أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

“الإسلام ومشكلة إسرائيل”

تشريح الجذور التاريخية والدينية للصهيونية

في عالم تعج فيه التحليلات السياسية السطحية التي تكتفي بملامسة القشور، يبرز كتاب “الإسلام ومشكلة إسرائيل” (Islam and the Problem of Israel) للمفكر الراحل إسماعيل راجي الفاروقي كوثيقة فكرية مرجعية تغوص في الأعماق التاريخية والدينية والعقائدية لأعقد صراعات العصر الحديث. هذا الكتاب، الذي خطه قلم واحد من أبرز المفكرين الفلسطينيين والعالميين في مجال مقارنة الأديان والفكر الإسلامي ، لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يفكك البنية التحتية للصهيونية وعلاقتها بالغرب والموقف الإسلامي منها، في طرح شامل يتجاوز النظرة التقليدية. يُذكر أن الفاروقي قد دفع حياته ثمناً لمواقفه الفكرية، حيث اغتيل مع زوجته الدكتورة لويز لمياء الفاروقي في منزلهما بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1986.

المعضلة ذات الأبعاد الثلاثة: الإسلام، والمسيحية الغربية، واليهود

يفتتح الفاروقي كتابه بطرح جريء يصحح فيه مفاهيم سائدة في العالم الإسلامي؛ حيث جرت العادة على اعتبار مشكلة إسرائيل مجرد نموذج آخر للاستعمار الحديث، أو في أحسن الأحوال، تكراراً لزحف الحملات الصليبية. لكن الحقيقة، كما يراها المؤلف، هي أن إسرائيل ليست أياً من هذين فحسب، بل هي كليهما معاً، وأكثر من ذلك بكثير.

يضع الفاروقي الصراع في إطار “مشكلة ذات ثلاثة أطراف” تشمل العالم الإسلامي، والمسيحية الغربية، واليهود. لكي نفهم جذور هذا الصراع، يعود بنا الكتاب إلى فجر التاريخ الإسلامي، مسلطاً الضوء على الصدام المبكر بين الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة المنورة وبين الإمبراطورية البيزنطية. ومنذ ذلك الحين، اتسمت العلاقة بين العالم الإسلامي والمسيحية الغربية بالصراع والمواجهة المستمرة، تخللتها فترات هدوء مؤقتة بسبب إنهاك الطرفين.

ومع سقوط الخلافة العثمانية، استقبل الغرب المسيحي هذا الحدث بابتهاج عارم، معتبراً إياه نهاية للهيمنة الإسلامية وبداية لتفتيت الهوية والثقافة الإسلامية وإخضاع شعوبها. في هذا السياق الجيوسياسي المشحون، يرى الفاروقي أن المشكلة الإسرائيلية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذا الصراع التاريخي الممتد لأربعة عشر قرناً.

عندما أطلق بلفور وعده المشؤوم في عام 1918، لم يكن يبتدع سياسة جديدة، بل كان يستمر في تقليد غربي عريق يهدف إلى “فرق تسد”، وزرع جسم غريب في قلب المنطقة ليكون في صراع دائم مع محيطه. وقد تجلت المصالح الغربية والأمريكية تحديداً بعد الحرب العالمية الثانية في خلق إسرائيل لخدمة أهداف استراتيجية عليا؛ منها: توفير قاعدة عسكرية صديقة تعتمد في بقائها على حماية الغرب ، وخلق بؤرة استنزاف لطاقات المنطقة تمنع أي نهضة وطنية ، وحماية مصادر النفط المكتشفة حديثاً ، والأهم من ذلك، تخفيف عبء الشعور بالذنب لدى الضمير المسيحي الغربي تجاه الجرائم التي ارتُكبت بحق اليهود على مدار ألفي عام، والتي توجت بمحرقة هتلر. علاوة على ذلك، هدفت إسرائيل إلى تقسيم العالم الإسلامي وفصل شطره الآسيوي عن شطره الأفريقي بحاجز لا يمكن تجاوزه.

يؤكد الفاروقي بوضوح قاطع أنه حتى لو لم تكن هناك مشكلة يهودية في الغرب، ولو لم توجد الصهيونية أصلاً، لكان الغرب المسيحي قد اخترع “صهيونية” و”إسرائيل” لخدمة عدائه التاريخي للعالم الإسلامي.

التاريخ اليهودي في الغرب المسيحي: جذور المعاناة والاضطهاد

لكي نفهم كيف نشأت الصهيونية، يأخذنا الفاروقي في رحلة تحليلية عميقة في التاريخ اليهودي داخل أوروبا المسيحية قبل عصر التنوير وتحرير العبيد (التحرر المدني). يشرح الكتاب كيف أعاد المسيحيون تفسير التاريخ اليهودي بأكمله ليكون مجرد أداة تمهيدية لحدث صلب المسيح. وبينما كان من المنطقي، وفقاً لادعاءاتهم، أن يشكروا اليهود على دورهم كأداة في تحقيق هذه الدراما الإلهية، إلا أن الضمير المسيحي لم يغفر لهم ذلك، بل وجه إليهم تهمة الخطيئة العظمى: “قتل الإله”.

هذا العداء لم يكن سطحياً، بل كان يغلي في قلوب المسيحيين كراهية وحقداً في كل مرة يتذكرون فيها آلام المسيح. وما زاد الطين بلة هو بقاء اليهود على قيد الحياة، ورفضهم لادعاءات المسيحيين، بل واعتبارهم للمسيح “دجالاً”. هذا الوجود اليهودي الحي كان بمثابة تحدٍ صارخ وتذكير مستمر للمسيحيين.

ويغوص الفاروقي في الجذور اللاهوتية لهذا العداء، مشيراً إلى مبدأ “الذنب بالنيابة” في العقيدة المسيحية (مثل الخطيئة الأصلية المتوارثة)، والذي جعل العقل المسيحي يقفز إلى استنتاج مفاده أن الجار اليهودي المعاصر مذنب شخصياً بارتكاب جريمة الصلب ورفض المسيح، لمجرد انتمائه لهذا العرق. وقد وصل الأمر إلى أن البابوية نفسها تحملت مسؤولية رسمية لتقديم اليهودي كنموذج حي للشر والمكر، وأسست حياً خاصاً (غيتو) في روما لعرض هؤلاء كأمثلة “للكفر” لتعليم المجتمع المسيحي.

يسرد الكتاب قائمة طويلة ومروعة من القيود القانونية والاجتماعية التي فرضت على اليهود طوال ألفي عام؛ فقد مُنعوا من توظيف المسيحيين، أو تولي المناصب العامة، أو ممارسة الطب، وفرضت عليهم ضرائب خاصة، بل وصل الأمر في عهد الإمبراطور جستنيان إلى إجبارهم على الاستماع للتعاليم المسيحية وحظر قراءة التوراة باللغة العبرية. في ظل هذه الظروف القاسية، والتشريد من إسبانيا والبرتغال وبريطانيا، والمذابح التي رافقت الحملات الصليبية ، لم يجد اليهود ملجأً آمناً سوى العالم الإسلامي، حيث تم استقبالهم ودمجهم كمواطنين متساوين مع المسلمين الفارين من الأندلس، وشرعت دول إسلامية من المغرب إلى مصر أبوابها لإعادة تأهيلهم.

أما في أوروبا، فقد أجبرهم العزل في “الغيتو” والمحاصرة المهنية على احتراف الربا وإقراض الأموال، مما زاد من كراهية المسيحيين لهم. ولكن هذا الاضطهاد عاد على اليهود بفائدة غير مقصودة: فقد عزز من تضامنهم العرقي والديني، حيث تعاملت معهم الحكومات الأوروبية ككيانات جماعية وليس كأفراد، مما مكن الحاخامات من تأسيس ما يشبه “دولة داخل الدولة” في الغيتو.

عصر التنوير: فخ الاستيعاب وذوبان الهوية

مع بزوغ فجر التنوير في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بدأ النظام العالمي للمسيحية الأوروبية يتغير. أعاد التنوير الاعتبار للعقل على حساب الكنيسة، جاعلاً من العقل أساساً للمجتمع الإنساني والنظام السياسي. وفجأة، بموجب هذه الفلسفة الجديدة، وجد اليهود الذين عاشوا ككائنات منبوذة أنفسهم معترفاً بهم كمواطنين متساوين في مجتمع عالمي يعتمد على العقلانية.

تُرجمت هذه الأفكار سياسياً مع الثورة الفرنسية التي حملت شعارات “الحرية، المساواة، الإخاء”، والتي عملت جيوشها على تحطيم جدران “الغيتو” اليهودي أينما حلت في أوروبا. دخل اليهود بحماس شديد إلى هذا “الفردوس” الجديد، متخلين عن لغاتهم القديمة ومتبنين اللغات الأوروبية، ومقتحمين الجامعات والمناصب والجيوش الوطنية. بحلول عام 1797، وجد اليهودي نفسه في البرلمانات، وبدا أن اختلافه الديني فقد أهميته أمام موجة العلمانية الجارفة.

لكن هذا “التحرر” جاء بثمن باهظ: الانصهار الثقافي (الاستيعاب). كان موسى مندلسون، أبرز دعاة الاستيعاب اليهودي، ينصح أبناء جلدته بأن يتألمنوا (يصبحوا ألماناً) في كل شيء، مع الاحتفاظ بعقيدتهم كمسألة داخلية. غير أن التناقض بين تطبيق الشريعة اليهودية وبين تبني الثقافة الأوروبية أدى إلى تولد “عقدة نقص” لدى اليهود تجاه جيرانهم المسيحيين.

أنتج هذا الصراع حركة “اليهودية الإصلاحية” التي حاولت مسيحة التقاليد اليهودية، فغيرت الطقوس، وألغت اللغة العبرية في الصلاة لصالح اللغات المحلية، وأدخلت الآلات الموسيقية في المعابد. ووصل الأمر مع مفكرين مثل أبراهام جيجر إلى المطالبة بحذف كل الإشارات في الكتاب المقدس التي تشير إلى اختيار اليهود أو تميزهم، وتجريد العقيدة من تطلعاتها العرقية والقومية لتندمج تماماً في النسيج العلماني الحديث. في أمريكا، حيث لم يكن هناك تاريخ من الغيتو، كان هذا الانصهار ينخر بشدة في الهوية اليهودية حتى كاد يقضي عليها تماماً.

ولكن التاريخ، كما يصفه الفاروقي، كان يخبئ مساراً دموياً ومعقداً سيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، دافعاً أوروبا نحو انتكاسة “رومانسية” عنصرية، ودافعاً اليهود نحو اختراع “الصهيونية” كصرخة يأس أخيرة.

الانتكاسة الرومانسية لأوروبا: تحطم وهم التنوير

إذا كان عصر التنوير قد فتح لليهود أبواب الاندماج في أوروبا الغربية والأمريكتين، فإن الرياح في أوروبا الشرقية وروسيا جرت بما لا تشتهي السفن. في روسيا القيصرية، لم تترسخ جذور التنوير العقلاني قط، بل اقتصر الأمر على استيراد بعض الأفكار المتعلقة بالعلم والصناعة والتجارة. وما إن تبلورت فكرة “روسيا الأم”، المدفوعة بمشاعر قومية رومانسية، حتى وجد اليهود أنفسهم أمام إنذار قاسٍ: إما “الترويس” الكامل والذوبان القسري، أو الموت.

ورغم محاولات بعض القادة اليهود، مثل ليو بنسكر، إقناع أبناء جلدتهم بالترويس، إلا أن هذه المحاولات قوبلت بانفجار مروع لمذابح (البوغروم) في عامي 1871 و1881. لم يكن لهذه المذابح مبرر واضح سوى الفشل الأوروبي في استيعاب التنوير، والارتداد نحو قومية عمياء لا ترى في اليهودي إلا جسماً غريباً.

على الجانب الآخر من القارة، في فرنسا التي صدرت ثورتها مفاهيم التحرر، كان المشهد أكثر إيلاماً ودراماتيكية. يضع الفاروقي يده على الجرح الغربي من خلال استحضار “قضية دريفوس” الشهيرة. كان ألفريد دريفوس ضابطاً فرنسياً يهودياً مندمجاً تماماً، ومخلصاً لجمهوريته، لكنه اتهم ظلماً بالخيانة. أثبتت محاكمته أن حراس الجمهورية الفرنسية كانوا أول من يرفضه لمجرد يهوديته. في تلك اللحظة، صاغ الكاتب موريس باريس، المتحدث باسم هذه المشاعر المعادية لليهود، تعريفه للوطنية بأنها اندماج “الدم والأرض”، وأن فرنسا “كائن جماعي” لا مكان فيه لمن لا ينتمي لهذا الإرث البيولوجي والثقافي المسيحي.

لقد أثبتت أوروبا، بشقيها الشرقي والغربي، أن تخلصها من الدين لصالح العقل كان خدعة مؤقتة. فقد استبدلت إله الكنيسة بـ “إله الدولة” و”الأمة”، وهي مفاهيم رومانسية عرقية، جعلت من اليهودي، مهما حاول الاندماج، منبوذاً بحكم التعريف.

الصهيونية: صرخة اليأس والملاذ الأخير

في قلب هذه العاصفة من الرفض الأوروبي، برز تيودور هرتزل، مراسل صحيفة “نيو فري برس” الفييناوية. كان هرتزل يهودياً إصلاحياً، متشبعاً بالثقافة الغربية، وذهب لتغطية محاكمة دريفوس في باريس آملاً في إيجاد سبل للتفاهم المسيحي اليهودي. لكن ما رآه هناك حطم آماله تماماً؛ فقد أدرك أن وهم “اليهودي الأوروبي” مستحيل وعقيم.

من رحم هذا اليأس العميق، لم تولد الصهيونية كحركة دينية أو نبوءة مسيحانية، بل كـ “خيار الضرورة” هرباً من المحرقة المشتعلة. أدرك هرتزل أنه لا يمكن العودة إلى “الغيتو”، ولذا يجب على اليهود اقتلاع جذورهم من أوروبا والرحيل لتأسيس دولة خاصة بهم تضمن لهم الأمن والكرامة .

والمثير للدهشة، كما يوثق الفاروقي، أن فلسطين لم تكن الخيار الوحيد أو الحتمي في ذهن هرتزل. بل لقد فكر جدياً في تأسيس دولته في الأرجنتين، أو أوغندا، أو حتى آسيا الوسطى الروسية. لم يكن دافعه إقامة دولة دينية تعيد أمجاد النبي داود، بل بناء نسخة طبق الأصل من الدولة القومية العلمانية الأوروبية؛ دولة مبنية على الفكر الاستعماري والإثني . لقد استنتج هرتزل بمرارة أن الكراهية المسيحية والأوروبية هي وحدها التي تصنع الشعب اليهودي وتحافظ على تماسكه. الصهيونية، إذن، هي مرض أوروبي بامتياز، انتقل من السيد المضطهد إلى الضحية التي قررت تبني نفس أدوات الجلاد.

الشيزوفرينيا اللاهوتية: العالمية مقابل التمركز العرقي

لعل أعمق إسهامات الفاروقي في هذا الكتاب هو تشريحه المذهل للأسس اللاهوتية داخل النص التوراتي نفسه. يقرر الفاروقي، انطلاقاً من الرؤية الإسلامية، أن التوراة في أصلها وحي إلهي أوحي إلى موسى ، لكن النص المتاح اليوم هو نتاج قرون من التحرير والتعديل وإعادة الكتابة على يد الكهنة والكتبة.

هذا التدخل البشري أنتج نصاً يتحدث بـ “صوتين” متناقضين: تيار “عالمي” (Universalist) وتيار “عرقي متمركز حول الذات” (Ethnocentrist).

التيار العالمي يرى الله إلهاً واحداً، متسامياً، خالقاً للكون، وعادلاً يحاسب جميع البشر، بمن فيهم اليهود، بناءً على التزامهم الأخلاقي . وفقاً لهذا التيار، العهد الإلهي مشروط بالصلاح، وإذا أفسد اليهود فإن الله سيعاقبهم، وفلسطين في هذا السياق ليست سوى مكان نزول الوحي، ولا علاقة سببية بين “العقارات” أو “الأحجار” وبين الذات الإلهية.

في المقابل، يبرز التيار العرقي الذي يعكس الوثنية القبلية. في هذا التيار، يهبط الإله ليتصارع مع البشر ويُهزم (كما في قصة صراع يعقوب مع الرب) ، ويتحول إلى إله خاص بقبيلة محددة، يحابيهم ويفضلهم حتى لو أفسدوا. هنا، ينحدر مفهوم “العهد” من تكليف أخلاقي إلى “وعد” بيولوجي عنصري ينتقل عبر الدم والجسد (وختان الذكور رمزه)، بغض النظر عن السلوك الأخلاقي للفرد . وفي هذا التيار، يتم “توطين” الإله وربطه جغرافياً بأرض فلسطين والقدس، ليصبح إلهاً محلياً لا يُعبد إلا على تلك التلال .

لقد استلهمت الصهيونية هذا التيار العرقي الانعزالي، وتجاهلت تماماً البعد العالمي والأخلاقي للديانة اليهودية. ومزجت هذا التمركز العرقي التوراتي مع الفلسفة الرومانسية الأوروبية لتنتج أيديولوجية هجينة وخطيرة.

الصهيونية كدين: علمنة اليهودية وتأليه “العرق” و”الأرض”

لم تكن الصهيونية معنية بقضايا الدين واللاهوت ومسائل تطبيق الشريعة (الهالاخاه) التي شغلت بال الحاخامات الإصلاحيين في أوروبا. قادة الحركة كانوا علمانيين بامتياز، تشربوا الفكر الأوروبي العلماني المناهض للدين. ولأن التنوير والعقلانية أغلقا أمامهم أبواب العودة إلى حرفية الكتاب المقدس بعد أن فككه النقد التاريخي ، فقد لجأوا إلى “الرومانسية” كملاذ أخير.

لقد عرّفت الصهيونية العلمانية اليهودية بأنها “قومية” بحتة ، ورفضت التعريف الكلاسيكي لليهودي كشخص يؤمن بالله ويطبق شريعته . وفقاً لهم، ما يجعل اليهودي يهودياً هو انتمائه للأرض والمصير المشترك والمجتمع، حتى وإن كان ملحداً ينكر وجود الله.

وهنا، يبرز دور مفكرين من أمثال مارتن بوبر، الذي يعتبره البعض الوجه “الروحي” للصهيونية. لقد أحدث بوبر تحولاً لاهوتياً مدمراً حين اعتبر أن الوحي ليس ما أنزله الله، بل ما “شعر” به الإنسان واختبره الجماعة. لقد رفع بوبر العرق اليهودي والأرض الفلسطينية إلى مرتبة التقديس، متحدثاً عن “زواج مقدس بين الأرض والشعب”، زاعماً أن الوجود اليهودي مستحيل بدون صخور ورمال فلسطين.

هذا الفكر، كما يصنفه الفاروقي إسلامياً، ليس مجرد “شرك” (إشراك غير الله معه)، بل هو خطيئة أفظع تتمثل في مطابقة الخالق بالمخلوق ومساواة الله بالطبيعة والتاريخ، وهو بالضبط ما حاربه الأنبياء العبرانيون قديماً عند الفراعنة والآشوريين والبابليين . لقد تبنت الصهيونية الفلسفة الهيغلية في تأليه الدولة والعرق، لتصبح نسخة مسخاً من الفاشية الأوروبية.

يؤكد الفاروقي بحسرة أن هذه التجربة الصهيونية هي ابنة خالصة للتاريخ الأوروبي وللمعاناة الأوروبية. إنها غريبة تماماً عن يهود العالم الإسلامي والشرق، الذين لم يعرفوا الاضطهاد الرومانسي، وعاشوا لقرون في تسامح أفرز عصرهم الذهبي في الفلسفة والأدب والشعر . إن قيام الصهيونية باقتلاع ملايين اليهود الشرقيين من أوطانهم العربية والإسلامية لزجهم في مشروع استعماري غربي هو، وفقاً للمؤلف، “إبادة روحية” وجريمة ثقافية كبرى تتم تحت ستار كاذب من “الإنقاذ المسيحاني”.

الدولة العلمانية والمأزق الفلسطيني: نقد “الحل المستورد”

في الفصول الختامية من كتابه، ينتقل الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي من التشريح التاريخي واللاهوتي إلى التحليل السياسي المعاصر، مواجهاً واحدة من أكثر الأطروحات تداولاً في السبعينيات والثمانينيات: “الدولة الفلسطينية العلمانية الديمقراطية”. يرى الفاروقي أن هذا الطرح، رغم جاذبيته الليبرالية للغرب، يمثل فخاً فكرياً وتاريخياً للفلسطينيين وللعالم الإسلامي على حد سواء.

يؤكد الفاروقي أن العلمانية نشأت في الغرب كحل لفك الاشتباك بين الكنيسة والدولة بعد قرون من الحروب الدينية، لكن إسقاطها على الواقع الفلسطيني يتجاهل طبيعة “الصهيونية” كأيديولوجية. فالصهيونية، كما فصلنا في الأجزاء السابقة، هي حركة إقصائية بطبيعتها، تقوم على “نقاء العرق” و”الحق الإلهي في الأرض”. لذا، فإن الحديث عن دولة علمانية تضم الصهاينة والمسلمين والمسيحيين هو محاولة للجمع بين نقيضين؛ إذ لا يمكن للصيهونية أن تتخلى عن طابعها اليهودي العرقي دون أن تنتفي هي نفسها.

علاوة على ذلك، يرى المؤلف أن الحل العلماني هو “هروب من الهوية”. فالفلسطينيون والمسلمون، في سعيهم لاسترضاء الرأي العام العالمي، تبنوا لغة غربية غريبة عن موروثهم الحضاري. يجادل الفاروقي بأن المشكلة ليست في “الدين” لكي نحتاج إلى “العلمانية” لحلها، بل في “الظلم الاستعماري” الذي يرتدي قناعاً دينياً مشوهاً. إن القبول بالدولة العلمانية وفق النموذج الغربي يعني، في نظر الفاروقي، التنازل عن السيادة الإسلامية على أرض مقدسة، وتحويل القضية من صراع وجود وحضارة إلى مجرد خلاف حدودي يمكن حله بالترتيبات الإدارية.

الموقف الإسلامي من الصهيونية: “اللا-شرعية” المطلقة

يخصص الفاروقي مساحة واسعة لبلورة “الحكم الإسلامي” على الكيان الصهيوني. وهنا يفرق بصرامة بين “اليهودية” كدين سماوي وبين “الصهيونية” كحركة سياسية استعمارية. بالنسبة للفاروقي، الإسلام يعترف باليهودية ويحمي أتباعها تحت عقد “الذمة” أو المواطنة في دار الإسلام، لكنه يرفض الصهيونية جملة وتفصيلاً لأنها تقوم على ركيزتين باطلتين إسلامياً:

  1. اغتصاب الأرض: يرى الإسلام أن الأرض هي ملك لله، والسيادة عليها لمن يقيم العدل والقسط. الصهيونية قامت على طرد السكان الأصليين بقوة السلاح، وهو “غصب” لا يمنح حقاً شرعياً مهما طال الزمن.

  2. الاستعلاء العرقي: الإسلام يحطم مفهوم “الشعب المختار” بالمعنى العرقي. فالتفضيل في الإسلام مرتبط بالتقوى والعمل الصالح (“إن أكرمكم عند الله أتقاكم”)، بينما الصهيونية تعيد البشرية إلى “الجاهلية” التي تفرق بين الناس بناءً على الدم والنسل.

لذلك، يخلص الفاروقي إلى أن “إسرائيل” ليست دولة طبيعية يمكن التعايش معها، بل هي “عدوان مستمر” وخرق للميثاق الأخلاقي الإلهي. ويرى أن الواجب الإسلامي لا يقتصر على استرداد الأرض، بل يمتد إلى “تفكيك البنية الصهيونية” لتمكين اليهود والمسلمين والمسيحيين من العيش مرة أخرى تحت مظلة العدل الإسلامي الذي عرفته المنطقة لقرون.

البديل الحضاري الإسلامي: نحو “ذمة” معاصرة

لا يكتفي الفاروقي بالرفض، بل يقدم رؤية إيجابية لما يسميه “الحل الإسلامي”. هذا الحل لا يعني “إبادة” اليهود أو طردهم، بل يعني العودة إلى “النظام العالمي الإسلامي” الذي ساد المنطقة تاريخياً. يذكرنا الفاروقي بالعصر الذهبي في الأندلس وبغداد، حيث عاش اليهود في أمن وازدهار لم يحلموا به في أوروبا المسيحية.

البديل الذي يطرحه هو دولة تقوم على “التعددية الدينية والقانونية”. في هذا النموذج، يتمتع اليهود باستقلالهم الذاتي في شؤونهم الدينية والأحوال الشخصية، ولكن ضمن إطار سياسي وحضاري إسلامي يرفض الصهيونية كفكر استعماري. يرى الفاروقي أن هذا هو الطريق الوحيد لتحقيق سلام دائم؛ لأنه السلام الذي ينبع من “العدل” وليس من “موازين القوى” المتقلبة. إن استعادة القدس وفلسطين إلى حضن الأمة هو، في جوهره، عملية “تحرير” لليهود أنفسهم من أسر الأيديولوجية الصهيونية القومية التي جعلت منهم غزاة ومستعمرين، وأبعدتهم عن القيم الأخلاقية لأنبيائهم.

الخاتمة: رسالة الفاروقي للأجيال القادمة

يختتم إسماعيل راجي الفاروقي كتابه بصرخة تحذير واستنهاض. يرى أن “مشكلة إسرائيل” هي في الحقيقة “مشكلة المسلمين”؛ هي مرآة تعكس ضعفنا، وتشرذمنا، وابتعادنا عن جوهر ديننا وفلسفتنا الحضارية. إن بقاء إسرائيل وقوتها ليسا نابعين من عدالتها أو تفوقها الأخلاقي، بل من الدعم الغربي اللامحدود من جهة، ومن الفراغ الحضاري الإسلامي من جهة أخرى.

يدعو الفاروقي إلى “ثورة ثقافية وفكرية” تبدأ من التعليم وإعادة بناء الشخصية الإسلامية لتكون قادرة على مواجهة التحدي الصهيوني. إن كتابه ليس مجرد كتاب في السياسة، بل هو دعوة لـ “الاجتهاد” في فهم العصر وتوظيف أدوات العلم واللاهوت والقانون الدولي لاستعادة الحق المسلوب.

لقد رحل الفاروقي تاركاً هذا العمل ليكون منارة للباحثين والمفكرين. “الإسلام ومشكلة إسرائيل” يظل وثيقة حية تذكرنا بأن الصراع في جوهره هو صراع على “الحقيقة” و”العدل”. وبقدر ما نتمسك بهذه القيم، بقدر ما نقترب من الحل. إن مراجعة هذا الكتاب اليوم ليست مجرد استعادة لذكرى مفكر عظيم، بل هي ضرورة لفهم واقع لا يزال يغلي، وللبحث عن مخارج تتجاوز أنصاف الحلول والمسكنات السياسية العابرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى