مقالات الرأي

دكة البدلاء التي تُسقط الحكام

بقلم لواء ركن م عاصم عبدالله الفاضل عيسى

بقلم لواء ركن م. عاصم عبد الله الفاضل عيسى

في كرة القدم، لا يفوز المدرب دائماً بأقدام أحد عشر لاعباً يبدؤون المباراة، وإنما كثيراً ما تُحسم البطولات بقدم لاعب احتياطي نزل في الدقيقة الأخيرة وصنع الفارق. لذلك يقول خبراء اللعبة إن عبقرية المدرب لا تظهر فقط في اختيار التشكيلة الأساسية، بل في قدرته على بناء “دكة بدلاء” قوية، تضم رجالاً قادرين على إنقاذ المباراة عندما تتعقد الأمور، فما بالك بمن يختار الفاشلين بشهادة الجميع.

السياسة لا تختلف كثيراً عن كرة القدم. فالحاكم، مهما امتلك من خبرة أو شجاعة أو رؤية، لا يستطيع إدارة الدولة بمفرده. وانتصاره في معارك الحكم، كما انتصار المدرب في الملعب، رهين بقدرته على اختيار المعاونين الذين يصنعون الفارق في لحظات الأزمات. أما إذا ملأ دكة بدلاء الحكم بالمطبلين والنفعيين وأصحاب الأغراض، فإنه يكون قد وضع أول حجر في طريق الفشل، وربما في طريق سقوط الدولة نفسها.

لقد أثبت التاريخ أن الحكام لا يسقطون عادة بسبب قوة خصومهم، بل بسبب ضعف من حولهم، أو بالأحرى بسبب سوء اختيارهم لمن حولهم. فالمتملقون يزينون الأخطاء، والانتهازيون يحجبون الحقائق، وأصحاب المصالح يحولون الدولة إلى أداة لخدمة مشاريعهم الخاصة، حتى يجد الحاكم نفسه معزولاً عن الواقع، يسمع التصفيق بينما الأرض تهتز تحت قدميه.

في الإمبراطورية الروسية، أحاط القيصر نيقولا الثاني نفسه بدائرة ضيقة من المصفقين وأصحاب النفوذ، حتى فقد الاتصال بشعبه وانتهى الأمر بسقوط عرشه وانهيار الإمبراطورية. وفي العراق، قادت هيمنة دائرة الولاء على حساب الكفاءة إلى قرارات كارثية انتهت بانهيار الدولة ومؤسساتها. وفي رومانيا، كان نيكولاي تشاوشيسكو يظن أن الجماهير تهتف باسمه، بينما كانت الثورة تطرق أبواب قصره.

إنها القاعدة نفسها التي تتكرر عبر التاريخ: عندما يطغى صوت المديح على صوت الحقيقة، يبدأ العد التنازلي لسقوط الحكم.

والسودان لم يكن بعيداً عن هذه التجارب. فقد عانت البلاد، على امتداد تاريخها السياسي، من تقديم الولاء على الكفاءة، ومن إقصاء أهل الخبرة لصالح أصحاب النفوذ والمصالح. وكانت النتيجة أزمات متلاحقة، وانقسامات، وحروباً، وانهياراً في مؤسسات الدولة.

واليوم يقف السودان في واحدة من أخطر مراحله التاريخية؛ حرب مدمرة، واقتصاد منهك، ونسيج اجتماعي أصابته جراح عميقة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح مسؤولية القيادة مضاعفة، ويصبح حسن اختيار المعاونين قضية مصيرية لا تقل أهمية عن إدارة المعركة نفسها.

ويقف السيد الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام اختبار تاريخي حقيقي. فنجاحه في قيادة البلاد خلال هذه المرحلة لن يتوقف فقط على القرارات العسكرية أو السياسية التي يتخذها، بل أيضاً على نوعية الرجال الذين يحيطون به. هل هم أصحاب كفاءة ورؤية وشجاعة في قول الحقيقة؟ أم أنهم مجرد مطبلين لا يجيدون سوى ترديد عبارات الثناء؟ هل هم رجال دولة يفكرون في مستقبل السودان، أم أصحاب مصالح يبحثون عن مواقع ونفوذ ومكاسب؟

إن الحاكم الذي يحيط نفسه بالمتملقين يشبه مدرباً يملأ مقاعد البدلاء بلاعبين لا يستطيعون تسجيل هدف أو تغيير نتيجة المباراة. وعندما تحين اللحظة الحاسمة، يكتشف أن فريقه يفتقر إلى من يصنع الفارق.

وفي السياسة، تكون الخسارة أكبر من مجرد مباراة؛ إنها قد تعني ضياع وطن، أو انهيار مؤسسات، أو إطالة أمد الحروب، أو تبديد فرص السلام.

الدول العظيمة لا تبنيها الجيوش وحدها ولا الشعارات وحدها، وإنما تبنيها أيضاً دوائر حكم صادقة، تضم رجالاً يمتلكون الجرأة على قول: “هذا القرار خاطئ”، و”هذا الطريق سيقود إلى الخطر”. فالنصيحة الصادقة قد تنقذ دولة، بينما قد يقود التصفيق الأعمى إلى سقوطها.

إن دروس التاريخ واضحة: لا يوجد حاكم هزمته المعارضة بقدر ما هزمته بطانة السوء. ولا يوجد قائد خسر معركته لأن أعداءه كانوا أقوياء، بقدر ما خسرها لأن من حوله كانوا ضعفاء أو انتهازيين أو منافقين.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يختلف عليها التاريخ والسياسة والرياضة معاً: انتصار القائد يبدأ من حسن اختيار فريقه، وسقوطه يبدأ يوم يعتقد أن (الطريفي الما زول نصيحة) أفضل من يصنع له الفارق.

لك الله يا وطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى