دكتور مزمل سليمان يكتب أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
حين تتحول الوظيفة العامة إلى غنيمة حرب
في أوقات الحروب والانهيارات الكبرى، لا تُختبر الجيوش وحدها، ولا تُقاس قوة الدول بقدرتها العسكرية أو الأمنية فقط، بل تُختبر أيضاً أخلاق المؤسسات العامة، وضمائر العاملين فيها، ومدى قدرتهم على حماية ما تبقى من هيبة الدولة وخدمة المواطنين. فالحروب لا تدمر المباني والبنى التحتية فحسب، وإنما تكشف كذلك المعادن الحقيقية للبشر؛ إذ يرتقي بعضهم إلى مقام التضحية والمسؤولية الوطنية، بينما يرى آخرون في الفوضى فرصة نادرة للتمدد الشخصي، والاستحواذ، وبناء النفوذ على أنقاض المعاناة العامة.
ومنذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، واجهت مؤسسات الدولة السودانية ظروفاً استثنائية بالغة التعقيد. تعطلت قطاعات كاملة، وتوقفت خدمات، واضطرت الدولة إلى إعادة توزيع المهام، وإسناد مواقع إدارية عديدة بتكليفات مؤقتة فرضتها الضرورات الأمنية والإدارية. وكان من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن تُمنح بعض السلطات الاستثنائية لضمان استمرار العمل وحفظ ما يمكن حفظه من مؤسسات الدولة المنهكة. لكن المؤسف حقاً أن بعض الذين وُضعت في أيديهم تلك المسؤوليات لم يتعاملوا معها باعتبارها أمانة وطنية أو تكليفاً مرحلياً، وإنما رأوا فيها فرصة للتمكين الشخصي، وتصفية الحسابات، وإعادة تشكيل النفوذ داخل المؤسسات.
وهكذا تحولت بعض المؤسسات العامة ـ للأسف ـ إلى مساحات مغلقة تُدار بالعلاقات الشخصية والمصالح الضيقة، لا بالقانون ولا بالكفاءة. وأصبح بعض المكلفين يتصرفون وكأن المؤسسات ملكيات خاصة، يمنحون الفرص لمن يشاؤون، ويحجبونها عمّن يشاؤون، ويعيدون تشكيل الهياكل الإدارية وفقاً لمعادلات الولاء لا معايير المهنية والخبرة. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة أثناء الحرب ليس فقط سقوط المدن أو تعطل الخدمات، بل سقوط العدالة الإدارية داخل مؤسساتها.
فالوظيفة العامة ليست غنيمة، وليست امتيازاً شخصياً، وليست سلطة مطلقة تُستخدم لإذلال الناس أو إقصائهم أو احتكار القرار. الوظيفة العامة في جوهرها مسؤولية أخلاقية ووطنية، خاصة في أوقات الأزمات حين تصبح المؤسسات آخر ما تبقى من تماسك الدولة. غير أن ما يحدث في بعض المواقع اليوم يثير أسئلة موجعة: إلى متى يستمر تغييب أصحاب الاختصاص الحقيقيين؟ وإلى متى تبقى المؤسسات تُدار بعقلية “التكليف المؤقت” الذي تحول إلى إقامة دائمة؟ وإلى متى يظل بعض صغار الموظفين يمارسون سلطات تتجاوز حدود مواقعهم لأن الظروف الاستثنائية فتحت أمامهم أبواب النفوذ بلا رقابة أو محاسبة؟
لقد أفرزت الحرب شكلاً خطيراً من “الإدارة المرتجلة”، حيث جرى تجاوز الهياكل المهنية، وإبعاد الخبرات المتراكمة، والاستعاضة عنها بأشخاص لا يملكون التأهيل الكافي، لكنهم يملكون القدرة على التكيف مع مراكز القوة الجديدة. ونتيجة لذلك، بدأت بعض المؤسسات تعاني اختلالاً إدارياً حاداً انعكس على جودة الخدمات، وعلى بيئة العمل، وعلى ثقة المواطنين في أجهزة الدولة نفسها.
وفي كثير من الأحيان، يجد الموظف الكفء نفسه مهمشاً لأنه يرفض الانخراط في شبكات المجاملة والانتهازية، بينما يتقدم آخرون فقط لأنهم يجيدون صناعة الولاءات الشخصية وتقديم الطاعة لمراكز النفوذ. وهنا تبدأ المؤسسة في فقدان روحها المهنية شيئاً فشيئاً، لتتحول إلى بيئة طاردة للعقول والكفاءات، وجاذبة للمتسلقين والانتهازيين.
إن استمرار هذا الوضع يمثل تهديداً حقيقياً لمستقبل الخدمة المدنية في السودان. فالدول لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بردود الأفعال، وإنما تُبنى بمؤسسات محترمة تقوم على القانون والكفاءة والمحاسبة والشفافية. وأي دولة تسمح بتحويل الوظائف العامة إلى أدوات للمصلحة الشخصية، إنما تفتح الباب لانهيار تدريجي قد يكون أخطر من آثار الحرب نفسها.
ولا بد من الاعتراف بأن بعض القيادات العليا تتحمل جزءاً من المسؤولية، لأنها تركت التكليفات المؤقتة مفتوحة بلا مراجعة أو تقييم أو ضوابط زمنية واضحة، حتى أصبحت بعض المواقع الإدارية محتكرة لسنوات تحت لافتة “الظروف الاستثنائية”. والحقيقة أن الظرف الاستثنائي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة دائمة لتعطيل اللوائح والقوانين وتجميد الاستحقاقات المهنية.
إن السودان اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار لفكرة المؤسسة، لا لفكرة الفرد المتحكم في المؤسسة. بحاجة إلى إعادة الاعتبار للكفاءة والخبرة والتدرج المهني، وإلى إنهاء حالة السيولة الإدارية التي جعلت كثيراً من المواقع تُدار بلا معايير واضحة أو رقابة حقيقية. كما أن المرحلة القادمة تتطلب مراجعة شاملة لكل التكليفات الإدارية التي تمت أثناء الحرب، ليس بروح الانتقام أو الإقصاء، وإنما بروح الإصلاح المؤسسي وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.
ومن الضروري كذلك أن تدرك الدولة أن حماية الخدمة المدنية لا تقل أهمية عن حماية الحدود، لأن انهيار المؤسسات الإدارية يعني عملياً انهيار الدولة نفسها. فالموظف النزيه والكفء يمثل خط دفاع وطنياً لا يقل أهمية عن أي جهد آخر، بينما يشكل الفساد الإداري والانتهازية في أوقات الحرب شكلاً آخر من أشكال استنزاف الوطن وإضعافه من الداخل.
لقد كشفت الحرب معادن الرجال، وكشفت أيضاً هشاشة بعض النفوس التي تعاملت مع معاناة الناس باعتبارها فرصة للتمدد الشخصي وتصفية الحسابات. لكن الشعوب لا تنسى، والتاريخ الإداري للأمم لا يرحم. وسيأتي يوم تُفتح فيه الملفات، وتُراجع فيه التجارب، ويُسأل الجميع: ماذا فعلتم حين كانت الدولة تنزف؟ هل حافظتم على المؤسسات أم حولتموها إلى مزارع خاصة؟
إن معركة السودان الحقيقية ليست فقط معركة السلاح، بل أيضاً معركة استعادة القيم المهنية والأخلاقية داخل مؤسسات الدولة. فحين تُدار المؤسسات بعدالة وكفاءة يمكن للوطن أن ينهض من تحت الركام، وأن يستعيد ثقته بنفسه وبمستقبله. أما إذا استمرت عقلية الاستحواذ واستغلال الظروف، فإن الحرب ـ حتى وإن توقفت عسكرياً ـ ستظل مستمرة داخل أجهزة الدولة بصورة أخرى أكثر هدوءاً… لكنها أشد خطراً على المستقبل.




