مقالات الرأي

الشريف محمد بن علي الحسني يكتب :القوة تصنع الحق؟ أم أن الحق هو الذي يمنح القوة معناها؟

 

الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

منذ أن عرف الإنسان الاجتماع البشري وهو يطرح سؤالًا قديمًا متجددًا: هل القوة هي التي تصنع الحق، أم أن الحق حقيقة مستقلة عن القوة؟ ويبدو للوهلة الأولى أن التاريخ يميل إلى الإجابة الأولى؛ فالجيوش تنتصر، والدول تتوسع، والملوك يفرضون إرادتهم، ثم يكتب المنتصر روايته للأحداث، فيتوهم بعض الناس أن القوة نفسها أصبحت دليلًا على صحة الموقف وعدالته.

غير أن التأمل العميق في حركة التاريخ يكشف لنا أن القوة تستطيع أن تفرض واقعًا، لكنها لا تستطيع أن تغيّر حقيقة الأشياء. فكم من إمبراطورية حكمت نصف العالم ثم أصبحت أثرًا بعد عين، وكم من فكرة طورد أصحابها وعُذبوا ثم بقيت هي وزال مضطهدوها. إن القوة قد تمنح صاحبها القدرة على السيطرة، لكنها لا تمنحه شهادة البراءة من الخطأ، ولا تمنحه صكًّا أبديًا بالعدالة.

ولعل أكبر خطأ وقع فيه البشر عبر العصور هو الخلط بين الغلبة والشرعية. فالغلبة تعني أن طرفًا استطاع أن يفرض إرادته، أما الشرعية فتعني أن هذه الإرادة قائمة على أساس من العدل والحق. وبين الأمرين مسافة واسعة. فاللص الذي يسيطر على بيت بالقوة لا يصبح مالكًا له، والجيش الذي يحتل أرضًا لا يصبح صاحب حق فيها لمجرد امتلاكه السلاح.

وقد سجّل القرآن الكريم هذا المعنى في عشرات المواضع. ففرعون كان يملك القوة والجيش والمال، حتى قال لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾، لكن امتلاكه للقوة لم يحول الباطل إلى حق، ولم يمنع سقوطه في النهاية. وكذلك عاد وثمود والنمرود وغيرهم ممن امتلكوا أسباب البطش والقهر ثم أصبحوا عبرة للأجيال.

ومن أعجب مفارقات التاريخ أن كثيرًا من المنتصرين عسكريًا خسروا معركة الذاكرة، بينما ربحها من هُزموا في الميدان. فالقوة تستطيع أن تكسب الحرب، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تكسب احترام الضمير الإنساني. ولهذا بقيت أسماء المصلحين والشهداء والأنبياء حية في وجدان البشر، بينما اندثرت أسماء كثير من الجبابرة الذين ملأوا الدنيا صخبًا في زمانهم.

إن المشكلة ليست في القوة نفسها؛ فالقوة نعمة عظيمة وضرورة من ضرورات العمران. فلا دولة بلا قوة، ولا مجتمع بلا سلطة، ولا عدالة بلا قدرة على تنفيذها. لكن الخطر يبدأ حين تتحول القوة من وسيلة لحماية الحق إلى معيار لتعريف الحق. عندها يصبح المنتصر محقًا لمجرد أنه انتصر، ويصبح المظلوم مخطئًا لمجرد أنه عجز عن الدفاع عن نفسه، وتسقط بذلك جميع القيم الأخلاقية التي قامت عليها الحضارات.

ولهذا لم يجعل الإسلام القوة مصدرًا للحق، بل جعل الحق هو الذي يوجّه القوة. فالعدل سابق على السلطان، والشرع سابق على السيف، والقيم أعلى من المصالح الآنية. ومن هنا كانت مسؤولية الحاكم والمحكوم والعالم والقاضي أن يخضعوا جميعًا لميزان الحق، لا أن يجعلوا الحق تابعًا لميزان القوة.

وإذا نظرنا إلى عالمنا المعاصر وجدنا أن كثيرًا من الأزمات الدولية تدور حول هذه الفكرة ذاتها. فالدول الكبرى تملك من أسباب القوة ما يمكّنها أحيانًا من فرض رؤيتها على الآخرين، لكن امتلاك القدرة لا يعني امتلاك المشروعية. ولهذا تستمر النزاعات، لأن البشر بطبيعتهم يدركون الفرق بين ما فُرض عليهم بالقوة وما اقتنعوا بعدالته وشرعيته.

والخلاصة أن القوة لا تصنع الحق، وإنما تكشف عن معدن صاحبها. فإذا كانت في يد عادل أصبحت حارسًا للحقوق، وإذا كانت في يد ظالم تحولت إلى أداة قهر. أما الحق نفسه فحقيقته لا تتغير بتغير موازين القوى، ولا تزداد صحة بانتصار أصحابه، ولا تبطل بهزيمتهم.

لقد تصنع القوة سلطانًا، وتصنع نفوذًا، وتصنع هيبةً مؤقتة، لكنها لا تصنع حقًا. أما الحق فإنه قد يتأخر، وقد يضعف أهله، وقد يمر بأزمنة عسيرة، لكنه يملك سرًا لا تملكه القوة المجردة: أنه يبقى بعد زوال أصحاب القوة، ويشهد التاريخ في النهاية لمن كان أقرب إلى العدل والإنصاف.

ولهذا فإن الحكمة الخالدة ليست أن نقول: «القوة تصنع الحق»، بل أن نقول: «القوة تحرس الحق، أما الحق فهو الذي يمنح القوة شرفها ومعناها.».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى