحثون ملفاً لطالما كان بمثابة “عش الدبابير” في كينيا وتنزانيا: محاكم القضاة الشرعية (Kadhis’ Courts).
هنا، لا يقتصر الجدل على نصوص فقهية، بل يتحول إلى صراع دستوري وسياسي محموم يعيد تعريف العلاقة بين الدولة العلمانية والأقلية المسلمة، ويضع حقوق المرأة تحت مجهر النقد والتحليل.
كينيا 2010: الدستور كساحة معركة دينية
يسرد الكتاب تفاصيل ملحمة دستورية شهدتها كينيا عام 2010، حين انقسمت البلاد في استفتاء تاريخي حول الدستور الجديد. كانت نقطة الخلاف المركزية هي الإبقاء على “محاكم القضاة” – التي تختص بقضايا الأحوال الشخصية للمسلمين (الزواج، الطلاق، الميراث) – ضمن هيكل القضاء الرسمي.
يوضح الباحث عبد القادر هاشم في فصله المتميز كيف تحول هذا الملف التقني إلى مواجهة طائفية بامتياز. فقد قادت الكنائس الإنجيلية حملة شعواء ضد الدستور، معتبرة أن الاعتراف بمحاكم القضاة هو “أسلمة مستترة للدولة” وخرق لمبدأ العلمانية والمساواة بين الأديان. في المقابل، رأى المسلمون في هذه المحاكم “حقاً تاريخياً” موروثاً منذ عهد الحماية البريطانية، بل واعتبروها صمام أمان لهويتهم الدينية داخل دولة ذات أغلبية مسيحية.
لقد نجح المسلمون في تأمين مكان لهذه المحاكم في الدستور في نهاية المطاف، لكن الكتاب يكشف أن هذا “النصر” كان مرّاً؛ فقد جعل المسلمين دائماً في موقف الدفاع عن النفس، واضطرهم لقبول رقابة قضائية علمانية (من المحكمة العليا) على قرارات القضاة الشرعيين، مما خلق حالة من “التدجين القانوني” للشريعة.
زنجبار: ثورة على “القاضي” أم على “العربي”؟
على الضفة الأخرى، في تنزانيا، وتحديداً في أرخبيل زنجبار، يأخذنا الكتاب في رحلة تاريخية مؤلمة حول مآلات القضاء الشرعي بعد ثورة 1964. تبرز الباحثة إيرين إي. ستايلز كيف سعت الحكومة الثورية آنذاك إلى “أفرقة” (Africanisation) القضاء، معتبرة أن محاكم القضاة هي إرث “عربي-عماني” يجب تفكيكه لصالح نظام قانوني وطني موحد.
تحلل ستايلز كيف تم تقليص صلاحيات القضاة الشرعيين في زنجبار وتحويلهم إلى مجرد مستشارين أو قضاة من الدرجة الثانية تحت إشراف قضاة مدنيين لا يشترط فيهم الإلمام بالفقه. هذا المسار لم يكن قانونياً فحسب، بل كان محاولة سياسية لقطع الصلة بين المجتمع الزنجباري وتراثه الفقهي المرتبط بشبه الجزيرة العربية، ومحاولة لصهر الهوية الإسلامية في القالب “التنزاني” القومي. ورغم أن محاكم القضاة استعادت بعض بريقها لاحقاً، إلا أنها ظلت تعاني من نقص التمويل وضعف الاستقلالية، مما جعلها “شبحاً” لما كانت عليه في الماضي.
المرأة بين مطرقة “الشرع” وسندان “العرف”
لعل أكثر الفصول إثارة للجدل في هذا الكتاب هي تلك التي تناولت تجربة النساء المسلمات داخل هذه المحاكم. بعيداً عن التنظير القانوني، تنزل الباحثة إيرين ستايلز والباحثة إيلين لوزي إلى الميدان لرصد ظاهرة “نهب الممتلكات” (Property-grabbing) التي تتعرض لها الأرامل في زنجبار وساحل كينيا.
يكشف الكتاب عن مفارقة صادمة: فبينما يُفترض بمحاكم القضاة أن تحمي حق المرأة في الميراث (كما تقره الشريعة)، إلا أن الممارسة الفعلية غالباً ما تقع ضحية لـ “تسييس الذكورة” أو ضغوط الأعراف القبلية. في كثير من الحالات، يُحرم الأقارب الذكور الأرملة من ميراث زوجها بحجة أن الأرض يجب أن تبقى في “صلب القبيلة”، ويستخدمون في ذلك تفسيرات ضيقة أو مغلوطة للدين.
لكن الكتاب لا يكتفي بإلقاء اللوم على القضاة؛ بل يبرز وعياً نسائياً متزايداً. حيث تشير الدراسات إلى أن النساء المسلمات في شرق إفريقيا أصبحن أكثر ذكاءً في “الاستقواء القانوني” (Legal Shopping)، حيث ينتقلن بين المحاكم الشرعية والمحاكم المدنية للحصول على أفضل النتائج. إن هذا التكتيك النسائي يعكس فهماً عميقاً لثغرات النظامين، ويحول المرأة من “ضحية للمؤسسة” إلى “فاعلة” تحاول انتزاع حقوقها في فضاء قانوني ذكوري معقد.
القانون كأداة “حوكمة” وأمن
في ختام هذا المحور، يصل الكتاب إلى استنتاج حيوي: إن الدولة في شرق إفريقيا لا تهتم بـ “صحيح الدين” بقدر اهتمامها بـ “الأمن القانوني”. فالدولة تسمح بوجود محاكم القضاة ليس حباً في الشريعة، بل لأنها تدرك أن إلغاءها سيؤدي إلى تمرد واسع النطاق. وفي نفس الوقت، تصر الدولة على أن يكون هؤلاء القضاة جزءاً من الجهاز البيروقراطي للدولة، يتقاضون رواتبهم منها ويخضعون لقوانينها، لضمان عدم تحول هذه المحاكم إلى بؤر “للسلطة الموازية” أو التطرف القانوني.
هذه “المساومة الكبرى” تجعل القاضي الشرعي في شرق إفريقيا يمشي على حبل مشدود؛ فهو مطالب بإرضاء ضميره الديني وقواعد الفقه، وفي الوقت ذاته مجبر على الالتزام بنصوص الدستور العلماني وضغوط السلطة السياسية.
معركة “السبورة”.. صراع المناهج وضياع الهوية بين السواحلية والعربية
إذا كان القانون هو الحصن الذي يحمي هوية مسلمي شرق إفريقيا في الحاضر، فإن “التعليم” هو الجبهة التي يتقرر فيها مصير هذه الهوية في المستقبل. في هذا الجزء من كتاب “الحوكمة والإسلام في شرق إفريقيا”، يضعنا الباحثون أمام إشكالية “الثنائية التعليمية” التي مزقت المجتمع المسلم في كينيا وتنزانيا بين مدرستين: مدرسة “الدولة” العلمانية التي تفتح أبواب التوظيف وتغلق أبواب الروح، ومدرسة “الخلوة” (الكتاتيب) التي تحفظ الدين وتفقد بريق العصر.
إرث “التعليم المزدوج”: فجوة اللا مساواة
يسلط الكتاب الضوء على جرح نازف في التاريخ التعليمي للمنطقة؛ فخلال الحقبة الاستعمارية، كانت الإرساليات التبشيرية المسيحية هي المزود الرئيسي للتعليم الحديث. هذا الوضع وضع المسلمين أمام خيار مستحيل: إما إرسال أبنائهم لمدارس الكنيسة والمخاطرة بهويتهم الدينية، أو البقاء في التعليم الديني التقليدي والمخاطرة بالتهميش الاقتصادي والسياسي.
يشرح المحرر فاروق توبان في مقدمته التحليلية كيف استمر هذا الخلل بعد الاستقلال. ففي كينيا، ظلت المناطق ذات الأغلبية المسلمة في الساحل والشمال الشرقي تعاني من نقص حاد في المدارس الحكومية والجامعات مقارنة بالمرتفعات الوسطى. هذه “الفجوة التعليمية” لم تكن مجرد صدفة إدارية، بل كانت أداة لإنتاج نخب وطنية تدين بالولاء للثقافة الغربية العلمانية، مما جعل المسلمين يشعرون بأن “الشهادة الدراسية” هي في الواقع “صك تنازل” عن جزء من هويتهم.
“أفرقة” اللغة وتهميش “لسان الوحي”
لا ينفصل التعليم عن اللغة، وهنا يقدم الكتاب تحليلاً رائعاً لديناميكيات اللغة السواحلية (Kiswahili). السواحلية هي لغة إسلامية بامتياز في نشأتها، كُتبت لقرون بالحرف العربي وكانت وعاءً للثقافة والدين. لكن، كما يوضح الباحثون، قامت الدول الوطنية في كينيا وتنزانيا بعملية “علمنة” قسرية للغة السواحلية.
تم استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، وجُرّدت اللغة من حمولتها الدينية العميقة لتحويلها إلى “لغة وطنية” جامعة تتجاوز الأديان والأعراق. وفي حين نجحت تنزانيا في جعل السواحلية أداة للوحدة الوطنية، يرى الكتاب أن الثمن كان باهظاً للمسلمين؛ فقد أدى ذلك إلى “قطيعة معرفية” مع التراث الفقهي والأدبي المكتوب بالحرف العربي السواحلي القديم. أصبح الجيل الجديد من المسلمين قادراً على التحدث بالسواحلية بطلاقة، لكنه غير قادر على قراءة مخطوطات أجداده، مما سهل عملية “إعادة هندسة” وعيهم الديني والاجتماعي.
زنجبار و”الأفرقة” التعليمية: محو التميز
في فصل مخصص لزنجبار، ترصد الباحثة إيرين ستايلز كيف سعت ثورة 1964 إلى تفكيك النظام التعليمي الذي كان يُنظر إليه على أنه “عربي النزعة”. تم تأميم المدارس الخاصة، وفرضت مناهج موحدة تأتي من “البر الرئيسي” (تنجانيقا).
كان الهدف هو خلق “إنسان تنزاني جديد” متحرر من الروابط التاريخية مع المحيط الهندي. يصف الكتاب كيف أدى ذلك إلى تدهور جودة التعليم في الأرخبيل، وكيف أصبحت “الخلاوي” والمساجد هي الملاذ الأخير للحفاظ على اللغة العربية وعلوم الدين، مما خلق حالة من الانفصام لدى الطالب الزنجباري الذي يتعلم في الصباح “القومية التنزانية” وفي المساء “الأمة الإسلامية”.
إصلاح “المدرسة”: بين الاندماج والاحتواء
يرصد الكتاب في فصوله الأخيرة محاولات شجاعة من قبل النخب المسلمة لكسر هذه الثنائية القاتلة عبر إنشاء “المدارس الإسلامية المتكاملة” (Integrated Schools). هذه المدارس تحاول دمج المنهج الحكومي الرسمي مع علوم الشريعة واللغة العربية في سياق حديث.
ومع ذلك، يكشف الباحث حسن مواكيماكو عن التحديات التي تواجه هذه التجربة. فالدولة تراقب هذه المدارس بحذر، وتحاول التدخل في مناهج التربية الإسلامية تحت ذريعة “مكافحة التطرف”. كما أن هناك ضغوطاً من الجهات المانحة الدولية التي تربط تمويل المؤسسات التعليمية بمدى التزامها بـ “القيم الليبرالية”. هنا، يجد القائمون على التعليم الإسلامي أنفسهم في صراع دائم للحفاظ على التوازن: كيف يكونون “عصريين” بما يكفي للمنافسة في سوق العمل، و”إسلاميين” بما يكفي للحفاظ على ثقة مجتمعهم؟
الإعلام والوعظ البديل
في ظل قصور التعليم الرسمي، يبرز الكتاب دور “الإعلام الديني” كبديل تعليمي. يشير كاي كريس إلى أن الإذاعات الإسلامية وكتيبات “سؤال وجواب” التي تُوزع في صلوات الجمعة أصبحت هي “المدرسة الحقيقية” التي تشكل وعي المسلم المعاصر في شرق إفريقيا. هذه الوسائل تتجاوز مقص الرقيب التعليمي، وتطرح قضايا معاصرة بلسان يفهمه المواطن البسيط، مما يجعلها أقوى تأثيراً من المناهج المدرسية الجامدة التي تفرضها الدولة.
نحو عقد اجتماعي جديد.. ما وراء المقاربة الأمنية وآفاق “المواطنة الشاملة”
في هذا الجزء، يضعنا المحررون والباحثون أمام السؤال الجوهري: إلى أين يتجه هذا المسار؟ وهل يمكن للدولة الوطنية في شرق إفريقيا أن تتحول من “أداة للضبط والاحتواء” إلى “مظلة للمواطنة المتساوية” التي تستوعب الخصوصية الإسلامية دون صدام؟
فخ “الأمننة”.. عندما تصبح الهوية تهمة
يُجمع باحثو الكتاب، وفي مقدمتهم كاي كريس وجيريمي بريسثولدت، على أن العقد الأخير شهد تحولاً خطيراً فيما يسمونه “أمننة” (Securitization) العلاقة مع المسلمين. فبسبب التهديدات التي تشكلها جماعات مثل “حركة الشباب” الصومالية، وتفجيرات “القاعدة” السابقة، انتقلت الدولة في كينيا (وبدرجة أقل في تنزانيا) من التعامل مع المسلمين كـ “مواطنين أصحاب حقوق” إلى “كتلة بشرية مشتبه بها أمنياً”.
يرصد الكتاب بذكاء كيف أصبحت “المقاربة الأمنية” هي العدسة الوحيدة التي ترى من خلالها العواصم (نيروبي ودار السلام) مواطنيها المسلمين. هذا التوجه أدى إلى نتائج عكسية تماماً؛ فبدلاً من عزل المتطرفين، ساهم القمع العشوائي والتمييز في نقاط التفتيش، وصعوبة الحصول على وثائق الهوية الوطنية للشباب في الساحل والشمال، في تعزيز شعور “المظلومية” الذي يغذي التطرف. يخلص الكتاب إلى أن الدولة، بتبنيها الحلول الأمنية البحتة، إنما “تصنع” أعداءها بيدها من خلال تدمير الثقة في مؤسسات القانون.
كينيا وتنزانيا: مساران مختلفان لنفس الأزمة
يقدم الكتاب مقارنة ختامية بارعة بين التجربتين الكينية والتنزانية. ففي تنزانيا، نجح إرث “الاشتراكية القومية” (Ujamaa) التي أرساها جوليوس نيريري في خلق شعور أقوى بالوحدة الوطنية يتجاوز الانتماءات الدينية. ورغم التهميش الاقتصادي، إلا أن اللغة السواحلية الموحدة وتذويب الفوارق العرقية قللا من حدة الصدام الطائفي.
أما في كينيا، فإن تداخل “الدين” مع “العرق” جعل الأزمة أكثر حدة. فالمسلمون في كينيا هم غالباً أقليات عرقية (سواحليون، صوماليون، ديغو)، مما يجعل تهميشهم “مضاعفاً”. يرى الكتاب أن الدستور الكيني لعام 2010، رغم ما منحه من حقوق ومحاكم شرعية، لا يزال يكافح لتفكيك “هيكلية التهميش” العميقة في جهاز الدولة الذي تسيطر عليه نخب من الهضاب الوسطى.
استعادة “الروح السواحلية”: الهوية كجسر للسلام
من أجمل ما طرحه الكتاب في فصوله الأخيرة هو مفهوم “استعادة الوسطية” من خلال التراث المحلي. يدعو الباحثون إلى إعادة الاعتبار لـ “الإسلام السواحلي” التاريخي الذي تميز بالانفتاح، والتجارة، والتعايش السلمي مع الآخرين لقرون طويلة عبر المحيط الهندي.
يرى الكتاب أن مواجهة التطرف الوافد (سواء كان وهابياً متشدداً أو حركياً عنيفاً) لا يتم عبر “العلمنة القسرية” التي تمارسها الدولة، بل عبر دعم “التصوف السواحلي” والتقليد الفقهي الشافعي المحلي الذي يمتلك مناعة ذاتية ضد العنف. إن تقوية الروابط الثقافية واللغوية والتاريخية للمجتمع المسلم هي الضمانة الوحيدة لخلق “سردية مضادة” حقيقية تتفوق على دعايات الجماعات العابرة للحدود.
خارطة الطريق: نحو “حوكمة عادلة”
في ختامه، لا يكتفي الكتاب بالتشخيص، بل يقدم ما يمكن اعتباره “روشتة” لإصلاح الحوكمة في شرق إفريقيا، تتلخص في النقاط التالية:
-
الاعتراف بالخصوصية: يجب على الدولة أن تدرك أن اعترافها بمؤسسات المسلمين (المحاكم، المدارس، الأوقاف) ليس “تنازلاً”، بل هو اعتراف بمكون أصيل من نسيج الوطن يقوي الجبهة الداخلية.
-
التنمية من القاعدة: إنهاء مشاريع “التنمية الفوقية” (مثل ميناء لامو) التي تهمش السكان الأصليين، واستبدالها بمشاريع تنموية تشاركية تجعل المسلمين شركاء في الثروة والقرار.
-
إصلاح المنظومة الأمنية: الانتقال من “الأمن الخشن” إلى “أمن المجتمع”، حيث يعمل الشرطي كحامٍ للمواطن وليس كخصم له، ووقف الممارسات غير القانونية التي تطال الناشطين والعلماء.
-
دمج التعليم: دعم المدارس الإسلامية المتكاملة مالياً وقانونياً بدلاً من التضييق عليها، لضمان تخرج جيل مسلح بالعلم الحديث والقيم الدينية السمحة.




